وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                
وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَر.                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ .                
وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.                

Search form

إرسال الی صدیق
الأخلاق الإجتماعية في نهج البلاغة – الأول

بمقدور المتتبع أن يتخذ من وصف ضرار بن ضمرة لأمير المؤمنين (عليه السلام) منطلقاً للدخول في عالمه الرحيب.
فقد دخل ضرار على معاوية – أيام استكان الناس وأسلموا لمعاوية القياد– فألح على الرجل أن يصف له علياً (عليه السلام) فتردد ضرار كثيراً، فلما مضى معاوية في إصراره قال ضرار: أما إذا لابد (فكان والله بعيد المدى، شديد القوى - يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، يستأنس بالليل وظلمته. كان والله غزير الدمعة، كثير الفكرة، يقلب كفه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب.
كان والله كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه.
ونحن والله مع قربه منا، ودنوه إلينا لا نكلمه هيبة له، ولا نبتديه لعظمته، فإن تسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم.
يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، ولا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله.
فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه ليلة، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل قائماً في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، وكأني أسمعه وهو يقول:
يا دنيا غري غيري أبي تعرضت أم إلي تشوقت، هيهات، هيهات!! قد أبنتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير وعيشك حقير وخطرك كبير.. آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق» [١] .
وهذا الوصف للإمام (عليه السلام) على وجازته يكشف بعمق عن الإطار العام لشخصية الإمام (عليه السلام) في شتى ملامحها في الحقل الروحي والاجتماعي، في علاقته بربه، وعلاقته مع نفسه، وكيفية تعامله مع الناس من حوله.
وحيث قد عقدنا هذا الفصل للحديث عن الأخلاق الاجتماعية التي التزم بها (عليه السلام) في حياته العملية، فإن حديث ضرار يضع في أيدينا رأس الخيط الذي يوصلنا إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية التي سلكها أمير المؤمنين في حياته (كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دنوناه، ونحن والله مع قربه سب ودنوه إلينا لا نكلمه هيبة له، ولا نبتديه لعظمته.. يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، ولا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله..».
ويبدو أن هذا اللون من علاقة أمير المؤمنين مع قومه إنما كان في أيام حكمه، مما يطرح بين أيدينا تصوراً ناضجاً عن عظمة أمير المؤمنين (عليه السلام) وبلوغه القمة في مدارج الكمال والفضيلة، فمع أن الإمام (عليه السلام) كان يحتل موقع القيادة في دنيا الناس وبيده أزمة حياتهم الفكرية والاجتماعية، نراه كواحد من عامة الناس، وكأن موقعه ليس في أعلى مركز قيادي فهو يلغي الحواجز والألقاب، ويعامل الأمة كما لو كان واحداً من عامتها بقلب حان، ونفس متواضعة، وحب صادق عميق.. وهي روح لم يألفها التاريخ الإنساني منذ الآماد الموغلة في القدم حتى اليوم في قيادة غير قيادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووصية علي (عليه السلام)..
وقد وفق الإمام (عليه السلام) توفيقاً عظيماً في قيادة الواعين لأهمية قيادته في دنيا المسلمين على الأقل.
فقد كانت قيادته مبنية على الحب والإجلال معاً فبقدر ما كان يبذل من دفء وده للأمة، كان أتباعه يمنحونه الكثير من الود والتعظيم..
الأمر الذي يذكرنا بسياسة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويطرحها واقعاً حياً في دنيا الناس [٢] ، فالتجربة واحدة في هذا المضمار وسواه، وإن تغير الموقع التاريخي.. ورحم الله صعصعة ابن صوحان حيث يقول في وصفه للإمام (عليه السلام) «كان فينا كأحدنا لين جانب، وشدة تواضـــع، وسهولة قيـــاد، وكنا نهابــــه، مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف على رأسه» [٣] . وتتجلى عظمة الإمام (عليه السلام) في أخلاقه الاجتماعية من خلال المبادئ الآتية:
أولاً- إشاعة العدل الاجتماعي بين الناس
جاءت الخلافة للإمام (عليه السلام) في ظروف بالغة الخطورة والتعقيد، فذوو النفوذ من الناس قد ألفوا الاستئثار واستراحوا إليه، وليس يسيراً أبداً أن يذعنوا لأية محاولة إصلاحية تضر بمصالحهم الذاتية.
