وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                
وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَر.                
وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                
وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                
وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                

Search form

إرسال الی صدیق
أثر نهج البلاغة في مصادر الفكر السياسي الإسلامي – الأول

مصادر الفكر السياسي كثيرة ولا يمكن أن تحصى عدداً، وأول مصدر للفكر السياسي الإسلامي هوالقرآن الكريم، ومن بعده كتب الصحاح، ثم كتب العقائد والفقه والتفسير، حيث نجد فيها مباحث الامامة، الحقوق، الحدود، البغاة وأهل الذمة، القضاء، الخراج إلى آخره من الموضوعات السياسية، ويأتي بعد هذه المصادر في الأهمية، كتب التأريخ والتراجم وكتب الأدب والبلاغة التي تتضمن وصفاً لأحداث سياسية مرت في التاريخ الإسلامي.

وبعد هذه المصادر الرئيسية، تأتي مصادر أخرى كتبها علماء مجتهدون استندوا في دراساتهم على الأصول الأولى من القرآن والسنة. وحاولوا من خلال بحثهم أن يستنبطوا أفكاراً سياسية تحقق لهم أغراضهم التي وضعوا كتبهم من أجلها. فبعضهم حاول أن يستنبط نظرية سياسية من المصادر الأولى والبعض حاول أن يُقدم دراسة شافية للسلطان كي يتمكن من إدارة دفة الأمور. والبعض حاول أن يقدم من خلال دراسته رؤية عن المشاكل السياسية التي تعاني منها الأمة، وطرق معالجتها، والبعض الآخر جاء على ذكر المواضيع السياسية عرضاً. ولاريب إن أكثر مَن كتبوا في هذه الموضوعات تأثروا بخطب الإمام علي(عليه السلام)، وقسم كبير منهم جاؤوا على ذكر هذه الخطب في مواطن الاستشهاد، والذي يهمنا هوأن نتناول هذه المصادر لاعتبارين، الأول، إن أغلب أصحاب هذه التأليفات هم من المجتهدين القادرين على الاستنباط، وفي موارد الاستنباط كلمات وخطب الإمام أمير المؤمنين. والإعتبار الثاني؛ إن هذه الكتب هي المصادر الرئيسية التي بين أيدي الدارسين والباحثين في الفكر السياسي الإسلامي، والتي لا يمكن لأي كاتب أوباحث في الفكر السياسي الاستغناء عنها.

وسنتناول اثر نهج البلاغة على هؤلاء المؤلفين بحسب التسلسل التأريخي.

عبد الله بن المقفع: متوفى سنة ١٤٢هـ:

من أئمة الكتّاب، وأول من عني في الإسلام بترجمة كُتب المنطق. ترجم له، ابن النديم في الفهرست، ذاكراً اسمه بالفارسية روزبه، ويكنى قبل إسلامه أبا عمرو، فلما اسلم اكتنى بأبي محمد، وكان يكتب لعيسى بن علي الوالي على كرمان، ويذكر من كتبه الأدب الصغير والأدب الكبير.

عند التفحص في كتابه الشهير ((الأدب الصغير والأدب الكبير ورسالة الصحابة)) نلاحظ تأثره البالغ بالإمام علي بن ابي طالب(عليه السلام)، حتى إنه اعتاد على نقل نصوص من خطب الإمام دون أن يذكر اسم الإمام، وما ذلك إلا تخفيفاً من السلطات العباسية التي كان يعمل موظفاً لديها. وقد أشار إلى ذلك دون أن يُدلي بما هوأكثر فذكر في الأدب الصغير.

وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام (الناس) المحفوظ حروفاً[١].

فمن هم هؤلاء الناس يا ترى؟ يذكر صاحب مقدمة الكتاب وهويوسف أبوحلقة:

فيرى (أي ابن المقفع) أن البناء الأول في النثر العربي الأدبي الفني كان عند أمير المؤمنين الإمام علي في نهج البلاغة[٢].

كما ويشير إلى ذلك، محمد كرد علي في ترجمته لحياة ابن المقفع: وقيل أنه تخرج في البلاغة بخطب علي بن أبي طالب[٣].

