وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                
وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.                
وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                
وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                
وقال (عليه السلام): إذَا كَانَ في رَجُل خَلَّةٌ رَائِعَةٌ فَانْتَظِرْ أَخَوَاتِهَا.                

Search form

إرسال الی صدیق
الأمثال في نهج البلاغة – باب الهاء والواو

باب الهاء

الهاء مَعَ النّون

٥٤ ـ هُنالِكَ لَوْ دَعَوْتَ أتاكَ مِنْهُمْ = فَوارِسُ مِثْلَ أَرْمِيَةِ الحَميمِ[١].

من آخر خطبة له (عليه السّلام) وقد تواترت عليه الأخبار باستيلاء معاوية على البلاد، حيث قال (عليه السّلام) في آخرها:

(اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ ومَلُّونِي، وسَئِمْتُهُمْ وسَئِمُونِي، فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ وأَبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنِّي. اللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ. أَمَا واللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ:

هُنَالِكَ لَودَعَوْتَ أَتَاكَ مِنْهُمْ

 

فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ الْحَمِيم (من الوافر)

قال بعض الشراح: نسبه ابن منظور في لسان العرب إلى (الهذلي) مع مغايرة بسيطة. قال: قال الهذلي:

هُنَالِكَ لَودَعَوْتَ أَتَاكَ مِنْهُمْ

 

رِجَالٌ مِثْلُ أَرْمِيَةِ الْحَمِيمِ

ووجه استشهاد الإمام (عليه السّلام) به أنّه كان يتمنّى لو أنّ لديه بدل أهل الكوفة من إذا دعوا أجابوا مسرعين، ومن إذا استغيث بهم أغاثوا؛ فقد جاء قبله: (أَمَا واللَّهِ...).

وبنو فرس بن غنم، أو فراس بن غنم: حيّ عربيّ مشهور بالشجاعة. وأرمية الحميم: سُحُب الصيف، ويضرب بها المثل لأنّها أخّف وأسرع في الانتقال[٢].

ووجه الخفة لأنّها لا ماء فيها، والتي فيها لا تكون إلاّ في الشتاء. يريد بذلك: أنّ فوارس بني غنم مسرعون إذا دعوا وللإغاثة إذا استغيثوا.

فلولا أن مع الإمام من يستنهِض بهم ويُستغاث لما تجرّي من أمثال معاوية لتسنّم عرش الرئاسة، ولكن قد خلا له الجوّ فطفق يصفر ويجول. وتمنّى الإمام (عليه السّلام) لفوارس بني غنم هو أحد تمنّياته وقد تمنّى استبدال كلّ عشر من أصحابه بواحد من أذناب معاوية، حيث إنّ أهل الشام يثبتون إذا دعوا وإن كان على أمر باطل. وأما أصحابه، فهم على الحق ولا ثبات لهم كما جاء في كلام له (عليه السّلام)[٣].

باب الواو

الواو مَعَ الألف

٥٥ ـ وَافَقَ شَنٌّ طَبَقَةً[٤].

برواية نصر بن مزاحم في كتاب (صفّين) في كتابه (عليه السّلام) إلى عمرو بن عاص، ولم يذكر الزيادة المثليّة الشريف الرضي (طاب ثراه). ولفظ رواية نصر:

(من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى الأبتر ابن الأبتر عمرو بن العاص بن وائل، شانئ محمّد وآل محمّد في الجاهليّة والإسلام:سلام على من اتّبع الهدى أمّا بعد، فَإِنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبَعاً لِدُنْيَا امْرِئٍ فاسق مَهْتُوكٍ سِتْرُهُ، يَشِينُ الْكَرِيمَ بِمَجْلِسِهِ، ويُسَفِّهُ الْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ، فَصَارَ قَلْبُكَ لِقَلْبِهِ تَبَعَاً، كَمَا قِيْلَ: "وَافَقَ شَنٌّ طَبَقَةً"...).

أقول: ذكرنا[٥] رواية الرضي (رحمه الله) تحت المثل: (اتِّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضِّرْغَامِ يَلُوذُ بِمَخَالِبِهِ).

