وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَر.                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا.                
وقال (عليه السلام):مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا.                

Search form

إرسال الی صدیق
أهم الاعتراضات على كتاب نهج البلاغة – الثاني

الاعتراض الخامس : احتواء الكتاب على أخطاء علمية
وهذا الاعتراض يتوجه إلى أبناء الطائفة الشيعية لاعتقادهم بعصمة الإمام (ع) وإحاطته بجميع العلوم وأنه لا ينطق إلا بما يتوافق مع العلم الحديث حتى أنهم جعلوا مخالفة الرواية للعلم الحديث ضابطا في رد الحديث ووصفه بالضعف حتى لو صح إسناده ، وهذه بعض الموارد التي تخالف العلم الحديث مما ورد في نهج البلاغة :
١ – ذكر في الخطبة الأولى كيفية خلق السماوات والأرض وأن الله خلق الأرض أولا ثم فتق الأجواء وأجرى فيها بحرا متلاطما ثم أمر الريح أن تهب على البحر فتمخضه مخض السقاء حتى تهيج زبده ثم خلق السماوات السبع من زبد ذلك البحر . ولا يختلف هذا التصور عن كيفية نشوء السماوات عن الأساطير القديمة التي كانت تتداول في العصور الغابرة والتي أثبت العلم الحديث بطلانها .
٢ – في الخطبة (٨٩) وهي خطبة الأشباح تقول الخطبة عن السماء : (وذلل للهابطين بأمره والصاعدين بأعمال خلقه حزونة معراجها ، ناداها بعد إذ هي دخان فالتحمت عرى أشراجها ، وفتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها وأقام رصدا من الشهب الثواقب على نقابها ، وأمسكها من أن تمور في خراق الهواء بأيده وأمرها أن تقف مستسلمة لأمره ، وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها وقمرها آية ممحوة من ليلها ... ورمى مسترقي السمع بثواقب شهبها) ، وهذا تصور بدائي للكون وأن الأرض هي مركزة أو أنها هي قرارة الذي يتكئ عليه وأن السماوات مبنية فوقه وأن الشمس تضيء السماوات في النهار ، وقد أثبت العلم الحديث بطلان كل ذلك .
٣ – في الخطبة السابقة يقول النص عن الملائكة : (وأمدهم بفوائد المعونة وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة) ثم وصف الله بأنه : (عالم السر من ضمائر المضمرين ونجوى المتخافتين ... ومحط الأمشاج من مسارب الأصلاب) والملائكة ليس لهم قلوب لأنهم مخلوقون من نور كما أن الأمشاج لا تخرج من الأصلاب كما يرد في الأساطير القديمة .
٤ – في الخطبة ١٥٣ التي تصف الخفاش : (وكيف عشيت أعينها عن أن تستمد من الشمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها ... فهي مسدلة الجفون بالنهار على أحداقها ، وجاعلة الليل سراجا تستدل به في التماس أرزاقها ، فلا يرد أبصارها إسداف ظلمته .... تطير وولدها لاصق بها لاجئ إليها يقع إذا وقعت ويرتفع إذا ارتفعت ، لا يفارقها حتى تشتد أركانه ويحمله للنهوض جناحه) وهذا وصف غير صحيح فالخفافيش لا تستطيع الرؤية في الظلام وإنما تعتمد على الموجات فوق الصوتية لتحسس طريقها كما أنها تفارق أطفالها عندما تخرج للبحث عن الطعام .
٥ – تصف إحدى خطب النهج الطاووس وصفا جاء فيه أنه رأى كيف تتلاقح الطواويس في موسم التزاوج وأخبر أنه اطلع على ذلك بمعاينة وليس بنقل عن آخرين ، وهذا مخالف للسياق التاريخي لحياة الإمام علي حيث عاش في المدينة وفي الكوفة وليس فيهما طواويس وقد احتج ابن أبي الحديد قائلا : (لم يشاهد أمير المؤمنين عليه السلام الطواويس بالمدينة بل بالكوفة وكانت يومئذ تجبى إليها ثمرات كل شيء وتأتي إليها هدايا الملوك من الآفاق ، ورؤية المسافدة مع وجود الذكر والأنثى غير مستبعدة) وهذا كلام غير صحيح فالكوفة لم تكن تجبى إليها ثمرات أي شيء خلال ولاية الإمام علي على العراق بسبب الحروب والفوضى التي وقعت في أيامه .
٦ – في الخطبة الثانية من الكتاب والتي ألقاها بعد انصرافه من صفين يقول في آخرها : (لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله من هذه الأمة أحد ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا ... ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة . الآن إذ رجع الحق إلى أهله ونقل إلى منتقله) . فالنص يوحي بأن الأمر قد استقام أخيرا لعلي بن أبي طالب وهذا يخالف الثابت تاريخيا أنه انصرف من صفين وقد دبت الفوضى في جيشه وكثر نزاعهم واختلافهم عليه .
٧ - في خطبة تذكر عجيب صنع الأرض يقول النص : (وأرسى أرضا يحملها الأخضر المثعنجر والقمقام المسخر .. فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها وأجمدها بعد رطوبة أكنافها ، فجعلها لخلقه مهادا وبسطها لهم فراشا ، فوق بحر لجي راكد لا يجري وقائم لا يسري ، تكركره الرياح العواصف وتمخضه الغمام الذوارف) وهذه المعلومات الواردة عن الأرض والبحر الذي يحمله والذي تنغمس فيه السحب لتحمل منه الماء لا أساس لها من الصحة حسب معطيات العلم الحديث .