فهل كان الإمام علي(عليه السلام) هومثله الأعلى في الحكم والسياسة كما هوفي الأدب؟ الأدب الصغير والأدب الكبير ورسالة الصحابة ((الدرة اليتيمة))[٤]:

يحاول ابن المقفع ومن خلال كتاباته أن يرسم نظرية سياسية. فالاتجاه السياسي هوالغالب على كتاباته، وحتى القسم الذي ترجمه من الفارسية الغالب عليه الجانب السياسي. ومن كتبه الشهيرة الأدب الصغير والأدب الكبير ورسالة الصحابة التي طبعت في كتاب واحد، وتضمنت مجموعة نثرية جاءت في صياغتها على نسق رسائل الإمام علي(عليه السلام) الخاصة في ولاته، ووصاياه إلى أبنائه. وبالرغم من أنه لم يذكر اسم الإمام في كتابه مطلقاً، إلا أنه أخذ من الإمام الكثير من أقواله وخطبه.

وهذه نماذج عما نقله في ((الأدب الصغير والأدب الكبير)).

يقول في ص ٤٩: ومن نصب نفسه للناس إماماً في الدين فعليه بتعليم نفسه وتقديمها في السيرة والطعمة.

وهي مأخوذة من كلمة الإمام علي(عليه السلام): من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه[٥].

ويقول ابن المقفع في ص٥٢: ثم على الملوك بعد ذلك تعهد عمالهم وتفقد أمورهم حتى لا يخفى عليهم إحسان محسن ولا إساءة مسيء… وهذا أيضاً مأخوذ من الإمام علي(عليه السلام)، من رسالته إلى مالك الأشتر: ولا يكن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة[٦].

ويقول في ص ٥٣: والدنيا دول، فما كان منها لك أتاك على ضعف، وماكان عليك لم تدفعه بقوتك. وهي عبارات نقلها ابن المقفع من أمير المؤمنين(عليه السلام):وإن الدنيا دار دول، فما كان منها لك أتاك على ضعفك، وماكان منها عليك لم تدفعه بقوتك[٧].

وجاء في الصفحة ٦٢: العجب آفة العقل، واللجاجة معقود الهوى؛ وهوقريب لكلام أمير المؤمنين(عليه السلام):عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله[٨].

ويذكر في الصفحة ٨٤: الظفر بالحزم والحزم بإجالة الرأي، والرأي بتكرار النظر وبتحصين الأسرار. وهوكلام منقول نصاً للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام):الظفر بالحزم، والحزم بإجالة الرأي، والرأي بتحصين الاسرار[٩].

ويقول ابن المقفع في الصفحة ٨٩؛ سمعتُ العلماء قالوا: لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق، ولا غنى كالرضى.وهوأيضاً مستمد من كلام أمير المؤمنين(عليه السلام):

لا مال أعود من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب ولا عقل كالتدبير، ولا كرم كالتقوى، ولا قرين كحسن الخُلق. ولا ميراث كالأدب، ولا قائد كالتوفيق، ولا تجارة كالعمل الصالح.. إلى آخر الخطبة[١٠].

ويورد على الصفحة ٤٦ من الأدب الصغير؛ وعلى العاقل _ ما لم يكن مغلوباً على نفسه_ أن لا يشغله شغل عن أربع ساعات: ساعة يرفع فيها حاجته إلى ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يُفضي فيها إلى إخوانه وثقاته الذين يصدقونه عن عيوبه، وينصحونه في أمره، وساعة يُخلي فيها بين نفسه وبين لذَّاتها مما يحل ويحمل. وقد استوحى هذه الجمل من كلام أميرالمؤمنين(عليه السلام)؛ للمؤمن ثلاث ساعات، ساعة يُناجي فيها ربه، وساعة يُرمّ معاشه، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها[١١].

وجاء في نهاية الأدب الكبير أو((الدرة اليتيمة)):إني مخبرك عن صاحب، كان أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما أعظمه عندي، صغر الدنيا في عينه، كان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد ولا يُكثر إذا وجد، وكان خارجاً من سلطان فرجه فلا يدعوإليه مروءته، ولا يستحق رأياً ولا بدناً وكان خارجاً من سلطان الجهالة فلا يقدم إلا على ثقة أومنفعة، وكان أكثر دهره صامتاً فإذا قال بذّ القائلين، كان يُرى متضعفاً مستضعفاً فإذا جاء الجد فهوالليث عادياً. وكان لا يدخل في دعوى ولا يُشرك في رأي ولا يدلي بحجة حتى يجد قاضياً عدلاً وشهوداً عدولاً، وكان لا يلوم أحداً على ما قد يكون العذر في مثله حتى يعلم ما اعتذاره. وكان لا يشكووجعاً إلا من يرجوعنده البرء، ولا يصحب إلا مَن يرجوعنده النصيحة. وكان لا يتبرم ولا يتسخط ولا يتشهى ولا يتشكى فهولا ينتقم من الولي _ ولا يغفل عند العدو، ولا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه وحيلته وقوته[١٢].

