وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.                
وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                
وقال (عليه السلام):مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا.                
وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا.                
وقال (عليه السلام): رُبَّ مَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
الأثر الفكري في تمييز رجال الحديث من خلال نهج البلاغة

المدرس الدكتور: حســـن كاظــم أســد

جامعة ميسان - كلية التربية

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

لما كان دور أهل البيت, الأساس في الترصين والتنظير الفكري لفهم المراد من الخطاب الإلهي لئلا يقع تحت طائلة الأذواق الشخصية والتوجهات المذهبية، والرؤى الفرقية؛ ولكون الرسول , هو الرائد الأول في وضع الأسس لمدرسة أهل البيت , الحديثة ومن بعده الإمام علي , سار على نحوه بإقامة الحجة، والسير بالناس على الجادة القويمة, فكان نعم المؤل والمنهل، فهو قد أسس الإنطلاقه في العلوم الدينية بوجه عام وعلوم الحديث بوجه خاص، فقد وضع القواعد التي من خلالها تمحص الروايات؛ وسد الباب لمن حاول توجيه الخطاب الإلهي غير الوجهة الإلهية الحقيقية.

لهذا قسم البحث إلى ثلاثة مطالب وهي:

الأول: تأسيس الإمام علي  العلوم الإسلامية.

أ- شخصية الإمام علي  الفكرية.

ب- الدورالفكري في تفسير القرآن الكريم.

ج- الدورالفكري في تأصيل قواعد الحديث.

د-الدور الفكري في تأسيس العلوم الأخرى.

الثاني:علم الحديث وأدواره:

أ- التلقي.

ب- التأسيس.

الثالث:الاختلافات.

أ- مباني التوثيق الرجال.

ب- القواعد الكلية في كلام أمير الكلام.

خاتمة البحث.

المبحث الأول: تأسيس الإمام علي  العلوم الإسلامية.

أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  لفت انتباه الفكر الإنساني بصورة عامة بشخصية فذة عميقة جدا إذ تألق ليعانق مختلف ميادين العلم والحكمة, بحيث تلازم علي  والفكر والعلم والحكمة, فتجده مؤسساً لكثير من العلوم بمختلف تقسيماتها, وذلك ليس غريبا إذ أنه استقى العلم والحكمة من رسول الله  إذ خصه بعلم لا يتأتى إلا من قبله, إذ قال : (علمني رسول الله  ألف باب من العلم يفتح من كل باب ألف باب), بل هناك دلالة أخرى نجدها في قول الرسول الأكرم : (علي مع القرآن والقرآن معه), وهي من بين دلالات عديدة يمكن أن تفاد من هذا الحديث, وهي الاتحاد في المفاهيم العلمية والفكرية التي سلّم بإعجازها العلماء من عهد النزول إلى يومنا هذا وهي باقية إلى يوم القيامة, فالقرآن معجزة خالدة, وعلم وفكر مساوقان للقرآن الكريم لهما من الخلود المعجز لما للقرآن الكريم من خلود إعجازي, فالإمام يجسد القرآن, فهو القرآن الناطق. فعلم الإمام من مقومات الرسالة السماوية الخاتمة, إذ أنها رسالة عامة تكفلت بما يعنى بصلاح البشرية جمعاء, وعلي وصي الرسول الخاتم فلا شك أن(علمه من منبع الرسالة، المستمد من علم العلام جل شأنه), فعن عبد الله بن عباس(ت٦١هـ)، قال: (والله لقد أعطي علي بن أبي طالب  تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر), وذلك أن الله تعالى حباه بذلك ليكون مزودًا بمؤهلات فكرية ووقدرات ذهنية ارتفعت به إلى مستوى يفوق الذكاء عند سائر البشر, لما ألقي على عاتقه من تحمل مسؤوليات الرسالة بعد النبي , ومن ذلك يتضح الداعي لما قام به من أداء فكري و هو في معرض إرساء أسس العلوم من عدة زوايا انسانية ولاسيما منها الزوايا الفكرية والعلمية والسياسية والروحية النفسية, فعن سعيد بن المسيب ، قال: (ما كان أحد من الناس يقول: سلوني غير علي بن أبي طالب ), ويطل البحث على بعض تلك الملامح من خلال:

أ-شخصية الإمام علي (ع) الفكرية.

لو نظرنا إلى شخصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  بصفة بشرية مجردة, فإن تكوين  شخصية الإنسان يرجع إلى عوامل مهمة كل منها تسهم في تكوين الشخصية ويكون لها أثر عميق في بناء كيانها. ومن أهم هذه العوامل, الوراثة والتربية والبيئة, إذ أن كل ما يتصف به الإنسان من حسن الصفات أو قبيحها، تنشأ وتنمو من خلال هذه العوامل. فالأبناء لا يرثون من آبائهم المال والأوصاف الظاهرية فقط كملامح الوجه وغير ذلك, بل يمكن أن يرثون من كل ما يتمتع به الآباء من خصائص روحية وصفات أخلاقية عن طريق الوراثة أيضا . فالوراثة تؤثر في تحديد بعض صفات الشخصية، من حيث الاستعداد في النفس، فاذا وجدت البيئة المناسبة نمت وترعرعت بالاتجاه المناسب لها. من صفات جسمية, وصفات عقلية: كحدة الذكاء أو البلادة، والسجايا والميول والاهتمامات والاتجاهات, كالاهتمام أو عدم المبالاة، والرعونة وحدة الطبع، وسرعة الاجابة أو الخمول والجمود، والاحساس أو تعب الأعصاب، والانشراح والاكتئاب والسيكولجية الأخرى. إذ يؤثر عامل الوراثة في باطن كل إنسان بصورة فطرية جبلية أو الموجودة في كيانه بسبب الوراثة من الأبوين. كما أن التربية والبيئة لهما الأثر الواضح في بناء الشخصية (فإن في مقدور كل معلم أن يرسم مصير الطفل ومستقبله من خلال ما يلقي إليه من تعليمات وتوصيات وما يعطيه من سيرة وسلوك ومن آراء وأفكار ، فكم من بيئة حولت أفرادا صالحين إلى فاسدين ، أو فاسدين إلى صالحين), وعلي بن أبي طالب , ولد من أبوي شرف ورفعة وعفة, وأسرة تسنمت سنام الفخر والعزة, وتربى في حجر سول الله , فهو معلمه, وأشار  إلى ذلك, إذ قال: ( أنا وضعت في الصغر بكلاكل العرب، وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر. وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة. وضعني في حجره وأنا ولد يضمني إلى صدره ، ويكنفني إلى فراشه، ويمسني جسده ويشمني عرفه. وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه. وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل... ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه, يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري). وهذه المكونات انتجت شخصية فكرية سامية, سددها مقتضى الحكمة الإلهية لتحمل أعباء مسؤلية الإمامة الكبرى. فكان للإمام دور فكري ظاهر في تأسيس العلوم.

ب-الدور الفكري في تفسير القرآن الكريم.

تفسير القرآن الكريم على وجه الجزم والقطع لا يعلم إلا بأن يصح نصّ عن المعصوم في ذلك التفسير بعينه, ولما كان ذلك متعذرا إلا في آيات قلائل, فاستكشاف المراد يكون بتوسط مقدمات ودلائل وأمارات, وبذلك يكون التفسير -فيما لا نصّ فيه بالخصوص- كسائر العلوم الشرعية الأخرى, وعليه فيتركب التفسير من شقين نظري وآخر تطبيقي كأغلب العلوم, لتكون معياراً لتقويم المجال التطبيقي في التفسير, وقد كان لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب  الدور الأهم بعد رسول الله في الجانب التطبيقي, فهو مثال العمل الذي أراده القرآن الكريم, كما أنه قد فسر القرآن الكريم, فقد ورد عنه الكثير من التفسير لا سيما في نهج البلاغة, وقد جمع أحد الفضلاء التفسير الوارد عنه في كتاب, كما أن ما ورد من تفسير للقرآن عن طريق ابن عباس(ت٦١هـ) وابن مسعود(ت٣٢هـ) فهو عنه لأنهما تلميذاه, وكذا الأئمة المعصومون من أبنائه عليهم السلام.

