وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                
وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَر.                
وقال (عليه السلام): رُبَّ مَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                
وقال (عليه السلام): الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجزِ.                
وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                
وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                

Search form

إرسال الی صدیق
إختيارات نهج البلاغة (إختيار مصباح السالكين إنموذجاً) دراسة في الأسلوب والمنهج

للشيخ ميثم بن علي البحراني"١٢٣٨هـ - ١٢٩٩هـ "

الاستاذ الدكتور صاحب محمد حسين نصّار

جامعة الكوفة – كلية الفقه

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسُلام على محمد وآلهِ الطيبين الطاهرين ...

مقدمة

نحن الآن نتفيأ ظِلال نهج البلاغة حَول دوحة الإمامة وشاخص الإيمان وسارية التوحيد أمير المؤمنين(ع) أمير البيان والفصاحة والقرآن الناطق .

يتفقُ جميع المسلمين وغيرُهم على أنّ علي بن أبي طالب(ع) هو مَنْ سنَّ البلاغة والفصاحة ورافدها الذي لاينضب .

لذا كثُرَ شرّاحُ نهج البلاغة من جميع المذاهب والأفكار وشتى الأصقاع والأوطان فضلا عن ذلك كان يهتم بحفظهِ حملة العلم ِوالحديثِ في العصِور المتقادمة حتى اليوم ، وهذا دليلٌ على عظمةِ النهج وصاحبهِ وهو

باب مــــــدينة علم الرسول(ص) لقولهِ: " أنا مدينة العلم وعلىُ بابُها "

 ســلامٌ على النجفِ الأطيب ***** ســــلامٌ على وْردِه الأعذب

 عليٌ وياسحرَ هذي القلوب ***** وريحانة الشرق والمغرب

( فأنت إذا تأملتَ نهَج البلاغةِ وجدته كلّه ماءً واحداً ونفساً واحداً وأسلوباً واحداً كالجسم البسيط الذي ليس من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهية ، وكالقرآن العزيز أوله كأوسطه وأوسطه كأخره وكل سورة

منه وكل آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي الآيات والسور ولو كان بعض نهج البلاغة منحولاً وبعضه صحيحاً لم ذلك كذلك فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زَعـــِمَ أن هذا الكتاب أو بعضه منحول الى أمير المؤمنين عليه السلام )  [١] .

هكذا تحدث السيد الشريف الرضي(رض) وهو أعرف من أن يُعرّف بَيدَ أن ما يُناسب المقام هنا أنه (قليل الرعاية للعصبّية المذهبية ، والظاهر أنه كان حُر العقل الى حد بعيد ، فقد كان يدرس جميع المذاهب الإسلامية ليمّد عقله بالأنوار التي يُرسلها إختلاف الفقهاء) [٢] وهذا توصيف أحد دارسيه وهم كُثر وهو الدكتور زكي مبارك في دراسته العبقرية الشريف الرضي .

وكان من أولئك العظام الذين شرحوا وتصدوا للنهج وحتى الكلمات القصار من حكمه ووصاياه ومواعظه وآثاره التي خلفها لنا الإمام (ع) : الشيخ ميثم بن الشيخ على البحراني (١٢٣٨-١٢٩٩هـ) الذي أنبرى لما خلفهُ الإمام نهجاً وغيره.

والشيخ ميثم البحراني أحد رواد المعرفة الأماثل جذوره "البحرين" تلك الواحة العربية الإسلامية ولودةُ الفقهاء كالشيخ علي الشيخ سلمان البحراني وصاحب الحدائق الشيخ يوسف وأبن عصفور وغيرهم الكثير.

وملهمة الشعراء وماشئت فعبّرْ ، فقد آوى السيخ كمال الدين ميثم البحراني الى الحلة الفيحاء وريثةِ بابل التمدن والتحضر ومهد حمورابي وهي أنذاك "عُشُ" الشيعة وحاضرة الفقه ومثابة الاعلام : الحلّيان : المحقق والعلامة وابن نما وابن أدريس والسيدان حيدر وجعفر وقبلهما صفي الدين شاعر أهل البيت (ع) القائل مطرزاً علم العراق :

بيضٌ صنائعُنا سودٌ وقائعُنا ***** خضٌر مرابعُنا حمرٌ مواضينا

ذلكمُ هو تشيّعُ العراق وعراقةُ التشيع وعروبة المذهب .

ثم أرتحل الى بغداد وسكنها فترةً قبل رجوعهِ الى البحرين وبغداد يوم ذاك فمُ الدهر وعاصمة الدنيا ومنتج العلماء .

في ذينك البعدين : الزماني والمكاني شرح شيخنا النهج وما كان لفذّ عبقري أن يتصدى للشرح الا إذا كان بمستوى شرح النهج ، ذلكم النهج وصاحبه الذي هو ترجمان القرآن ، الحجّة الناطق هو الأدب العربي يمشي على قدمين وتلك شهادة مناوئيه قبل أوليائه .