وهذا الكلام مستوحى أيضاً بكامله من خطبة للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) مطلعاً:كان لي فيما مضى أخ في الله، وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه.. إلى آخر الخطبة[١٣].

نكتفي بهذا القدر من هذه الاقتباسات التي قام بها ابن المقفع من خطب وكلمات الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام)، وقد لاحظنا كيف أنه ينقل كلاماً للإمام مع بعض التغيير الطفيف وفي بعض المرات دون أدنى تغيير، وقد دفع هذا النهج ببعض الكتّاب إلى تصورات خاطئة بعيدة عن الواقع. فقد تصور الأستاذ محمد كرد علي إن الشريف الرضي أخذ كلامين لابن المقفع هما (وعلى العاقل.. الخ) و(إني مخبرك عن صاحب .. الخ) إن نسبهما للإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام):نورد تعليقه على كلام ابن المقفع (إني مخبرك.. الخ).

وقد أورد الرضي في نهج البلاغة هذا الوصف ونسبه إلى أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب بتحريف وزيادة[١٤].

ثم يستنتج بعد ذلك قائلاً:ونرجح أن عزوهذا الكلام إلى علي بن أي طالب أوإلى الحسن بن علي، هومن فعل من أضافوا على كلام أمير المؤمنين ما ليس منه سامحهم الله[١٥].

ثم يشير إلى نفس الملاحظة عند تعليقه على الكلمة الثانية لابن المقفع (وعلى العاقل… الخ) فيقول: ومن ذلك ما نسبه لعلي وهولابن المقفع ((للمؤمن ثلاث ساعات يناجي بها ربه… الخ))[١٦].

ولمناقشة الأستاذ محمد كرد علي نورد هذه الملاحظات:

١ـ خلط الأستاذ محمد كرد علي بين ما هومذكور في نهج البلاغة وما هومذكور في الأدب الصغير، فـ ((للمؤمن ثلاث ساعات يناجي بها ربه..)) هوكلام اميرالمؤمنين في نهج البلاغة، أما كلام ابن المقفع فهو((وعلى العاقل.. الخ)).

٢ـ هناك فرق ملموس بين ما أورده الشريف الرضي وبين ما جاء في الأدب الصغير، والأدب الكبير، فقد بدأ ابن المقفع بعبارة ((إني مخبرك عن صاحب كان أعظم .. الخ)) و((على العاقل..)) وهما في نهج البلاغة بشكل آخر هو((كان لي فيما مضى أخ في الله…)) و((للمؤمن ثلاث ساعات..)) كما مرسلفاً.

٣ـ هناك نصوص كثيرة ذكرنا قسماً منها أوردها ابن المقفع وهي من كلمات أميرالمؤمنين(عليه السلام) ولم يُغير فيها ابن المقفع أي تغيير، فماذا يقول محمد كرد علي في هذه النصوص هل نقلها الشريف الرضي عن ابن المقفع أيضاً.

٤ـ ذكر ابن المقفع في بداية الأدب الصغير، أنه وضع هذا الكتاب من كلام الناس، ولم يذكر اسم الذين نقل عنهم، وطبعاً على رأسهم كما عرفنا الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام).

٥ـ أقرّ الأستاذ محمد كرد علي بهذه الحقيقة أيضاً عندما ذكر في كتابه أمراء البيان، وقيل إنه تخرج في البلاغة بخطب علي بن أبي طالب.. ثم يقر ذلك في النتيجة النهائية التي ينتهي إليها: وما نخال ذلك كافياً في بلوغ الغرض لقلة المأثور من تلك الخطب يومئذ.