قال ابن الأثير: (هذا مثل للعرب يضرب لكلّ اثنين أو أمرين جمعتهما حالة واحدة اتّصف بهما كلّ منهما، وأصله فيما قيل: إنّ شنّاً قبيلة من عبد القيس، وطبقاً حيّ من إياد، اتفقوا على أمرٍ فقيل لهما ذلك؛ لأنّ كلّ واحد منهما وافق شكله ونظيره. وقيل: شنّ رجل من دهاة العرب، وطبقة امرأة من جنسه زُوّجت منه ولهما قصّة، وقيل: الشّن وعاء من أدم تشّنن، أي أخلِق، فجعلوا له طبقاً من فوقه فوافقه، فتكون الهاء في الأوّل للتأنيث، وفي الثاني ضمير الشّن)[٦].

أثبت المثل جمعٌ، منهم الميداني.

قال:

(قال ابن الكلبي: طبقةُ قبيلةٌ من إياد كانت لا تطاق، فوقع بها شّن بن أفصى... فانتصف منها وأصابت منه، فصار مثلاً للمتفقَيْن في الشّدة وغيرها. قال الشاعر:

لَقَيَتْ شَنُّ إيَاداً بِالْقِنَا

 

طَبْقاً وَافَقَ شَنٌّ طَبَقَهْ[٧]

الواو مَعَ التّاء

٥٦ ـ وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عَارُها[٨].

(من الطويل)

من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي يرثي بها نشيبة بن محرث الهذلي، أوّلها:

هَلِ الدَهرُ إِلاَّ لَيلَةٌ وَنَهارُها

 

وَإِلّا طُلوعُ الشَمسِ ثُمَّ غِيارُها

أَبى القَلبُ إِلاَّ أُمَّ عَمروٍ وَأَصبَحَت

 

تُحَرَّقُ ناري بِالشَكاةِ وَنارُها

وَعَيَّرَها الواشونَ أَنّي أُحِبُّها

 

وَتِلكَ شَكاةُ ظاهِرٌ عَنكَ عارُها[٩]

تمثّل به الإمام (عليه السّلام) في جوابه لمعاوية:

(وزَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ الْخُلَفَاءِ حَسَدْتُ ! وعَلَى كُلِّهِمْ بَغَيْتُ ! فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْكَ فَيَكُونَ الْعُذْرُ إِلَيْكَ:

............................

 

وتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا

 

أي إن كنت حاسداً لهم وباغياً كما رعمت، فليس ذنب ذلك عليك وأنت على عذر منه. وفي نفي الجناية عن معاوية إن صدق في رمي الحسد والبغي إليه (عليه السّلام) إبطال لاستمساكه بذلك لرئاسته، وأنّه ليس بكفيل لهم ولا حقّ له ولا ولاية عليهم، أو أنّ من يطلب حقّاً ثابتاً على الآخرين ليس بجناية وإن أوهمها. وكم من مواطن فيها مطالبة الحقوق معدودة من الجناية عند قوم وليست كذلك، ولا يرتاب المطّلع على حادثة السقيفة والشورى وما نصّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) على إقامة الإمام (عليه السّلام) مقامه من بعده يوم غدير خم: أنّ الخلافة من حقّه الثابت، فمطالبة الحقّ ليست جناية ولا حسداً ولا بغياً منه عليهم.

ومن هوان الدنيا مخاطبة أمير المؤمنين (عليه السّلام) أمثال معاوية كما نسب إليه (عليه السّلام): (إنّ الدّهر أنزلني حتّى قيل: عليّ ومعاوية).

ولعلّ من أهمّ الغصص وأمضّها مواجهة الأنذال ومكالمتهم. ومن ذلك قول زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السّلام) مخاطبة ليزيد بن معاوية: (ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك إنّي لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك وأستكثر توبيخك...)[١٠] عند دخول حرم الحسين (عليه السّلام) عليه (لعنة الله).

الواو مَعَ الحاء

٥٧ ـ وَحَسبُكَ دَاءً أَن تَبيتَ بِبِطْنَةٍ

 

وَحَولُكَ أكبادٌ تَحِنُّ إِلى القِدِّ[١١]

من أبيات منسوبة‌ إلى حاتم الطائي تمثّل به الإمام (عليه السّلام) في كتاب له إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة عندما بلغه أنّه دعى إلى مأدبة فأجاب إليها.