تداوله السابقون واللاحقون بالتنقيح والتبويب والتحقيق والتوثيق ، ومالقي أي كتاب مثل مالقيهُ نهج البلاغة ، بل أستوقف جمعاً من المفكرين والأدباء ، وقفوا ملياً عنده حتى القصار من كلماته وهي حاوية لكل الإعجاز البياني والبلاغي ، وذلك ماحدا بالدكتور طه حُسين عند معالجته لمقولة أمير البيان وإمام البلاغة(ع)((اعِرفِ الحقَّ تعرفْ أهَله ))، فقد كانت دراسة الشيخ البحراني وشرحه للنهج متميزاً بعقليته الواسعة الفذه فقد أخترنا من بين تلك الدراسات والشروح للنهج "اختيار مصباح السالكين" إنموذجاً للدراسة في أسلوبه ومنهجه وكانت الدراسة متضمنة تمهيداً عن البحرين وأعلامها وعلمائها ومفكريها ومن أولئك شيخنا المبحوث بشرحهِ لنموذج من بلاغة الإمام(ع) ،فقد عرضت في التمهيد لأساتذته من شتى البلدان كذلك تلامذته موزعين على ثلاثة أقسام في الحلة الفيحاء وثانيها من البحرين والثالث منها من أماكن أخرى وختمت التمهيد بمؤلفاتهِ وآثارهِ العلمية ، أما الدراسة فقد أنتظمت على ثلاثةِ مباحث الأول منها كان مختصاً ببيان مادرسه وشرحه من النهج وغيره والمبحث الثاني قد وضّح الأسلوب والأسلوبيه عموماً ، ثم وضّحت أسلوبه الخاص ومنهجه المتميز في شرحه وعرضه أما المبحث الثالث فقد إنعقد لدراسةٍ نقديةٍ ومنهجيةٍ وعلمية لكتابهِ "اختيار مصباح السالكين" وهو بيت القصيد للدراسة .

وأسال الله ان أكون قد وفقت بهذه الدراسة المتواضعة عن علمٍ من أعلام البحرين لشرحه وبيانه لنموذج من نماذج البلاغه والبيان والذي قيل عنها وعن صاحبها "دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق"  .

وفي الختام أتمنى للجميع التوفيق في جهودهم العلمية والتسديد والنجاح .

وأخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين

            الباحث       

صاحب محمد حسين نصّار

تمهيد :-

ليس غريباً بل من الطبيعي أن يبرز أعلام أفذاذ وعلماء أجلاء من البحرين ، البلد العربي الإسلامي الأصيل فهو ذو أصالة وحضارة موغلة بالقدم ،نشأت قبل ميلاد السيد المسيح(ع) بثلاثة ألاف سنة ، تميز أولئك العلماء بشتى العلوم والمعارف ، وعلى مر العصور مقرونة بالأخلاق الحميدة والأداب الجليلة والصفات النبيلة ، فمن الفلاسفة والحكماء الى الفقهاء والمحّدثين والمفسرين وما الى ذلك ، ومن أعلامهم شيخنا العلامة المحقق الحكيم ميثم البحراني .

ترجمته وموجز سيرته :-

نحاول عرض السيرة الذاتية والعلمية وكما يلي :

أولا : موجز ترجمته :

هو الشيخ كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني(قدس) ولد في البحرين* وتوفي عام ١٢٩٩م [٣] وقبره في هلتا إحدى القرى الثلاث المجاورة للبحرين ، وهو الآن مزار مبارك ضريح شاخص يؤمه الزائرون من داخل البلاد وخارجها [٤] .

ثانياً : أساتذته وشيوخه :

درس على ثلة من العلماء الأعلام في مقدمتهم :

•الشيخ أبو السعادات أسعد بن عبد القاهر الاصفهاني العالم المحقق الفاضل (ت٦٣٥هـ) .

•الشيخ جمال الدين علي بن سليمان البحراني الفيلسوف الحكيم.

•الخواجة نصير الدين الطوسي (ت٦٧٢هـ) في الحكمة وهو غني عن التعريف ومن طريف الأمر أن الخواجة نفسه قد درس الفقه على الشيخ ميثم [٥].

فضلا عن المباحثة والمدارسة بينه وبين المحقق الحلي نجم الدين أبي القاسم (ت٦٧٦هـ) أثناء وجوده في مدينة الحلة .

ثالثاً : تلامذتــــــــــــه :

 أن تلاميذ الأستاذ أثر من آثاره ، وكثيراً مايكون تنقيب الأستاذ عن مواهب طلابه ، ثم عنايته بصقلاها وتوجيهها وبيانها وذلك بالسهر على تخريجهم وهو أجدى للمجتمع من تأليف كتاب أو إجابة مسألة .

فهم في الحقيقة كتبه الحية السريعة الأثر في المجتمع والناشرون لآراء أستاذهم .

فيكفي العلامة الشيخ ميثم البحراني فخراً وعزاً ـن من أبرز تلامذته :

١.من الحلة الفيحاء :-

أ.السيـــــــــــــد عبد الكريم أحمد بن طاووس (ت٦٩٣هـ) .

ب.العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر (ت٧٢٦هـ) .

ج.الشيــــــــــــــــــخ محمد بن الجهم الأسدي الحلي الربعي .

فضلا عن المحقق الحلي نجم الدين أبي القاسم (٦٧٦هـ) الذي كان يتحاور معه.

٢.  من البحرين :-

أ. الشيخ عبد الله صالح البحراني وغيره .

٣. آخرين :-

أ.الشيخ الجرجاني الشيخ أبو المحاسن " كان معاصراً للعلامة الحلي " .

رابعاً : مؤلفاته وآثاره العلمية :

كان له الكثير من المؤلفات والآثار العلمية ما أغنى به المكتبة الإسلامية في شتى المواضيع في مقدمتها وأهمها: دراسته وشرحه لنهج البلاغة فضلا عن الآثار الجليلة البيانية والبلاغية والحكمية كالكلمات القصار وغيرها ، لمولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) .

وقد تميز شيخنا البحراني(قدس) بشرحه وبيانه لنهج البلاغة هذا السفر الخالد والأثر العلمي الكبير الذي قال عنه أبن أبي الحديد المعتزلي:(أنه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق) أنه من الطبيعي لايتأتى لأي أنسان شرح كلام سيد البلغاء وإمام الفصاحة والبيان القرآن الناطق إلا أذا كان بالمستوى العلمي الذي يؤهله لسير أغواره وتوضيح مفرداته وبيان مكوناته بما يحويه النهج من المكتنزات البلاغية والثروات اللغوية والروائع البيانية فضلا عن المعارف والعلوم والحِكم التي تبلورت بين ثناياها ، كاد الشيخ ميثم البحراني أن يكون المتخصص في نهج البلاغة وكذا في الآثار والكلمات القصار التي وردت عن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين(ع) فقد أثر عن البحراني العديد من المؤلفات والكتابات التي بُحثت في جميع جوانب النهج بأسلوبه المُتميز وطريقة دراسته وفق المنهج العلمي .

