وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ .                
وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                
وقال (عليه السلام): إذَا كَانَ في رَجُل خَلَّةٌ رَائِعَةٌ فَانْتَظِرْ أَخَوَاتِهَا.                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                

Search form

إرسال الی صدیق
الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام (سمات المنزلة العلوية) – الأول

سماحة الشيخ عبد الجليل البن  سعد

وفي البداية :

إن البحث في دائرة علي بن أبي طالب عليه السلام ـ شخصية الإسلام الأولى بعد النبي صل الله عليه واله وسلم ـ مهمة استنزفت فيها الأفكار واسترسلت الأقلام ولم تظفر بختام..

فهل في هذا عجب؟

مما العجب فإن سهما وافرا من جواهر الرسالة الإسلامية الغراء لم يظهر للناس أو لا يزال قابلا للاستزادة وقد أوكل الأمين المصطفى صل الله عليه واله وسلم نشر ذلك وتبليغه إلى أمينه على رسالته وخلافته وأمته وكان انتقال الأمانة قد أعلن وبلغ أمام الناس بصيغ غير محصورة.

قال صل الله عليه واله وسلم فيما قال:( أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين لن تضلوا ما تمسكتم بهما الأكبر منهما كتاب الله والأصغر عترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير عهد إلي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين ـ أشار بالسبابتين ـ إلا أن أحدهما أقدم من الآخر فتمسكوا بهما لن تضلوا ولا تقدموا منهم و لا تخلفوا عنهم ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ) [١].

وقد تكرر هذا الحديث منه صل الله عليه واله وسلم في ستة مواطن : عند منصرفه من الطائف عام ثماني للهجرة بعد فتح مكة،وعندما خطب الناس يوم عرفة على ظهر ناقته القصواء،وفي مسجد الخيف بمنى في حجة الوداع،يوم الغدير،يوم قبض في آخر خطبة له على المنبر،وفي مجلسه يوم أمر بالدواة والكتف حتى كثر اللغط بمحضره وأمر الناس بالقيام عنه،وقد رواه زهاء خمسة وخمسون من الصحابة والتابعين ولعله أزيد من ذلك وهو واضح الدلالة في مرجعية علي عليه السلام وبنيه كوضوح سنده لا يشكك فيه إلا ضال يقول المحقق الخوئي قدسره في أرجوزته العصماء:

إن  حديث  الثقلين  مشتهر ***** شاع به فضل علي وظهر

فهو عديل للكتاب المنزل ***** وكل من تابعه  لم يضـلل

فهل ترى كان الحديث مجملا ***** ذي فكرة من عاقل لن تقبلا

بل  الحديث واضح  الدلالة ***** بنصب أهل البيت والرسالة [٢]

وقال مجليا لأمره صلوات الله عليه:(لكل نبي وصي ووارث وعلي وصيي ووارثي) [٣] .

وقد روي عن سلمان تارة وعن بريدة ثانية وعن أنس أخرى.

ومما قال صل الله عليه واله وسلم مشيرا إلى تحمله مواصلة المسيرة النبوية والتصدي لكيد الكائدين:(إن منكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله قال: فقام أبو بكر وعمر فقال: لا،ولكن خاصف النعل وعلي  يخصف نعله) [٤].

وسجل له فيما سجل من المناقب المرجعية في القضاء يروى عنه صل الله عليه واله وسلم وبأسانيد متعددة:( أقضاهم علي بن أبي طالب)  [٥].

وهو الحديث الذي لا يعوزه سند كيف وقد عدت الموارد التي قال فيها عمر: (لولا علي لهلك عمر) فقيل أنها سبعين موردا فضلا عن أقواله الباقية نحو (علي أقضانا)، و(لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو حسن)،و(لولاك لافتضحنا) [٦] .

ودون ذلك أحاديث جمة لا يأتي عليها العد إلا بالسهر والسفر في بطون الكتب ودواوين التأريخ الإسلامي..

وسنقطف بعضا منها مما تدلت به فروع هذا الدعاء الشريف ولوحت به غصونه إن شاء الله تعالى.

فحياته وحياة ولده من بعده حياة للنبوة وعمرا مضافا على عمر الرسالة وجديدهم من وحيها ونبأها فهي محمدية الحدوث ولكنها لا تزال علوية فاطمية حسنية حسينية...في الامتداد والبقاء.