الاعتراض السادس : تواضع المستوى اللغوي لكثير من نصوص الكتاب

فمعظم نصوص النهج متوسطة الجزالة والبلاغة لا يعجز الأدباء عن ابتكار مثلها أو أجمل منها والمتصفح لكتب التراث العربي يجد عشرات الألوف من النصوص المماثلة ، فمن النصوص المتواضعة أدبيا وبلاغيا في نهج البلاغة :
١ – في وصف الجرادة : (وإن شئت قلت في الجرادة ، إذ خلق لها عينين حمراوين وأسرج لها حدقتين قمراوين ، وجعل لها السمع الخفي وفتح لها الفم السوي وجعل لها الحسن القوي ، ونابين بهما تقرض ومنجلين بهما تقبض ، ويرهبها الزراع في زرعهم ولا يستطيعون ذبها ولو أجلبوا بجمعهم ، حتى ترد الحرث في نزواتها وتقضي منه شهواتها ، وخلقها كله لا يكون إصبعا مستقدة ، فتبارك الله الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها ويعفر له خدا ووجها ، ويلقي بالطاعة إليه سلما وضعفا ويعطي القياد رهبة وخوفا ، فالطير مسخرة لأمره أحصى عدد الريش منها والنفس وأرسى قوائمها على الندى واليبس ، قدر أقواتها وأحصى أجناسها فهذا غراب وهذا عقاب وهذا حمام وهذا نعام ، دعا كل طائر باسمه وكفل له برزقه) فهذا نص متواضع تستطيع العثور على مثله في معظم كتب الأدب .
٢ – في الخطبة (٢٠٨) ذكر أصناف الناس في تلقي الأحاديث وهي خطبة متواضعة جدا تجدها في مستوى المقالات الصحفية في الجرائد اليومية .
٣ – في إحدى الخطب يتحدث النص عن البشر بأنهم : (عباد مخلوقون اقتدارا ومربوبون اقتسارا ومقبوضون احتضارا ومضمنون أجداثا وكائنون رفاتا ومبعوثون أفرادا ومدينون جزاء ومميزون حسابا) وهذا وصف بالغ الضعف وبالإمكان ملء الصفحات من مثله لأن أوصاف الناس لا تنتهي . فالناس مخلوقون اقتدارا ومأمورون امتثالا ومنهيون اتباعا ومسقيون شرابا ومطعمون طعاما ومستنفسون هواء وساكنون خياما ولابسون حذاء وذابحون خرافا ونائمون مساء ومستيقظون صباحا .. إلخ !
٤ – في كتابه إلى أهل البصرة : (وجزاكم الله من أهل مصر عن أهل بيت نبيكم أحسن ما يجزي العاملين بطاعته والشاكرين لنعمته ، فقد سمعتم وأطعتم ودعيتم فأجبتم) .
٥ - في النص الخامس من الباب الثاني في الكتاب الموجه للأشعث بن قيس : (إن عملك ليس لك بطعمة ولكنه في عنقك أمانة وأنت مسترعى لمن فوقك ، ليس لك أن تفتات في رعية ولا تخاطر إلا بوثيقة ، وفي يديك مال من مال الله عز وجل وأنت خزانه حتى تسلمه إلي ، ولعلي أن لا أكون شر ولاتك لك والسلام) .
٦ - وفي النص ٢١ من الباب الثاني : (فدع الإسراف مقتصدا واذكر في اليوم غدا ، وأمسك من المال بقدر ضرورتك وقدم الفضل ليوم حاجتك ، أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبرين ، وتطمع وأنت متمرغ في النعيم تمنعه الضعيف والأرملة أن يوجب لك ثواب المتصدقين ، وإنما المرء مجزي بما أسلف وقادم على ما قدم والسلام) .
ومن العبارات الواردة في الباب الثالث :
٧ – أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم
٨ - أعجز الناس من عجز عن اكتساب الاخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم
٩ - من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب .
١٠ - يابن آدم إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره .
١١ - كن سمحا ولا تكن مبذرا ، وكن مقدرا ولا تكن مقترا .
١٢ - لا قربة بالنوافل إذا أضرت بالفرائض .
١٣ - وقال (ع) لبعض أصحابه في علة اعتلها : جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك فإن المرض لا أجر فيه ، ولكنه يحط السيئا ويحتها حت الأوراق .
١٤ - يرحم الله خبابا فلقد أسلم راغبا وهاجر طائعا وقنع بالكفاف وعاش مجاهدا
١٥ - الصبر صبران صبر على ما تكره وصبر عما تحب .
١٦ - لا ترى الجاهل إلا مفرطا أو مفرّطا .
١٧ - إن لله ملكا ينادي في كل يوم : لدوا للموت واجمعوا للفناء وابنوا للخراب .
١٨ - ما شككت في الحق مذ أريته .
١٩ - الرحيل وشيك !
٢٠ - وقال وقد سئل عن مسافة ما بين المشرق والمغرب : مسيرة يوم للشمس .
فهذه النصوص قد تحتوي على تجربة معينة أو على حكمة مفيدة ولكنها لا ترتقي أن تكون نصا أدبيا بليغا يعجز الأدباء عن الإتيان بمثله ، ولهذا قد يصح أن تُجمع في كتاب نهج الحكمة ولكن ليس في كتاب نهج البلاغة .

الاعتراض السابع : تواضع المستوى اللغوي للنصوص الشعرية المنسوبة إلى الإمام علي

ومن هذه النصوص الشعرية :

النفس تبكي على الدنيا وقد علمت ***** أن السلامة منها ترك ما فيها
أين الملوك التي كانت مسلطنة ***** حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
فكم مدائن في الآفاق قد بنيت ***** أمست خرابا وأفنى الموت أهليها
إن المكارم أخلاق مطهرة ***** الدين أولها والعقل ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها ***** والجود خامسها والفضل ساديها

 

وروي عنه أنه خاطب السيدة فاطمة عندما وقف ببابه مسكين يسأل فقال :