وفي لفظ المعتزلي بدل (وحسبك) (كفى بك عاراً أن تبيت ببطنة).

وأوّلها:

أَيا اِبنَةَ عَبدِ اللَهِ وَاِبنَةَ مالِكٍ

 

وَيا اِبنَةَ ذي الجدين وَالفَرَسِ الوَردِ

إذا ما صَنَعتِ الزادِ فَاِلتَمِسي لَهُ

 

أَكيلاً فَإِنّي لَستُ آكِلَهُ وَحدي

قصّياً بعيداً أو قريباً فإنّني

 

أخاف مذ مات الأحاديث من بعدي

كفى بك عاراً دَاءً أَن تَبيتَ بِبِطْنَةٍ

 

وَحَولُكَ أكبادٌ تَحِنُّ إِلى القِدِّ

وَإِنّي لَعَبدُ الضَيفِ ما دامَ نازلاً

 

وَما من خلالي غيرها من شيمَةِ العَبدِ[١٢]

ليس أمير المؤمنين (عليه السّلام) ليحذّر الناس عن شيء وهو يأتي به ككثير من الوعّاظ والآمرين بالمعروف منهم، ويأمر بشيء ويتركه، فإذا هو يندّد عن البطنة بقوله:

وَحَسبُكَ دَاءً أَن تَبيتَ بِبِطْنَةٍ

 

وَحَولُكَ أكبادٌ تَحِنُّ إِلى القِدِّ

لم تكن صفته ذلك. يقول (عليه السّلام):

(أَوأَبِيتَ مِبْطَاناً وحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وأَكْبَادٌ حَرَّى ؟!).

كان (عليه السّلام) يطوى الليل طوياً بالبكاء والعبادة لله تعالى وغشْيَته من خشية الله (عزّ وجلّ) في الليالي في حديقة بني النجار. وقوله (عليه السّلام): (آهِ آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وبُعْدِ السَّفَرِ...) معروفة. وهو القائل في نفس الخطبة المعنيّة: (وإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، ومِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ) أي قرصان يفطر عليهما لا ثالث لهما. والطمر: الثوب الخلق البالي من إزار ورداء يستر بهما جسده الشريف. أيا مَنْ نصبتَ نفسك رأساً على الناس انظر إلى إمام الرؤساء ! إلى لبسته وطعمته، إلى محبّته وشفقته، إلى زهده وعبادته.

الواو مَعَ الدّال

٥٨ ـ وَدَعْ عَنْكَ نَهْباً صيحَ في حُجَراتِهِ[١٣].

من كلام له (عليه السّلام) لبعض أصحابه وقد سأله كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به ؟! فقال (عليه السّلام):

(يَا أَخَا بَنِي أَسَدٍ، إِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ، تُرْسِلُ فِي غَيْرِ سَدَدٍ. ولَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ وحَقُّ الْمَسْأَلَةِ، وقَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ: أَمَّا الِاسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا بِهَذَا الْمَقَامِ ونَحْنُ الأعْلَوْنَ نَسَباً والأشَدُّونَ بِالرَّسُولِ (صلَّى الله عليه وآله) نَوْطاً، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ والْحَكَمُ اللَّهُ والْمَعْوَدُ إِلَيْهِ الْقِيَامَةُ.

ودَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ

 

ولَكِنْ حَدِيثاً مَا حَدِيثُ الرَّوَاحِلِ

قال المعتزلي:

(وأمّا البيت، فهو لامرئ القيس بن حجر الكندي. ورُوى أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) لم يستشهد إلاّ بصدره فقط وأتمّه الرواة)[١٤].

(قيل: إنّ امرئ القيس امتدح بالبيت جارية بن مرّ الثعلي بعد أن تحوّل إليه من جوار خالد بن سدوس النهباني. في حينها نهب بعض بني جديلة إبل امرئ القيس، وأراد أن يسترجعها منهم خالد وهو على رواحل امرئ القيس فنهبوها أيضاً)[١٥].