وهنا وعلى مائدة هذا الدعاء الكريم (دعاء الافتتاح) نلتقط شملة من الأوصاف والألقاب العلوية التي انتخبها الإمام روحي فداه توخيا للآثار والثمار النفسية الطيبة التي تَبتَلُ بذكرها والإصرار عليها ـ ثلاثين ليلة من شهر رمضان ـ صدور الذاكرين فتعمر قلوبهم بالمحبة والولاء لآل الرسول صل الله عليه واله وسلم.

سمات المنزلة العلوية

قال عج:( اللهم وصل على علي أمير المؤمنين ووصي رسول رب العالمين عبدك ووليك وأخي رسولك وحجتك على خلقك وآيتك الكبرى والنبأ العظيم) .

إن لعلي أوصافا وألقابا كريمة لا يؤتى عليها إلا بالكد الأكيد والجهد الجهيد وقد جمع منها العلامة نور الله المرعشي التستري نور الله ضريحه في إحقاق الحق مائتين وسبعة وأربعين نعتا ووصفا مما وصف به الرسول الأعظم صل الله عليه واله وسلم عليا عليه السلام أي ما التقطه من كتب القوم خاصة.

وإن من آثر نعوته الكريمة وأوصافه العظيمة هذه المفردات الثمانية التي تجاورت في هذا الدعاء الشريف، وما من بد أن نتناولها تباعا الطريقة التي تقدمت في الحديث عن سيد الكونين صل الله عليه واله وسلم،وقبل الغوص في ذلك نقول إن من الملفت حقا أن الإمام عليه السلام قد اختار ـ وهو يتعرض للأئمة المسلمين ـ  أوصافا وألقابا أجمعت عليها كلمة العامة والخاصة فلا ينكرها مسلم وسننتهي بك إلى حقيقة ذلك،بالإشارة إلى أن هذه الأوصاف قلما يكون لطرقها بين المحدثين والرواة حصر إن شاء الله تعالى.

وفي مقدمة البحث أرى من واجبي التنويه على أننا نورد الأدلة من كتب العامة لا لأنها أصح من كتبنا ولا لأجل عوز وحاجة فالروايات والأدلة على ما نروم وفيرة كثيرة في مصادر الطائفة المحقة وإنما نوردها لأجل أن حمل كتب القوم لهذه المطالب التي هي على خلاف معتقدهم من أوجب القرآئن للاطمئنان والوثوق.

قال شيخ الطائفة الطوسي في كتاب الغيبة وقد أورد من أخبارهم ـ السنة ـ في كون الأئمة اثنا عشر:

فإن قيل: دلوا أولا على صحة هذه الأخبار فإنها آحاد لا يعول عليها فيما طريقه العلم وهذه مسألة علمية ثم دلوا على أن المعني بها من تذهبون إلى إمامته فإن الأخبار التي رويتموها عن مخالفيكم وأكثر ما رويتموها من جهة الخاصة إذا سلمت فليس فيها صحة ما تذهبون إليه لأنها تتضمن العدد فحسب ولا تتضمن غير ذلك فمن أين لكم أن ائمتكم هم المرادون بها دون غيرهم؟

قلنا: أما الذي يدل على صحتها فإن الشيعة الإمامية يروونها على وجه التواتر خلفا عن سلف وطريقة تصحيح ذلك موجودة في كتب الإمامية...إلى أن قال: فإن نقل الطائفتين المختلفتين المتباينتين في الاعتقاد يدل على صحة ما قد اتفقوا علي نقله لأن العادة جارية أن كل من اعتقد مذهبا وكان الطريق على صحة ذلك النقل فإن دواعيه تتوفر إلى نقله وتتوفر دواعي من خالفه إلى إبطال ما نقله أو الطعن عليه والإنكار لروايته بذلك جرت العادة في مدائح الرجال وذمهم وتعظيمهم والنقص منهم ومتى رأينا الفرقة المخالفة لهذه الفرقة قد نقلت مثل نقلها ولم تتعرض للطعن على نقله ولم تنكر متضمن الخبر دل ذلك على أن الله تعالى قد تولى نقله وسخرهم لروايته وذلك دليل على صحة ما تضمنه الخبر [٧] .

* (أمير المؤمنين)

والأمير لغة : هو المنصوب للأمر، والإمرة بالكسر تعني الولاية.