فاطم ذات المجد واليقين ***** يابنت خير الناس اجمعين
اما ترين البائس المسكين ***** قد قام بالباب له حنين
يشكو الى الله ويستكين ***** يشكو الينا جائعا حزين
كل امرئ بكسبه رهين ***** وفاعل الخيرات يتسعين
موعده جنة عليين ***** حرمها الله على الضنين
وللبخيل موقف مهين ***** تهوى به النار الى سجين

 

وفي نفس القصة قال شعرا آخر عندما طرق بابه يتيم يسأل :

يا فاطمة بنت السيد الكريم ***** بنت نبى ليس بالزنيم
قد جاءنا الله بذا اليتيم *****من يرحم الله فهو رحيم
موعده فى جنة النعيم ***** قد حرم الخلد على اللئيم
يساق فى النارالى الجحيم ***** شرابه الصديد والحميم

 

وفي نفس القصة أيضا قال شعرا آخر عندما طرق بابه أسير يسأل :

فاطمة بنت النبى احمد ***** بنت نبى سيد مسود
هذا اسير للنبى المعتدى ***** مكبل فى غله المقيد
يشكو الينا الجوع والتشدد ***** من يطعم اليوم يجده فى غد
عند العلى الواحد الموحد ***** حتى تجازى بالذى لا ينفد

 

وقال عند مسيره بالفواطم إلى رسول الله (ص) :

وليس إلا الله فارفع ظنكا ***** يكفيك رب الناس ما أهمكا
 

فهذه نصوص شعرية ضعيفة المستوى هزيلة التركيب تعاني من إقواء ولحن وكسر مما يجعل من المستحيل عقلا أن يوصف قائلها بالتقدم والبراعة في مستواه اللغوي ، وقد ذكر الشيخ النمازي في الجزء الخامس من مستدرك سفينة البحار عدة نصوص أخرى .