ولغرض بيان ذلك سوف تنتظم الدراسة على النحو الأتي :

•المبحث الأول : بيان وعرض مادرسه وشرحه من النهج وكلام الإمام(ع) .

•المبحث الثاني : الأسلوب الخاص المتميز في شرحه وعــــــــرضه له .

•المبحث الثالث : دراسة نقدية ومنهجية لكتاب (إختيار مصباح السالكين) " إنموذجاً " .

المبحث الأول : بيان وعرض مادرسه وشرحه من النهج وكلام الإمام(ع):

أن شرح نهج البلاغة في الواقع ثلاث شروح فضلا عن شرحه للمائة كلمة ولبيان ذلك ينتظم المبحث على مطلبين وكما يلي :

المطلب الأول : شروح نهج البلاغة وهي على ثلاثة أقسام :            

 أولا : الشرح الكبير : وقد سماه ( مصباح السالكين ) وهو كتاب قيّم رائع واضح المعالم منتظم زاخرٌ بدقائق العلم والمعرفة ويوضح مفردات المطلوب بأسلوب الحكمة والفلسفة وقد أورد به نوادر جمة ومفيدة .

سبب تأليفه هو مارآه من شوق وشغف وطلب علاء الدين عطاء الملك بن بهاء الدين محمد الجويني الى كشف وبيان ومعرفة حقائق ومسائل نهج البلاغة ، وقد تم أهداء الكتاب إليه كما يبدو من ديباجة الكتاب ، وقد فرغ من تأليفه عام ٦٧٧هـ كما ذكر ذلك الشيخ البحراني نفسه في أخر الشرح وقد طبع هذا الشرح بخمسة مجلدات ولعدة مرات وتلك قرينة مؤكدة على الأهمية والحاجة لهذا السفِر الخالد وقد عمت شهرته العالم الإسلامي أجمع ، ولأهمية الشرح هذا فقد أخُتصر من قبل أعلام أجلاء من ابرزهم :

• العلامة الحلي يوسف بن الحسن المطهر (ت٧٢٦هـ) وقد أورد الطهراني الشيخ أغا بزرك في الذريعة بأنه لم يعثر على نسخة منه .

• نظام الدين علي بن الحسن الجيلاني وسماه (نور الفصاحة وأسرار البلاغة) وقد أضاف إليه بعض الزيادات من شرح أبن أبي الحديد يقع في عدة مجلدات فرغ المؤلف من المجلد الأول يوم الأثنين ربيع الأول (١٠٥٣هـ) .

ثانياً : الشرح المتوسط : وهو ملخص الشرح الكبير وسمي (إختيار مصباح السالكين) لخصه بإشارة من علاء الدين لولديه نظام الدين أبي منصور محمد ،ومظفر الدين أبي العباس علي فرغ من تلخيصه في شوال سنة (٦٨١هـ) .

ثالثاً : الشرح الصغير : أورد الشيخ سليمان بن عبد الله الماحوري المتوفى سنة (١١٢١هـ) سمعت من بعض الثقاة أن له شرحاً ثالثاً على كتاب نهج البلاغة الكبير ، وقد ذكر الخوانساري في روضات الجنات [٦] وقال :

ومن مصنفاته البديعة (شرحه الصغير على نهج البلاغة) .

المطلب الثاني : هو شرح الكلمات القصار للإمام علي بن أبي طالب (ع) وكما يلي :     

منهاج العارفين .    

المبحث الثاني : الأسلوب ماهيته ومفهومه ونماذج من ذلك :

ولبيان الحقيقة اللغوية والأصطلاحية للإسلوب وتوضيح مفهومه ونماذجه منه ينتظم المبحث على ثلاثة مطالب وكما يلي :

المطلب الأول : الحقيقة اللغوية والأصطلاحية للإسلوب

 أولا : المعنى اللغوي للإسلوب :

كل طريق ممتد فهو إسلوب والإسلوب : الطريق والوجه والمذهب ، يقال أنتم على أسلوب ، أي على طريق ومذهب ، ويجمع على أساليب [٧] والإسلوب : الفن يقال أخذ فلان في أساليب من القول أي أفانين  منه [٨] ، وهذه المعاني اللغوية قسمان : قسم حسي يمثل الوضع الأسبق للفظ ، للطريق الممتد أو المسلوك ، والإسلوب عليه خطة يسلكها السائر ، وقسم معنوي هو الخطوة الثابتة في الوضع اللغوي حيث تنقل الكلمات من معانيها الحسية الى المعاني الأدبية أو النفسية وذلك هو الفن من القول أو الوجه أو المذهب في بعض الأحيان [٩] .

ثانياً : المعنى الأصطلاحي للإسلوب :

(هو فن من الكلام يكون قصصاً أو حواراً تشبيهاً أو مجازاً أو كناية ، تقريراً أو حكماً أو مثالاً ، فإذا صح هذا الأستنباط كان للإسلوب معنى أوسع إذ يتجاز هذا العنصر اللفظي فيشمل الفن الأدبي الذي يتخذه الأديب وسيلة للإقناع أو التأثير) [١٠] .

أن الإسلوب منذ القدم كان يلحظ في معناه ناحية شكلية خاصة هي طريقة الأداء ، أو طريقة التعبير التي يسلكها الأديب لتصوير مافي نفسه أو لنقله الى سواه بهذا العبارات اللغوية ، ولايزال هذا هو تعريف الأسلوب الى اليوم ،فهو: طريقة الكتابة أو طريقة الإنشاء أو طريقة اختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأكيد او الضرب من النظم والطريقة فيه [١١] .