وهذا أول ما أطلق على أبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام ولم يكن هذا اللقب مما أجترحه هو لنفسه ولا من اختيار أحد له رسول الله صل الله عليه واله وسلم فما دون بل هو نص جلي من السماء على إمامته وقيادته وهنا نجول مع بعض الروايات التي توثق اختصاصه بهذا اللقب وعدم سبق أحد غيره إليه..

١ - روى الحافظ أبو بكر البغدادي المتوفي سنة ٤٦٣هـ في حديث مسند:( ينادي ملك هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إمام المتقين قائد الغر المحجلين إلى جنات رب العالمين) [٨] .

٢ - وروى أخطب خوارزم المتوفي سنة ٥٦٨ مسندا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:( كان رسول الله صل الله عليه واله وسلم في بيته فغدا عليه علي بن أبي طالب عليه السلام بالغداة وكان  يحب أن لا يسبقه إليه أحد فدخل وإذا بالنبي صل الله عليه واله وسلم في صحن الدار وإذا برأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي فقال: السلام عليك كيف أصبح رسول الله صل الله عليه واله وسلم قال بخير يا أخا رسول الله صل الله عليه واله وسلم فقال له علي عليه السلام جزاك الله عنا أهل البيت خيرا،قال له دحية:إني أحبك وأن لك عندي مدحة أزفها إليك:أنت أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين أنت سيد ولد آدم يوم القيامة...) [٩].

فهذا هو قول الملائكة وندائهم وتبشيرهم له وقد عالن به النبي صل الله عليه واله وسلم في الأرض وصارح به جميع أصحابه في كثير من المواطن بين أهله وعلى الملأ .

٣ - فقد روى أبو نعيم الأصبهاني المتوفي ٤٣٠ هـ عن أنس قال:(قال رسول الله صل الله عليه واله يا أنس:اسكب لي وضوءا ثم قام فصلى ركعتين ثم قال:يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين وخاتم الوصيين قال أنس قلت:اللهم أجعله رجلا من الأنصار وكتمته، إذ جاء علي فقال من هذا يا أنس فقلت: فقام مستبشرا فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه قال علي يا رسول الله لقد رأيتك صنعت بي شيئا ما صنعت بي من قبل قال وما يمنعني وأنت تؤدي عني وتسمعهم صوتي وتبين لهم ما اختلفوا فيه من بعدي) [١٠] .

٤ - ويروي المحدث جمال الدين محمد بن أحمد الحنفي الموصلي الشهير بابن حسنويه المتوفي سنة٦٨٠ بالإسناد يرفعه إلى أبي ذر وسلمان والمقداد:( أنهم أتاهم مسترشد في زمن خلافة عمر بن الخطاب وهو رجل من أهل الكوفة فجلس إليهم مسترشدا فقالوا عليك بكتاب الله عز وجل فالزمه وبعلي بن أبي طالب فإنه مع كتاب الله لا يفارقه فإنا نشهد أننا سمعنا من رسول الله صل الله عليه واله وسلم أنه يقول إن عليا مع الحق والحق معه كيف ما دار دار به فإنه أول من آمن بي وأول من يصافحني يوم القيامة وهو الصديق الأكبر والفاروق بين الحق والباطل وهو وصي ووزيري وخليفتي في أمتي من بعدي ويقاتل على سنتي فقال لهم الرجل ما بال الناس يسمون أبا بكر الصديق وعمر الفاروق فقالوا الناس تجهل حق علي كما جهلا هما خلافة رسول الله صل الله عليه واله وسلم وجهلا حق أمير المؤمنين وما هو لهما باسم لأنه اسم غيرهما والله إن عليا...أمير المؤمنين أمرنا وأمرهم به رسول الله صل الله عليه واله وسلم فسلمنا عليه جميعا وهما معنا بأمرة المؤمنين) [١١] .

٥ - وأخرج الإمام الطبري محمد بن جرير في كتابه (الولاية) حديثا بإسناده عن زيد بن أرقم كان منه أن رسول الله صل الله عليه واله وسلم قال : (معاشر الناس قولوا أعطيناك على ذلك عهدا عن أنفسنا وميثاقا بألسنتنا وصفقة بأيدينا نؤديه إلى أولادنا وأهلينا لا نبغي بذلك بدلا وأنت شهيد علينا وكفى بالله شهيدا،قولوا ما قلت لكم وسلموا على علي بإمرة المؤمنين ،وقولوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله فإن الله يعلم كل صوت وخائنة كل نفس فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما قولوا ما يرضي الله عنكم فإن تكفروا فإن الله غني عنكم،قال زيد بن أرقم فعند ذلك بادر الناس بقولهم نعم سمعنا وأطعنا على أمر الله ورسوله بقلوبنا،وكان أول من صافق النبي صل الله عليه واله وعليا:أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وباقي المهاجرين والأنصار وباقي الناس إلى أن صلى الظهرين في وقت واحد وامتد ذلك إلى العشائين في وقت واحد وأوصلوا البيعة والمصافقة ثلثا) [١٢] .