ثم أنه فتح باب تأسيس القواعد الأولية للجانب النظري في التفسير, فهو أعرف بذلك وأجدر, فهو الثاني بعد الرسول الأكرم  في فهم خطاب الباري جلّ وعلا, عن عبد الله بن مسعود(ت٣٢هـ) ، قال: (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا له ظهر وبطن وإن علي بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن), وعن أبي الطفيل ، قال: (قال علي : سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار ، قي سهل أم في جبل), وروي عنه أنه قال: (والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت وأين أنزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا سؤولا), ومن هذا المنطلق نجد أنه  , فإنه جمع القرآن الكريم حفظاً وتدوينا, روى الكليني(ت٣٢٩هـ) بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي قال سمعت أمير المؤمنين يقول... إلى أن قال: "ما نزلت آية على رسول الله  إلا أقرأنيها وأملاها عليَّ فكتبتها بخطي وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها ودعا الله لي أن يعلمني فهمها وحفظها فما نسيت آية من كتاب الله ولا علما أملاه علي فكتبته منذ دعا لي بما دعا وما ترك شيئا علمه الله من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي كان أو يكون ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلا علمنيه وحفظته فلم أنس منه حرفا واحدا ثم وضع يده على صدري ودعا الله أن يملأ قلبي علما وفهما وحكمة ونورا. فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي مذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئا ولم يفتني شيء لم أكتبه أوَ تتخوف علي النسيان فيما بعد؟ فقال: لست أتخوف عليك نسيانا ولا جهلا", وروى أبو نعيم(ت٤٣٠هـ) في الحلية بإسناده عن علي  قال: "لمّا قبض رسول الله  أقسمت أن لا أضع ردائي على ظهري حتى أجمع مابين اللوحين، فما وضعت ردائي حتى جمعت القرآن", وقد أسس للعلوم التي بها يمكن التوصل إلى فهم المراد من الخطاب الإلهي في القرآن الكريم, من علوم مساعدة وعلوم أصيلة في تفسير القرآن الكريم, كعلم النحو فعن أبي الأسود الدؤلي رضي الله عنه قال: (دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فرأيته مطرقا متفكرا فقلت فيم تفكر يا أمير المؤمنين قال إني سمعت ببلدكم هذا لحنا فأردت أن أصنع كتابا في أصول العربية, فقلت إن فعلت هذا أحييتنا وبقيت فينا هذه اللغة ثم أتيته بعد ثلاث فألقى إلي صحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم الكلام كله اسم وفعل وحرف فالاسم ما أنبأ عن المسمى والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل), وعلم النحو من أهم العلوم الأساسية التي توظف جزئياتها في الأداء التفسيري المنهجي ليفضي إلى فهم القرآن الكريم، إذ أن النص القرآني عبارة عن بناء لغوي قائم على نظام اللغة العربية, وذلك يعطي لعلم النحو أهميته في الكشف عن المعنى المراد في ذلك النص, ومما ورد عنه "عليه السلام" من أسس عامة يمكن أن تعتبر آدابا في الآداء التفسيري, قوله: (اعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل، والمحدث الذي لا يكذب. وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدى، أو نقصان في عمى. واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة, ولا لأحد قبل القرآن من غنى فاستشفوه من أدوائكم واستعينوا به على لأوائكم، فإن فيه شفاء من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق والغي والضلال. فاسألوا الله به، وتوجهوا إليه بحبه، ولا تسألوا به خلقه إنه ما توجه العباد إلى الله بمثله. واعلموا أنه شافع مشفع، وقائل مصدق. وأنه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع فيه، ومن محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه، فإنه ينادي مناد يوم القيامة: "ألا إن كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله غير حرثة القرآن "فكونوا من حرثته وأتباعه واستدلوه على ربكم، واستنصحوه على أنفسكم، واتهموا عليه آراءكم، واستغشوا فيه أهواءكم. العمل العمل، ثم النهاية النهاية. والاستقامة الاستقامة، ثم الصبر الصبر، والورع الورع. إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم.

وإن لكم علما فاهتدوا بعلمكم. وإن للاسلام غاية فانتهوا إلى غايته. واخرجوا إلى الله بما افترض عليكم من حقه، وبين لكم من وظائفه. أنا شاهد لكم وحجيج يوم القيامة عنكم ألا وإن القدر السابق قد وقع، والقضاء الماضي قد تورد), فانتظم ذلك الآداب التي لابد أن يتحلى بها المفسر من آداب موضوعية, وآداب نفسية, فصحة الاعتقاد, وإخلاص والتفويض والتدبر والتفكر, من اعتقاد بجميع شرائط الإيمان والإسلام الذي دعا القرآن الناس إليها، وهي على ضربين: العلم والعمل، فالعلم هو معرفة الله تعالى والاعتقاد به والإيمان به،وبملائكته ورسله واليوم الآخر والعمل غايته معرفة أحكام الدين والعمل بها،فالعلم مبدأ، والعمل تمام, فلا يتم العمل بدون العلم, ولا بد للمفسر من الموضوعية في بحثه وهي أن يتخلى عن مؤثرات البيئة وشوائب العاطفة، فإذا تحقق ذلك تحققت الموضوعية وبرزت الحقائق العلمية, ووذلك من أسس تفسير القرآن, واستكشاف معانيه للوصول للمراد كما أراده الله تعالى، وهو الذي يحقق الشرعية للتطلع على أسرار القرآن أما المفسر الذي يتبع هواه فهو المتعدي على جمال القرآن الكريم ووحدته ومن مخالفات ذلك فسح المجال لأعداء الإسلام للنفوذ والنيل من كرامة وعظمة القرآن.

كما يستكشف النهي عن التفسير بالرأي في كتابه , لمعاوية, إذ جاء فيه: (وقد ابتلاني الله بك وابتلاك بي فجعل أحدنا حجة على الآخر، فعدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن,  فطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني، وعصبته أنت وأهل الشام بي, وألب عالمكم جاهلكم، وقائمكم قاعدكم. فاتق الله في نفسك).

بل إن جملة علوم القرآن بمصطلحه الفني بما يضم من مباحث تتعلق بمسائل التفسير عموماً, وتفسير آيات الأحكام خصوصاً, لتوقف العملية الاستنباطية على الاضطلاع من هذه المباحث, فعلوم القرآن بوصفه اسماً للعلم المدوّن, وهو منقول من المعنى التركيبي ليجعل عَلَماً, إذ أصبح مدلوله فناً قائماً بذاته, وهو أخصَّ من مدلوله بالمعنى التركيبي, ليشير إلى: المباحث التي تتعلق بالقرآن الكريم في ناسخه ومنسوخة ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده و خاصه وعامه ومجمله ومفصله, ومبهمه ومبينه, وقصصه وأمثاله, وفنه الجدلي, وما قارب ذلك .

وهذا المعنى يشمل كل علم وظف لفهم القرآن أو استند إليه, كعلم الناسخ والمنسوخ وعلم الفقه وعلم التوحيد، وعلم الفرائض وعلم اللغة وغير ذلك من العلوم التي تلتقي وتشترك في اتخاذها القرآن موضوعا لدراستها، وتختلف في الناحية الملحوظة فيها من القرآن الكريم , وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب , أول من أسس لعلوم القرآن, (فإنه أملى ستين نوعا من أنواع علوم القرآن ، وذكر لكل نوع مثالا يخصه ، وذلك في كتاب نرويه عنه من عدة طرق ، موجود بأيدينا إلى اليوم ، وهو الأصل لكل من كتب في أنواع علوم القرآن. وأول مصحف جمع فيه القرآن على ترتيب النزول بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو مصحف أمير المؤمنين علي عليه السلام ،والروايات في ذلك من طريق أهل البيت متواترة), وقد روى أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني (ت٣٨٠هـ) في كتابه المعروف بتفسير النعماني ما أملاه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  في بيان كثير من أنواع علوم القرآن ومفرداتها، إذ ذكر فيه ستين نوعاً، ومثل لكل نوع مثالاً يخصه .

