وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِب فِيكَ نُقْصَانُ حَظّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِد فِيكَ ذُلُّ نَفْس.                

Search form

إرسال الی صدیق
أثر نهج البلاغة في أدب العرب

د.هادي عبد علي هويدي

 

نهج البلاغة كتاب تضمن ما اختاره الشريف الرضي (رحمه الله) (٣٥٩هـ - ٤٠٤هـ) [١] من كلام أمير المؤمنين (ع). وعليّ غني عن التعريف. قيل فيه : (أجتمع للإمام علي بن أبي طالب من صفات الكمال، وباذخ الشرف، مع الفطرة النقية، والنفس المرضية ما لم يتهيأ لغيره من أفذاذ الرجال... تحدّر من أكرم المناسب، وانتمى إلى أطيب الأعراق، فأبوه أبو طالب عظيم المشيخة من قريش، وجده عبد المطلب أمير مكة وسيد البطحاء، ثم هو قبل ذلك كم هامات من بني هاشم وأعيانهم، وبنو هاشم كانوا كما وصفهم الجاحظ (ملح الأرض، وزينة الدنيا، وحّلْي العالم، والسنام الأضخم، والكاهل الأعظم، ولباب كل جوهر كريم، وسر كل عنصر شريف، والطينة البيضاء، والمغرس المبارك، والنصاب الوثيق، ومعدن الفهم، وينبوع العلم...).
أخلاقه وسيرته وشجاعته لا تتأتى لأحد سواه باستثناء الرسول الكريم (ص) ، ذلك ما جعل الناس يطلقون فيه أفضل الكلام، من ذلك ما قاله الحسن البصري [٢]: ( ... كان سمهماً صائباً من مرامي الله على عدوه، وربَاني هذه الأمة وذا فضلها وسابقتها، وذا قرابتها من رسول الله، ولا بالملومة في دين الله، ولا بالسرقة لمال الله، أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة، وأعلام مشرقة...).
أما بلاغته وفصاحته فلسنا بقادرين أن نقول فيه أكثر مما قاله معاوية [٣]: (والله ما سن الفصاحة لقريش غيره). فالذي يحفظ كلام علي (ع) فإنه يحتفظ بأثمن الكلام وأبلغه وأفصحه لهذا وجدنا الناس تحفظه وترويه منذ القدم. قال المسعودي (ت ٣٤٦هـ): (والذي حفظه الناس عنه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة وتداول الناس ذلك قولاً وعملاً) [٤].
وذكر الحصري ما قاله الجاحظ في الإمام علي (ع) في قوله: (قيمة كل أمريء ما يحسنه) [٥]: (ذكر أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ هذه الكلمة في كتاب البيان فقال: فإذا لم نقف من هذا الباب إلا على هذه الكلمة لوجدناها شافية كافية ومجزية مغنية، بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية غير مقصرة عن الغاية، وأفضل الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه ظاهراً في لفظه وكأن الله ألبسه من ثياب الجلالة وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه وتقوى قائله...).
ولهذا صارت كلماته (ع) أمثلة ومعاني للشعراء والكتاب على مر الزمن يستلهمونها ويضمنونها أدبهم وشعرهم.
روى ابن أبي الحديد قول الإمام [٦]: (ومن وثق بماءِ لم يَظْمَأْ) قال وهذا كقول المتنبي [٧] :

وما صبابة مشتاق على أملٍ ***** من اللقاء كمشتاقٍ بلا أمل

وكأن الأجدر أن يقول: أخذ المتنبي هذا المعنى من علي (ع)، وللسبب نفسه صار كلام الإمام موضع اهتمام الناس والعلماء والأدباء جميعاً وصار مدرسة للأدباء والمتأدبين، فقد روي عن عبد الحميد الكاتب قوله [٨] : (حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثم فاضت). [٩]
ويقول ابن نباته: (حفظت من الخطابة كنزاً لا يزيده الإنفاق إلا سعة وكثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب). [١٠]
وسار كلام الإمام في الناس فمن المحفوظ في الصدور التي وجدت فيها خطب الإمام عند قيام الشريف الرضي بجمعها، فضلاً عن المحفوظ بلغت مائة وأثني عشر كتاباً ينتمي زمن تأليفها إلى ما قبل عصر الشريف الرضي مع الإشارة إلى ما ذكره الشريف من هذه المصادر وهي خمسة عشرة مصدراً ورواية، وقد أثبت الباحث نفسه أن وفيات معظم مؤلفي هذه المصادر سابقة لعصر الشريف ويمكن أن نقرر سبقهم له من خلال ذكر أحد أساتذته، وقد عاش بعد وفاة الشريف وهو الشيخ المفيد (رحمه الله) قال: (والمفيد توفي بعد الشريف الرضي ولكننا جعلنا جملة من كتبه من مصادر نهج البلاغة لأمرين:
١- إن المفيد من أساتذة الرضي فقد جرت العادة أن يأخذ التلاميذ من مشايخهم ولا يأخذ المشايخ من تلامذتهم.  [١١]
٢- إن المفيد لم ينقل في كتبه من (نهج البلاغة) ولا رواية واحدة، بل لم يشر إليه ولا مرة واحدة في كل هذه الكتب التي نقلنا منها وهي أكثرها ألف قبل صدور النهج). [١٢]
كل هذه الأدلة تنفي الشبهات التي تدور حول هذا العمل وتجعل منه مصدراً مهماً من مصادر نقل أدب العرب إلى جانب القرآن الكريم والسنة النبوية اللذين يعدان مناراً للأدباء في المعاني والأفكار فضلاً عن اللغة الأدبية المشرقة. [١٣]

------------------------------------------------

[١] . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١/٣١، ١/٤٠.

[٢] . شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد١/٥.

[٣] . شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبده١/٢، وينظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (مقدمة المحقق١/٤-٤)./٢١٧

[٤] . نفسه وينظر: مصادر نهج البلاغة للسيد عبد الزهراء الحسيني ١/٤٣ وقد ذكرها: (قال معاوية بن أبي سفيان: ما رأيت أحداً يخطب ليس محمداً أحسن من علي، والله ما سن الفصاحة لقريش غيره).

[٥] . مروج الذهب للمسعودي٢/٤٣١.

[٦] . زهر الآداب وثمر الألباب لأبي إسحاق الحصري القيرواني ت. د. زكي مبارك١/٨٠، وينظر: البيان والتبيين ت. عبد السلام هارون ١/٨٣.

[٧] . شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد ١/٢١١.

[٨] . ديوان المتنبي ٣/١٩٩.

[٩] . نهج البلاغة.

[١٠] . نفسه: ص١٣.

[١١] . ينظر مصادر نهج البلاغة، عبد الزهراء الحسيني ١/٢٩-٤١، وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ محمد حسن آل ياسين ذكرها مائة وواحد وأشار إلى اعتماد المصدر نفسه ولعله وجده في طبعة أخرى من الكتاب، أنظر: نهج البلاغة... لمن، ص١٢.

[١٢] . مصادر نهج البلاغة، ١/٤١-٤٢.

[١٣] . نفسه١/٣٠، ووفاة الشيخ المفيد سنة ٤١٣هـ... لمن؟ للشيخ محمد حسن آل ياسين ص١٣.

****************************