وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.                
وقال (عليه السلام):مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام) : هَلَكَ فِي رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَال ، وَمُبْغِضٌ قَال .                
وقال (عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَيَنْفَدُ.                
وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.                

Search form

إرسال الی صدیق
إضاءات من النهج ... سمو العبادة في نهج البلاغة

محمد الصفّار

إن المقارنة بين ما يطغى على مجتمعنا الإسلامي الآن من تخبط وفوضى وما نعيشه من تناحر وانقسامات متعددة ومتباعدة ومتصارعة وبين الروح الجوهرية للإسلام والمفاهيم النبيلة التي جاء بها نبينا لتوحيد الأهداف بين الشعوب والتقارب فيما بينها، تقتضينا خلق حالة من التبادل والتفاعل في سلوكنا مع تلك المفاهيم والقيم والأخلاق السامية.

بعضهم يرى في هذا التفاعل والتبادل والحوار، رجوعاً وانحساراً إلى الماضي من قبل أفراد مجردين ومنعزلين تائقين لمجتمع الأمس، وهذا البعض، محدود النظرة، أحادي التفكير، وجاهل بحقائق التاريخ الناصعة التي حفلت بالرجال العظماء الذين مثّل سر عظمتهم، في تخطيهم عصرهم إلى عصور لاحقة، فتفاعلت هذه العظمة مع العملية التاريخية لتكون ممثلة وخالقة لمجتمعات استطاعت تغيير العالم ونمط الأفكار السائدة.

فالماضي، وليس كل الماضي، بل المشرق منه، الذي تفخر به المجتمعات، هو سجل وممثل لما يراه أي عصر من العصور اللاحقة كنموذج يُحتذى به، وبأخلاقياته، وتمكين الإنسان من فهمه له، هو زيادة فهمه للحاضر بشكل كامل.

* علي «(عليه السلام)».. نافذة للمستقبل الزاهر

وبالرجوع إلى ذلك الماضي المشرق نجد أن رجالاً سلّطوا عليه أوج عظمتهم، فسطع على أيديهم وبقي سطوعه يمد الأجيال بما سطرت عليه تلك الأيادي من انجازات.

وما أحوج مجتمعنا اليوم إلى فتح نافذة على ذلك السطوع، فنحن بحاجة إلى فتح حوار تاريخي أخلاقي مع رجل عظيم ملأ تاريخنا سطوعاً.

رجل لم يعرف التاريخ الإسلامي ـ بعد النبي محمد- رجلاً كان بمستوى عظمته إلى الآن، وإلى يوم القيامة، رجلٍ كان مثالاً للإنسان الكامل الذي تجسّدت فيه كل معاني الخير، والصفاء، والنقاء، والعدل، والحق، والفضيلة، والإنسانية بأرفع قيمها، رجل ألهم البشرية المعنى الحقيقي للإنسان ووضع لها مبادئ العدالة الاجتماعية.

إنه علي بن أبي طالب، مبدع نهج البلاغة ـ القرآن الثاني- وهو أروع دستور خطته يد إنسان للأمة، يحقق لها مستقبلها الزاهر فيما لو عملت به وبتعاليمه.

إن مما يؤسف له حقاً، بل ومما يُدمَى له القلب أننا تركنا العمل بهذا السفر، ونبذناه وراء أظهرنا، واتخذناه مهجوراً، فالأمم تقتبس من تراثها ما ينير لها مستقبل أجيالها في جميع الفنون والآداب ومجالات الحياة الأخرى، وهي كلها دون ما ضمته صفحات هذا النهج من البلاغة والشمول والموسوعية والإحاطة بكل المجالات بما يفوق حد التخصص لأصحاب كل مجال، حتى أخذ منه أصحاب الاختصاص، كلٌ حسب اختصاصه.

فقد امتلأ هذا البحر الزاخر بعوالم الحكمة، والفلسفة، والنصح، والموعظة، والسياسة، والاجتماع، والعرفان، والعبادة وهو ما أذهل العلماء، ومنهم جامع هذا النهج السيد الشريف الرضي حيث يقول:

«..ومن عجائبه التي انفرد بها، وأمِنَ المشاركة فيها، أن كلامه الوارد في الزهد والمواعظ والتذكير والزواجر، إذا تأمله المتأمل، وفكّر فيه المفكر، وخلع من قلبه أنه كلام مثله ممن عظم قدره، ونفذ أمره، وأحاط بالرقاب ملكه، لم يعترضه الشك في أنه كلام من لاحظ له في غير الزهد والعبادة، ولا شغل له بغير العبادة، قد قبع في كسر بيت، أو انقطع إلى سفح جبل، لا يسمع إلا حسه، ولا يرى إلا نفسه، ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب مصلتاً سيفه فيقطع الرقاب ويجندل الأبطال، ويعود به ينطف دماً ويقطر مهجاً وهو مع تلك الحال زاهد الزهّاد، وبدل الأبدال، وهذه من فضائله العجيبة، وخصائصه اللطيفة التي جمع بها بين الأضداد، وألف بين الأشتات، وكثيراً ما أذكر الأخوان بها، واستخرج عجبهم منها، وهي موضع العبرة بها والفكر فيها».