فالأستاذ محمد كرد علي يقلل من تأثير خطب الإمام علي(عليه السلام) في ابن المقفع بحجة إنها غير كافية أومتوفرة بشكل كاف حتى يتخرج عليها أديب كبير كابن المقفع.

ولوكان الأستاذ كرد علي قد اطلع على رأي المسعودي في مروج الذهب حيث أشار إلى حفظ الناس لخطب الإمام[١٧] وقد بلغ عدد الخطب التي حفظها الناس أكثر من أربعمائة وثمانين خطبة. وهذا يكفي للدلالة على صحة نظرية القائلين بأن ابن المقفع تخرج على خطب الإمام(عليه السلام).

٦ـ عندما ندقق في كلام أمير المؤمنين (ليس للعاقل .. الخ) نجد أنه ورد في كتاب المحاسن بسنده عن الأصبغ بن نباتة المتوفى سنة ١٠٠ للهجرة[١٨] أي قبل أن يولد ابن المقفع بست سنين، وهذا ما يؤكد لنا أن النص هوللإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وليس لابن المقفع أي دور سوى نقل هذا النص كما هوعادته في نقل نصوص أخرى للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).

أبوعثمان عمروبن بحر الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ للهجرة:

كبير أئمَّة الأدب، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة[١٩]. مولده ووفاته في البصرة، فلج في آخر عمره، وكان مشوّه الخلقة ومات والكتاب على صدره، قتلته مجلدات من الكتب وقعت عليه. له تصانيف في كل فن، له مقالة في أصول الدين، ومن أحسن تصانيفه وأمتعها الحيوان، وكذلك البيان والتبيان[٢٠].

وبحكم اهتمام الجاحظ بالأدب والبلاغة فقد تأثر بخطب وكلمات الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، حتى أنه ألف مجموعة اختار فيها مائة كلمة لأمير المؤمنين، اختار الشريف الرضي جملة منها وأثبتها في النهج[٢١]. روى ذلك الخطيب الخوارزمي بسنده عن أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد، قال: قال أبوالفضل أحمد بن أبي طاهر صاحب أبي عثمان الجاحظ: كان الجاحظ يقول لنا زماناً: إن لأمير المؤمنين(عليه السلام) مائة كلمة، كل كلمة منها تعني بألف كلمة من محاسن كلام العرب، قال: وكنت أسأله دهراً بعيداً أن يجمعها لي، ويمليها علي، وكان يعدني بها، ويتغافل عنها،ظناً بها، قال: فلما كان آخر عمره أخرج جملة مسودات مصنفاته فجمع منها تلك الكلمات وأخرجها إلي بخطه، فكانت الكلمات المائة هذه[٢٢] وقد أورد الجاحظ كلمات الإمام أمير المؤمنين في جميع كتبه، البيان والتبيين، الحيوان، والمحاسن والأضداد، التاج.

١ـ المحاسن والأضداد[٢٣]: وهويشتمل على موضوعات متنوعة تصب في هدف المؤلف من تأليفه، وهوأبراز الفضائل والرذائل في كل صنف من صنوف الصناعات، وفي كل طبقة من طبقات المجتمع.

يقول الجاحظ عن كتابه في المقدمة:وجملة الكتاب وإن كثر ورقه فليس مما يحل، لأنه وإن كان كتاباً واحداً، فأنه كتب كثيره في خطابه والعلم بالشريعة والأحكام والمعرفة بالسياسة والتدبير[٢٤].

ويتضمن الكتاب جملة موضوعات أخلاقية منها ما يتعلق بحكام البلاد مثل محاسن المشورة وضده، محاسن الولايات وضده ، محاسن الشجاعة وضده، محاسن حب الوطن وضده، محاسن الدهاء والحيل وضده.. إلى آخره.

ولا يُخفي الجاحظ تأثره بخطب الإمام امير المؤمنين(عليه السلام) سواءاً ذكر اسمه في طيات في كتبه أولم يذكره.

وفي فصل محاسن المودة ينقل هذه الوصية للإمام أمير المؤمنين[٢٥]. إلى ولده الحسين(عليه السلام): إبذل لصديقك كل المودة ولا تطمئنَّ إليه كل الطمأنينة، وأعطه كل المواساة ولا تفشي اليه كل الأسرار[٢٦].

