وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                
وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.                
وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                
وقال (عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَيَنْفَدُ.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.                
وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                

Search form

إرسال الی صدیق
إستخدام الأمثال في نهج البلاغة

علي حسين الخباز

يسعى النص الخطابي إلى احتواء روحية المتلقي ومشاعره من خلال مرتكزات جمالية، تستوعب أخلاقية امة وتفكيرها وعقليتها وتقاليدها وعاداتها وتصوراتها الاجتماعية والعقلية السياسية والدينية كقوله (عليه السلام )( البخل عار والجبن منقصة والفقر بخرس الفطن عن حجته والمقل غر يب في بلدته والعجز آفة والصبر شجاعة والزهد ثروة والورع جنة ) والمقل الفقير والجنة الوقاية وهناك الكثير من الأطر المفاهيمية في نهج البلاغة احتوت تجارب سالفة لها استنتاجات منطقية ذات دلالة واقعية عبر عدة إشتغالات فنية منها استعارة الأمثال ليرتقي الخطاب من خلالها إلى استيعاب مكونات إنسانية سعت في مختلف المواقف والأحداث للتعبير عن عمق وجودها الدلالي كقوله عليه السلام ( نعم القرين الرضى والعلم وراثة كريمة والآداب حلل مجددة والفكر مرآة صافية ) ويراها (النظام): أنها تجمع إيجاز اللفظ وتصيب المعنى وتحسن التشبيه وتفعّـل المسعى التدويني، مثل قوله عليه السلام: (من وثق بالماء لم يظمأ) ومثل هذا المدلول البسيط يمنحنا الاستدلال والاستقراء والتفسير لنصل إلى استنتاج مفهومي يرتكز على سهولة وخفة المثل ليكون سهلا لاحتفاظ الناس به عبر أزمنة مختلفة تقدر على الحضور في أي لحظة يشاؤها المبدع في أي مرتكز توصيلي. كقوله عليه السلام ( صدر العاقل صندوق سره والبشاشة حبالة المودة والاحتمال قبر العيوب ومن رضى عن نفسه كثر الساخط عليه ) والحبالة سبكة الصيد والبشوش يصيد مودة القلوب ومن تحمل الاذى خفيت عيوبه كانما دفنت في قبر واغلب تلك الأمثال تأتي مقرونة بقصة معروفة في موقعها الأصلي فنجد إن الإمام علي عليه السلام يقول: (هيهات بعد اللتيا والتي) ويقصد بعد ظن من يرميني بالجزع من الموت في طلب حقي بعدما ركبت الشدائد وقاسيت المخاطر صغيرها وكبيرها، وأما بالنسبة للمثل فقيل: أن رجلا تزوج بقصيرة أشقته فطلقها وتزوج أخرى طويلة فكانت اشد أذى فطلقها وقال: لا أتزوج بعد اللتيا والتي، فراحت مثلا في الشدائد والمصاعب صغيرها وكبيرها، وأما قوله (هيهات) نفي لما عساهم يظنون من جزعه من الموت عند سكوته.

والكثير من هذه الأمثال ذات القصص وردت في نهج البلاغة كقوله عليه السلام: (لو كان يطاع لقصير أمر) وقصير هو مولى جذيمة المعروف بالأبرش أشار على سيده أن لا يأمن من الزباء ملكة الجزيرة فخالفه وقتل فراحت مثلا...

وعملية استحضار المثل تدل على إمكانية انتقائية عالية لاختيارات المضمون الأمثل والأقرب الذي يعبر عن حيثيات الموقف القصدي، وتأتي بعض تلك الاشتغالات لتصوير موقف معاش عبر قصة ربما كانت سببا مباشرا للتحرير والتدوين كقوله عليه السلام: (فَعَلَ فِعْل السادات وفر فرار العبيد) حيث أن عامله على اردشير (مقصلة بن هبيرة الشيباني) اشترى خمسمائة أسير امتنع عن دفع المبلغ ثم لحق بمعاوية.

ونجد ثمة خاصية مهمة في الاستعارة المثلية عند الإمام علي عليه السلام لكون اغلب الذي استعاروا الأمثال أو ابتكروها ممن عرفوا بالرقي والانضباط الأسلوبي كالأكثم بن صيفي وعامر بن ربيعة وعامر بن الضرب وهرم ولبيد كانت أمثالهم خالية من التفنن التصويري لكونها ترد على ألسنة العوام عفويا، وحتى أن بعضها يخرج عن القواعد الصرفية والنحوية دون أن يعيبها احد مثل قولهم: (أجناؤها بناؤها) وجمع جان وبان خطأ والصواب جناتها- بناتها... وبعضها كان يغلب عليه الغموض، أما عند الإمام علي عليه السلام فكان المثل يأخذ شكلا آخر فيه الجمالية والتألق وتصوير المشهد القصدي، حتى أن بعضه ورد لأول مرة عنده فصار مثلا، كقوله عليه السلام: (عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق فما عدا مما بدا) يقول محمد عبده في شرح النهج: انه أول من قالها بعد أن أرسل لقاء الزبير يطلبه إلى طاعته قبل حرب الجمل. والأمثلة كثيرة ونجد ثمة استخدامات أخرى حيث يرى أهل النقد إن الاستشهاد بالأمثال جزء من عملية الاحتجاج، فلذلك كان العرب لا يستشهدون إلا بقصائد شاعر موثوق بفصاحته ومعروف بقبيلته لكننا نرى أن مثل هذه الاشتغالات كانت موضوعية بحتة وترجع للقيمة الانتقائية الدور الأمثل لاختيار ما يناسب الموقف المعروض من شعر، فحين تواترت الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد قال الإمام علي (ع: (ما هي إلا الكوفة اقبضها وابسطها إن لم تكوني إلا أنت تهب أعاصيرك فقبحك الله، وتمثل بقول الشاعر:

لعمر أبيك الخير يا عمرو أنني ***** على وضرٍ من ذا الإناء قليل

والوضر: غسالة السقاء، وبقية الدسم في الإناء. والبيت يضرب مثلا لقلة الخير في أناس وعدم المنفعة بهم. ويستشهد عليه السلام في موقع آخر:

أمرتكم أمري بمنعرج اللوى***** فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد

وفي الخطبة الشقشقية استشهد بقول الأعشى:

شتان ما يومي على كورها***** ويوم حيان أخي جابر

ونجد إن العرب قد ابتعدت عن الاستشهاد بالآيات القرآنية ضمن أحاديثهم وخطبهم رغم انه أوثق نص وانه سيد الحجج كما يرونه، فقد استشهد الإمام علي عليه السلام بكتاب الله في الكثير من المواقع، مثل إيراده قول الله تعالى: (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) وهي التي وردت مرة واحدة في سورة فاطر الآية (١٤) وتجري مجرى الأمثال وتضرب بعد الإدلاء بالنصح والموعظة من عارف وحكيم بأمور الدنيا وتقلباتها ومثل هذه الاشتغالات كثيرة في نهج البلاغة .

****************************