الاعتراض الثامن والأخير : ورود نصوص مخالفة للقرآن أو الآداب العامة أو مشهور المذهب
ومن هذه النصوص :
١ – نصت الخطبة الأولى في الكتاب على إمكانية نسخ القرآن بالسنة فتقول : (وبين مثبَت في القرآن فرضه ومعلوم في السنة نسخه) وقد وقع الخلاف بين علماء الطائفة في مسألة نسخ السنة للقرآن والأكثر على نفيه ، ولو كانوا يعتقدون بصحة مرويات النهج لكانت هذه الرواية حاسمة لقطع الخلاف .
٢ – في الخطبة رقم ١٩ أن الأشعب بن قيس قال له كلاما أغضبه فرد عليه قائلا : (عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين حائك ابن حائك منافق بن كافر) ، وهذا مخالف للذوق العام لأن تعيير الناس بمهنهم أو مهن آبائهم سفه وقلة عقل .
٣ – ورد ذم النساء في عدة مواضع من النهج منها : (المرأة شر كلها وشر ما فيها أنه لا بد منها) وإذا كانت المرأة شر كلها فهل كانت السيدة فاطمة الزهراء شرا كلها ؟ وهل كانت كذلك فاطمة بنت أسد أو أم سلمة أو السيدة خديجة أو آمنة بنت وهب ؟
٤ – وفي نص آخر في ذم النساء في الخطبة رقم ٧٨ : (معاشر الناس إن النساء نواقص الإيمان نواقص الحظوظ نواقص العقول ... فاتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر ، ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر) .
٥ – في الكتاب الثاني من القسم الثاني تم ذكر كتابة كتاب شرط لابتياع بيت ، ولم تكن كتابة الكتب معروفة في القرن الأول عند بيع وشراء البيوت ، فهذا النص مدسوس في أقوال الإمام بسبب العامل التاريخي .
فهذه هي جملة الاعتراضات المتوفرة الآن وقد يظهر مزيد من الاعتراضات عند دراسة بقية نصوص الكتاب لأن هذه الدراسة مقصورة على قرابة ٢٠% من النص الأصلي فقط .
بقيت ملاحظة أخيرة تتعلق بالاحتجاج بأقوال ابن أبي الحديد لإثبات بلاغة نصوص نهج البلاغة ، فلقد مدح ابن أبي الحديد نصوص النهج في طيات شرحه بمدائح جليلة في مواضع متعددة وهو لغوي بارع وشهادته معتبرة عند أهل الفن فلماذا لا تقبل في حق النصوص الواردة في نهج البلاغة ؟
والجواب عن ذلك أن الظروف المحيطة بأبي الحديد تثبت أنه كان بعيدا عن الإنصاف والحياد في تقييمه لهذا الكتاب ، فلقد ولد في المدائن ونشأ على المذهب الاثني عشري في بداية حياته . كما أنه ألف كتابه للوزير محمد بن أحمد بن العلقمي (الذي تنسب إليه كارثة هجوم التتار عام ٦٥٦هـ) ووصله الوزير ابن العلقمي بمال ومتاع بعد انتهائه من تأليف الكتاب ، وقد بلغ الأمر بابن أبي الحديد إلى أن يذكر في كتابه قصة فيها ذم شديد للخليفة الثالث عثمان بن عفان حيث ذكر قصيدة للوليد بن عقبة (أخ عثمان بن عفان لأمه) يتظلم بعد مقتل عثمان وفيها يقول : (قتلتم أخي كيما تكونوا مكانه * كما غدرت يوما بكسرى مرازبه) فرد عليه عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بقصيدة يقول في أحد أبياتها : (وشبهته كسرى وقد كان مثله * شبيها بكسرى هديه وضرائبه) قال ابن أبي الحديد بعدها : أي كان (عثمان) كافرا كما كان كسرى كافرا !