ج-الدور الفكري في تأصيل قواعد الحديث.

أن أغلب العلوم تأتلف من شقين, شق نظري وشق تطبيقي, وذلك ظاهر في علم الحديث، فعلم الدراية الذي يعنى بقواعد الرواية تحملاً وأداءً, نشأ لمواكبة الجانب التطبيقي وهو المتعلق بالمتون الحديثية ذاتها, وكذا الفقه الإسلامي الذي يمثل الجانب التطبيقي، إذ اكتنفه علم أصول الفقه الذي يمثل الجانب النظري,ولا يختلف الحال بالنسبة إلى النحو وغيره من علوم اللغة. فقد مرّ الحديث أولاً بمرحلة تلقي الحديث الشريف عن النبي الأكرم , ثم احتيج إلى وضع مبادئ يرجع إليها من أجل معرفة صحة صدوره عن الرسول الأكرم , وما إلى ذلك من الضوابط, لما حصل جراء البعد الزمني بين عصر النص, فبعد أن قبض الرسول الكرم إلى الرفيق الأعلى  ونتيجة لظروف منع تدوين الحديث, وكثرت الكذابة على النبي الأكرم , فكان لا بد من جعل معايير وضوابط تمثلت بالتنظير لمبادئ علم الحديث, لما يشكل الحديث الشريف من أثر بالغ الأهمية في كونه المصدر الثاني للتشريع (إذ لولاها لما اتضحت معالم الإسلام، ولتعطل العمل بالقرآن، ولما أمكن أن يستنبط منه حكم واحد بكل ما له من شرائط وموانع، لان أحكام القرآن لم يرد أكثرها لبيان جميع خصوصيات ما يتصل بالحكم، وإنما هي واردة في بيان أصل التشريع، وربما لا نجد فيه حكما واحدا قد استكمل جميع خصوصياته قيوداً وشرائطَ وموانعَ) , فلا بد من مراعاة الضوابط وفق قواعد مفادة من علوم الحديث ومصطلحاته, وأول تنظير لهذه القواعد ما جاء عن أمير المؤمنين , وقد سئل عن وجوه اختلاف الحديث عن الرسول الأكرم , ومن كلام له  - وهو من الخطب في نهج البلاغة- وقد سأله سائل عن أحاديث البدع وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر، كلاماً مشتملا على إسس مهمة, كقواعد ضبط الإسناد والسند, وضبط مفردات المتن وجمله, وضبط توظيف الدلالة,وملاحظة ما يعرض للمنقول التفسيري من مشكلات داخلية وخارجية توجب تركه تارة كالحديث المنسوخ, وتجعله في مراتب المحتملات أخرى, كالمنقول بالمعنى.

وقد أشار المرجع الديني الأعلى السيدعلي الحسيني السيستاني "دام ظله" إلى بعض تفاصيل هذه المشكلات التي تعرض للحديث, فمن أبرز أسباب المشكلات الداخلية التي تعرض للمنقول التفسيري كنسخ الحديث أو تخصيصه أو تقييده بحديث مثله وانقسام الحديث من حيث انقسام حكمه, إذ قد يكون الحكم قانونياً, وقد يكون اجتماعياً عاماً وخفاء بعض الوقائع المكتنفة للحديث والكتمان, بالتورية أو بالتعريض, إذ قد يستدعي ظرف الحديث الإجمال وعدم التصريح, والاختلاف في أسلوب تبليغ الراوي, نصاً, أو تعليماً, أو إفتاءا. والمشكلات الخارجية من الدس في النصوص بين الزيادة والنقصان,والنقل بالمعنى وما يترتب عليه من أخطاء قد تؤدي إلى صرف النص لمعنى غير مراد, والإدراج, بإلحاق لفظ أو كلام في متن الحديث وهو ليس منه,من دون فرز أو تمييز بينهما, وتقطيع نصوص الأحاديث, بحسب الحاجة,مما يفوت ما تحمله وحدة السياق من دلالة, والخلط بين حديثين مستقلين بسند واحد, أثناء الاستدلال أو التفسير .

كما أن كلام الإمام عليه السلام فيه بيان انقسام الحديث من حيث انقسام الحكم الذي اشتمله, إذ يحمل الحديث من العمومية أو الخصوصية بحسب مناسبة حكمه وموضوعه ولحاظ مقام الولاية العامة للنبي أو من يقوم مقامه كالأوامر الصادرة عن رسول الله  بعنوان السلطنة الإلهية، كل ذلك من استجلاء الوقائع الخفية التي يمكن أن تكتنف الحديث الشريف إذ قد يروى الحديث بألفاظ معينة أو بيان معين لا تظهر منها بعض الدلالات إلا بالتأمل في ظروفه مثل التفريق بين المكي منها والمدني أو ما كان في الغزوات أو غيرها. وكل ذلك يتعلق بعلم الحديث ودرايته كالنقد المتعلق بالإسناد, فلا بد من الوقوف على معرفة المرفوع من الموقوف, وتقصي الوثاقة في الرواة, كما لا بد من مراعاة ألفاظ المتن وجمله لدخالته في الصحة أيضاً, فهو (من المهمات المتعلقة بفهم الحديث والعلم والعمل به) , ثم التأمل في اللفظة الغريبة قبل الحكم بمراد الحديث, وعدم إنكار اللفظة أو التسرع في الحكم على معنى معين, إذ أن الغرابة قد تنشأ من تفاوت الاستعمال بين زمن إطلاقها والزمن المتأخرة عنه .

والحق (إن هذه الوثيقة العلمية وضعت أسس علمي الرجال و الحديث، مستخلصة من واقع الرواة من الصحابة، و من خلال ما نسميه الآن بالدراسة الميدانية، و هذه الدراسة ألصق بالواقع و أصدق تعبيرًا عنه), إذ انطوت على التنبيه لإعمال الفكر في الإسناد وما يعتريه, والسند ورجاله, والمتن وما فيه, والدلالة وما إليها.

د-الدور الفكري في تأسيس العلوم الأخرى.

إن لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب  السبق في العلم والحكمة, وذلك ضرورة لازمة في الإمام لأجل أن يكون أهلا لمنزلة الإمامة الكبرى، وكفؤا لهذه المسؤولية، وقطبا تلتف حوله الناس وتطمئن إلى سبقه في العلم والحكمة والمعرفة، وقدرته الفائقة في مواجهة ما تبتلى به الأمة والدولة، فلا يحتاج إلى غيره ممن هم محتاجون إلى إمام يهديهم ويثبتهم. وهذه خصلة أشد ما تكون ظهورا في علي وأولاده المعصومين ، فقد كان مرجعا لأهل زمانه من خلفاء وغيرهم، يرجعون إليه في كل معضلة، ويلجأون إليه في كل مأزق، وأمرهم في ذلك مشتهر، وقد تكرر قول عمر بن الخطاب: لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن, ولم يكن فضله على عمر بأكثر منه على الآخرين، فلم تعرف الناس أحدا غيره قال: "سلوني ، فوالله لا تسألوني عن شئ إلا أخبرتكم".

وقال : (اندمجت على مكنون علمٍ لو بُحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية فى الطوىّ البعيدة), فقد حباه الله تعالى بعلوم الشريعة والعلوم المساعدة التي تصب في خدمة الشريعة, والعلوم التي تتعلق بالنشأتين,كأحوال أهل الجنة والنار, ففي نهج البلاغة ورد وصف المتقين إذ وصفهم لصاحبه همام الذي صعق من ذلك الوصف الذي كشف له وجه الحقيقة, أما بالنسبة للمخلوقات فقد جاء في نهج البلاغة مما يتعلق بالهيئة والجغرافية وعلم الحيوان من أوصاف المخلوقات كالطيور والحشرات وغير ذلك من الحيوانات, مما يعد أسسا علمية في علمي الوظائف والتشريح.