٦ - روي عن سالم مولى أمير المؤمنين عليه السلام:( كنت مع علي عليه السلام في أرض نعمل،إذ جاء ابو بكر وعمر إلى علي عليه السلام وقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقيل لهما:أكنتما تسلمان عليه في عهد رسول الله صل الله عليه واله وسلم بإمرة المؤمنين؟ قال عمر:هكذا أمرنا النبي صل الله عليه واله وسلم) [١٣] .

وعن كتاب فردوس الأخبار للديلمي عن حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: ( لو علم الناس متى سمي علي أمير المؤمنين ما أنكروا فضله سمي أمير المؤمنين وآدم بين الروح والجسد قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ} قالت الملائكة بلى فقال:أنا ربكم محمد نبيكم علي أميركم هذا ميثاق أخذه الله سبحانه وتعالى) [١٤].

وهناك المزيد مما روي عن طرقهم في هذا الباب جمع فيه السيد الأجل رضي بن السيد علي بن طاووس الحلي كتابا أسماه:( اليقين باختصاص مولانا علي عليه السلام بإمرة المؤمنين ) , وقد أستوعب فيه ثلاثمائة وتسعة ( ٣٠٩) حديثا من طرقهم خاصة ثم قفاه بكتاب آخر أسماه: التحصين لأسرار ما زاد من أخبار كتاب اليقين , وقد أحلّ فيه نحو خمسين حديثا آخر يتعلق بعضها بتسميته بهذا الاسم هذا.

وقد وصلنا عن الإمام الباقر عليه السلام وقد سئل:( لما سمي أمير المؤمنين عليه السلام قال الله سماه وهكذا أنزل إلينا) [١٥] . إلى غير ذلك الكثير وإنما سقنا هذا للتذكير..

يقول الكميت رحمه الله :

علي أمـير المـؤمنين  وحقـه ***** من الله مفروض على كل مسلم

وزوجه  صديقة  لم  يكن لهـا ***** مـعادلة غـير البتـولة مـريم

وردّم أبـواب الذين بنى لهـم ***** بيوتا سوى أبـوابـه لم يـردّم

ويقول مهيار الديلمي رحمه الله :

وأدي  عني مبـلّغا  تحيتي ***** خير الوصيين أخا خير الرسل

سمعا أمير المؤمنين إنـها ***** كناية  غيرك  فيـها منتحل

* مغزى هذه التسمية :

كلما أمعنا الفكر وأجلنا النظر فيما تعطيه هذه التسمية المباركة تساقط علينا من معانيها ومجانيها الكثير مما يرتبط بالكيان الذاتي لعلي عليه السلام،والمقام الديني والاجتماعي كل على انفصال عن الأخر:

أ ) غرض التنصيص عليه بالنص الجلي الذي يقطع على الجميع أنهم قد فهموا المراد منه فلا يعذر من تخلف عنه يقول الباقر المجلسي (قد سره):

( لا يشك منصف في تواتر الأخبار المنقولة من طرق الخاصة والعامة بأسانيد جمة مختلفة...ولا في كونها نصا في إمامته وخلافته لأنه إذا كان أمير المؤمنين في حياة الرسول وبعد وفاته من قبل الله ورسوله فيجب على الخلق إطاعته في كل ما يأمرهم به وينهاهم عنه وذلك عام لجميع المؤمنين لدلالة الجمع المحلى باللام على العموم،وهذا هو معنى الإمامة الكبرى والرياسة العظمى،لا سيما مع انضمامه في أكثر الأخبار إلى نصوص أخرى وصريحة وقرائن لا تحتمل غير ما ذكرنا...) [١٦] .