ثم إن المطامع قد تنبهت لدى الكثير من الرجال، بعد أن أصبحت الخلافة مغنماً لا مسؤولية لحماية الشريعة والأمة، ولقد كان الإمام (عليه السلام) مدركاً لحقيقة الموقف بدقائقه وخفاياه بشكل جعله يعتذر عن قبول الخلافة حين أجمعت الأمة على بيعته بعد مقتل الخليفة عثمان قائلاً: «دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت والمحجة تنكرت..» [٤].

ولكن جماهير المدينة المنورة، وجماهير الثوار من العراق ومصر أصروا على استخلافه عليهم، فنزل الإمام عند رغبتهم، ولكن وفقاً لشروطه الخاصة –هو «واعلموا إني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب»  [٥].
ولقد كانت أولى مهام الإمام (عليه السلام) أن يجسد العدالة الاجتماعية في دنيا الناس ويمنح المنهج الإسلامي فرصة في البناء والتغيير على شتى الأصعدة، فقد (عليه السلام) خططه الإصلاحية، بإلغاء السياسة المالية والاجتماعية والإدارية التي كان معمولاً بها ليوفر الجو المناسب لتطبيق المخطط الإسلامي في العدالة الاجتماعية :
أ- استرجاع الأموال التي تصرف بها بنو أمية من بيت المال.
ب- واستغنى عن كثير من الولاة الذين أساؤوا التصرف، وخالفوا أمر الله تعالى، وتخطوا منهجه الأقوام الذي ارتضاه لعباده..
ج- ثم بادر إلى تبني سياسة المساواة في توزيع المال والحقوق، منهياً بذلك دور الطبقية والتمييز والأثرة:
«المال مال الله، يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لأحد على أحد» [٦].
«إلا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فامتلكوا العقار، وفجروا الأنهار، وركبوا الخيل، واتخذوا الوصائف المرققة، إذا منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا‍!» [٧].
وتبنى الإمام سياسة العدل الشامل :
- في معاملة أفراد الأمة.
- وفي منهج الحقوق.
وفي توزيع المسؤوليات.
وكان منهج الإمام (عليه السلام) في العدل لا يناظره إلا منهج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن لم نقل أنه منهج الرسول (صلى الله عليه وآله) بالذات.
فهلم نضع إلى منهاجه المتبني في سياسة الأمة من خلال حديثه (عليه السلام). «.. والله لئن أبيت على حسك السعدان مسهداً، وأجر في الإغلال مصفداً، أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، غاصباً لشيء من الحطام.. والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصى الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت، وأن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي، ونعيم يفني ولذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين» [٨] .
«الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له» [٩] .
«وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه، ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارهاً...» [١٠] .
ولم تكن هذه المبادئ التي يتحدث عنها الإمام (عليه السلام) ذاته، أمنيات وأفكاراً طرحها في دنيا المبادئ والأفكار، وإنما جسدها واقعاً حياً قبل أن يطرحها فكراً..
وهي خصيصة من خصائص علي (عليه السلام) فالقول عنده يعقب العمل أو يجري من طبيعته..
ومن أجل ذلك ملأ الإمام (عليه السلام) دنيا المسلمين قسطاً وعدلاً وحقق انقلاباً في واقع المسلمين على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وفقاً لمقتضيات العدل الإلهي فأعاد بذلك أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله) في صفائها وإشراقها وعدلها الشامل..
فحسبك أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يرتدي القميص المرقوع [١١] ويبالغ في رقع مدرعته كلما تمزق جانب منها حتى يبلغ الأمر بالإمام (عليه السلام) أن يستحي من راقعها [١٢].
وكان يخرج إلى السوق ليبيع سيفه كي يشتري بثمنه أزراراً [١٣] وهو في علو شأنه وعظمة مركزه الذي يحتل في دنيا المسلمين حيث تجبى إليه الأموال من أقاليم الدولة الإسلامية جميعها، وثروات الدولة تحت تصرفه..
وكان يأكل خبز الشعير بنخالته وكان غالب أدامه اللبن أو الملح والماء..
ولم يكن للإمام (عليه السلام) غير قميص واحد لا يجد غيره عند غسله [١٤].
ومع شدة زهد الإمام (عليه السلام) في الدنيا، فقد كان حريصا‌ً على توفير الرفاه الاقتصادي للأمة التي اضطلع بقيادتها، فكان يقسم الذهب والفضة بين الناس، ويطعمهم اللحم والخبز [١٥] ويعمل كل ما في وسعه لرفع غائلة الفقر عنهم.