وقد أسس لعلم الاجتماع, وعلم النفس, وعلم التاريخ, وعلم الذرّة, وعلم الحساب,وعلم الفيزياء, وعلم طبقات الأرض وحركة الْجوّ, زائدا على العلوم الأخرى كعلم الآداب وعلم الموعظة وغيرها. ويمكن أفادة ذلك من مواضع كثيرة في نهج البلاغة, وقد ألف محمد الريشهري في تلك العلوم فاتسعت اثني عشر مجلدا, تحت عنوان "موسوعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في الكتاب و السنة و التاريخ.

وبعد أن يلحظ الباحث الدور الفكري لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام, في هذه العلوم فالكلام حول تأسيسه لقواعد علم الحديث يكون جلياً لا غبار عليه, لما للحديث الشريف من أهمية في ديمومة الرسالة التي أراد لها الله تعالى أن تكون خاتمة وعامة.

المبحث الثاني:علم الحديث وأدواره.

تقدم الكلام حول أهمية الحديث الشريف في التشريع وشئون الحياة الدنيا والآخرة, وقد مر الحديث الشريف بأدوار منذ عهد الرسول الأكرم , وما تعرض له من منع التدوين, وتوافر دواعي الكذب ووضع الحديث, فمنذ أن التحق النبي  بالرفيق الأعلى منع تدوين الحديث، حتى أصبح كبار الصحابة محذورا عليهم تدوين الحديث خصوصا في عهد الخليفة الثاني  وقد اشتهر عنه قوله "حسبنا كتاب الله", في حين بقيت الأمة حائرة وهي بأمس الحاجة إلى تدوين الحديث لمعرفة أحكامها الفقهية من الحلال والحرام والحدود في الدماء والفروج والأموال، ومسائلها العقائدية، وأمورها الحياتية، إلى أن أجاز عمر بن عبد العزيز تدوين الحديث بعد القرن الأول من الهجرة. غيران أهل البيت قاموا بتدوين  الحديث رغم الحظر الشديد، وذلك ابتداء من عصر النبي  فقد دوّن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب , فعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام, أنه قال (والله ان عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعا فيها جميع ما يحتاج إليه الناس حتى أرش الخدش املاء رسول الله صلى الله عليه وآله وكتبه على بيده صلوات الله عليه), فإذ أملى عليه الرسول الأكرم , جميع ما يحتاج إليه الناس, فالحديث الشريف داخل فيه فهو أولى ما تدعو إليه الحاجة بعد كتاب الله تعالى, وقد قال : (واني قلت لرسول الله  انك منذ دعوت الله لي دعوة لم انس مما تعلمني شيئا، ولم يفتني شيء، ولم اكتبه، فلم تمله علي؟ ولم تأمرني بكتابته؟ أتتخوف علي النسيان؟ فقال: يا أخي، لست أتخوف عليك النسيان ولا الجهل، وقد أخبرني الله عز وجل انه قد استجاب لي فيك، وفي شركائك الذين يكونون بعدك ،وإنما تكتبه لهم...)، وذلك يدل على أنه , دوّن الحديث الشريف, ثم عنه دوّن الحديث سلمان المحمدي وأبو ذر الغفاري، ومن بعدهم أبو رافع مولى رسول الله  وابنه علي وعبيد الله، وهما كاتبا أمير المؤمنين علي ، وقد كان عصر النبي الأكرم  دور تلقٍ للحديث الشريف, ثم دعت الظروف لتأسيس قواعد تضبط صحة صدوره عنه , لئلا يختلط الصادر بالموضوع, كما تضبط توجيه الدلالة, للحيلولة دون وقوع الاختلافات التي قد تخرج في بعض اتجاهاتها عن الخط العام للشريعة, والحديث الشريف ينظر له رواية ودراية, فالرواية: تتمثل بمعرفة الأحاديث والآثار، وأما دراية: فلأجل تشخيص مما يصح الاستناد إليه من الأخبار والآثار, بمعنى أن علم الرواية يمثل الجانب التطبيقي الذي يهتم بالرواية وهو المتعلق بالنصوص الحديثية من حيث التحمل والأداء، ويتكفل علم الدراية أو أصول الحديث الجانب النظري, فالحديث الشريف مرّ بأدوار أو مراحل:

أ-التلقي.

كان عهد رسول الله  دورتلق, إذ كان   قد تولى بأمر الله تعالى أمر التبليغ, والتشريع الموحى به إليه, ويجري التطبيق تحت نظره, فكان مبلغاً ومبيناً,فقوله وفعله وإقراره هو الوسيلة الكبرى والذريعة العظمى في ثبوت الحجة في بيان النظام والأحكام تنجيزاً وتعذيرا, لذا لم تكن هناك حاجة إلى تقنين مبادئ خاصة للحديث ككثير من العلوم الإسلامية القريبة من عهد النص.

وقد كان علي بن أبي طالب الأول في تدوين الحديث رغم كل المحن والمصاعب التي ابتلي بها.

ب-التأسيس.

والمقصود به تأسسيس القواعد النظرية, فأساس علم الحديث موجود بالقران الكريم والسنة النبوية الشريفة, فمن القران قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) وقوله تعالى (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فهذين الآيتين تدعوان إلى التثبت في الخبر. 

ومن السنة قوله : "بلغوا عني ولو آية", وقال : "فليبلغ الشاهد منكم الغائب", فهوأمر بالتبليغ, وأمر بضبط ما يسمع من حديثه,  فقال : "نضر الله أمروء سمع مقالتي فأدها كما سمعها", ونهى عن الكذب وحذّر منه, إذ قال: "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار", وبعد مرور الزمن وما حمله من تغيرات طرأت على المجتمع الإسلامي بواسطة الفتوحات, وإفرازات الحاجة الإنسانية عموماً, وما إلى ذلك من العوامل التي لها الدخل في ضرورة التقنين والتأسيس, برزت تقنينات لعلوم إسلامية شتى, خصوصاً وإن الحديث الشريف تعرض للدس من جهة كالوضع ودخول الإسرائيليات فيه, ومنع التدوين من جهة أخرى, يضاف إلى ذلك ما يستدعيه البعد الزمني وتداخل الحضارات الأخرى, وقد حدثت اختلافات في بعض ضوابط الحديث,وموازين توثيق رجاله.

المبحث الثالث:الاختلافات.

في العصور التي تلت الإذن من قبل السلطة أي بعد المائة الأولى من الهجرة,كان الحديث يكتب بصورة تدوين الحديث دون ضوابط, فمن الأحاديث النبوية ما تكون مختلفة الألفاظ، من ناحية المتن، وقد يصل هذا الاختلاف إلى التعارض أحياناً فتسقط إحدى الروايتين، أو تسقط كلاهما بسبب الاضطراب, وذلك بسبب تفاوت الرواة في ضبط الرواية وحفظها, فكيف إذا كان الراوي وضاعا؟!, فلذا أخذت مسائل علم الحديث دراية تجمع في كتب خاصة, ولكن دون استيعاب أو تبويب أو تفصيل لجميع مسائل هذا العلم, كما يتضح للمتتبع لكتاب "اختلاف الحديث" للشافعي (ت٢٠٤هـ), وكتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والسامع" للرامهرمزي (ت ٣٦٠هـ),.

وهذا الاختلاف له أسباب كثيرة قد تكون راجعة إلى الرواة، أو إلى الحديث نفسه، وقد تكون راجعة أيضاً إلى سبب رئيس، وهو جواز الرواية بالمعنى عند جمهور المحدثين، ولذلك يجد الباحث كثيراً من الأحاديث والمتون والنصوص قد اختلف بعضها عن بعض، إما بالمبنى فقط، وإما بالمعنى أيضاً.

وقد اصطلح علماء الحديث اصطلاحات دعت الحاجة إليها, وذلك لمحتملات منها تباعد الأزمنة بين من تأخر وبين الصدر السابق، واندراس بعض كتب الأصول أو التباس الأحاديث المأخوذة من الأصول المعتمدة بالمأخوذة من غير المعتمدة،واشتباه المتكررة في كتب الأصول بغير المتكررة.