وقد صرح ابن أبي الحديد بأن محبته الشديدة لعلي بن أبي طالب تؤثر في مدى تفاعله مع النصوص الواردة عنه ، فيقول بعد ذكر إحدى المواعظ المنسوبة للإمام علي في النهج (ج١١ ص١٥٣) : (وأقسم بمن تقسم الأمم كلها به لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسين سنة وإلى الآن أكثر من ألف مرة ما قرأتها قط إلا وأحدثت عندي روعة وخوفا وعظة وأثرت في قلبي وجيبا وفي أعضائي رعدة ، ولا تأملتها إلا وذكرت الموتى من أهلي وأقاربي وأرباب ودي .. وكم قد قال الواعظون والخطباء والفصحاء في هذا المعنى وكم وقفت على ما قالوه وتكرر وقوفي عليه فلم أجد لشيء منه مثل تأثير هذا الكلام في نفسي ، فإما أن يكون ذلك لعقيدتي في قائله أو كانت نية قائلة صالحة ويقينه كان ثابتا وإخلاصه كان محضا خالصا فكان تأثير قوله في النفوس أعظم وسريان موعظته في القلوب أبلغ) ، فهو يصرح أن المعاني تتكرر ولكن مشاعره لا تستجيب إلا لما قاله الإمام علي (ع) وهذا اعتراف يقدح في قيمة شهادته الأدبية للنصوص الواردة عن الإمام .
ومن نظر في التعليقات التي أودعها ابن أبي الحديد في كتابه فسيندهش لما تحتويه من كم واضح من المبالغات والتهويلات ، فعلى سبيل المثال ذكر الخطبة رقم (٨٢) والتي تقول : (الحمد لله الذي علا بحوله ودنا بطوله ، مانح كل غنيمة وفضل وكاشف كل عظيمة وأزل ، أحمده على عواطف كرمه وسوابغ نعمه ، وأؤمن به أولا باديا وأستهديه قريبا هاديا ، وأستعينه قاهرا قادرا وأتوكل عليه كافيا ناصرا) قال ابن أبي الحديد بعد أن بين مواطن البديع في هذه المقدمة : (وهذه اللطائف والدقائق من معجزاته عليه السلام التي فات بها البلغاء وأخرس الفصحاء) ومن نظر إلى مقدمة ابن أبي الحديد نفسه لوجدها لا تقل عن مستوى هذه المقدمة .. وفي التراث العربي من أمثالها الآلاف ولكنك حبك الشيء يعمي ويصم .
ومن أغرب المبالغات التي وقع فيها ابن أبي الحديد في شرحه أنه قارن بين بلاغة الخطب المنسوبة إلى الإمام علي وبلاغة خطب ابن نباتة الفارقي (توفي سنة ٣٧٦هـ) الخطيب المشهور الذي قال ابن خلكان عن خطبه : (وقع الإجماع أنه ما عمل مثلها) ومع ذلك فقد قال ابن أبي الحديد : (إن سطرا واحدا من نهج البلاغة يساوي ألف سطر من كلام ابن نباتة وهو الخطيب الفاضل الذي اتفق الناس على أنه أوحد عصره في فنه) . وكان من المعقول والمقبول أن يقارن ابن أبي الحديد بين خطبة وخطبة ويحكم بأفضلية الخطبة المنسوبة للإمام علي على غيرها ولكن من غير المعقول أن يكون سطر واحد من كتاب أفضل من ألف سطر من خطب إمام أجمع النقاد على تقديمه والثناء عليه .