أقول: ظاهر كلامه (عليه السّلام): (ولَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ) أنّ السائل من بني أسد، وكانت مصاهرة منه (عليه السّلام) معهم.

فما أنكره المعتزلي ـ ردّاً على القطب الراوندي ـ في غير محلّه، فراجع[١٦].

يريد (عليه السّلام) من التمثل بالبيت المذكور: أنّ نهب هؤلاء القوم لحقوقنا الثابتة كنهب الآبال مع أنّ الناهب راكب على رواحل منهوبة، وحال القوم كذلك !! قد غصبوا حقّ الخلافة وبعدها يعاملون معه (عليه السّلام) من لا حقّ له مذكور في الدهور. ولا غرو في ذلك فإنّ شأن الدّهر ذلك.

الواو مَعَ القاف

٥٩ ـ وَقَدْ يَستَفيدُ الظِنَّةَ المتَنَصِّحُ[١٧].

تمثّل به (عليه السّلام) في أثناء جوابه لكتاب معاوية:

(ومَا كُنْتُ لِأَعْتَذِرَ مِنْ أَنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَاثاً. فَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وهِدَايَتِي لَهُ، فَرُبَّ مَلُومٍ لا ذَنْبَ لَهُ.

........................

 

«وقَدْ يَسْتَفِيدُ الظِّنَّةَ الْمُتَنَصِّحُ»

وهذه الفقرة ذكرناها عند المثل: (رُبَّ مَلُومٍ لا ذَنْبَ لَهُ) والإعادة لأجل ربط المثل الجاري، وهو من (الطويل).

قال بعض: صدره: (وكم سقتُ في آثاركم من نصيحةٍ). والظّنة: التهمة. والمتنصّح: المبالغ في النصح لمن لا ينتصَّح. وربما كان مأخوذاً من قولهم: (سقطتَ من النصيحةِ‌‍ على الظَّنَّةَ)[١٨] ومعناها: أنّ المتنصّح قد تأتيه التهمة بسبب إخلاصه النصيحة‌ إلى من لا ينتصح بها[١٩].

أقول:

لقد قضى الناصح ما عليه من أداء رسالته، ويكون السامع مخاطباً بقوله تعالى: (وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)[٢٠].

وقد جاء في "الأمثال النبويّة": (إنّ الدّين النصيحة) بتمام معنى الكلمة. من نصح قوليّ وعمليّ للخالق (عزّ وجلّ) والخَلق وأمير المؤمنين (عليه السّلام) نصح الخلائق، سواء كانوا في زمانه أو الأزمنة المتأخّرة إلى يوم القيامة، ببلوغ كتابه الذي بعد كلام الخالق تعالى وفوق كلام المخلوق. وليس هو إلاّ شرحاً وتفسيراً له.

ثم التعبير باستفادة الظّنة، وهي التهمة، لأجل حصولها في سبيل الله تعالى. فكلّ ما أتى المؤمن في طريق أداء الرسالة عدّ من الفوائد وإن كان بظاهره من نوع الأذى والأمر المكروه، ويتحقّق فيه قوله تعالى: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)[٢١]. وعليه، فلا وجه لحمله على المجاز أو التهكّم.. وقد شرحنا باقي الفقرة فيما تقدّم فراجع[٢٢].

الواو مَعَ الياء

٦٠ ـ وَيْلَ أُمِّهِ[٢٣].

هذه الكلمة استعملها الإمام (عليه السّلام) في كلام له (عليه السّلام) في ذمّ أهل العراق، أوّله:

(أَمَّا بَعْدُ، يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ... ولَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ عَلِيٌّ يَكْذِبُ ! قَاتَلَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى !! فَعَلَى مَنْ أَكْذِبُ أَعَلَى اللَّهِ ؟! فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ. أَمْ عَلَى نَبِيِّهِ ؟! فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ. كَلا واللَّهِ، لَكِنَّهَا لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا ولَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا. "وَيْلُ أُمِّهِ" كَيْلاً بِغَيْرِ ثَمَنٍ لَو كَانَ لَهُ وِعَاءٌ.. ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ).