وخفاء كثير من الأمور التي اعتمدها القدماء بسبب وثوقهم بكثير من الأحاديث، بحيث لم يمكن الجري على أثر القدماء في تمييز ما يعتمد عليه. أما بالنسبة للمصطلح فالحديث ينقسم عندهم إلى أكثر من تقسيمات الجمهور , وقد تأخر الإمامية في وضع تقسيمات الحديث عن الجمهور وذلك من اعتبار العصمة في الإمام فيكون مصدراً امتدادياً للسنة الشريفة, وقصر الطريق إليه, فلم تكن الحاجة إلى التقسيمات كمصطلح مدون, ثم لا داعي لطريق أخرى لسنة النبي الأكرم مع وجود الإمام الذي يحكي سنة النبي , ولا أقل من كون الإمام راو عادل مجزوم بعدالته, مما يورث حجية حديثه, ويؤيد ذلك قول أبي عبد الله الصادق : "حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث أمير المؤمنين وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله قول الله عزّ وجل" , ولا شك في أن هذه السلسلة المطهرة المنيفة تغني عن تجشم ما يحتمل الخطأ, لأن الطريق الأخرى لا أقل من كونها محتملة الخطأ, لاحتمال ما يشوب الحديث .

ولما بعد عهد المعصوم وتعددت الطبقات واشتدت الدواعي, فثَمَّ سلك الإمامية مسلك الجمهور في تقسيمات الحديث وتدوين هذه التقسيمات, وإن اختلفت في العدد وبعض نواحي الاعتبار, والمشهورأن العلامة الحلي(ت٧٢٦هـ) هو أول من سلك ذلك المسلك تبعا لشيخه السيد ابن طاووس(ت٦٧٣هـ) , وهناك دعوى بأن أول من دون في ذلك من الإمامية هو الحاكم النيسابوري(ت٤٠٥هـ) .

ويرد على هذه الدعوى أن الحاكم النيسابوري لم يثبت كونه إمامياً, وأصل دعوى كونه إمامياً ما قال الخطيب البغدادي(٤٦٣هـ) في ترجمته (كان البيع يميل إلى التشيع) , وكونه كان يراسل آل بويه والسامنيين .

وهذا لا يكفي في كونه إماميا, إذ أن توصيفه بالميل للتشيع ناتج من إخراجه لبعض الأحاديث على شرط البخاري(٢٥٦هـ) ومسلم(ت٢٦١هـ), ومن هذه الأحاديث ما يدعم القول بالإمامة, فرمي بذلك وغيره مما يوهنه عند الجمهور, لأن تلك الأحاديث من المناكير عندهم . ثم أن كتبه التي وضعت في تقسيمات الحديث "كالمدخل إلى الإكليل في أصول الحديث", و "معرفة علوم الحديث", لم يتعرض فيها لتقسيمات الحديث على طريقة الإمامية , ثم أن الميل للتشيع يدل على أنه ليس شيعيا ولا إمامياً,فقول بعض الأجلاء بأن الحاكم النيسابوري: (شيعي مستتر... لاشك في تشيعه)  و(لم يشك أحد في تشيعه) , غير تامة جزماً.

ويمكن القول أن القطب الراوندي(ت٥٧٣هـ), كان من أبرز من عالج تقسيمات الموضوع من الأمامية, وذلك لما ذكر من تصنيفه في أحوال روايات الإمامية, في كتابه "رسالة في أحوال أحاديث أصحابنا"  وقد نقل عنها محمد بن الحسن الحر العاملي (ت١١٠٤هـ), في كتابه وسائل الشيعة , وعلى ذلك يعتبر الأول أو من الأوائل في هذا المجال .

لكن لم يصل هذا المؤلف إلى أيدي الباحثين, ليحكم بكونه تناول التقسيمات كما هو مصطلح, فيكون الأول بلا منازع في تفصيل تقسيمات الحديث هو الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي(ت٩٦٦هـ) في كتبه المعروفة في الدراية, فقد فصل أقسام الحديث,وجعلها أربعة أقسام, ليعرف بذلك طرق الحديث صحيحها من سقيمها... ليعرف المقبول منه من المردود , ولتجعل مراتب للحديث بحيث يؤخذ بالحديث بحسب درجات قربه للعلم بالصدور, وكذا لو تعارض مفاد خبرين مختلفين في من حيث هذه الأقسام, فيقدم الأقرب للعلم بالصدور.

وهذا لا يعني أن متقدمي الإمامية لم يعتنوا تماما بتمييز الحديث قبل التسالم على المصطلح وتدوين هذه المصطلحات, إذ أنهم تثبتوا من هوية المخبر وحاله,لأجل العمل بما يصح العمل به, وترجيح خبر على خبر, استنادا إلى قوة السند وضعفها, قال الشيخ الطوسي(ت٤٦٠هـ): (إنا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار، ووثقت الثقات منهم، وضعفت الضعفاء وفرقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم، وذموا المذموم وقالوا فلان متهم في حديثه، وفلان كذاب، وفلان مخلط،وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفي، وفلان فطحي وغير ذلك من الطعون التي ذكروها وصنفوا في ذلك الكتب، واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارستهم، حتى أن واحدا منهم إذا أنكر حديثا نظر في إسناده وضعفه بروايته. هذه عادتهم على قديم الوقت وحديثه لا تنخرم فلولا أن العمل بما يسلم من الطعن ويرويه من هو موثوق به جائز ، لما كان بينه وبين غيره فرق، وكان يكون خبره مطروحا مثل خبر غيره، فلا يكون فائدة لشروعهم فيما شرعوا فيه من التضعيف والتوثيق وترجيح الأخبار بعضها على بعض) , إلا أن المصطلحات لم تتبلور بصورة تامة عند المتقدمين, والحال ذاته عند الجمهور بلحاظ ما قبل التقسيمات, قال ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ): (وقد كان قدماء العلماء يعرفون صحيح المنقول من سقيمه، ومعلوله من سليمه، ثم يستخرجون حكمه ويستنبطون علمه، ثم طالت طريق البحث من بعدهم فقلدوهم فيما نقلوا، وأخذوا عنهم ما هذبوا، فكان الامر متحاملا إلى أن آلت الحال إلى خلف لا يفرقون بين صحيح وسقيم) , ثم قسم أصول أقسام الحديث إلى ستة, فالأول ما خرجه البخاري (ت٢٥٦هـ) ومسلم (ت٢٦١هـ) في صحيحيهما, والثاني ما أخرجه أحدهما, والثالث ما وافق شروطهما ولم يخرجاه كالأحاديث التي أخرجها الحاكم النيسابوري(ت٤٠٥هـ), والرابع ما فيه ضعف قريب محتمل, والخامس شديد الضعف كثير التزلزل, والسادس الموضوعات المقطوع بأنها محال وكذب ,إلا أن الأكثر من الجمهور اعتمدوا في أصول الأقسام ثلاثة :

أ- مباني التوثيق الرجال.

إن أصول أقسام الحديث على مصطلح المتأخرين أربعة عند الإمامية, ثلاثة عند الجمهور:

 الأول: الصحيح, وضابطه عند الإمامية (ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات، وإن اعتراه شذوذ) .

أما عند الجمهور فهو (الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه, ولا يكون شاذاً ولا معللا) .

وهذا التعريف يدخل فيه حديث جميع فرق المسلمين، وعليه تقبل رواية المخالف العدل، ما لم يبلغ خلافه حد الكفر ، أو يكن ذا بدعة ويروي ما يقوي بدعته، على أصح الأقوال .

وبهذا الاعتبار: كثرت أحاديثهم الصحيحة، وقلت أحاديث الإمامية الصحيحة بحسب الاصطلاح ، مضافا إلى ما اكتفوا به في العدالة، من الاكتفاء بعدم ظهور الفسق ، والبناء على ظاهر حال المسلم ، فالأخبار الحسنة والموثقة باصطلاح الإمامية صحيحة باصطلاح الجمهور، إذا سلمت من الشذوذ والعلة.