وتأسيسا على هذا فسيكون عمل الذين جاؤوا بعده صلى الله عليه واله وسلم وجهدهم في تنصيب خليفة عملا لا غيا لأن تنزل لقب الأمير واختصاصه بعلي عليه السلام في حياة رسول الله صل عليه واله وسلم وقبل وفاته يجعل هذا المنصب في حرز مصون وهتك ذلك الحرز جريمة كبرى؛لأن قولك علي أمير يستخرج منه:لا أمير سوى علي،ومن هنا نصل إلى أن نصوص الإمرة لا تقل أهمية عن نصوص الولاية(الغدي) لا من حيث تواترها ولا من حيث مدلولها.

 ولما عبثت يد العابث بمعنى الولي في حديث الغدير وابتغى تأويله الذين في قلوبهم مرض، بالتمويه على معناها، فإن ذلك متعذر في مثل كلمة أمير فلا يمكن حرفها عن موضعها، أو عن معناها المنصوص لغة؟!

ولدينا ما ينتصر لهذه الفقرة في الفقرة ( ج ) فتابع..

 ب ) سمي أميرا إشارة إلى نفوذ ولايته كما هو منصوص أهل اللغة قال ابن منظور:الأمير الملك لنفاذ أمره بَـيّنُ الإمارة والأمارة [١٧] .

فالمعنى أنه هو من يلقى إليه بالسمع والطاعة من قبل المؤمنين وهذا ليس إلا الظاهر من لفظه أي بلا مؤونة تفسير،ولكن قد يتصل به معنى آخر على سبيل التفسير والتأويل وهو ما روي عن أبي الحسن عليه السلام:(وقد سئل لما سمي أمير المؤمنين؟ قال لأنه يميرهم العلم) [١٨].

ونقل الطريحي عن بعض الأفاضل قوله:

من المعلوم أن أمير مهموز الفاء،وأن يمير أجوف فلا تناسب في الاشتقاق ثم قال:ولك أن تقول قصده عليه السلام أن تسميته بأمير المؤمنين ليس لأجل أنه مطاعهم [ إلا] بحسب العلم أي الأحكام الإلهية فعبر عن هذا المعنى بلفظ مناسب للفظ الأمير،انتهى [١٩] .

أي أن لفظ يمير هو الأقرب في اللفظ وهذا واضح على ما نقلنا عن أهل اللغة،وهو الأقرب في المعنى أيضا؛لأن إطاعتهم له تكون لأجل علمه وفضله؛إذ أن الله تبارك وتعالى أجل من أن يتحكم في عباده فينزع إمارة ويعطي إمارة لأجل اختلاف في عرق أو بسطة في المال،وإنما هي البسطة في العلم الذي سيميرهم به وهذه هي سنة الله في التأمير حكاها في كتابه الكريم قال تبارك اسمه:{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ

عَلِيمٌ} [٢٠].

وقد فسر العلامة المجلسي قد سره إطلاق الإمرة على الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام والتفت إلى هذا الإشكال بإجابات عدة قال: الميرة بالكسر جلب الطعام يقال:مار عياله يمير ميراً وأمارهم وامتار لهم ويرد عليه أن الأمير فعيل لا من الأجوف ويمكن التفصي عنه بوجوه:

الأول: أن يكون على القلب وفيه بعد من وجوه لا تخفى.

الثاني:أن يكون(أمير) فعلا مضارعا على صيغة المتكلم ويكون عليه السلام قد قال ذلك ثم اشتهر به كما في تأبط شراً.

الثالث:أن يكون المعنى أن أمراء الدنيا إنما يسمون بالأمير لكونهم متكفلين لميرة الخلق وما يحتاجون إليه في معاشهم بزعمهم،وأما أمير المؤمنين عليه السلام فإمارته لأمر أعظم من ذلك لأنه يميرهم ما هو سبب لحياتهم الأبدية وقوتهم الروحانية،وإن شارك سائر الأمراء في الميرة الجسمانية وهذا أظهر الوجوه [٢١] .

ج ) ومن أسرار تسميته واختصاصه بهذا النعت أن المؤمنين في تشكيلتهم الاجتماعية والسياسية والإسلامية بصورة عامة يظل نجاحهم مرهونا بقيام أميرهم وحضوره فيهم وما يلقونه إليه من السمع والطاعة وفي حال ثبت العكس فإن أمرهم وكيانهم سيؤول إلى الانحطاط والخسران ولذا فإن تقليده هذا الوسام ليس لمحض تمييزه وإنما علامة وأمارة تكشف عن رحمة تنتظر هذه الأمة ولا يتبعها إلا المسترشد..