إنّما أثبتنا أكثر كلامه (عليه السّلام) لربط الكلمة به.

قال المعتزلي في شرحها: (وَيْلُُمِّه: الضمير راجع إلى ما دلّ عليه معنى الكلام من العلم؛ لأنّه لمّا ذكر اللهجة وشهوده إيّاها وغيبوبتهم عنها دلّ ذلك على علم له خصّه به الرسول (عليه السّلام)، فقال: (ويلمّه)، وهذه الكلمة تقال للتعجّب والاستعظام، يقال: (ويلمّه فارساً)، وتكتب موصولة كما هي بهذه الصورة، وأصله (وَيْلُ أُمِّهِ) مرادهم التعظيم والمدح وإن كان اللفظ موضوعاً لضدّ ذلك كقوله (عليه الصلاة والسلام): (فاظْفَرْ بذاتِ الدِّين ترُبَتْ يدُاك)[٢٤]، وكقولهم لرجل يصفونه ويفرّطونه: (لا أباً له)[٢٥].

جاءت كلمة (ويل أمّه) في قصّة جذيمة مع الزباء ومولاه قصير، أشرنا[٢٦] إلى إجمالها عند المثل (لو كان يطاع لقصير أمر)، وفيها أنْ نَصَحَ قصير جذيمة فلقيته الخيول والكتائب فحالت بينه وبين العصا (والعصا فرس جذيمة) فركبها قصير ونظر إليه جذيمة على متن العصا مولِّياً.

قال: (ويل أمّه حزماً على متن العصا) فذهبت مثلاً... [٢٧]والقصّة طويلة اختصرناها لموضع المثل.

باب الياء

الياء مَعَ الدّال

٦١ ـ يَدُ اللهِ عَلى الجَماعَةِ[٢٨].

من كلام له (عليه السّلام) قاله للخوارج، ومنه قوله (روحي فداه): (والْزَمُوا السَّوَادَ الأعْظَمَ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ على الْجَمَاعَةِ،وإِيَّاكُمْ والْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ )..

أقول:

قد صحّ هذا المثل عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) أيضاً بلفظ: (يد الله مع الجماعة) رواه جمع من المحدثين والأدباء من الشيعة والسنة[٢٩]، أي أنّ الجماعة المتّفقة من أهل الإسلام في كنف الله ووقايته فوقهم، وهم بعيدون من الأذى والخوف، فأقيموا بين ظهرانيهم.

وفي حديث: (عليكم بالجماعة فإنّ يد الله على الفسطاط) (الفسطاط: المصر الجامع، ويد الله كناية عن الحفظ والدفاع عن أهل المصر، كأنّهم خصوا بوقاية الله تعالى وحسن دفاعه[٣٠].

والإمام (عليه السّلام) حذّر القوم من الفرقة ومثّل لهم مغّبتها بالغنم المتخلّف من الأغنام التي هي تحت رعاية الراعي، فكما هو للذئب لا محالة كذلك المتخلّف عن الجماعة للذئاب الإنسيّة والجنيّة من الشياطين.

وفي حديث الإمام الرضا (عليه السّلام) قال: (إنّما جعلت الجماعة لئّلا يكون الإخلاص والتوحيد والإسلام والعبادة لله إلاّ طاهراً مكشوفاً مشهوراً؛ لأنّ في إظهاره حجّة‌‍ على أهل الشرق والغرب لله وحده، وليكون المنافق والمستخّف مؤدّياً لما أقرّ به يظهر الإسلام والمراقبة، وليكون شهادات الناس بالإسلام بعضهم لبعض جائزة ممكنة، مع ما فيه من المساعدة على البّر والتقوى، والزجر عن كثير من معاصي الله )عزّ وجلّ[٣١].

ومن أمر الله تعالى بالاعتصام بحبله والنهي عن التفرقة يعرف الاهتمام البالغ بهذا الصدد، كما يعلم ذلك من رواية الإحراق بالنار لدار من لم يحضر جماعة المسلمين[٣٢].