المطلب الثاني  : مفهوم الأسلوب

ويتوضح مفهوم الأسلوب من خلال اتجاهين وهما :

الاتجاه الأول :

إذا سمع الناس كلمة (الإسلوب) فهموا منها هذا العنصر اللفظي الذي يتألف من الكلمات فالجمل والعبارات ، وربما قصروه على الأدب دون سواه من العلوم والفنون وهذا الفهم – على صحته – يعوزه شيء من العمق والشمول ليكون أكثر أنطباقاً على مايجب أن يؤديه هذا اللفظ من معنى صحيح وذلك إن هذه الصورة اللفظية التي هي أول ماتلقى من الكلام لايمكن أن تحيا مستقلة وإنما يرجع الفضل في نظامها اللغوي الظاهرالى نظام أخر معنوي أنتظم وتألف في نفس الكاتب أو المتكلم فكوّن بذلك أسلوباً معنوياً ، ثم تكوّن التألف اللفظي على مثاله وصار ثوبه الذي لبسه أو جسمه إذ كان المعنى في الروح ، ومعنى هذا أن للإسلوب  معان مرتبة قبل أن يكون ألفاظاً منسقة وهو يتكون في العقل قبل أن ينطق به اللسان أو يجري به القلم .

الاتجاه الثاني :

أن كلمة (الإسلوب) صارت هذه الأيام حقاً مشتركاً بين البيئات المختلفة ،ويستعملها العلماء ليستدلوا بها على منهج من مناهج البحث العلمي ،ويستعملها الأدباء في الفن الأدبي قصصاً أو جدلاً أو تقريراً ، وفي العنصر اللفظي سهلا أو معقداً وفي إيراد الأفكار منطقية أو مضطربة وفي طريقة التخيل جميلة ملائمة أو مشوهة نابية ، وكذلك الموسيقيون يتخذونها دليلاً على طرق التلحين وتأليف الأنغام للتعبير عما يحسون أو يخالون ومثلهم الرسامون فهي عندهم دليل على طريقة تأليف الألوان ومراعاة التناسب بينها ، وهكذا حتى أصبحت هذه الكلمة (أسلوب) تكاد ترادف كلمة الشخصية في المعنى لهذا كله كان إطلاقهم على هذا العنصر اللفظي ضرورة اقتضاها التعليم أولاً ولأنه هو مظهر العناصر الأخرى ومعرضها ثانياً [١٢] .

المطلب الثالث : نماذج من مميزات وخصائص إسلوبه في شرح النهج

وبغية الوقوف على نموذج لما ورد في النهج ببعض المغيبات وبيان اسلوب الشيخ ميثم البحراني وشرحه ودفاعه عن النهج ينتظم المطلب كالاتي :

النموذج ( عرض ودراسة وتعقيب)

 إسلوب الشيخ ميثم  الخاص والمتميز في كيفية توضيح علم أميرالمؤمنين(ع) ببعض المغيبات الواردة في النهج والرد على من أورد الشبهة .

قبل بيان الإسلوب والكيفية التي عالج وردّ بها شيخنا البحراني أوضح ماهية الشبهة .

أما فحوى الشبهة : ورد في بعض الخطب في النهج أنباء غيبية وأخبار الملاحم والفتن بما يختص علمه بالله تعالى وحده [١٣] .

الجواب والتعقيب عليها : ان الغيب يختص علمه بالله سبحانه وتعالى ومن أرتضاهم من أنبيائه وأوليائه وكم حوت السنة الشريفة أنباءاً غيبية وأخباراً عن الملاحم والفتن ، فقد أخبر الرسول(ص) بمغيبات كثيرة تحقق منها قبل زماننا ، وقسم تحقق في هذا الزمان :

فمن القسم الأول قوله(ص) ، لإم الفضل حيث ولدت عبد الله بن عباس : ((أذهبي بأبي الخلفاء)) وقوله(ص) حول علي(ع) : ((لايموت حتى تخضب لحيته من هامته)) ، ومن أشارته الى عائشة بأنها صاحبة الجمل وتنبحها كلاب الحوأب ...الخ  [١٤] ، وماذلك عن النبي الاكرم(ص) ، إلا بوحي من ربه العليم الخبير ، كذلك لاينطق أبن عمه وربيب حجره وصاحب سره في الملاحم والخفايا إلا بخبر عن رسول الله(ص) [١٥] وقد قيل له (ع) : ((لقد أعطيت ياأمير المؤمنين علم الغيب)) فضحك(ع) وقال للرجل وكان كلبياً : [ياأخا كلب ليس هذا بعلم غيب ، وإنما هو تعلم من ذي علم (أي من رسول الله(ص)) علمه الله نبيه فعلمنيه ، ودعا لي بأنه يعيه صدري] [١٦] (وتعيها أذن واعية) [١٧] ولاغرو فقد ثبت عن رسول الله(ص) فيه أنه قال : ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)) [١٨] فمن أختص بهذا الأختصاص لايستغرب منه أن يملأ الكتب من أسرار الكائنات وكامنات الحوادث ، وقد روى عنه(ع) أنه تنبأ بمصير الخوارج حينما أخبره الناس بأنهم عبروا النهر ، قال(ع) : ((لايفلت منهم إلا عشرة ولايقتل منا إلا عشرة)) [١٩] .