وقد أختص بها علي بن أبي طالب عليه السلام وبقيت هذه التسمية الإلهية في حرز فلا تطلق على أحد من ولده صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فعلاوة على ما روه شيخ الطائفة الطوسي قد سره في الأمالي عن أبي الحسن الثالث عليه السلام عن آبائه عن علي عليه السلام قال:( قال رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم لما أسري بي إلى السماء كنت من ربي كقاب قوسين أو أدنى فأوحى إلي ربي ما أوحى ثم قال:يا محمد إقرأ على علي بن ابي طالب عليه السلام أمير المؤمنين فما سميت به أحدا قبله ولا أسمي بهذا أحدا بعده) [٢٢] .

وفي تفسير العياشي عن محمد بن اسماعيل الرازي عن رجل سماه عن أبي عبد الله عليه السلام قال:(دخل رجل على أبي عبد الله عليه السلام فقال:السلام عليك يا أمير المؤمنين فقام عليه السلام على قدميه فقال:مه هذا اسم لا يصلح إلا لأمير المؤمنين عليه السلام الله سماه به ولم يسم به أحد غيره فرضي به إلا كان منكوحا وإن لم يكن به ابتلي به وهو قول الله عز وجل في كتابه: إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا قال قلت...) [٢٣].

وقد خرج علينا في وقتنا هذا من يتسمى بأمير المؤمنين في ناحية قاصية من نواحي البلاد الإسلامية ـ أفغانستان ـ وقد شفى غليله المتوحش بدماء الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ ويتفرع عن منظمته فرق أعادت سيرة آبائها ( الخوارج) الأولى فلا يمضي يوم دون أن يهريقوا فيه دما من دماء المسلمين ـ وعلى الخصوص في العراق ـ وقد استمر هذا الوضع بالمسلمين خمسة أعوام إلى حين كتابة هذه السطور،فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

* وبكلمة بينة صادقة :

إن المتسلسل مع القرآن الكريم في تأريخ القرون الخوالي والناظر في مراكز الأنبياء والرسل يجد أن أحدا منهم لم يفز برضا مجتمعه ولم يمت عن قومه وهم مجتمعون متوافقون متحملون للأمانة ،وأن الكثير منهم قد أسلموا وآمنوا ثم تبددت وتشتت جماعاتهم ساعة الامتحان كما تتبدد الأحلام ساعة اليقظة والعودة إلى عالم الحس،ألست تقرأ فشل قوم موسى في موقف غيبته عنهم وحكاية العجل،يقول ذو الجلال والإكرام:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [٢٤].

أم ألست تقرأ خيبة قوم داود عليه السلام في موقف السبت يقول الله سبحانه:{إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [٢٥].

ويقول عزوجل: {كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً} [٢٦].

وهنا يظن الكثير في أمة محمد صل الله عليه واله وسلم ـ آخر الأمم ـ ظنا مختلفا كيف أنها أخذت تزداد اتساعا في العدة والعدد في القوة والسند أيام رسول الله صل الله عليه واله ولكن دون أن يعرض عليها امتحان ينقلب فيه الكثير على ما هو الحال في سالف الأمم،فهل أعفو عن الامتحان وموقفه الصعب فأين قوله صل الله عليه واله وسلم: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم ولو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) ؟ [٢٧].

ولكن القرآن الكريم يؤكد استمرار الحكم وأن الكل يقف سواسية أمام هذا القانون فيقول عز وجل:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [٢٨] .

وإن الفتنة قد حلت بهم وأقبلت عليهم كقطع الليل المظلم وتقاطرت خلال القلوب كما يتقاطر المطر خلال البيوت وإليك حديث رسول الله صل الله عليه واله وسلم مع أسامة بن زيد قال:(أشرف النبي صل الله عليه واله وسلم على آطم من آطام المدينة فقال:هل ترون ما أرى؟قالوا:لا قال فإني أرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع المطر) [٢٩].

 ولم يشابهوا الأمم في صورة الحدث وحسب بل حتى في توقيته إذ كان ذلك في زمن رسول الله صل الله عليه واله وسلم فنازعوه في كتابة الكتاب الذي لو صدر لاعتز به جميع المسلمين ولأصبح مرجعهم على ممر الأجيال كما أراد صل الله عليه واله وسلم إذ قال:( هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا) [٣٠] .

