وقال (عليه السلام) : مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا .                
وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَر.                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَيَنْفَدُ.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): إذَا كَانَ في رَجُل خَلَّةٌ رَائِعَةٌ فَانْتَظِرْ أَخَوَاتِهَا.                

Search form

إرسال الی صدیق
آفات الدين والتدين في نهج البلاغة – الثاني

ج) العلماء المتظاهرون بالعلم

وهؤلاء يشكّلون خطراً كبيراً على الدين وعلى المجتمع الإسلامي. وقد تحدّث الإمام عليّ‏(عليه السلام) عن المتظاهرين بالعلم، وأنّهم أشخاص يسمّون أنفسهم علماء أو يسمّيهم البعض علماء، لكنّهم لا نصيب لهم من العلم الحقيقي، إنّما هم خزّان الجهل والضلالة والعوج، أولئك اُمّة خطيرة على الدين والتديّن.

إنّ سلوكيات المتظاهرين بالعلم تزعزع المعتقدات الدينية للناس، وتفسد تديّنهم، وتهدم قيمهم الإنسانية.

قال الإمام عليّ(عليه السلام) في وصف هؤلاء قطّاع طرق الدين:

«وآخرُ قد تسمّى عالماً وليس به، فاقتبس جهائلَ من جُهّال وأضاليلَ من ضُلاّل، ونصب للناس أشراكاً من حبائل غرور وقول زور، قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحقّ على أهوائه، يؤمِّن الناس من العظائم ويهوِّن كبير الجرائم، يقول: أقِفُ عند الشبهات وفيها وقع، ويقول: أعتزل البدع وبينها اضطجع، فالصورة صورة إنسان، والقلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه، ولا باب العمى فيصدّ عنه، وذلك ميّت الأحياء»[١].

المتظاهرون بالعلم هم ناشرو ثقافة الخداع والكذب، ومهدّمو اُسس الأخلاق في المجتمع، يطرحون كتاب الله والدين والحقّ والحقيقة بما يحقّق مقاصدهم النفسية وميولهم الشيطانية، وكما قال الإمام علي(عليه السلام):

«نصب للناس أشراكاً من حبائل غرور وقول زور، قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحقّ على أهوائه».

ما يطابق إرادتهم وأهواءهم هو الحقّ، وما يعارض ميولهم ورغباتهم باطل، هؤلاء هم أئمّة أنفسهم، بل يظنّون أنّهم محور كلّ شيء، وكما عبر عنهم الإمام عليّ(عليه السلام):

«لا يقتصّون أثر نبيّ، ولا يقتدون بعمل وصيّ، ولا يؤمنون بغيب، ولا يَعفُون عن عيب، يعملون في الشبهات، ويسيرون في الشهوات، المعروف فيهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، وتعويلهم في المهمّات على آرائهم، كأنّ كلّ امرئٍ منهم إمامُ نفسه، قد أخذ منها فيما يرى بعرىً ثقاتٍ وأسبابٍ محكماتٍ»[٢].

أدعياء العلم يؤمّنون الناس ممّا يستتبع العذاب الأليم، ويهوّنون الذنوب العظام، ويسوِّغون أقبح القبائح، ويصغّرون أكبر الجرائم: كما قال الإمام(عليه السلام): «يؤمِّن الناس من العظائم ويهوِّن كبير الجرائم»[٣]، وهكذا فهو يهدم القيم الأخلاقية والإنسانية، ويضرب الحرمات الدينية والشرعية عرض الجدار؛ لأنّ مصالحه ومقاصده لا تتحقّق إلاّ عن هذا الطريق.

٢ ـ العنف المنسوب إلى الدين

الدين تجلّي رحمانية الله تعالى بحقّ خلقه، فهو غير منسجم في أساسه ومبانيه مع العنف، ولا يوصي بالعنف، وما نطالعه فيه من عقوبات وتطبيق للأحكام وإقامة للحدود إنّما هو تشدّد لحفظ القوانين، والحدود ليس عنفاً وممارسات قبيحة وعنتاً وهتكاً لحرمات الناس. وليس في تطبيق الحدود والقوانين من غاية سوى العطف والشفقة والرحمة على المجرم وعلى المجتمع الإنساني.