ثم يذكر موقف الإمام علي(عليه السلام) من معاوية عندما اتصل به مسير معاوية فقال: لا أرشد إليه قائدة، ولا أسعد رائده، ولا أصاب غيثاً، ولا سارإلا ريثاً، ولا رافق إلا ليثاً، أبعده الله وأسحقه وأوقد على أثره وأحرقه، لاحطَّ الله رحله، ولا كشف محله، ولا بشر به أهله، ولا زكي له مطلب، ولا رحب له مذهب، ولا يسر له مراحاً، ولا فرّج الله له غمه، ولا سرى همه، لا سقاه الله ماء، ولا حل عقده، ولا اروى زنده، وجعله الله سفر الفراق وعصى الشقاق[٢٧].

وحول محاسن الدنيا نقل هذا الكلام لأمير المؤمنين(عليه السلام).

الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها إلى آخر الخطبة[٢٨].

ثم يذكر الجاحظ، عندما دخل علي صلوات الله عليه المدائن, فنظر إلى إيوان كسرى أنشد بعض أصحابه شعراً (وذكر الشعر) .. فقال علي صلوات الله عليه: أبلغ من ذلك (يعني الشعر) قول الله تعالى: ) كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوماً آخرين، فما بكت عليهم السماء والارض وماكانوا منظرين[٢٩].

٢ـ كتاب الحيوان:[٣٠] وهويتناول الحيوانات وما يرتبط بها من أدب، وأخبار، وروايات، ويحاول الجاحظ أن يستنبط من حياة الحيوان العبر التي تنفع الإنسان في مجالات حياته المختلفة.وذكر الجاحظ في هذا الكتاب الكثير من كلمات الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) لا مجال لذكرها جميعاً لتنوع أبوابه، لكننا نأخذ بعض ما يهمنا في الفكر السياسي. فحول إمارات النباهة، يذكر ما يلي:

وكان يُقال يُستدل على نباهة الرجل في الماضين بتباين الناس فيه، وقال: ألا ترى أن علياً رضي الله عنه، قال: يهلك فيّ فئتان، محب مفرط، ومبغض مفرط. وهذه صفة أنبه الناس وأبعدهم غاية في مراتب التدين وشرف الدنيا[٣١].

ومن مشتقات البيضة، يذكر هذه الكلمة للإمام علي(عليه السلام): أنا بيضة البلد[٣٢]. وحول استعارات اليعسوب، وهوفحل النحل يستشهد بكلام الإمام قائلاً:وكما قال علي بن أي طالب رضي الله عنه، في صلاح الزمان وفساده، ((ماذا كان ضرب يعسوب الدين بذنبه))[٣٣].

وللجاحظ بالإضافة إلى هذين الكتابين، كتاب التاج في أخلاق الملوك، وهوكتاب أخلاقي سياسي كتبه على نسق وصايا أمير المؤمنين(عليه السلام) لولده الحسن، وقد جمع فيه جملة أفكار استعارها من كلمات وحكم الأولين ومنهم أمير المؤمنين(عليه السلام)[٣٤].

أبوجعفر البرقي المتوفى سنة ٢٧٤ أوسنة ٢٨٠:

هوأبوجعفر أحمد بن محمد البرقي، ذكره الطوسي قائلاً:أصله كوفي، وكان جده محمد بن علي حبسه يوسف بن عمر، والي العراق بعد قتل زيد ابن علي بن الحسين(عليه السلام)، ثم قتله، وكان خالد صغير السن فهرب مع أبيه عبد الرحمن إلى برقة قم فأقاموا بها، وكان ثقة في نفسه، غير أنه أكثر الرواية عن الضعفاء واعتمد المراسيل، وصنف كتباً كثيرة منها المحاسن وغيرها[٣٥].

وذكر ابن النديم، باسم آخر هوأبوعبد الله محمد بن خالد البرقي، وذكر أنه من أصحاب الرضا، وذكر كتبه: كتاب العويص، كتاب التبصرة، كتاب المحاسن، كتاب الرجال، وفيه ذكر من روى عن أمير المؤمنين(عليه السلام)[٣٦].

كتاب المحاسن[٣٧]. الكتاب كما قيّمه المصحح السيد محمد صادق بحر العلوم في المقدمة:إن كتابه هذا كان مرجعاً لعلماء التأريخ، والجغرافية والتراجم، كما كان مرجعاً لعلماء الحديث.