فكان الأمر كذلك وماكان علمه(ع)  وعلم الأئمة(ع)  من بعده – بأنباء الغيب إلا تعلم من ذي علم ، وهو رسول الله(ص) ويؤكد هذا المعنى ماروى عن الإمام موسى بن جعفر(ع) حين قال عن علمهم بالغيب : ((...  والله ماهي إلا وراثة عن رسول الله(ص) )) [٢٠] فقد أورد العلامة المحقق الشيخ ميثم البحراني مانصه بخصوص توضيح وبيان ماذكر في الشبهه بإسلوبه الفلسفي الحكيم الرائع الواضح الذي تميز به في شرحه للنـــــــهج وكما يلي:

((لايقال : لاتسّلم أن ذلك علم ألهمه الله أياه ، وأفاضه عليه ، بل الرسول(ص) أخبره بوقائع جزئية من ذلك ، وحينئذ لايبقى بينه وبين غيره فرق في هذا المعنى ، فأن الواحد منا لو أخبره الرسول(ص) بشيء من ذلك لكان له أن يحكي ما قال الرسول(ص) وإن وقع المخبر به على وفق قوله ، ويدل على ذلك قوله بعد وصف الأتراك وقد قال له بعض أصحابه في ذلك المقام : لقد أعطيت ياأمير المؤمنين علم الغيب فضحك وقال للرجل وكان كلبياً : (( يااخا كلب ليس هذا بعلم غيب ، وإنما هو تعلم من ذي علم ، وإنما علم الغيب : علم الساعة وماعدده الله سبحانه وتعالى بقوله [أن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم مافي الأرحام  ...] [٢١] من ذكر وأنثى وقبيح وجميل وشقي وسعيد ومن يكون للنار حطباً ، أو في الجنات للنبين مرافقاً ، فهذا علم الغيب الذي يعلمه إلا الله وماسوى ذلك فعلم علمه الله نبيه(ص) ، فعلمنيه ، ودعا لي بأنه يعيه صدري وتضم عليه جوانحي ))وهذا تصريح بأنه يعلم من رسول الله(ص) لأنا نقول : إنا لم ندع ِأنه(ع) يعلم الغيب ، بل المدّعى انه كان لنفسه القدسية استعداد ان تنتقش بالأمور الغيبية عن افاضة جود الله تعالى ، وفرق بين الغيب الذي لايعلمه إلا الله وبين ما ادعيناه ، فأنّ المراد بعلم الغيب هو العلم الذي لايكون مستعاداً عن سبب يفيده وذلك إنما يصدق في حق الله تعالى إذ كل علم لذي علم عداه فهو مستفاد من وجوده إما بواسطة أو بغير واسطة فلايكون علم غيب وأن كان أطلاعاً على أمر غيبي لايتأهل للأطلاع عليه كل الناس ، بل يختص بنفوس خصت بعناية إلهية كما قال تعالى : [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه إلا من أرتضى من رسول] [٢٢] فإذا عرفت ذلك ظهر أن كلامه(ع) صادق مطابق لما أردناه فأنه نفى أن يكون ما قاله عن غيب لأنه مستفاد من وجود الله سبحانه وتعالى وقوله(ع) ((وإنما هو تعلم من ذي علم)) [٢٣] ، إشارة الى وساطة تعليم الرسول له وهو إعداد على طول الصحبة بتعليمه ، وإشار الى كيفية السلوك وأسباب التطوع والرياضة حتى أستعداد للأنتقاش بالأمور الغيبية والإخبار عنها وليس التعلم هو أيجاد العلم – وإنما كان أمراً قد يلزم أيجاد العلم – فتبين أن تعليم رسول الله(ص) لم يكن مجرد توقيفه على الصور الجزئية بل إعداد نفسه بالقوانين الكلية ، ولو كانت الأمور التي تلقاها عن الرسول(ص) صوراً جزئية لم يحتاج الى مثل دعائه في فهمه لها فأن فهم الصور الجزئية أمر ممكن سهل من حق من له أدنى فهم ، وأن مايحتاج الى الدعاء ، وإعداد الأذهان له بأنواع الإعدادات هو الأمور الكلية العامة للجزئيات وكيفية أنشعابها عنها وتفريعها وتفصيلها وأسباب تلك الأمور المعده لإدراكها ، ومما يؤيد ذلك قوله(ع) ((علمني رسول الله ألف باب من العلم فأنفتح لي من كل باب ألف باب)) [٢٤] وقول الرسول(ص) ((أعطيت جوامع الكلم وأعطي على جوامع العلم)) [٢٥] والمراد بالأنفتاح ليس إلا التفريع وأنشعاب القوانين الكلية عما هو أهم منها ،وبجوامع العلم ليس إلا ضوابطه وقوانينه ، وفي قوله تعالى [وأعطي] بالبناء للمفعول دليل ظاهر على أن المعطي لعلي جوامع العلم ليس هو النبي(ص) بل الذي أعطاه ذلك هو الذي أعطى النبي(ص) جوامع الكلام هو الحق سبحانه وتعالى ، أما الأمور التي عددها الله سبحانه فهي من الأمور الغيبية وقوله لايعلمها أحد إلا الله كقوله :

[وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ] [٢٦] وهو محتمل للتخصيص لما هو في قوله((عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من أرتضى من رسول)) [٢٧] وهذا الأمر واضح لايحتاج العاقل في أستكشافه الى كلفة [٢٨] .

عرض رآي العقاد والتعقيب عليه :

أورد عباس محمود العقاد مانصه(عندما خفي عليه هذا المعنى ولم يقف على كلام الإمام علي(ع) في نهج البلاغة) : (التهيؤات التي جاءت في نهج البلاغة عن الحجّاج وفتنة الزنج وغارات التتار وما إليها هي من مدخول الكلام عليه مما أضافه النساخ الى الكتاب بعد وقوع تلك الحوادث بزمن قصير أو طويل) [٢٩] وهذا من الأشكالات الغريبة.