إنّ تطبيق الحدود والقوانين وبطريقة دقيقة وشديدة، ممارسة يُراد منها:

• صيانة الحرمات وحماية حقوق البشر.

• الحيلولة دون تعدّي المعتدين.

• صدّ الخونة والمجرمين عن الخيانة والجريمة.

وهذه اُمور عُقلائية ضرورية، بل هي أكثر الممارسات إنسانية لحفظ سلامة الفرد والمجتمع. وهذا ما يشير إليه الإمام عليّ(عليه السلام) في قوله: «فرض الله... إقامة الحدود إعظاماً للمحارم»[٤].

الإمام عليّ‏(عليه السلام) نفسه كان يعظّم الحدود والقوانين الدينية ويحترمها، إلى درجة لا يسمح معها لأيٍّ كان بأن يتجاوزها ويهملها حتّى بمقدار شعرة؛ لأنّ في ذلك انتهاكاً لحرمات الناس وحقوقهم، وإضراراً بسلامة الفرد والمجتمع. وقال في هذا الصدد:

«والله لئن أبيت على حسك السعدان مسهّداً، أو أجرّ في الأغلال مُصَفّداً، أحبّ إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشي‏ءٍ من الحطام، وكيف أظلمُ أحداً لنفسٍ يسرع إلى البلى قفولها، ويطول في الثرى حلولها...».

 إلى أن قال:

«والله لو اُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملةٍ أسلبها جلب شعيرة، ما فعلته»[٥].

هكذا يتكلّم أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)ـ وهو مظهر رحمانية الباري(عزّ وجلّ) ـ عن صيانة الحدود والقوانين بخصوص نفسه، ويبدي هذه الدرجة الرفيعة من الالتزام بالقوانين والحدود.

إنّ الإصرار على حفظ الحدود ورعاية القانون والالتزام به، والنظر إلى الجميع على أنّهم متساوون قباله، وتطبيق الحدود والقوانين بدقّة وشدّة، هو عين الرحمة والعطف على الجميع، وهذا لا يُسمّى عنفاً، فهل معاقبة المجرم والقاتل والمعتدي على حريم الآخرين وحقوقهم عنف؟ ما يكتنفه الدين من عقوبات هو تطبيق للقوانين الإلزامية التي تسنّ بكثير من الشروط والاعتبارات، فهي بمثابة الرحمة والشفقة والإخلاص الذي يدفع الطبيب الحاذق لإجراء عملية جراحية للمريض.

أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) أسمى ربيب في مدرسة الرسول الأعظم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كان يحبّ جميع الناس ويطلب السعادة لهم جميعاً، لكنّه في الوقت نفسه لا يتنازل قيد ذرّة في تطبيق القانون على المعتدين على حقوق الناس والخونة والمجرمين. فهو مثلاً قال في بداية عهده لمالك الأشتر:

«واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبّة لهم واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم؛ فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الّذي تحبّ وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه»[٦].

واضح كم يوصّي الإمام‏(عليه السلام) بالرحمة والمحبّة واللطف، ويحذّر من العنف والشدّة مع الناس، ويعتبر الأصالة للسماحة والعفو، ولكن حينما ينتهك أحد القوانين ويتعدّى الحدود والحقوق فقد كان الإمام يتعامل معه بقوّة وشدّة، ويؤكّد على تطبيق القوانين رحمةً بالآخرين، ولا يتردّد في معاقبة المعتدين على حرمات الناس وحقوقهم ومنتهكي حدود الله وأحكامه. فقد كتب مثلاً رسالة لزياد بن أبيه نائب عبد الله بن عبّاس على البصرة، قال فيها:

«وإنّي أقسم بالله قسماً صادقاً لئن بلغني أنّك خنت مِن في‏ء المسلّمين شيئاً صغيراً أو كبيراً، لأشدنّ عليك شدّةً تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، ضئيل الأمر. والسلام»[٧].