والكتاب يتضمن موضوعات سياسية، مثل الغمامة، والولاية، والعدل، ويضم كتاب مصابيح الظلم على موضوعات من قبيل البدع، إظهار الحق، ويضم كتاب الصفوة والنور والرحمة على موضوعات من قبيل البدع، إظهار الحق، ويضم كتاب الصفوة والنور والرحمة على موضوعات الولاية، والمؤمن وصفاته الأساسية وهي المعرفة والحب اللتان لهما طابعاً سياسياً. وفي كتاب عقاب الأعمال يُبين بعض الموضوعات المتعلقة بموقف الإنسان مثل عقاب من شك في علي، عقاب مَن أنكر آل محمد، عقاب مَن لم يعرف إمامه، عقاب مَن اتخذ إمام جور، عقاب من نكث صفقة الإمام، والكتاب يتضمن الكثير من كلمات أمير المؤمنين(عليه السلام)، بل عدّهُ العلامة عبد الزهراء الخطيب من مصادر نهج البلاغة[٣٨]، حيث اعتمد عليه في الكثير من الكلمات القصار.

وأورد البرقي كلمات الإمام في الموضوعات السياسية بالإضافة إلى الموضوعات الأخرى فذكر في الصفحة ٧٢ عن الإمام أنه قال: ثلاث موبقات، نكث الصفقة، وترك السنة، وفراق الجماعة.

وأورد في كتاب مصابيح الظلم (من المحاسن) كلام أمير المؤمنين(عليه السلام):أيها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله، فإن الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير، وجوعها طويل[٣٩].

نكتفي بهذا القدر القليل لان ما ورد في الكتاب كثير من كلمات الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بل نستطيع أن نجزم أن الكتاب كله تقريباً هومن كلمات أمير المؤمنين(عليه السلام). أوكلمات أبنائه الأئمة من أهل البيت (علیهم السلام).

يتبع  ...