ويقول محمد عبده عندما يقع كتاب نهج البلاغة في يده: «فتصفحت بعض صفحاته، وتأمّلت جملاً من عباراته من مواضع مختلفات، ومواضع متفرقات، فكان يخيل لي في كل مقام أن حروباً شبت، وغارات شنت، وإن للبلاغة دولة، وللفصاحة صولة... وإن مدبر تلك الصولة هو حامل لوائها الغالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحس بتغير المشاهد وتحول المعاهد».

ويقول الكاتب اللبناني - المسيحي- ميخائيل نعيمة في مقدمة كتاب «الإمام علي صوت العدالة الإنسانية» لجورج جرداق:

«بطولات الإمام ما اقتصرت على ميادين الحرب، فقد كان بطلا في صفاء رأيه، وطهارة وجدانه، وسحر بيانه، وعمق انسانيته، وحرارة إيمانه، وسمو دعته، ونصرته للمحروم والمظلوم من الحارم والظالم، وتعبده للحق أينما تجلّى له الحق».

وهذا مما أبهر الشاعر صفي الدين الحلي أيضاً فضمنه في قصيدته التي مدح بها الإمام علّياً، (عليه السلام) فقال:

جُمعت في صفاتكَ الأضدادُ

 

ولهذا عزّت لكَ الأندادُ

زاهدٌ حاكمٌ، حليمٌ شجاعٌ

 

فاتكٌ ناسكٌ فقيرٌ جوادُ

شيمٌ ما جُمعن في بشرٍ قط

 

ولا حاز مثلهن العبادُ

خلقٌ يُخجلُ النسيمَ من اللطفِ

 

وبأسٌ يذوبُ منه الجمادُ

جلّ معناكَ أن يحيطَ به الشعــــرُ

 

ويحصي صفاتكَ النقّادُ

ولم يكن الإمام يهدف من خلال كلامه البليغ إظهار عبقرية أدبية، أو صناعة لفظية، فلم يكن الكلام عنده هدفاً بل وسيلة إلى أهدافه، لذلك تخطّى «نهج البلاغة» حدود عصره، وتخلّد عبر الزمان والمكان.

* كان كما أراد «الله»

من أهم الموضوعات التي حفل بها نهج البلاغة هي التوحيد، والعبادة، والصلة بين الخالق والمخلوق، وما يجب عليه أن تكون هذه الصلة بأرفع صورها الروحية، فقد زخرت خطب الإمام (ع) ورسائله وكلماته القصار بوصاياه بتقوى الله، وطاعته في السر والعلانية، وإقامة الفروض الواجبة.

كان، (عليه السلام)، يريد إحياء الفطرة الإنسانية المستقيمة الصافية التي يهتدي بها الإنسان إلى الإيمان بالله ومنها يدرك كونه مخلوقاً يترتب عليه إطاعة أوامر الخالق، وتجنب معصيته، ومن خلال ذلك تكوين مجتمع إيماني صادق، يؤمن بالحق والعدل والخير وهذه هي الغاية التي جاء بها الأنبياء، والكتب السماوية، كما أكد عليها النبي الأكرم، والقرآن الكريم.

كان علي، (عليه السلام)، أعلم الناس ـ بعد رسول الله- بالقرآن من حيث الظاهر، والباطن، والمحكم، والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ، والأهداف، والمقاصد حيث قال:

«والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت وأين أنزلت»، وشهد له معاصروه بذلك حيث قال عبد الله بن مسعود:

«إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا له ظاهر وباطن، وإن علي بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن». والأحاديث في ذلك كثيرة.

لقد علم علي، (عليه السلام)، بكل ما في القرآن الكريم، وعمل بكل ما فيه، فكان كما أراد الله والقرآن من الإنسان، وكانت عبادته كأسمى وأعلى وأزكى ما يتقرب به الإنسان إلى ربه:

«إلهي ما عبدتك، حين عبدتك، خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك».

هذه كانت عبادة علي، وهي أرقى أصناف العبادة حين صنفها، (عليه السلام)، في نهج البلاغة إلى ثلاثة أصناف كما في قوله:

«إن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار».

إن عالم العبادة في «نهج البلاغة»، لهو عالم السمو الروحي الذي تسبح فيه القلوب والأرواح في لذة رضوان الخالق، فعندما يصل الإنسان إلى هذه الدرجة يكون محصّناً من كل ما يغضب الله في سلوكه من غير زاجر:

«لو لم يتوعد الله على معصيته لكان يجب أن لا يُعصى شكراً لنعمته». لقد كان الهدف من العبادة في «نهج البلاغة» أن تُزكى القلوب وتطهر، وأن تكون العبادة، بكل جوارح الإنسان، وفي سره وعلانيته، وليس عبادة روتينية جامدة.

أرادها، (عليه السلام)، عبادة كما قال عزّ و جلّ: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}. فقد أكد كثيرا على الصلاة ثم قال: «وإنها لتحتّ الذنوب حتّ الورق وتطلقها اطلاق الربق». ويبيّن، (عليه السلام)، فوائد العبادة في الدنيا والآخرة فيقول:

«ومن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين بالصلوات والزكوات، ومجاهدة الصيام في الأيام المفروضات، تسكيناً لأطرافهم، وتخشيعاً لأبصارهم، وتذليلاً لنفوسهم، وتخفيضا لقلوبهم، وإزالة للخيلاء عنهم».

****************************