وإن النبي صل الله عليه واله وسلم لم يكن يستغني في توجيه الإرشاد باللسان فقط بل لعله أول رسول من الرسل يتخذ المكاتيب في الخطط السياسية  والدعوة إلى الإسلام والعهود والتأمينات وأول من أتخذ الخاتم منهم [٣١] ،ولكن رغما من كل ذلك فقد كانت فتنتهم التي افتتنوا فيها،وهي ما أطلق عليه ابن عباس رزية الخميس!!

وقد تحقق منهم المخالفة عن أمره صل الله عليه واله وسلم برعاية أهل بيته عليهم السلام والطاعة لهم في مواطن تأريخية كثيرة نجتزي بالكشف عن بعض المهم منها:

١ - حديث الثقلين

الحديث الذي لا زال النبي صل الله عليه واله وسلم يردده في مواقف مختلفة من حياته مغتنما أغلب فرص الاجتماع بأصحابه غير عابه بنوعية الأجواء من سفر أو حضر،أو حرب أو سلم،ومنها عند منصرفه من الطائف عام ثماني للهجرة أي بعد فتح مكة،وثانيا يوم عرفة وقد خطب الناس وهو على ظهر ناقته القصواء، إلى آخر ما ذكرناه في مطلع هذا الباب ولا أفصل في هذا ولكن أرجع إلى ما نمقه بيراعه العلامة السيد مهدي الخرسان حفظه الله في كتاب علي إمام البررة ،ولمن أراد التفصيل فليراجع كتاب نفحات الأزهار بخلاصة عبقات الأنوار للسيد المفضال علي الميلاني حفظه الله ففيهما كفاية ووفاية [٣٢].

ولا يزال هنا من يتجاهل هذا الحديث رغم كثرة تخريجاته وصحة العديد من أسانيده،فيدعي عدم صدوره وأن الصادر هو قوله صل الله عليه واله وسلم (كتاب الله وسنتي) بطريق آحاد‍‍ مع إشكالات فيه لا علاج لها بيد المحققين، أو يعاند ويغالط في مفهومه ودلالته ونحن نقول صدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم:{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [٣٣] .

 ٢ - أنتم المؤمنون وأنا أميركم؟!

فيما انتهى من حديث كشفنا لك عن أن الإمرة والملك الإلهي ليس بسطة في المال أو للبيعة أو ما شابه بل هي مير العلم والفهم كما أظهرت ذلك الآية المباركة والعديد من أحاديث الرسول صل الله عليه واله وسلم وقد انتخبنا بعضا منها..

ولكنهم أشتبه عليهم قرب هذا المصطلح من التأمير والتأمر وملك الأمر والاختصاص بالقرار ففسر بالمنصب رغم ما زكن علمه في الآية المباركة المتحدثة عن ملك طالوت والسنة المطهرة ولذا أصبح هذا الاسم يطلق ـ فيما بعد ـ على كل من تسنم كرسي الخلافة ويدلك على هذا التفسير ما أخرجه الحاكم من طريق ابن شهاب قال:(إن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن ابي خيثمة:لأي شيء كان يكتب من خليفة رسول الله صلى لله عليه واله وسلم في عهد أبي بكر ثم كان عمر يكتب من خليفة أبي بكر فمن أول من كتب من أمير المؤمنين؟

فقال:حدثتني الشفّاء وكانت من المهاجرات الأول:إن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل العراق بأن يبعث إليه رجلين جلدين يسألهما عن العراق وأهله فبعث عامل العراق بلبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد فإذا هما بعمرو بن العاص فقالا:استأذن لنا يا عمر على أمير المؤمنين!فقال عمرو بن العاص:أنتما والله أصبتما اسمه هو الأمير ونحن المؤمنون فوثب عمرو فدخل على أمير المؤمنين فقال:السلام عليك يا أمير المؤمنين!

فقال عمر:ما بدا لك في هذا الإسم يا ابن العاص ربي يعلم لتخرجن مما قلت.

قال عمرو بن العاص:إن لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم قدما فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا عليّ فقالا لي استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين فهما والله أصابا أسمك نحن المؤمنون وأنت أميرنا قال فمضى به الكتاب من يومئذ) [٣٤].