إذا مورس العنف باسم الدين وتحت لواء التديّن، تغيّر وجه الدين عن حقيقته، وهذا تضعيف للدين والتديّن، وإضرار حقيقي للإقبال على الدين، وإفساد للسلوك الديني. إنّ العنف والغلظة من قبل مسؤولي الدين يغلق أبواب الهداية المفتّحة، ويخيف الناس من كلّ شيء يرتبط باسم الدين، ويجعلهم يهربون من الدين والاُمور الدينية. قال الله في آية يخاطب بها رسول الرحمة الخاتم(صلّى الله عليه وآله وسلّم):

«فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ»[٨].

لا يمكن كسب القلوب بالشدّة والحدّة، ولا يمكن مدّ الجسور بينها وبين محبّة الله تعالى عن طريق العنف والإكراه، هذه حقيقة يذكّر بها الله تعالى بكلّ صراحة. الخُلق العظيم للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي اجتذب القلوب وألّف بينها واستقطب الأرواح الهاربة، ولولا ذلك لما بقيت للإسلام ولا للمسلّمين من باقية. كما عبّر عن ذلك الإمام عليّ(عليه السلام) بقوله:

«مَن خشنت، عريكته أقفرت حاشيته»[٩].

العنف والشدّة والغلظة والحدّة في نظر الإمام عليّ‏(عليه السلام) من أقبح الاُمور وأسوأ الخصال، وقد جاء في بيانٍ له(عليه السلام):

• «الخُرقُ شرّ خُلُقٍ»[١٠].

• «أقبح شي‏ءٍٍ الخُرق»[١١].

• «أسوأ شي‏ء الخُرق»[١٢].

• «لا خُلق أشين من الخُرق»[١٣].

إنّ العنف والغلظة في رأي الإمام عليّ(عليه السلام) قبيح ومفسد، إلى درجه أنّه إذا ارتبط بأيّ شي‏ء جعل ذلك الشي‏ء قبيحاً ومنفِّراً ومنبوذاً، وقد قال(عليه السلام):

«ما كان الرفق في شي‏ء إلاّ زانه، ما كان الخُرق في شي‏ء إلاّ شانه»[١٤].

وعليه، إذا فُرض العنف على الدين والتديّن فسيعيبهما، ويمسخ جمال الدين ولطفه وهدايته قبحاً وتشويهاً وضلالاً، وسيفضي بالتالي إلى نتائج وخيمة جدّاً.

 في حديث وتوصية نيّرة قالها الإمام الصادق‏(عليه السلام) لعمّار بن أبي الأحوص، يُفصل بين الإسلام العلويّ، وبين الإسلام الأمويّ:

«فلا تخرقوا بهم، أما علمت أنّ إمارة بني اُميّة كانت بالسيف والعسف والجور، وأنّ إمارتنا بالرفق والتآلف والوقار والتقيّة وحسن الخلطة والورع والاجتهاد؟ فرغِّبوا الناس في دينكم وفيما أنتم فيه»[١٥].

العنف باسم الدين ومن قبل المنسوبين إلى الدين، له تبعات هدّامة على المعتقدات الدينية وأخلاق الناس وسلوكهم ومعنوياتهم.

ذكر الإمام عليّ(عليه السلام) عهداً أعقب حياة الرسول الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) تميّز بمثل هذه السمات، فقد ظهرت فيه سلوكيات عنيفة في المجالات السياسية والحكومية من قبل رؤساء المجتمع والمنتسبين إلى الدين، فقد كان كلامهم غليظاً حادّاً فيه كثير من التهديد والإرهاب، وتعاملهم عنيفاً وشديداً، وهذا ما ترك تأثيرات سلبية عديدة على معتقدات الناس ومعنوياتهم وسلوكهم، حيث قال(عليه السلام):

«فصيّرها في حوزةٍ خشناء، يغلظ كَلمُها ويخشن مسّها ويكثر العثار فيها والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنَقَ لها خَرَمَ، وإن أسلس لها تقحّم، فمُني الناس ـ لعمر الله بخَبطٍ[١٦] وشِماسٍ[١٧] وتلوّن[١٨] واعتراض[١٩]»[٢٠].

