وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام) : هَلَكَ فِي رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَال ، وَمُبْغِضٌ قَال .                
وقال (عليه السلام): رُبَّ مَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ.                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ .                
وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                

Search form

إرسال الی صدیق
آخر خطبة للإمام علي عليه السلام

خطب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بالكوفة وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي ، وعليه مدرعة من صوف وحمائل سيفه ليف ، وفي رجليه نعلان من ليف ، وكأنّ جبينه ثفنة بعير . فقال (عليه السلام) :
« الحمد لله الذي إليه مصائر الخلق ، وعواقب الأمر . نحمده على عظيم إحسانه ونيّر برهانه ، ونوامي فضله وامتنانه ، حمداً يكون لحقّه قضاء ، ولشكره أداءً ، وإلى ثوابه مقرّباً ، ولحسن مزيده موجباً . ونستعين به استعانة راج لفضله ، مؤمّل لنفعه ، واثق بدفعه ، معترف له بالطول ، ومذعن له بالعمل والقول . ونؤمن به إيمان من رجاه موقناً ، وأناب إليه مؤمناً ، وخنع له مذعناً ، وأخلص له موحّداً ، وعظّمه ممجّداً ، ولاذ به راغباً مجتهداً .
لم يولد سبحانه فيكون في العزّ مشاركاً ، ولم يلد فيكون موروثاً هالكاً . ولم يتقدّمه وقت ولا زمان . ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان ، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم .
فمن شواهد خلقه خلق السموات موطّدات بلا عَمَد ، قائمات بلا سَنَد . دعاهنّ فأجبن طائعات مذعنات ، غير متلكّئات ولا مبطِئات . ولولا إقرارهنّ له بالربوبية وإذعانهنّ بالطواعية لما جعلهنّ موضعاً لعرشه ، ولا مسكناً لملائكته ، ولا مصعداً للكلم الطيّب والعمل الصالح من خلقه . جعل نجومها أعلاماً يستدلّ بها الحيران في مختلف فِجاج الأقطار . لم يمنع ضوء نورها ادلهمام سجف الليل المظلم . ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن تردّ ما شاع في السموات من تلألؤ نور القمر .
فسبحان من لا يخفى عليه سواد غَسَق داج ولا ليل ساج في بقاع الأرضين المتطأطئات ، ولا في يفاع [١] السُّفع المتجاورات . وما يتجلجل به الرعد في أُفق السماء ، وما تلاشت عنه بروق الغمام ، وما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء وانهطال السماء ، ويعلم مسقط القطرة ومقرّها ، ومسحب الذرة ومجرّها ، وما يكفي البعوضة من قوتها ، وما تحمل الأُنثى في بطنها .
الحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش ، أو سماء أو أرض أو جانّ أو إنس ، لا يدرك بوهم ، ولا يقدّر بفهم . ولا يشغله سائل ، ولا ينقصه نائل ، ولا ينظر بعين ، ولا يحدّ بأين . ولا يوصف بالأزواج ، ولا يخلق بعلاج . ولا يدرك بالحواس . ولا يقاس بالناس . الذي كلّم موسى تكليماً ، وأراه من آياته عظيماً . بلا جوارح ولا أدوات ، ولا نطق ولا لهوات .
بل إن كنت صادقاً أيّها المتكلّف لوصف ربّك فصف جبرائيل وميكائيل وجنود الملائكة المقرّبين في حجرات القدس مرجحنّين  [٢] ، متولّهة عقولهم أن يحدّوا أحسن الخالقين . فإنّما يدرك بالصفات ذوو الهيئات والأدوات ، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حدّه بالفناء ; فلا إله إلاّ هو ، أضاء بنوره كلّ ظلام ، وأظلم بظلمته كلّ نور .
أُوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ألبسكم الرياش وأسبغ عليكم المعاش . ولو أنّ أحداً يجد إلى البقاء سُلّماً ، أو إلى دفع الموت سبيلا ، لكان ذلك سليمان بن داود (عليه السلام)الذي سخّر له ملك الجنّ والإنس مع النبوّة وعظيم الزلفة ، فلمّا استوفى طعمته ، واستكمل مدّته ، رمته قِسِيّ الفناء بنبال الموت ، وأصبحت الديار منه خالية ، والمساكن معطّلة ، وورثها قوم آخرون ، وإنّ لكم في القرون السالفة لعبرة ! أين العمالقة وأبناء العمالقة ! أين الفراعنة وأبناء الفراعنة ! أين أصحاب مدائن الرسّ الذين قتلوا النبيّين ، وأطفؤوا سنن المرسلين ، وأحيوا سنن الجبّارين ! وأين الذين ساروا بالجيوش وهزموا بالأُلوف . وعسكروا العساكر ومدّنوا المدائن .
ومنها : قد لبس للحكمة جنّتها ، وأخذها بجميع أدبها من الإقبال عليها ، والمعرفة بها ، والتفرّغ لها ; فهي عند نفسه ضالّته التي يطلبها ، وحاجته التي يسأل عنها ; فهو مغترب إذا اغترب الإسلام ، وضرب بعسيب [٣] ذنبه ، وألصق الأرض بِجِرانه [٤] . بقية من بقايا حجّته ، خليفة من خلائف أنبيائه .
ثمّ قال (عليه السلام): أيّها الناس ! إنّي قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها أُممهم ، وأدّيت إليكم ما أدّت الأوصياء إلى من بعدهم ، وأدّبتكم بسوطي فلم تستقيموا . وحدوتكم بالزواجر فلم تستوسقوا [٥]. لله أنتم ! أتتوقّعون إماماً غيري يطأ بكم الطريق ، ويرشدكم السبيل ؟ ألا إنّه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا ، وأقبل منها ما كان مدبراً ، وأزمع [٦] الترحال عباد الله الأخيار ، وباعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى .
ما ضرّ إخواننا الذين سُفكت دماؤهم وهم بصفّين ألاّ يكونوا اليوم أحياء ؟ يسيغون الغصص ويشربون الرَّنق [٧] . قد ـ والله ـ لقوا الله فوفّاهم أُجورهم ، وأحلّهم دار الأمن بعد خوفهم .
أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحقّ ؟ أين عمّار ؟ وأين ابن التَّيِّهان ؟ وأين ذو الشهادتين ؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنيّة ، وأُبرد برؤوسهم إلى الفجرة .
قال : ثمّ ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة فأطال البكاء ، ثمّ قال (عليه السلام): أوِّه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه ، وتدبّروا الفرض فأقاموه ، أحيوا السنَّة وأماتوا البدعة . دُعوا للجهاد فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فاتّبعوه .
ثمّ نادى بأعلى صوته : الجهاد الجهاد عباد الله ! ألا وإنّي معسكر في يومي هذا ; فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج ! » .
قال : وعقد للحسين (عليه السلام)في عشرة آلاف ، ولقيس بن سعد في عشرة آلاف ، ولأبي أيّوب الأنصاري في عشرة آلاف ، ولغيرهم على أعداد أُخر وهو يريد الرجعة إلى صفّين ، فما دارت الجمعة حتّى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله ، فتراجعت العساكر ، فكنّا كأغنام فقدت راعيها تختطفها الذئاب من كلّ مكان [٨] .

-------------------------------------------------------------
[١] . اليفاع : المرتفع من كلّ شيء . والمراد بها الجبال .
[٢] . ارجحنّ الشيء : إذا مال من ثقله وتحرّك (النهاية ٢ / ١٩٨) .
[٣] . عسيب الذنب : منبته من الجلد : العظم (لسان العرب ١ / ٥٩٩) .
[٤] . الجِران : مقدّم عنق البعير من المذبح إلى المنحر ، والبعير أقلّ ما يكون نفعه عند بروكه ، وإلصاق جرانه بالأرض كناية عن الضعف .
[٥] . استوسق : استجمع وانضمّ . واستوسق عليه أمرهم : أي اجتمعوا على طاعته (النهاية ٥ / ١٨٥) .
[٦] . أزمع : عدا وخفّ (لسان العرب ٨ / ١٤٣) .
[٧] . الرنق : كدر (لسان العرب ١٠ / ١٢٧) .
[٨] . نهج البلاغة الخطبة ١٨٢ ، بحار الأنوار ٤ / ٣١٣ ح٤٠ .
****************************