- وكان بيت المال لا يكاد ترد إليه الأموال حتى يبادر الإمام (عليه السلام) إلى توزيعها على الناس، لإعطاء كل ذي حق حقه.
- وكان منهاجه في توزيع المال التزام أقصى درجات العدالة..
فها هو يخاطب الزبير وطلحة حينما كبر عليهما منهاج المساواة في العطاء «.. فوالله ما أنا وأجيري هذا إلا بمنزلة واحدة» [١٦] .
وها هو سهل بن حنيف يخاطبه: يا أمير قد أعتقت هذا الغلام، فأعطاه ثلاثة دنانير مثل ما أعطى سهل بن حنيف» [١٧].
ويأتيه عاصم بن ميثم –وكان الإمام (عليه السلام) يقسم أموالاً– فقال: - يا أمير المؤمنين إني شيخ مثقل. فقال الإمام (عليه السلام): والله ما هي بكد يدي ولا بتراثي عن والدي، ولكنها أمانة أوعيتها [١٨].
وجاءه عبد الله بن زمعة -وهو من شيعته- يطلب منه مالاً. فقال له الإمام (عليه السلام):
- إن هذا المال ليس لي ولا لك، وإنما هو فيء المسلمين وجلب أسيافم، فإن شركتهم في حربهم كان لك أسيافهم مثل حظهم، وإلا فجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم [١٩] .
ويدخل عليه عمرو بن العاص ليلة وهو في بيت المال يتولى بعض شؤون المسلمين، فأطفأ الإمام (عليه السلام) السراج وجلس في ضوء القمر[٢٠] ، فالسراج ملك الأمة، فلا يصح أن يستضيء به ابن العاص، وهو في زيارة خاصة للإمام (عليه السلام)‍‍‍!
حرص فريد على أموال الأمة، وسهر دائم على مصلحتها وعمل دائم من أجل إسعادها وهدايتها وإصلاح شأنها.
على أن تعاهد أمر الأمة من لدن علي (عليه السلام) ليس محصوراً في إطار المال وتوزيعه وإنما يمتد لكي يشعر الإنسان بكرامته ويعيد وعيه بحقه في الحياة الحرة الكريمة، ويعلمه أن يتمرد على الظلم والكبت وسلب الإرادة:
- «لاتكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً».
- «أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والإحكام وإمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول، فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم، فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة» [٢١].
- فلا تكلموني بما تكلم الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بين استثقالاً في حق قيل لي، فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه! فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل [٢٢].
وتمتد ظلال العدالة في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) فيرعى أسواقهم من ناحية المكاييل والمعروض من السلع وطبيعة المعاملات فيها، فيخرج كل يوم يتفقد أسواق المسلمين بنفسه فيرشد الضال، ويهدي المقصر إلى طريق الحق، ويأمر بكل معروف، وينهى عن المنكر... [٢٣] .
ولشدة حرص الإمام (عليه السلام) على تطبيق العدالة الإسلامية بأروع صورها في دنيا الناس، وعلى شتى الأصعدة أنه وجد درعه عند رجل نصراني، فوقف معه أمام القاضي ليقاضيه في الأمر.
فقال الإمام (عليه السلام): إنها درعي، ولم أبع، ولم أهب.
فسأل القاضي الرجل النصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟
قال الرجل: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب.
فالتفت القاضي للإمام (عليه السلام): طالباً بينة تشهد أن له الدرع.
فضحك الإمام (عليه السلام) معلناً أنه لا يملك بينة من ذلك النوع. فقضى القاضي بأن الدرع للنصراني، فأخذها ومضى، والإمام ينظر إليه.
إلا أن الرجل عاد وهو يقول: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام أنبياء، أمير المؤمنين يدينني إلى قاض يقضي عليه.. - الدرع - والله- درعك يا أمير المؤمنين، وقد كنت كاذباً فيما ادّعيت [٢٤] .
وحصيلة الأمر أن يعلن الرجل إسلامه ويخلص في الوقوف تحت راية الإمام (عليه السلام) مؤمناً مجاهداً ذائداً عن رسالة الهدى..
وبقدر ما كان الإمام (عليه السلام) حريصاً على تجسيد روح العدالة التي صدع بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لإخراج الإنسان من ظلام الظلم والقهر والكبت، كان حريصاً كذلك على إلزام ولاته وقضاته وقادة جيوشه، وجباة الأموال بالتزام العدل في معاملة الناس، وتحري الحق في الحكم والقضاء وإعطاء الحقوق، وفي جمع المال وحتى في حالات الحرب وسواها..