يُلخّص الإمام تبعات السياسة العنيفة لتلك الحقبة بأربعة اُمور، هي: الخبط، الشماس، التلوّن، والاعتراض. وهذه تعابير تدلّ على أنّ الناس اُصيبوا بالانحراف والخروج عن الطريق المستقيم والتلوّن والرياء والبعد التامّ عن الحقّ.

ويدلّ كلام أمير البيان عليّ(عليه السلام) عن أنّ العنف يجرّ الناس إلى أنواع الانحرافات والتمرّد، ويحضّهم على الرياء والتلوّن والنفاق، وهي من أخطر الأمراض الروحية التي تصيب الإنسان، ويزيل السلامة عن سلوك الناس والاعتدال عن أفعالهم، ويدفعهم إلى الانحراف يميناً ويساراً، وانتهاج طرق الإفراط والتفريط.

الغلظة منفِّرة بطبيعتها، وإذا مورست ضدّ الناس باسم الدين فسينفر بعض الناس من الدين بعد أن تتشوّه صورته في أنظارهم.

قال الإمام عليّ(عليه السلام) في رسالة إلى زياد بن أبيه حينما ولاّه على فارس خلفاً لعبد الله بن عبّاس: «استعمل العدل واحذر العسف والحيف؛ فإنّ العسف يعود بالجلاء والحيف يدعو إلى السيف»[٢١].

ذكر الإمام هنا أنّ العنف والتعسّف يهرِّب الناس من ديارهم وبيوتهم، كما أنّ العسف والعنف باسم الدين يشرّد الناس من ديارهم وبيوتهم الحقيقية وأوطانهم الأصلية، أي الدين والتديّن. وما ترتّب على عنف الكنيسة في القرون الوسطى من تبعات وآثار نموذج بارز لهذه الحقيقة.

كتب الشهيد مرتضى المطهري(رحمه الله) عن هذه القضية في كتابه الدوافع نحو المادّية:

«كان للكنيسة مضافاً إلى معتقداتها الدينية الخاصّة، جملة من الاُصول العلمية المتعلّقة بالعلم والإنسان، تضرب بجذورها غالباً في الفلسفات اليونانية وغير اليونانية، وقد وجدت طريقها تدريجياً إلى أذهان كبار علماء الدين المسيحي، فاُلحقت باُصول العقيدة المسيحية، حتّى أضحت معارضة هذه العلوم الرسمية مخالفة وجريمة يجب التصدّي لها وللمنادين بها بكلّ شدّة. إنّنا هنا لا نروم مناقشة الحرّية الدينية وحقّ الإنسان في اختيار عقيدته الدينية بشكلٍ حرّ، وأنّ اُصول العقيدة الدينية يجب أن تُبحث وتُمحّص بنحوٍ حرّ، وإلاّ كان الإكراه على الضدّ من روح الدين الّذي يقصد هداية الناس وإسعادهم. أن تكون اُصول الدين تحقيقية وليست تقليدية أو إجبارية، فكرة ينحاز إليها الإسلام ويعاضدها، خلافاً للمسيحية التي اعتبرت اُصول الدين منطقة محظورة على العقل. وقد وقعت الكنيسة في خطئها الأكبر من ناحيتين اُخريين:

الاُولى: هي أنّ الكنيسة اعتبرت بعض المعتقدات العلمية البشرية الموروثة عن فلاسفة أسلاف وعلماء كلام مسيحيّين في عداد اُصول الدين المسيحي، ورأت أنّ معارضتها تعني الارتداد عن الدين.