تعقيب ومناقشة للسيد الحسيني رداً على العقاد :

(والعجب أن هذا الرأي يصدر من كاتب له قدم راسخة في التحقيق ، ولآرائه قيمة عند الأدباء ، ولكتبه سوق رائجة بين الناس ؟

هب أن الأخبار عن الحجّاج وفتنة الزنج أضيفت الى الكتاب بعد صدوره بزمن قصير أو طويل لأنه لايريد أن يتهم الرضي بالوضع – ولكن كيف يضاف الى الكاتب الإخبار عن فتنة التتار ، وكل حوادث التتار من أبتداء من حملات جنكيز خان الى احتلال هولاكو بغداد كان مابين سنة (٦١٦هـ) الى سنة (٦٥٦هـ) وهذه نسخ(نهج البلاغة)المخطوطة قبل هذا التاريخ منها نسخة المتحف العراقي المؤرخة(٥٥٦هـ) أي قبل وقوع تلك الحوادث بمائة عام ، وفيها هذا الكلام الذي يشير فيه الإمام أمير المؤمنين(ع) الى تلك الفتن والمحن وهو لايختلف عما في النسخ المطبوعة بل والمخطوطة ايضاً) [٣٠] علماً بأن ذلك مذكور في شرح أبن أبي الحديد المعتزلي [٣١] وشرح الشيخ ميثم البحراني [٣٢] كما ذكرنا آنفاً فقد أورد موضحاً أبن أبي الحديد ما نصه  : ((وأعلم أن هذا الغيب الذي أخبر(ع) عنه قد رآيناه نحن عياناً ، ووقع في زماننا وكان الناس ينتظرونه من أول الإسلام حتى ساقه القضاء والقدر الى عصرنا ، وهم التتار الذين خرجوا من أقاصي المشرق ...)) [٣٣] وأخيراً فمن أدخل هذا الكلام ياترى ؟ وأي ناسخ أضافه ؟

وهل نسبة علم الغيب الى الوضّاعين والناسخين أقرب الى القبول من علم علي بالغيب ؟...!!!

المبحث الثالث : دراسة نقدية ومنهجية حول كتاب (اختيار مصباح السالكين) إنموذجاً :

رغم مرور أكثر من ألف عام على ظهور نهج البلاغة فأنه مازال يتفاعل في أوساط النقاد والأدباء بل تناوله كلا من اختصاصه وقرائته فهو كتفسير الكتاب الكريم ، كما لو كان حدثاً جديداً لم تستنفذ دراسته وفهمه ، وفعلا قد تناوله الأقدمون تارة بالشروح وأخرى بالملاحظات النقدية فيما يتعلق بصحة نسبته بالإمام علي(ع) وماتزال بعض الدراسات الحديثة تقدم شيئاً جديداً ، وأما بالنسبة لطول الشوط الزمني للآهتمام بهذا الكتاب فأنه يعد أهم سفر قيّم بعد القرآن الكريم والحديث الشريف ، والمعركة حوله من أهم المعارك في التراث الإسلامي والأدب العربي[٣٤] .

( اختيار مصباح السالكين )

اهمية دراسة وبحث الشرح المتوسط ( اختيار مصباح السالكين ) :

انصب بحثي في هذا المبحث على الشرح المتوسط ( اختيار مصباح السالكين ) لاهمية دراسته والذي أود أن أوضحه أن النقاش حول النهج لم يكن دائماً نقاشاً أدبياً أو موضوعياً فيكتفي بأدوات الحوار المعتادة ، وإنما يأخذ بعض الأحيان شكل المعارك التأريخية والعصبيات المذهبية بحيث يبرز الدور الأكبر للعاطفة وذلك لأن صاحب هذا الكلام في هذا الكتاب(الإمام علي بن أبي طالب(ع)) فصورة علي(ع) لدى اخواننا من أهل السنة لاتنسجم غالباً مع وجود خطبة في نهج البلاغة (الخطبة الشقشقية) تتضمن رآيه في الخلفاء الثلاثة ، وهو رآي ينطوي على نقد صريح يتعلق بأحقيته الخلافة ، وقد عالج الشيخ ميثم البحراني الكثير من الأشكالات التي حاول تصويرها بعضهم حول محتويات النهج وما ضمه بين دفتيه من مواضيع قد تبدو غريبة على الواقع الموضوعي لكلام أمير المؤمنين(ع) .

فقد أزاح الغبار الذي تركته الصراعات المذهبية عبر بيان أن الأسلوب المجازي البليغ الذي صيغت به تلك العبارات يجعل من الصعب وصمها بـ(السب) الصراح و(الحط) من الخليفتين أبي بكر وعمر.

فالنقد الموضوعي من قبيل (أما والله لقد تقصمها أبن أبي قحافة وأنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى) او (فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته) ليس سباً أو حطاً إلا إذا أخذنا بالأعتبار أن القائل ليس علياً وإنما شخص آخر متأخر عنه أو أن صورة علي(ع) عند الناقد ليست الصورة الواقعية له .

الملاحظ أن الناس من ذوي الأقدار المتواضعة في دنيا الثقافة لا يعرفون كبير فرق بين النقد والشتم ، فالتاريخ يحدثنا عن الصراحة المتبادلة بين صحابة النبي(ص) وقد كانت المعارك الحربية في حالات نادرة – جزءاً – من تلك الصراحة .

لقد قرأ المحقق ميثم البحراني النص في نهج البلاغة في سياقه التأريخي وظروفه الأجتماعية وأوضاع زمانه الفكرية وسوف نعطي هنا مثالا توضيحياً من معضلة توّقف عندها بعض المعترضين لشخصية الإمام علي(ع) وعبقريته مع إعجابهم البالغ به ، وأستفاد منها أخرون للإشكال على (نهج البلاغة) وهي قضية ورود مصطلحات أو مفردات أصطلاحية تخص علوماً لم يعرفها المسلمون إلا بعد سنوات طويلة على وقت صدورها .

وتخص هذه المفردات والصياغات الذات الالهية والصفات التي جاءت ضمنها أعقد قضايا علم الكلام وهي الكلام عن الذات والصفات الألهية .