وقام ابن أبي الحديد في موضع آخر بمقارنة الخطبة (٨٢) من النهج والتي تحث على الجهاد بأفضل خطبة وجدها من خطب ابن نباته الفارقي ، وقال بعد ذلك معلقا على خطبة ابن نباتة : (هذا آخر خطبة ابن نباتة فانظر إليها وإلى خطبته (ع) بعين الإنصاف تجدها بالنسبة إليها ك**** بالنسبة إلى فحل ، أو كسيف من رصاص بالإضافة إلى سيف من حديد وانظر ما عليها من أثر التوليد وشين التكلف وفجاجة كثير من الألفاظ . ألا ترى إلى فجاجة قوله "كأن أسماعكم تمج ودائع الوعظ وكأن قلوبكم بها استكبار عن الحفظ) إلى آخر كلامه العجيب .
ويقول في موضع آخر في شرح النهج ج٦ ص٢٧٨ : (وذلك لأن فضيلة الخطيب والكاتب في خطابته وكتابته تعتمد على أمرين هما مفردات الألفاظ ومركباتها ، فأما المفردات فأن تكون سهلة سلسة غير وحشية ولا معقدة وألفاظه عليه السلام كلها كذلك ، وأما المركبات فحسن المعنى وسرعة وصوله إلى الأفهام واشتماله على الصفات التي باعتبارها فضل بعض الكلام على بعض ... ولا شبهة أن هذه الصفات كلها موجودة في خطبة وكتبه مبثوثة متفرقة في فرش كلامه عليه السلام وليس يوجد هذا الأمران في كلام أحد غيره) وهذه لا تعدو أن تكون مبالغة أخرى لأنه يسلب الفصاحة عن جميع العرب ويبقيها حكرا على الإمام علي وهذا مما لا يصح تصوره فضلا عن تصديقه .
ولم تقتصر المغالاة بابن أبي الحديد إلى تقديم الإمام علي (ع) في علوم اللغة فحسب بل ادعى تقدمه في جميع العلوم ومنها علوم الفقه فيقول في المقدمة : (ومن العلوم علم الفقه وهو (ع) أصله وأساسه وكل فقيه في الإسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه ، أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة ، وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة ، وأما أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة ، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد (ع) وقرأ جعفر على أبيه (ع) وينتهي الأمر إلى علي (ع) ، وأما مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي وقرأ ربيعة على عكرمة وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس وقرأ عبد الله بن عباس على علي بن أبي طالب) ، وهذا الادعاء إما أن يكون مبالغة سامجة من ابن أبي الحديد أو أن يكون جهلا مدقعا بالتواريخ ، والثاني مستبعد على مثل ابن أبي الحديد .

انتهى .

****************************