وقيد السلامة من الشذوذ: احتراز عما يرويه الثقة، مع مخالفته ما روى الناس , أسند الحاكم النيسابوري(ت٤٠٥هـ) إلى الشافعي(ت٢٠٤هـ) قوله: (ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره ، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس) .

أما قيد السلامة من العلة: فاحتراز عما فيه أسباب خفية قادحة، يستخرجها الماهر في الفن . وعلة الحديث سبب غامض خفي قادح في الحديث, مع أن ظاهره السلامة من أي قادح, ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات .

وهذا القيد غير منضبط إذ أن تحديد العلة راجع إلى ذوق مرتكز في كثير من الأحوال على اعتقادات قد تكون متوهمة, أو عدم موافقة اعتقاد معنى معين يفيده ذلك الخبر, فينشأ منه ظن بعدم الصدور من المعصوم, إذ أن معرفة علة الحديث عندهم الهام,  فلو سئل أحدهم عما عل به الحديث لم يكن له حجة على إعلاله , ولذلك ردّ الجمهور روايات كثيرة لعدم موافقتها اعتقادات خاصة بعالم معين والتي بنيت على أساس غير شرعي أحياناً, من دواعي قد تكون عن قلة البضاعة أو القناعات الشخصية, أو التعصب, وقد أشار الألباني إلى جملة مما علل من الحديث وليس بمعل , أما ما خالف ضرورة دينية أو عقلية فلا ضير في إعلاله وإن كان صحيح السند, وقد يقبل الحديث الصحيح حتى مع شذوذه وعلته عند الجمهور, وعلى خلاف ذلك فإن الإمامية وإن لم يقيدوا الصحيح بالسلامة من الشذوذ والعلة, فقد يردونهما,وأشار إلى ذلك الشهيد الثاني(ت٩٩٦هـ) بقوله: (الخلاف في مجرد الاصطلاح,وإلا، فقد يقبلون الخبر الشاذ والمعلل، ونحن قد لا نقبلهما، وإن دخلا في الصحيح، بحسب العوارض) .

ويكتسب الحديث صفته من الصحة والحسن والقوة والضعف من مما يتصف به الإسناد والسند .

فالسند: طريق المتن .

والإسناد: رفع الحديث إلى المعصوم .

ويتميز الإسناد بما يلحقه من الأوصاف كالاتصال والانقطاع والاضطراب والإرسال, ويقابل الإسناد الوقف, فالحديث أما مرفوع وإما موقوف.

فالمرفوع ما عزاه راويه إلى المعصوم, والموقوف ما لم يعزه, في حال أن السند يوصف بما يكتسبه من أوصاف الرواة من العدالة أو الضبط وعدمها .

وقد يطلق الإسناد على السند بلحاظ أنهما طريق إلى المتن, فيقال- مثلا-: إسناد هذا الحديث صحيح، وذلك من جهة أن المتن إذا ورد فلا بد له من طريق موصل إلى قائله، فباعتبار كونه سنداً ورائده معتمدا في الصحة والضعف يسمى سندا، وباعتبار تضمنه رفع الحديث إلى قائله يسمى إسنادا .

وأما مرفوع فيتحقق من أحوال رجال سنده من الراوي الأخير إلى النبي ,أو الأئمة من أهل بيته , (فإنهم المراجع في الدين، والذين أوصى النبي صلى الله عليه وآله بوجوب التمسك بهم)  , إذ قال : " إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإن اللطيف الخبير قد عهد إلي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين - وجمع بين مسبحتيه - ولا أقول كهاتين - وجمع بين المسبحة والوسطى - فتسبق إحداهما الأخرى ، فتمسكوا بهما لا تزلوا ولا تضلوا ولا تقدموهم فتضلوا" , فلا شك بعد ذلك (في ثبوت قولهم عليه السلام إذا دل عليه طريق قطعي لا شك فيه, كما أنه لا شبهة في عدم ثبوته إذا دل عليه خبر ضعيف غير جامع لشرائط الحجية) ., وعلى أي حال فالراوي عن المعصوم إن كان ثقة أخذ بالحديث مع مراعاة ضوابط أخرى, وإن لم يكن ثقة طرح حديثه, وهناك مبانٍ لتوثيق الرجال, وهذه المباني تتفاوت تبعاً لأمور منها: اعتقاد العصمة لأئمة أهل البيت , بالنسبة للإمامية.

والحكم بفسق المخالف, فلا تقبل شهادته في حق الراوي. وتبديع بعض الرواة بحسب اعتقاد المُبَدِّع. وتعارض الجرح والتعديل. واشتراط كون الجرح عن حس, إلى غير ذلك. وتنقسم التوثيقات بحسب تقسيم السيد أبو القاسم الخوئي(ت١٤١٣هـ), إلى التوثيقات الخاصة, والوثيقات العامة. والمراد من التوثيقات الخاصة، التوثيق الوارد في حق شخص أو أكثر من دون أن يكون هناك ضابطة خاصة في ذلك التوثيق لتعمم على غير الموثق , ويثبت التوثيق الخاصّ بوجوه:

١- نص المعصوم على الوثاقة.

فإذا نصّ أحد المعصومين , على وثاقة رجلٍ، فيكشف ذلك عن وثاقته قطعاً، كقولهم: "ثقتي"  "ثقتان" ,مؤمونان" , "فاسمع له وأطع"  , الثقة المأمون العارف" .

وهذا طريق واضح في معرفة الوثاقة .

٢- نص أحد الأعلام المتقدمين.

مما تثبت به الوثاقة أو الحسن أن ينصّ على ذلك أحد الأعلام،كالبرق ،واب قولويه  ،والكشي ، والصدوق  ،والمفيد ،والنجاشي ، والشيخ الطوسي , وأضرابهم.

ويكون ذلك من جهة الشهادة وحجية خبر الثقة .

٣- نص أحد الأعلام المتأخرين.

وهوأن ينص أحد الأعلام المتأخرين عن عهد الشيخ الطوسي, كأعلام القرن السادس الهجري وما بعده, كمنتجب الدين بن بابويه (ت٥٨٥هـ) صاحب الفهرست, وابن شهر آشوب (ت٥٨٨هـ) صاحب معالم العلماء,والعلامة الحلي(ت٧٢٦هـ) صاحب خلاصة الأقوال في علم الرجال وإيضاح الاشتباه في أسماء الرواة, وابن داود الحلي (ت٧٤٠هـ), والتبريزي (ت٧٤١هـ) صاحب الإكمال في أسماء الرجال.

ويشترط في توثيقات هؤلاء الأعلام معاصرتهم أو قرب عصرهم لمن أخبروا عن ثوثيقه, وإن كانوا بعيدين عن عصر الموثق فلا عبرة في ذلك التوثيق, لأنه مبني على الحدس والاجتهاد, شأنهم شأن أي رجالي متأخر,وعلى ذلك فلا تعتمد الكثير من توثيقاتهم , إلا أن البعض مال إلى قبول توثيقات المتأخرين أو تصحيحاتهم, بناءً على أنها من الظنون الاجتهادية سواء كانت من المعاصر أو البعيد, إذ أنه خبير بذلك, فيورث توثيقهم الظن في الوقت الحاضر , هذا فيمن لم يرد فيه ثوثيق من المتقدمين, فإن ورد توثيق من المتقدمين فتكون توثيقات المتأخرين فضلة لا حاجة لها .

٤- دعوى إجماع المتقدمين على التوثيق.

مما تثبت به وثاقة الراوي دعوى أحد من علماء الجرح والتعديل الأقدمين الأخيار الإجماع على وثاقته، فإن ذلك وإن كان إجماعا منقولا، حيث أنه - والحال هذه- يكون توثيقاً من مدعي الإجماع, وينضم إليه ما نقله في حقه من توثيق جماعة آخرين .

التوثيقات العامّة

وهو أن يشهد الثقة بوثاقة راوٍ في ضمن جماعة، فيكون ذلك كشهادته بالوثاقة بالخصوص, على اعتبار إن العبرة بالشهادة بالوثاقة، سوء أكانت الدلالة مطابقية أم تضمنية, فالفرق هو بين التفصيل والإجمال في التوثيق .