أنظر مثلا الخطبة التي يوردها إبراهيم بن هلال الثقفي المتوفى سنة(٢٨٣هـ) في كتابه(الغارات) وهو سابق على النهج بنحو مائة عام(فتبارك الله الذي لايدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن وتعالى الذي ليس لصفته نعتا موجود ولاوصف موجود ولااجلا ممدود وسبحان الذي ليس له أول مبتدأ ، ولاغاية منتهى ولآاخر يفنى فسبحانه هو كما وصف نفسه ، والواصفون لايبلغون نعته...) [٣٥] .

وأنظر أول خطبة من خطب نهج البلاغة في حديثه عن التوحيد أيضاً ، وهي أشدها غرضاً للمغرضين وآثارة يقول(ع) : ((أول التوحيد معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله ...)) [٣٦] .

ويرى المحقق البحراني أن ظاهر هذه الخطبة أوصاف بلاغية وألفاظ جاءت على الأشتقاقات المألوفة في اللغة فكون اللفظة عربية والأشتقاق منها عربي لا يضر عدم اطلاع هؤلاء عليها في كلام العرب في الجاهلية أو الإسلام . ولكن هذا الدفاع لا ينجح في طرد الشبهة كما يبقي الحيرة مراودة للعقول المنصفة .

ونظراً الى منهجه أعتمد على فحص نصوص (النهج) من حيث سياقاتها الزمنية وواقع عصرها الفكري والأجتماعي ، نجد المحقق ميثم البحراني قد أتبع أمارات هذا المنهج ويبدو أن إيمانه بقطعية صدور (النهج) عن أمير المؤمنين(ع) أوقفته عن الأستغراق في تحقيق المسألة وأشهد له (أذا كانت لشهادتي قيمة) بالقابلية التامة على أنجاز هذه المهمة .

فهو في شرح الخطبة السابقة يتوقف عند كلمة (همامة) في قوله(ع) : ((ولا همامة نفس أضطرب فيها)) فقد فند الرأي الذي يقول : أن الهمامة بمعنى الهمة فقال : ((واللغة العربية ما عرفنا فيها أستعمال الهمامة بمعنى الهمة ، والذي عرفناه الهمة والهمَة بالكسر والفتح والمهمة وتقول لا همام لي بهذا الأمر مبني على الكسر كفطام ولكنها لفظة اصطلاحية مشهورة عند أهلها )) [٣٧] .

ولذا يتوجب علينا بناء علم الكلام وفق ماورد عند الإمام علي(ع) في سياق تاريخي حضاري غير ماتعارفنا من طرق الأمور بأجمالها ، وتبتغي مراعاة الدقة والتخصص والبحث التاريخي والفلسفي العميق وأتخاذ نظرة شمولية تراقب بدقة صعود الحضارات وهبوطها وتغير خارطة نفوذها الجغرافي وانتقال مراكز الفكر فيها وظهور الفرق والأديان وأصطراعها مع بعضها .

والذي أريد توضيحه في هذه الورقة ان هناك مجالا كبيراً ينتظر الدراسين لربط الحركة العلمية في أواخر القرن الأول بما تقدمها من زمن الرساله الإسلامية ومجتمعها ، وقد أقتصرت البحوث المنشورة في اغلبها على البحث الفقهي أو البلاغي ولم تتجاوزه الى البحث الكلامي ، وعلينا في هذا المجال أن نعيد النظر في فترة (عثمان بن عفان) على وجه الخصوص لما انطوت عليه من اضطراب واختلاف في المقالات ، ولآنها ستكون المقدمة التي جاءت بعدها الحوادث الكبرى كما اصطلح عليها طه حسين: ( الفتنة الكبرى) في تاريخ الإسلام وبداية تشكيل الفرق ، كما أن عصر الإمام علي(ع) لم يبحث بشكل كافِ ، بل أن المباحث الفلسفية والكلامية حول نهج البلاغة قليلة وموزعة على الشروح وكتب العقائد ولم تجمع في كتاب مستقل فهناك حاجة ماسة لتكملة هذه الجهود والسير بها خطوة متقدمة بأن تربط بمجمل تطور الفكر الفلسفي والكلامي الإمامي ثم الإسلامي العام .

أتهامات بلا دليل

لااريد استعراض ما جاء في هذه الأطروحة وإنما أقول : أن كثيراً من الدراسات الحديثة ليست حديثة إلا في التأريخ (تاريخ الطبع) لأن الأعتماد على آراء غير محققة هو للأسف ديدن العديد من اصحاب هذه الدراسات .

فإذا أخذنا ماكتبه إسعاف النشاشيبي وجمال سلطان وصفاء خلوصي وإحسان عباس وغيرهم نجد أن الأتهامات هي ذاتها ومايسمى بالأدلة هي ذاتها والفارق الوحيد هو في الإسلوب فقد كتب الباحث وارث حسن معلقاً على ماكتبه الدكتور صفاء خلوصي عن (نهج البلاغة) في أطروحته الموسومة (التأثيرات الشيعية في الأدب العربي) كذلك مقالته في مجله Islamic Review في أكتوبر ١٩٥٠م قائلا : ((أن تعليقات خلوصي عن ..(كذا وكذا) مطابقة لما ذكره جميل سلطان بصورة تجلب النظر )) وفات وارث حسن أن جميل سلطان هو الآخر هضم حقوق التأليف لأسلاف له على رأسهم الشيخ ميثم البحراني ولم يأتِ بشيء ذي بال من عنده رغم أن أنجازه للأطروحة أستغرق ثمانية سنوات ! إضافة الى هذا فأنه حوّر المعنى بما يفيد الشك علماً أن الذي بذر بذور الشك بحسب الرأي المشهور [٣٨] هو أبن خلكان (٦٨١هـ) ثم أبن تيمية (٧٢٨هـ) في منهاج السنة النبوية ، والذهبي في (شذرات الذهب) المتوفى سنة(٧٤٨هـ) ، والصفدي (ت٧٦٤هـ) في الوافي بالوفيات ، وأبن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ) في لسان الميزان ، كل هؤلاء رددوا شكوك أبن خلكان وربما أضافوا إليها تعليلات أخرى وهكذا يتحول هذا الصرح الضخم من الدراسات النقدية الى ركام من احجار مكررة بليدة [٣٩] .

