وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.                
وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                
وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا.                
وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
الإطناب والإيجاز في نهج البلاغة

أما الاطناب والايجاز والمساواة فلا يحتاج فيها أن تؤثر عن النبي صلى الله عليه وآله ، وخلفائه الراشدين ، ولم يكن أحدهما مرسوما في الاسلام بحيث يجب اتباعه ، بل هى تابعة لما تقتضيه المصلحة ، وتفرضه الحاجة ، وربما كانت أحوال وغايات لا بد فيها من ذلك ، وشتان ما بين زمانه عليه السّلام ، وأزمنة الخلفاء [١].
حتى هؤلاء الذين أرسوا هذه الشبهة أقروا بذلك واعترفوا بحقيقته فقال أحدهم [٢]: ( نحن لا نقول إنّ هذا القدر من الطول في الخطب غير مقبول عقلا . . . إلخ ) .
فالتطويل والإيجاز في خطب الإمام وكتبه يجري حسب المقامات والأحوال وهذا شيء معروف عن البلغاء في الجاهلية والإسلام .
وقد رووا أن قيس بن خارجة بن سنان خطب يوما إلى الليل فما أعاد كلمة ولا معنى [٣].
وقد رووا أيضا أن وفدا من خراسان قدم على معاوية وفيهم سعيد بن عثمان ، فطلب سحبان وائل [٤] فأدخل عليه فقال : تكلم ، فقال : انظروا لي عصا تقوم من أودي ، قالوا : وما تصنع بها وأنت بحضرة أمير المؤمنين قال : ما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربّه ، فقال معاوية : هاتوا عصاى ، فأتوا بها فأخذها ، ثم قام وتكلم منذ صلاة الظهر الى أن قامت صلاة العصر ما تنحنح ولا سعل ، ولا توقف ، ولا ابتدأ في معنى فخرج منه وقد بقي عليه منه شيء ، فما زالت تلك حاله حتى أشار معاوية بيده ، فأشار اليه : أن لا تقطع على كلامي ، فقال معاوية : الصلاة ، قال : هى أمامك ونحن في صلاة وتحميد ، ووعد ووعيد ، فقال معاوية : أنت أخطب العرب ، فقال سحبان : والعجم والجن والانس [٥].
ومع هذا الاسترسال في الكلام،وطول النفس في الخطابة نراه يوجز احيانا حتى يجيء في ادنى غاية من غاية الاختصار .
يقول الدكتور زكي مبارك : « وسحبان وائل الذي عرف بالتطويل وإنه كان يخطب أحيانا نصف يوم ، أثرت عنه الخطب القصيرة الموجزة ، وذلك يدل على أن الفطرة كانت غالبة على ذلك العصر ، وأن القاعدة المطردة لم تكن شيئا آخر غير مراعاة الظروف ، ورسائل علي بن ابي طالب ، وخطبه ، ووصاياه ، وعهوده الى ولاته تجري على هذا النمط ، فهو يطيل حين يكتب عهدا ليبيّن فيه ما يجب على الحاكم في سياسة القطر الذي يرعاه ، ويوجز حين يكتب إلى بعض خواصه في شيء معين لا يقتضي التطويل » [٦].
وعبد الحميد الكاتب لتأثره ببلاغة أمير المؤمنين عليه السّلام تراه يوجز مرة غاية الإيجاز ، ويطنب اخرى إذا اقتضت الحال غاية الإطناب .
فمن إيجازه : إن بعض عمال مروان أهدى اليه عبدا أسودا ، فأمره الاجابة مختصرا ، فكتب : لو وجدت لونا شرّا من السواد وعددا أقل من الواحد لأهديته .
ومن إسهابه : إنّه لما ظهر أبو مسلم الخراساني بدعوة بني العباس كتب إليه مروان يستميله ويضمنه ما لو قرئ لأوقع الإختلاف بين أصحاب أبي مسلم ، وكان من كبر حجمه يحمل على جمل ، ثم قال لمروان : قد كتبت كتابا متى قرأه بطل تدبيره ، فإن يك ذلك وإلا فالهلاك ، فلما ورد الكتاب على أبي مسلم لم يقرأه ، وأمر بنار فأحرقه وكتب على حزازة منه إلى مروان :

محا السيف أسطار البلاغة وانتحى ***** عليك ليوث الغاب من كلّ جانب
فان تقدموا نعمل سيوفا شحيذة ***** يهون عليها العتب من كلّ عاتب

ويقال : إن أوّل الكتاب كان : لو أراد الله بالنملة صلاحا لما خلق لها جناحا .
ولقد شهد الجاحظ بخطب أمير المؤمنين الطوال بقوله : « لم يكن عمر من أهل الخطب الطوال ، وكان كلامه قصيرا ، وإنما صاحب الخطب الطوال علي ابن أبي طالب » [٧].
ولسنا - بعد ذلك - بحاجة إلى أن نسهب في القول هنا ، ونستكثر من الأدلة على كون الإيجاز والإطناب لا يختص بواحد منهما قوم دون قوم ولا ينحصر أحدهما بحصر دون آخر .

-----------------------------------------------------
[١] . مدارك نهج البلاغة ص ٥٤ .
[٢] . هو الاستاذ أحمد زكي صفوت .
[٣] . البيان والتبيين ١ ، ٥٠ .
[٤] . هو سحبان بن زفر بن أياس الوائلي خطيب مفصح يضرب به المثل في البيان أدرك الاسلام وأسلم ومات سنة ٥٤ .
[٥] . سرح العيون : في شرح رسالة ابن زيدون ١ ، ١٤٨ .
[٦] . النثر الفني ١ ، ٥٩ .
[٧] . انظر ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ) : م ٣ ص ١٢٤ .
****************************