---------------------------------------------------------------
[١] . ابن المقفع: الأدب الصغير، ص٣٧.
[٢] . أبوحلقة: مقدمة الأدب الصغير ص٦.
[٣] . كرد علي: محمد أمراء البيان، ج٢،ص١٠٥.
[٤] . ذكرها كل من ترجم لابن المقفع، اعتمدنا الطبعة ٣، ص٧٠، الأدب الصغير، مكتبة البيان،١٩٦٤،شرح يوسف أبوحلقة، واعتمدنا الدرة اليتيمة تصحيح شكيب أرسلان، طبع بيروت ١٨٩٧، المطبعة الأدبية.
[٥] . عبدة: محمد، نهج البلاغة، ص٦٧٢.
[٦] . عبدة: محمد، نهج البلاغة، ص٦٠٤.
[٧] . عبدة: محمد، نهج البلاغة، ص٦٤٨.
[٨] . عبدة: محمد، نهج البلاغة، ص٧٠٥.
[٩] . عبدة: محمد، نهج البلاغة، ص٦٦٩.
[١٠] . عبدة: محمد، نهج البلاغة، ص٨٦٢-٦٨٣.
[١١] . الشريف الرضي: نهج البلاغة(الملحق لمعجم ألفاض نهج البلاغة)،ص٢٢٢.
[١٢] . ابن المقفع: الأدب الصغير والأدب الكبير، ص١٨٦.
[١٣] أورده الشريف الرضي،ص٢١٢، من (الملحق) وذكره السيد عبد الزهراء الحسيني في مصادر نهج البلاغة، ص٤، ص٢٢٦، وأورد مصادر هذه الخطبة قبل الشريف الرضي وبعده.
[١٤] . كرد علي: محمد، أمراء البيان، ج٢، ص٥٧٣.
[١٥] . كرد علي: محمد، أمراء البيان، ج٢، ص٥٧٤
[١٦] . كرد علي: محمد، أمراء البيان، ج٢، ص٥٧٥.
[١٧] . ذكره ابن أبي الحديد عن عبد الحميد الكاتب إنه قال: حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع، ففاضت ثم فاضت، وقال ابن نُباتة: حفظت من الخطابة كنزاً لايزيده الإنفاق إلا سعة وكثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب(ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ويبدوإن حفظ خطب الإمام كانت من عادة الأدباء والبلغاء ، الجزء ١/ ص٢٤).
[١٨] . البرقي: المحاسن، كتاب السفر، ص٢٧٤. والاصبغ بن نباتة من خاصة أمير المؤمنين(ع) وعمّر بعده، وروى عهد مالك الأشتر الذي عهده إليه أمير المؤمنين لما ولاه مصر وروى الكثير من وصاياه وكلماته (الطوسي: الفهرست،ص٣٧).
[١٩] . الزركلي: خير الدين، الأعلام، ج٥، ص٧٤.
[٢٠] . ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج٣،ص٤٧١.
[٢١] . الخطيب: عبد الزهراء، مصادر نهج البلاغة وأسانيده، ج١، ص٦٠.
[٢٢] . الخوارزمي: المناقب ، ص٢٧١، والخوارزمي؛ هوالموفق بن أحمد الملكي الخوارزمي ، ابوالمؤيد مؤلف ( مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة ) و( مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب) كان فقيها، أديبا له خطب وسفر، أصله من مكة أخذ العربية عن الزمخشري بخوارزم، وتولى الخطابة بجامعها. (الزركلي: خير الدين ، ٧/٣٢٣، وذكر كتاب مناقب أمير المؤمنين حاجي خليفة في كشف الظنون، ص ١٨٤٤.)
[٢٣] . ذكر المناقب ونسبته إلى الجاحظ: المحاسن والأضداد، ص ١٦٠٩، والبغدادي في هدية العارفين ١/٨٠٣، والزركلي الاعلام، ٥/٧٤، وقد اعتمدنا الطبعة الأولى من الكتاب، مطبعة السعادة، سنة الطبع ١٩١٢م بمصر.
[٢٤] . الجاحظ، المحاسن والأضداد، ص٧.
[٢٥] . الجاحظ، المحاسن والأضداد، ص ٢٨، وذكر الشريف الرضي كلام أمير المؤمنين بهذا الكشل( إياك ومشاورة … الخ) ضمن وصاياه إلى ولده الحسن (نهج البلاغة ، ص١٦٢ (الملحق) .
[٢٦] . الجاحظ: المحاسن والأضداد، ص ٤٧.
[٢٧] . الجاحظ: المحاسن والأضداد، ص٩٦.
[٢٨] . الجاحظ: المحاسن والأضداد، ص٩٦٠.
[٢٩] . الجاحظ: المحاسن والأضداد، ص١٣٥، والآية:الدخان/٢٩.
[٣٠] . ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون بتفصيل ص٦٩٦، واعتمدنا الطبعة الأولى، منشورات الحلبي وأولاده سنة ١٩٣٨م، تحقيق عبد السلام محمد هارون.
[٣١] . الجاحظ: الحيوان، ٢/٩٠، وأورده الشريف الرضي بهذا الشكل؛ وسيهلك فيّ صنفان، محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق (نهج البلاغة ص٦٦ الملحق).
[٣٢] . الجاحظ: الحيوان، ٣/٣٢٩.
[٣٣] . الجاحظ: الحيوان، ٣/٣٢٩، وقد أورده الشريف الرضي هكذا؛ فإذا كان ذكر ضرب يعسوب الدين بذنبه، فيجتمعون إليه، كما يجتمع فزع الخريف. نهج البلاغة ص٢١٠ الملحق.
[٣٤] . راجع كتاب التاج في أخلاق الملوك، تحقيق أحمد زكي، ط١، مطبعة الأميرية، القاهرة، ١٩١٤م.
[٣٥] . الطوسي: الفهرست، ص٢٠، وذكر في وفاته روايتين كما جاء في أعيان الشيعة، ٩/٣٩٩.
[٣٦] . ابن النديم: الفهرست، ص٣٢٣.
[٣٧] . اعتمدنا النسخة المطبوعة في النجف عام ١٩٦٤م، المطبعة الحيدرية، قدم لها محمد صادق بحر العلوم.
[٣٨] . الخطيب: عبد الزهراء، مصادر نهج البلاغة وأسانيده، ص٤٠.
[٣٩] . ألبرقي: المحاسن، ص٢٠٨، وأورد الشريف ا لرضي هذا الكلام في نهج البلاغة، راجع نهج البلاغة، بشرح محمد عبده، ص٤٥٩.
****************************