والثانية: هي أنّها لم تكتف بظهور الارتداد على هذا الشخص أو ذاك، بحيث تُقصي كلّ من يثبت ويظهر ارتداده عن المجتمع المسيحي، إنّما راحت تفتّش وتنقّب بطريقة بوليسية عنيفة عن ما في ضمائر الناس وقراراتهم من عقائد. وأخذت تحاول بلطائف الحيل العثور على أبسط دليل أو علامة على معارضة الفرد أو الجماعة لعقيدة دينية، حتّى تبادر إلى إيذائه بكلّ عنف وشدّة.

لذلك لم يكن العلماء والباحثون ليتجرّؤوا على التفكير بما يعارض ما تعتبره الكنيسة علماً، أي إنّهم كانوا مرغمين على التفكير كما تفكّر الكنيسة. هذه الضغوط الشديدة على الأفكار التي شاعت منذ القرن الثاني عشر حتّى التاسع عشر في بلدان فرنسا وبريطانيا وألمانيا وهولندا والبرتغال وبولندا وأسبانيا، تركت

 بطبيعة الحال ردود أفعال جدّ سيّئة حيال الدين»[٢٢].

وبعد أن ذكر الشهيد المطهري جانباً من جرائم محاكم التفتيش وممارسات التعذيب والعنف والقتل التي انتهجتها هذه المحاكم باسم الدين، يكتب قائلاً:

«الدين الذي يجب أن يكون دليل الهداية ورسول المحبّة، بدأ في الغرب على الصورة التي رأيناها. كان تصوّر الجميع عن الدين هو العنف والقمع والاستبداد، ومن البديهي ألاّ يكون ردّ فعل الناس قبال هذا الاُسلوب سوى رفض الدين من الأساس ورفض الركيزة الرئيسية للدين، أي وجود الله.

رجال الدين ـ الذين يعدّون بالتالي ممثلي الدين ـ إذا ارتدوا جلود النمور وكشّروا عن أنياب الذئاب واستخدموا التكفير والتفسيق خصوصاً لأجل أغراضهم الخاصّة، فإنّ الدين سيتلقّى أعنف الضربات لصالح النزعة المادّية»[٢٣].

لا مراء أنّه متى ما استُخدم العنف باسم الدين وارتُكبت الجرائم لأجله، فإنّ خطر التملّص من الدين سيكون أكثر مداهمة وحدّة.

٣ ـ السلوك الاستبدادي من قبل المسؤولين الدينيّين

السلوك الاستبدادي يتناقض بكلّ تأكيد مع الدين والتديّن، وإذا ما انجرف المسؤولون الدينيون لأيّ سببٍ من الأسباب ومهما كانت التبريرات إلى السلوك الاستبدادي، فستكون النتيجة ضعضعةً لأركان الدين وإهداراً لماء وجهه، وتنفيراً للناس عنه. وللإمام عليّ(عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر أمر عظيم القدر والقيمة قال فيه:

«ولا تقولنّ إنّي مُؤمَّرٌ، آمُرُ فاُطاع؛ فإنّ ذلك إدغال في القلب، ومنهكة للدين، وتقرّب من الغير»[٢٤].

يعتبر الإمام عليّ‏(عليه السلام) استبداد الرؤساء باسم الدين تطرّقاً للفساد إلى القلوب، وتخريباً للدين، واقتراباً لتغيّر الأحوال والأوضاع، وخراب الدين في هذه الغمرة ليس بالشي‏ء الذي يمكن تعويضه بسهولة وتلافي تبعاته بيسر.

لذا يتوجّب على المنسوبين للدين والمتولّين لزمام الاُمور تحاشي الاستبداد والدكتاتورية بكلّ دقّة؛ لأنّ النتيجة لن تكون سوى الهلاك، وقد قال الإمام عليّ‏(عليه السلام) بكلّ صراحة: «من استبدّ برأيه هلك»[٢٥].