ولا ينافي لزوم الجماعة ما جاء من النهي في أحاديث أهل البيت (عليهم السّلام) عن أن يقول الرجل: أنا أحد من الناس، وأنا مع الناس، فقد روى الصدوق عن الصادق (عليه السّلام) قوله: ( ولا تكن إمَّعة)[٣٣].

وذلك يراد به في الأمر المحرّم شرعاً وعقلاً، وهم الهمج من الناس يميلون مع كلّ ريح.

هذا آخر ما أردناه هنا.

والحمد لله تعالى أوّلاً وآخراً، وصلّى الله على محمّد وآله، لا سيَّما الإمام المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف).

في الختام

يعجبني ذكر خمسة‌ أبيات وجدتها على هامش بعض نسخ النهج المطبوعة، وهي:

نهجُ البلاغةِ نهجُ العلمِ والعملِ

 

فاسْلِكْهُ ياصاحِ تبلغْ غايةَ الأملِ

ألفاظُه دُرَرٌ زَانَتْ بِحُلْيَتِهَا

 

أهلَ الفضائلِ من حُلْيٍ ومن حُلَلِ

ومن معانيهِ أنوارُ الهدى سطعتْ

 

تَنْجَابُ عنها ظلامُ الزَّيغِ والزَّلَلِ

وكيف لا وَهْوَ نهجٌ طابَ منْهَجَهُ

 

هَدَى إليه أميرُ المؤمنينَ عليّ

وما قاله المرتضى مرتضى

 

كلامُ عَلِيٍّ كلامٌ عَلِيّ

والله (عزّ وجلّ) نسأل أن يسلك بنا منهج مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأولاده الأحد عشر المعصومين.

انتهى

منقول بتصرف من شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

------------------------------------------
[١] . النهج ١ : ٣٣٣ ، ٢٥/ط.
[٢] . رسالة الإسلام ١٢٢ (عدد ٧ ـ ٨).
[٣] . النهج ٧ : ٧٠ ـ ٧١ ، ٩٦/كلام.
[٤] . النهج ١٦: ١٦٠ ـ ١٦٣، ٣٩/كتاب.
[٥] . انظر: ص ٢١ من هذا الكتاب.
[٦] . النهاية في (طبق).
[٧] . مجمع الأمثال ٢: ٣٦٠ حرف الواو.
[٨] . النهج ١٥: ١٨٣، ٢٨/ك.
[٩] . رسالة الإسلام ١٢٤ ـ ١٢٥ عدد ٧ ـ ٨.
[١٠] . اللهوف ٧١.
[١١] . النهج ١٦: ٢٨٦، ٢٨/ك.
[١٢] . شرح النهج ١٦: ٢٨٨.
[١٣] . النهج ٩: ٢٤١، ١٦٣/كلام.
[١٤] . شرح النهج ٩: ٢٤٣.
[١٥] . رسالة الإسلام ١٢٤ (عدد ٧ ـ ٨).
[١٦] . شرح النهج ٩: ٢٤٢.
[١٧] . النهج ١٥: ١٨٣، ٢٨/ك.
[١٨] . المستقصي ٣: ١١٩.
[١٩] . رسالة الإسلام ١٢٥ (عدد ٧ ـ ٨).
[٢٠] . سورة الأعراف الآية ٧٩.
[٢١] . سورة البقرة الآية ٢١٦.
[٢٢] . تحت رقم: المثل ١١، ص ٤٥.
[٢٣] . النهج ٦: ١٢٧، ٧٠/ك.
[٢٤] . أثبتناه في حرف التاء من الأمثال النبويّة.
[٢٥] . شرح النهج ٦: ١٣٣.
[٢٦] . راجع: ص ١٢٠.
[٢٧] . مجمع الأمثال ١: ٢٣٤ حرف الخاء.
[٢٨] . النهج ٨: ١١٢، ١٢٧/كلام.
[٢٩] . جامع الأصول ٦: ٥٦٤ المحاضرة والتمثيل ٢٧.
[٣٠] . النهاية في (يد).
[٣١] . الوسائل ٥: ٣٧٥.
[٣٢] . الوسائل ١٨: ٢٨٩ ـ ٢٩٠.
[٣٣] . معاني الأخبار ٢٦٦.
****************************