وصايا للولاة:
وهذه بعض وصاياه في هذا المضمار:
«سع الناس بوجهك ومجلسك وحكمك، وإياك والغضب فإنه طيرة من الشيطان، واعلم أن ما قربك من الله يباعدك من النار، وما باعدك من الله يقربك من النار [٢٥].
«أنصف الله، وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده..»  [٢٦].
ومن توجيهاته (عليه السلام) لجباة الأموال :
«.. انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له، ولا تروعن مسلماً، ولا تجتازن عليه كارهاً، ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله، فإذا قدمت على الحي، فأنزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض -بالسكينة والوقار- حتى تقوم بينهم، فتسلم عليهم، ولا تخدع بالتحية لهم، ثم تقول: عبـــاد الله أرسلني إليكم ولي الـــله وخليفته لآخذ منكم حـــق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم من حق، فتؤدوه إلى وليه..» [٢٧].
«إياك أن تضرب مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً في درهم خراج، أو تبيع دابة عمل في درهم، فإنما أمرنا أن نأخذ منه العفو» [٢٨] .
ومن تعليماته لجيوشه :
ولقد كان (عليه السلام) يوصي جنوده في حالات الحرب بألا يبدأوا بقتال العدو، حتى يبدأهم بالحرب، ولا يقتلوا من ولي دبره عن قتالهم، ولا يقتلوا الجريح ومن عجز عن حماية نفسه أثناء الحرب، ولا يؤذوا النساء بشيء حتى وإن بدأن بسب أو شتم [٢٩] .
ونحو ذلك من وصاياه (عليه السلام).
أرأيت عدلاً رفيعاً كهذا العدل؟
بل هل حدثك التاريخ الإنساني عن رجل يحب الخير حتى لخصومه الذين ناصبوه العداء؟
إنه علي (عليه السلام) صاحب القلب الكبير، الذي شمل الناس بحب غامر، فبسط لهم العدل في حياتهم، وأشعرهم بحقيقة الكرامة الإنسانية ووفر لهم غطاء من الأمن والاستقرار في جو الشعور بالمساواة والحياة الحرة الكريمة.
ثانياً - تواضع الإمام
خلق التواضع في معاملة الناس، بقدر ما يكون عبادة إسلامية يندب الشرع الإلهي إليها، كذلك يعبر عن إحدى صيغ التعامل الفاضل بين أبناء الأمة فهو من وسائل توحيد الكلمة وجمع الشمل،
وإشاعة المودة وإلغاء التفاوت الطبقي.
ولقد كان الإمام علي (عليه السلام) مثلاً أعلى في تواضعه كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قبل.
وسيرته العطرة تطرح المزيد من الشواهد على ذلك الخلق الإسلامي الرفيع :
فعن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: «كان أمير المؤمنين يحطب ويستسقي ويكنس، وكانت فاطمة تطحن تعجن وتخبز» [٣٠].
وكان الإمام (عليه السلام) يشتري حاجته وحاجة أسرته الكريمة من السوق بنفسه، ويحملها بيده، وهو أمير المؤمنين، ويحظى باحتلال أرفع مركز في حياة المسلمين، ولقد كان الناس يسرعون إليه لحمل أشيائه حين يرون ذلك منه، ولكنه يأبى عليهم ويقول: رب العيال أحق بحمله [٣١] .
وكان (عليه السلام) يسير في الأسواق وحده، لا يصحبه حشم ولا خدم، ولا جند، فيرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبقالين والتجار ويأمرهم بالتواضع وحسن المعاملة ويتلو عليهم قوله تعالى (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين)  [٣٢].
ومن عظيم تواضعه (عليه السلام) أنه خرج يوماً على أصحابه وهو راكب، فمشوا خلفه، فالتفت إليهم فقال: - ألكم حاجة؟ قالوا: - لا يا أمير المؤمنين، ولكنا نحب أن نمشي معك. فقال لهم: - «انصرفوا فإن مشي الماشي مع الراكب مفسدة للراكب ومذلة للماشي» [٣٣] .
وقد استقبله زعماء الأنبار وترجلوا وأسندوا بين يديه فقال (عليه السلام): - ما هذا الذي صنعتموه؟ قالوا: - خلق منا نعظم به أمراءنا. فقال (عليه السلام): - «والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم، وإنكم لتشقون به على أنفسكم، وتشقون به في آخرتكم، وما أخسر المشقة وراءها العقاب، وما أربح الراحة معها الأمان من النار» [٣٤].