ولكن إرسال هذا المبنى على إطلاقه غير تام، فمنه ما هو صحيح يمكن اعتماده, ومنه ما هو سقيم لا يمكن الركون إليه، فالمفيد من التوثيقات العامة قليل بالنسبة إلى التوثيقات الخاصة ,ومثل هذه التوثيقات وإن كثر الكلام فيها لدى الإمامية, إلا أن للجمهور مثل هذه المباني أيضاً.

فمن هذه التوثيقات عند الإمامية:

١- أصحاب الإجماع.

اصطلاح حدث بين متأخرين الإمامية، وأصل ذلك ما عبر الكشي عنه بـ "تسمية الفقهاء من أصحاب الباقرين عليهما السلام" أو "تسمية الفقهاء من أصحاب الصادق عليه السلام" أو "تسمية الفقهاء من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام", وذكر ثمانية عشر علماً .

٢ - مشايخ الثقات.

وهو اعتبار وثاقة جماعة من الرواة الواقعين في أسانيد روايات الثقاة, على اعتبار أن الثقات المجزوم بوثاقتهم تلمذوا عليهم وأخذوا عنهم, فلو لم يكونوا ثقات لم يتلمذ عليهم الثقات ويعتمدوهم في الحديث الشريف بما له من القدسية والأهمية. والتزم هذا المبنى جمع من الأعلام, ورفضه آخرون .

٣- أسانيد بعض الكتب.

ويعني ذلك ورود الرواة في أسانيد الكتب المعتبرة, ثقات, إلا ما استثني من قبل خبير ثقة معتمد, ومثلوا لذلك بكتاب "نوادر الحكمة" لمحمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي وهو من أجلاء الإمامية ووجهائهم . وكتاب "كامل الزيارات" لأبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه(ت٣٦٧ , أو ٣٦٩هـ),الفقيه النبيه، المحدث النبيل، الثبت بالاتفاق .

وكتاب "التفسير" لعلي بن إبراهيم القمي(ت٣٠٧هـ) الثقة في الحديث, الثبت المعتمد .ويبتني ذلك التوثيق على اعتبار أن إثبات هؤلاء الإجلاء وأمثالهم لجملة من الرواة الذين وقعوا في أسانيد كتبهم التي صدروها بكلمات تشعر بوثاقة جملة رواة أسانيدها.

إلا أن هذا المبنى لا يكون بذلك الإطلاق الذي يدخل فيه الرواة المباشرين لصاحب الكتاب والرواة الذين يلونهم إلى نهاية السند, وقد استدرك السيد أبو القاسم الخوئي على ما بنا عليه أولا من إطلاق التوثيق, إلى تضييق الدائرة .

أما التوثيقات العامة عند الجمهور, فقد بنى الأكثر على توثيق من له صحبة مع النبي الأكرم , بل ادعي (الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم...لأنهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته، وإقامة دينه وإظهار حقه فرضيهم له صحابة.

وجعلهـم لنا أعلاما وقدوة. فحفظوا عنه ما بلغهم عن اللّه عز وجل، وما سن وما شرع وحكم وقضى، وندب وأمر ونهى وحظر وأدب) , ومنهم من اعتبر الصحابة كغيرهم من حيث خضوعهم لضوابط الجرح والتعديل, (ويؤكد البعض من السنة أن الصحابة كغيرهم من الرواة من حيث وجوب الفحص عن عدالتهم والتوثق منها، وأنصار هذا القول بين من يرى أنهم كغيرهم من الناس، وان الصحبة لا ترفع من شان أحد طالت أم قصرت، وبين من يدعى أن عدالتهم استمرت إلى أن وقع الخلاف بينهم، وباشروا الفتن وأراقوا الدماء ، وتنافسوا على أمور الدنيا، ومنذ ذلك الحين أصبحوا كغيرهم معرضين للنقد والتجريح والتفسيق ولغير ذلك مما يجوز على جميع الناس) .

هذا بالنسبة للصحابة. أما بالنسبة للتابعين فقد وقع الكلام فيهم, بين التعديل مطلقاً  وبين الإخضاع للضوابط, إذ ثبت تدليس بعضهم , فتجري الضوابط على الجميع ليميز الثقة عن غيره. أما من عدا هؤلاء فقد اتفقوا على تمحيص رواياتهم بإخضاعهم لقواعد الجرح والتعديل, إلا أنهم اختلفوا في التوثيقات العامة من قبيل دلالة الرواية في أحد الصحيحين أو غيرهما ممن جعل شروطاً لما أثبتوه في مجامعهم, بين من قال بتوثيق راو الحديث الوارد في صحيح البخاري,أو مسلم, أو ما اتفق له رواية عندهما, ومنهم حكم بصحة الحديث دون إطلاق التوثيق على جميع رواته, ومنهم من حكم بوثاقة من له رواية في أحد الكتب الستة.

قال النووي(ت٦٧٦هـ): (وما اختلفوا في صحته من الأحاديث فقد يكون سبب اختلافهم انتفاء شرط من هذه الشروط وبينهم خلاف في اشتراطه كما إذا كان بعض الرواة مستورا أو كان الحديث مرسلا وقد يكون سبب اختلافهم أنه هل اجتمعت فيه هذه الشروط أم انتفى بعضها وهذا هو الأغلب في ذلك) , ثم فرق النووي بين الوثاقة وتصحيح الحديث, بعد أن علق على قول مسلم(ت٢٦١هـ): (إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه) , بقوله: (فمشكل فقد وضع فيه أحاديث كثيرة مختلفا في صحتها لكونها من حديث من ذكرناه ومن لم نذكره ممن اختلفوا في صحة حديثه... أن مراده أنه لم يضع فيه إلا ما وجد عنده فيه شروط الصحيح المجمع عليه وان لم يظهر اجتماعها في بعض الأحاديث عند بعضهم والثاني أنه أراد أنه لم يضع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متنا أو إسنادا ولم يرد ما كان اختلافهم إنما هو في توثيق بعض رواته وهذا هو الظاهر من كلامه) .

كما قد وردت توثيقات عامة, أخبر فيها أئمة الجرح والتعديل بوثاقة راوٍ في ضمن جماعة, كقول بعضهم في جماعة: "كلهم ثقات سواء سموا أو لم يسموا" , أو "كلهم ثقات" , أو "كلهم ثقات أثبات" , وكقولهم: "شيوخ حريز كلهم ثقات" , و" بنو عبيد الطنافسيون، كلهم ثقات" , و "ما سقط من أهل أيلة إلا الحكم بن عبد الله الأيلي الأيليون كلهم ثقات" , " بنو عقبة كلهم ثقات" , وقولهم في أولاد سيرين: "هؤلاء الإخوة كلهم ثقات" , وقول بعضهم: "أحمد بن سعد بن إبراهيم هذا من ثقات المسلمين وأبوه وأهل بيته كلهم ثقات" , وكتوثيق بعضهم لمشايخه: " كتبت عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات" .

ويجري ما تقدم في التوثيقات العامة عند الإمامية, في التوثيقات العامة لدى الجمهور إذ أن تعميم توثيق جماعة كبيرة, قد يراد به العموم المجموعي , أي أن التوثيق يشمل مجموع الموثقين بما هم مجموع في الجملة, لا العموم الاستغراقي  ليلحظ فيه التفصيل بحيث يكون حكم التوثيق سارعلى كل فردٍ فرد, في حين أن التوثيق المطلوب لشخص راوٍ معين,لا بد أن يعرف ذلك التوثيق له بنحو الجزم.

فالتوثيقات العامة تقرب وتبتعد عن التوثيقات الخاصة بحسب القرائن التي قد تدل على إرادة الشمول والاستغراق, وقد تدل على إرادة المجموع الإجمالي, إذ أن تحديد أحد أنواع العموم تابع إلى إرادة الموثق, إذ أن العموم المجموعي والاستغراقي ينشئان من كيفية اللحاظ والاعتبار .

ب- القواعد الكلية في كلام أمير الكلام.