وبالطبع فإنّ الاستبداد من قبل المسؤولين لا يهلكهم لوحدهم، إنّما يوجّه ضربات مهلكة للدين والتديّن أيضاً، ذلك أنّ الاستبداد يجرّ الإنسان إلى التمرّد والتعدّي والحدّة والتشدّد، لهذا فإنّ تبعاته المخرّبة ليست لها حدود. يطلق الإمام عليّ‏(عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر هذا التحذير قائلاً:

«وإذا أحدثَ لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهةً أو مخيلةً، فانظر إلى عظم ملك الله فوقك، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإنّ ذلك يطامِنُ إليك من طِماحِك، ويكفّ عنك من غَربِك ويفيء إليك بما عزب عنك من عقلك»[٢٦].

المستبدّ من منظار الإمام عليّ‏(عليه السلام) يفتقر للعقل النيّر المميِّز، فتسلّطه على الناس وأرواحهم وأموالهم وأعراضهم يدفعه إلى الطغيان والحدّة والشدّة وانتهاك الحرمات والضراوة، وإذا تلبّس مثل هذا المستبدّ بقناع الدين ومارس استبداده باسم الدين، فمن الواضح كم سيساعد على تهرّب الناس من الدين ونفورهم من التديّن، وهذا أفظع ظلم للدين والتديّن.

يحذّر الإمام عليّ‏(عليه السلام) مالك الأشتر في عهده إليه من الاستبداد دوماً؛ لأنّه يدير الاُمور كحاكم إسلامي ومسؤول ديني، وكلّ سلوكياته وأفعاله ستُحسب على الدين. ومن جملة تحذيرات الإمام وتوصياته: «ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم»[٢٧].

إنّ الاستبداد والدكتاتورية نزعة ضارية ووحشية، ومثل هذه الممارسات إذا مورست باسم الدين وصدرت عن الشخصيات الدينية، سيهرب الناس من الدين، كما يهربون من الحيوان المفترس. انتهى .

------------------------------------------------
[١] . نهج البلاغة: الخطبة ٨٧.
[٢] . المصدر السابق: الخطبة ٨٨.
[٣] . المصدر السابق: الخطبة ٨٧.
[٤] . نهج البلاغة: الحكمة ٢٥٢.
[٥] . نهج البلاغة: الخطبة ٢٢٤.
[٦] . نهج البلاغة: الكتاب ٥٣.
[٧] . نهج البلاغة: الكتاب ٢٠.
[٨] . آل عمران: ١٥٩.
[٩] . موسوعة الإمام علي بن أبي طالب في الكتاب والسنّة والتاريخ: ج١٠، ص٢٢٧، ح٥٥٤٨.
[١٠] . عيون الحكم والمواعظ: ص٥١.
[١١] . المصدر السابق: ص١١٣.
[١٢] . مستدرك الوسائل: ج١٢، ص٧٣.
[١٣] . غرر الحكم: ح١٠٣٦٠.
[١٤] . عيون الحكم والمواعظ: ص٤٨١.
[١٥] . الخصال: ص٣٥٤، ح٣٥؛ وسائل الشيعة: ج١٦، ص١٦٥، ح٢١٢٤٨.
[١٦] . الخبط: هو السير على غير جادة ومحجّة.
[١٧] . الشماس: النفار.
[١٨] . التلوّن: هو التلفّت والتبدّل.
[١٩] . الاعتراض: فهو ها هنا أيضاً ضربان: التلوّن، والتغيّر وترك لزوم القصد والجادة
[٢٠] . نهج البلاغة: الخطبة ٣.
[٢١] . نهج البلاغة: الحكمة ٤٧٦.
[٢٢] . الدوافع نحو المادّية للشهيد مرتضى مطهري: ص٨٥ ـ ٨٦، ط٨، دار حكمت، سنة ١٩٧٨م.
[٢٣] . الدوافع نحو المادّية: ص٩٢.
[٢٤] . نهج البلاغة: الكتاب ٥٣.
[٢٥] . المصدر السابق: الحكمة ١٦١.
[٢٦] . نهج البلاغة: الكتاب ٥٣.
[٢٧] . المصدر السابق: الكتاب ٥٣.
****************************