ومن تواضعه الجمّ أكله خبز الشعير واللبن، ولبسه أبسط أنواع اللباس، وترقيعه لثوبه البالي، وبساطته في مسكنه [٣٥] ووقوفه بين يدي القاضي مع رجل من عامة الشعب الذي يضطلع الإمام (عليه السلام) بقيادته [٣٦] .
ومن أدبه الكامل تسليمه على النساء [٣٧] من قومه، ومشيه مع المرأة لقضاء شأن من شؤونها حتى وإن جلب له الأمر مشقة، فعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال:
«رجع الإمام (عليه السلام) إلى داره في وقت القيظ، فإذا امرأة قائمة تقول: إن زوجي ظلمني، واخافني، وتعدى علي.. فقال الإمام: يا أمة الله اصبري حتى يبرد النهار ثم أذهب معك إن شاء الله، فقالت: يشتد غضبه عليّ. فطأطأ الإمام (عليه السلام) رأسه ثم رفعه وهو يقول: لا والله أو يأخذ للمظلوم حقه غير متعتع! أين منزلك؟ ووقف الإمام (عليه السلام) على باب المنزل فقال: السلام عليكم، فخرج شاب. فقال له الإمام (عليه السلام): يا عبد الله اتق الله، فإنك قد أخفتها وأخرجتها! فقال الفتى: وما أنت وذاك؟ فقال أمير المؤمنين: آمرك بالمعروف، وأنهاك عن المنكر تستقبلني بالمنكر وتنكر لمعروف؟
فأقبل الناس يلقون التحية على الإمام (عليه السلام): سلام عليكم يا أمير المؤمنين. فأسف الشاب على ما كان منه وهو يقول: يا أمير المؤمنين أقلني عثرتي، فوالله لأكونن لها أرضاً تطوّني. فالتفت الإمام إلى المرأة قائلاً: يا أمة الله ادخلي منزلك ولا تلجئي زوجك إلى مثل هذا وشبهه» [٣٨] .
وكان الإمام (عليه السلام) قريباً سهلاً هيناً يلقى أبعد الناس وأقربهم بلا تصنع ولا تكلف، ولم يحط نفسه بالألقاب ولا زخرفة الملك، بل كان يتعامل مع الأمة كفرد منها، يعيش مشاكل الضعفاء، ويحب المساكين، ويتودد للفقراء، ويعظم أهل التقوى من الناس.
ولقد كان من شواهد رفقه بالأمة وتواضعه في المعاملة وسهولته، ومرونته: مقابلته لمن يلقاه بالبشر وطلاقة المحيا والابتسامة الحلوة وبشر الوجه، إلغاء منه للحواجز والرسميات بين القيادة والأمة، وإنهاء لدور الزخرفة والألقاب التي يحيط بها الأمراء والقادة أنفسهم عبر تعاملهم مع الناس.
ولاشتهارِهِ بتلك الروح الاجتماعية السمحة بين عامة الناس حاول أعداؤه أن يشوهوا تلك الميزة في الإمام (عليه السلام) ويحولوها إلى عيب ينبزونه فيه إمعاناً منهم في تشويه واقع سياسته وجميل صفاته الشخصية والاجتماعية.
فعمرو بن العاص يحدث أهل الشام عن علي (عليه السلام) فيقول: إنه ذو دعابة شديدة [٣٩] محاولاً الانتقاص من شأن الإمام (عليه السلام) والإمعان في تغطية فضائله، والعمل على كل ما من شأنه تضليل الناس هناك لكي يحال بينهم وبين التطلع لواقع الإمام (عليه السلام) وحقيقته.
حتى أن الإمام (عليه السلام) حين بلغه افتراء ابن العاص قال: «عجباً لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة وإني امرؤ تلعابة» [٤٠] .
ولقد كان معاوية بن أبي سفيان يشيع ما يشيعه ابن العاص كذلك في مناسبة وأخرى.
وما يضير أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا عابه معاوية وابن العاص، فلقد كان (عليه السلام) يقتفي أثر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سماحة أخلاقه وطلاقة محياه سواء بسواء.
وكان (عليه السلام) يعمل على الالتصاق بالناس للتعرف على ما يعانون حتى أنه كان يمشي في الأسواق ويتابع الحركة التجارية من ناحية الوزن والأسعار ونوعية المعروض من السلع –كما ألمحنا إليه قبل قليل.