وهو أمر مؤسف فكتاب نهج البلاغة برأي المتواضع ليس فوق النقد تنزلا من الناحية الاسلوبية والجمالية ، وليس من الناحية العقدية والايدلوجية  لكنه يستحق نقداً موضوعياً جاداً ، نقداً على مستوى بعض الشروح التي خلدت ذكره مثل شرح الشيخ ميثم البحراني وهو من كبار الأدباء في القرن السابع الهجري والمأمول أن يتصدى للنقد أيضاً أدباء كبار من هذا العصر بعيداً عن الأهتمامات غير الأدبية .

وأستميحكم العذر لأني لم أفصل وتركت كثيراً من التفصيلات على أمل مواصلة هذه الدراسة في فرصة أخرى بإذن الله تعالى .

-------------------------------------------------------------------
[١] . نهج البلاغة : جمع الشريف الرضي (المقدمة) .
[٢] . عبقرية الشريف الرضي : د. زكي مبارك ١/١٢٥ .
[٣] . (*). البحرين قديماً كانت تضم الإحساء والقطيف وأوال (أي البحرين) .
[٤] . وهو أصح الرويات بتأرخ وفاته كما ذكر ذلك الطهراني في الذريعة وأغلب المترجمين ، وأنه أنتهى من الشرح الصغير سنة ٦٨١هـ . ينظر ، لؤلؤة البحرين ، ص٢٦١+أنوار البدرين ، ص٦٦ .
[٥] . وهذه الطريقة متبعة ومعروفة في الدراسة الحوزوية في مدرسة النجف الأشرف والحلة الفيحاء وباقي الحوزات ، التدريس والتلمذه في آن واحد .
[٦] . روضات الجنات : الخوانساري ٧/٢١٩ .
[٧] . فقد ورد في بعض المصادر والبحوث بمنهج العرافين كما ورد في بحث السيد محمد بحر العلوم عام ١٩٩٩م ويبدو ان الصحيح ( العارفين) كالشروح الاخرى كالسالكين ومختصره وكذلك ورد في بعض المصادر الاخري بالعارفين . ينظر مصادر نهج البلاغة واسانيده : السيد عبد الزهرة الخطيب  ١/٢٧٣ 
[٨] . لسان العرب : ابن منظور ، المجلد(١) ص٤٧٣ .
[٩] . م.ن + مختار الصحاح : أبو بكر الرازي ص٣٠٨ طبع دار الرسالة الكويت١٩٨٣م .
[١٠] . الأسلوب : أحمد الشايب ، مطبعة السعادة ، ط٤ ١٩٥٦م ، ص٤١ .
[١١] . م.ن.
[١٢] . الأسلوب : أحمد الشايب ، ص٤٤ .
[١٣] . م . ن .٤٠
[١٤] . ينظر ماهو نهج البلاغة : للسيد هبة الدين الشهرستاني ص٥٤ .
[١٥] . الجديد في الأدب العرب : حنا فاخوري ص٣٨٢ .
[١٦] . ماهو نهج البلاغة : للسيد هبة الدين الشهرستاني ص٥٤-٥٥.
[١٧] . شرح نهج البلاغة : أبن أبي الحديد ١/٢٤٥-٢٤٦ .
[١٨] . الحاقة / ١٢ .
[١٩] . ماهو نهج البلاغة : للسيد هبة الدين الشهرستاني ص٥٥ .
[٢٠] . شرح نهج البلاغة : أبن أبي الحديد ١/٢٤٥ (وفيه جمهرة من المغيبات م.ن م١/٢٠٨) .
[٢١] . الأمالي : الشيخ المفيد (محمد بن محمد بن النعمان) ص١٣ .
[٢٢] . لقمان /٣٤ .
[٢٣] . الجن / ٢٦-٢٧ .
[٢٤] . شرح نهج البلاغة : ميثم البحراني ١/٨٣-٨٤ .
[٢٥] . شرح نهج البلاغة : ميثم البحراني ١/٨٣-٨٤ .
[٢٦] . الكافي : الكليني (كتاب العلم) .
[٢٧] . الإنعام / ٥٩ .
[٢٨] . الجن / ٢٦ -٢٧ .
[٢٩] . شرح نهج البلاغة : ميثم البحراني ١/٨٣-٨٤ .
[٣٠] . عبقرية الإمام علي : عباس محمود العقاد ، ص١٤٠-١٤١ .
[٣١] . مصادر نهج البلاغة وأسانيده : السيد عبد الزهراء الحسيني ، المدخل ،ج١،ص٢٠٧-٢٠٨ .
[٣٢] . شرح النهج : ابن ابي الحديد المعتزلي ٨/٢١٨ الطبعة الجديدة .
[٣٣] . شرح نهج البلاغة : ميثم البحراني ١/٨٣-٨٤ .
[٣٤] . شرح النهج : ابن ابي الحديد المعتزلي ٨/٢١٨ الطبعة الجديدة .
[٣٥] . أمل الأمل: العاملي ٢/٣٣٢ .
[٣٦] . ابراهيم بن هلال الثقفي : الغارات ، تحقيق السيد جلال الدين المحدث ، طهران، ١٣٩٥هـ .
[٣٧] . من خطاب النهج في باب التوحيد ، ينظر الخطبة رقم(١) ، ١٨٣ ، ٦٣ و١٨٤ .
[٣٨] . اختيار مصباح السالكين : الشيخ ميثم البحراني (شرح الخطبة) .
[٣٩] . عبد الزهراء الحسيني : مصادر نهج البلاغة وأسانيده – النجف الأشرف/١٩٦٦ ، ١/١١٥ .
****************************