ورد في نهج البلاغة ومن أجل ذلك نهض جماعة من علماء هذه الأمة بحفظ هذه الأحاديث في الصدور, ونقشها في السطور, وقطعوا في سبيل ذلك الصحارى والقفار, ووصلوا الليل بالنهار, لقصد الحفظ والتبليغ, والتزام الأمانة والصدق, وهناك من كذب على الرسول بدواعي قصدية أو غير قصدية, فقد كذب على النبي  وهو حي فكلما بعد العهد ازدادت دواعي الكذب والتغيير, فلا بد من تمييز ناقل الحديث.

روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  في بيان محتملات ناقل الخبر, أنه قال: " فقال عليه السلام: (إن في أيدي الناس حقا وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا وعاما وخاصا، ومحكما ومتشابها ، وحفظا ووهما) .

ولقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده حتى قام خطيبا فقال: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار", وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس: رجل منافق مظهر للإيمان، متصنع بالاسلام لا يتأثم ولا يتحرج، يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدا، فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه ولم يصدقوا قوله، ولكنهم قالوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله رأى وسمع منه ولقف عنه فيأخذون بقوله، وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك،ووصفهم بما وصفهم به لك، ثم بقوا بعده عليه وآله السلام فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والبهتان، فولوهم الأعمال وجعلوهم حكاما على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا.

وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله فهو أحد الأربعة, ورجل سمع من رسول الله شيئا لم يحفظه على وجهه فوهم فيه ولم يتعمد كذبا فهو في يديه ويرويه ويعمل به ويقول أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوه منه ، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه ورجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا يأمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفا من الله وتعظيما لرسول الله صلى الله عليه وآله ولم يهم، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على ما سمعه لم يزد فيه ولم ينقص منه ، فحفظ الناسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنب عنه, وعرف الخاص والعام فوضع كل شئ موضعه، وعرف المتشابه ومحكمه.

وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام له وجهان: فكلام خاص وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عني الله به ولا ما عني رسول الله صلى الله عليه وآله، فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله. وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يسأله ويستفهمه حتى أن كانوا ليحبون أن يجئ الأعرابي والطارئ فيسأله عليه السلام حتى يسمعوا.

وكان لا يمر بي من ذلك شئ إلا سألت عنه وحفظته. فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم.

وفي هذا الكلام الجليل قواعد كلية لضبط الإسناد والسند والمتن ومراعاة الدلالة, ويلحظ في السند الإلفات إلى أحوال الرجال, إذ قسمهم إلى أربعة:

القسم الأول: المنافق

وهو ما عبر عنه بقوله: (رجل منافق مظهر للإيمان، متصنع بالاسلام لا يتأثم ولا يتحرج، يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدا) ثم بين أن الله تعالى أخبرعن المنافقين في القرآن الكريم, ووصفهم بما وصفهم به.

ومن هؤلاء الوضاعين الذين يضعون الحديث تقرباً للأئمة الضلال, وذلك ما ذكره بقوله : (تقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والبهتان، فولوهم الأعمال وجعلوهم حكاما على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا. وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله).

القسم الثاني: ضعيف الحديث (غيرالضابط)

وهو ما عبر عنه , بقوله: (رجل سمع من رسول الله شيئا لم يحفظه على وجهه فوهم فيه ولم يتعمد كذبا فهو في يديه ويرويه ويعمل به ويقول أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله).

القسم الثالث: الجاهل بالحديث, (عدم مراعاة الجمع بين الأحاديث)

وهو ما عبر عنه , بقوله: (رجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا يأمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ).

القسم الرابع: الثقة الحافظ

وهو ما عبر عنه , بقوله: ( لم يكذب على الله ولا على رسوله،مبغض للكذب خوفا من الله وتعظيما لرسول الله صلى الله عليه وآله ولم يهم، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على ما سمعه لم يزد فيه ولم ينقص منه) ثم هناك قواعد تفاد من قوله : (فحفظ الناسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنب عنه, وعرف الخاص والعام فوضع كل شئ موضعه، وعرف المتشابه ومحكمه).

وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام له وجهان: فكلام خاص وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عني الله به ولا ما عني رسول الله صلى الله عليه وآله، فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله. وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يسأله ويستفهمه حتى أن كانوا ليحبون أن يجئ الأعرابي والطارئ فيسأله عليه السلام حتى يسمعوا.

وكان لا يمر بي من ذلك شئ إلا سألت عنه وحفظته. فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم) منها مراعاة النسخ, والتخصيص, والغريب من الألفاظ, ثم أشار إلى أن الدلالة الحقة قد أخذها هو , عن الرسول, إذ كان يسأله عن تلك الدلالات, وذلك يرشد إلى أن الأئمة من أبنائه , الذين أخذوا عنه هو الحق, لأنه متصل بالنبي الأكرم .

ومن تلك القواعد تفرع حرص العلماء على الوقوف على أحوال الرواة بالبحث عن مواليدهم وأسمائهم وكناهم وألقابهم وبلدانهم ورحلاتهم وأمانتهم وثقتهم وعدالتهم وضبطهم وغير ذلك من كذب أو غفلة أو علة أو نسيان وما إلى ذلك ووضعوا كل واحد منهم مادام قد تصدى للرواية في سجل يجمع كل هذا حتى يعرف من كان من أهل الشأن من غيره.

وقد ميزوا الرجال الناقلة لهذه الأخبار، ووثقوا الثقات منهم، وضعفوا الضعفاء وفرقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يعتمد على خبره،ومدحوا الممدوح منهم، وذموا المذموم وقالوا فلان متهم في حديثه، وفلان كذاب، وفلان مخلط, إلى غير ذلك من الطعون التي ذكروها وصنفوا في ذلك الكتب . وابتنى على ذلك نشأة علم الجرح والتعديل أو علم فحص الرجال أو علم ميزان أو معيار الرواة .. إذ قام بهذه المهمة الجليلة جمع من علماء هذه الأمة لرفع لواء علم الجرح والتعديل, العلم الجليل قدرا, إذ من شأنه حفظ السنة الشريفة. فهو: علم يبحث فيه عن أحوال الرواة من حيث اتّصافهم بشرائط قبول أخبارهم وعدمه. وبتعبير آخر: هو علم يبحث فيه عن أحوال رواة الحديث التي لها دخل في جواز قبول قولهم وعدمه, فبواسطته يشخص رواة الحديث ذاتاً لمعرفة هوية الراوي وشخصه, من كونه فلان ووصفاً، من كونه ممدوح أو مقدوح .

خاتمة البحث

إن كتاب "نهج البلاغة" بما فيه من كلام سيد الأوصياء وإمام الأتقياء لهو معين ثر لما تحتاجه البشرية من علوم, أولها المعارف الإلهية والعلوم الشرعية، والعلوم المساعدة, فأمير المؤمنين علي بن أبي طالب , هو وصي الرسول الخاتم لذا ألقيت على عاتقه مسؤوليات تفسير القرآن بعد النبي , وحفظ حديث الرسول , فقد ورد في نهج البلاغة الكثير من حديث الرسول الأكرم , يضاف إليها جملة من القواعد الأساسية لعلم دراية الحديث تلمسها الباحث في من خلال خطبة انتظمت ذلك, وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب , معروف بعلمه الغزير سواء كانت علوما دينية أو دنيوية. فقد عرف ببراعته في الرياضيات وسرعته في حل المسائل الحسابية، كما ذُكر له وصف الذرة. وقد أسس لعلوم اللغة كالنحو والبلاغة، بل تروى بعض المصادر ان خادمته فضة كانت تعلم علم الكيمياء.

ولما كان البحث منصبا حول تأسيس الإمام عليه السلام لقواعد تخص علم الحديث, بالأخص تمييز الرجال, في ضوء ما ورد في "نهج البلاغة" فقد تتبع نشأة علم الحديث وأدواره, ثم أهم ما يلحظ من قواعد كلية في تمييز الرجال استخلصت من كلام الإمام عليه السلام في النهج.

****************************