وكان الإمام (عليه السلام) حريصاً على متابعة تصرفات الولاة في البلدان، والقادة وجباة الأموال، ويأمرهم بالرفق والتواضع في معاملة الناس.
وما أروع روح التواضع عند علي (عليه السلام) كما يصفها ضرار ابن ضمرة في حديثه لمعاوية - الذي افتتحنا به هذا الفصل- «يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب،.. كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه.. يعظم أهل الدين، ويحب المساكين» [٤١] .

-------------------------------------------------------------------------
[١] . تذكرة الخواص ص١٢٧ - ١٢٨ والإمام علي بن أبي طالب - محمد رضا ص١٢. تشوقت: تزينت.
[٢] . راجع القسم الثالث من سيرة المصطفى (صلى الله عليه وآله) للمؤلف.
[٣] . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج١ ص٢٥.
[٤] . نهج البلاغة ص١٣٦ تبويب صبحي الصالح. المحجة: الطريق، تنكرت: تغيرت علائمها وأصبحت مجهولة.
[٥] . نفس المصدر.
[٦] . نفس المصدر.
[٧] . نفس المصدر.
[٨] . نهج البلاغة تبويب د. صبحي الصالح رقم النص ٢٢٤. حسك: شوك. السعدان: نبت ضائك ترعاه الإبل.
[٩] . روائع من نهج البلاغة ص١٢٣.
[١٠] . نهج البلاغة رقم النص ١٣٦.
[١١] . تذكرة الخواص ص١٢٥.
[١٢] . تذكرة الخواص ص١٢٥.
[١٣] . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج٢ ص٢٠٠.
[١٤] . المناقب للمازندراني ج٢ ص٩٧ عن أحياء العلوم للغزالي.
[١٥] . من حديث للإمام الصادق (عليه السلام) البحار ج٤٠ ص٣٣٠.
[١٦] . مناقب ابن شهر أشوب ج/ ١ ص٣٧٨.
[١٧] . المصدر السابق نفسه.
[١٨] . نفس المصدر السابق ص٣٧٧.
[١٩] . البحار ج٤١ ص١١٥ ونهج البلاغة رقم النص ٢٣٢.
[٢٠] . المناقب ص٣٧٧.
[٢١] . نهج البلاغة رقم النص ١٣١.
[٢٢] . نهج البلاغة رقم النص ٢١٦.
[٢٣] . راجع البحار ج٤١ ص١٠٤ للاطلاع على منهاجه في مراقبة حالة السوق.
[٢٤] . علي وحقوق الإنسان - جورج جرداق ط بيروت ١٩٧٠ ص٨٧.
[٢٥] . وصيته لعبد الله بن عباس حين ولاه البصرة رقم النص ٧٦ نهج البلاغة.
[٢٦] . نفس المصدر - عهد الإمام (عليه السلام) لمالك الأشتر حين ولاه مصر. طيرة: خفة وطيش.
[٢٧] . منهج البلاغة رقم النص ٢٥ - لا تخدع بالتحية: لا تبخل بها عليهم.
[٢٨] . من وصيته لصاحب الخراج على القادسية وسواد الكوفة. انظر بحار الأنوار ج٤١ ص١٢٨ نقلاً عن الكافي، العفو الفاضل عن النفقة.
[٢٩] . راجع نهج البلاغة رقم النص ١٤ وغيره.
[٣٠] . مناقب آل أبي طالب ج١ ص٣٧٢.
[٣١] . نفس المصدر نقلاً عن فضائل ابن حنبل.
[٣٢] . المناقب ص٣٧٢ وبحار الأنوار: ج ٤١ ص٥٤.
[٣٣] . البحار ص٥٥ عن المحاسن والكافي عن الصادق (عليه السلام).
[٣٤] . المناقب ص٢٧٢ والبحار ج٤١ ص٥٥.
[٣٥] . للتفاصيل راجع الحلقة الثانية من هذه الدراسة وبعضاً من فصول هذه الحلقة: كزهد الإمام (عليه السلام) وإقرار العدل.
[٣٦] . بحار الأنوار ج٤١ ص٥٦ وعلي وحقوق الإنسان - جرداق ص٨٧.
[٣٧] . الكافي ج٥ باب التسليم على النساء حديث رقم ٣.
[٣٨] . مناقب آل أبي طالب ج١ ص٣٧٤.
[٣٩] . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج١ ص٢٥.
[٤٠] . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج١ ص٢٥. تلعابة: كثير المرح واللعب.
[٤١] . المناقب ج١ ص٣٨١.

يتبع .....

****************************