ما رواه عن عمر بن الخطاب:أخرج أبو زيد عمر بن شبة النميري عن الضحاك أنه قال:( لما مات رسول الله صل الله عليه واله وسلم قالوا لأبي بكر خليفة رسول الله صل الله عليه واله وسلم فلما مات أبو بكر قالوا لعمر:خليفة،خليفة رسول الله صل الله عليه واله وسلم فقال عمر: إن هذا لكثير فإذا مت أنا فقام رجل مقامي قلتم له خليفة خليفة خليفة رسول الله صل الله عليه واله وسلم أنتم المؤمنون وأنا أميركم) [٣٥].

وفي هذا قال ابن خلدون في مقدمته:اتفق أن دعا بعض الصحابة عمر:يا أمير المؤمنين فاستحسنه الناس واستصوبوه ودعوه به إلى أن قال:وتوارثه الخلفاء من بعده سمة لا يشاركهم فيها أحد سواهم إلا سائردولة بني أمية [٣٦].

٣ - أمن الله أم من رسوله ؟!

وإن من عجيب المثال وأسوء المآل لبعضهم أنهم بعد أن أوقفهم النبي الأكرم صل الله عليه واله وسلم على جلية الأمر وحقيقته بتنصيب علي بن أبي طالب عليه السلام خالجهم الشك وامتروا في قوله وقد نزهه الله عز وجل عن أن يتملكه ـ في رأيه ـ هوى أو يدركه عرق؛إذ قال الباري جل وعلا:{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [٣٧].

ويقول عز وجل محذرا المخالفة عن أوامر الرسول:{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ}. [٣٨]

ويعزز هذا بقوله تبارك وتعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [٣٩].

فلا زال الواحد تلو الواحد يأتي مستفسرا من الرسول الأعظم عن حقيقة إقامة علي في الرتب الجليلة،والبلوغ به إلى ذرى المجد،والرفعة التي لا تطاول فيقول هذا وذاك:( أمن الله أم من رسوله) ؟!

ومما يروى لدى الفريقين: أن الحارث بن النعمان الفهري لما بلغه قول النبي صلى الله عليه واله وسلم في علي : (من كنت مولاه فعلي مولاه) ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح ثم قال:يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه منك وأن نصلي خمسا فقبلناه  منك ونزكي أموالنا فقبلناه منك وأن نصوم شهر رمضان كل عام فقبلناه منك وأن نحج فقبلناه منك ثم لم ترض بهذا حتى فضلت ابن عمك علينا،أفهذا شيء منك أم من الله!

فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم والله الذي لا إله إلا هو ما هو إلا من الله فولى الحارث وهو يقول اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو آئتنا بعذاب أليم،فوالله ما وصل ناقته حتى رماه الله بحجر فوقع على دماغه فخرج من دبره فقتله فنزلت: (سأل سائل بعذاب واقع) الآية [٤٠].

وقد تصدى البعض للخدشة في هذا الخبر لأن صحته مكلفة وفاضحة فقال صاحب تفسير المنار:وهذه الرواية موضوعة وسورة المعارج هذه مكية وما حكاه الله من قول بعض كفار قريش اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك كان تذكيرا بقول قالوه قبل الهجرة وهذا التذكير في سورة الأنفال وقد نزلت بعد غزوة بدر قبل نزول المائدة ببضع سنين...الخ.

ولكن التفت إليه العلامة الطباطبائي (قد سره) برده :

وأنت ترى ما في كلامه من التحكم أما قوله إن الرواية موضوعة وسورة المعارج هذه مكية فيعول في ذلك على ما في بعض الروايات عن ابن عباس وابن الزبير أن سورة المعارج نزلت بمكة، وليت شعري ما هو المرجح لهذه الرواية على تلك الرواية والجميع آحاد؟

سلمنا أن سورة المعارج مكية كما ربما تؤيده مضامين معظم آياته فما هو الدليل على أن جميع آياتها مكية؟

فلتكن السورة مكية والآيتان خاصة غير مكيتين كما أن سورتنا هذه (يعني المائدة) مدنية نازلة في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقد وضعت فيها الآية المبحوث عنها اعني قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [٤١].

وهو كعدة من المفسرين مصرون على أنها نزلت بمكة في أول البعثة فإذا جاز وضع آية مكية (يا أيها الرسول...) في سورة مدنية (المائدة) فليجز وضع آية مدنية( سأل سائل...) في سورة مكية (المعارج)! [٤٢]

ويدعم كلامه بسورة الشورى فقد حكي الاتفاق على أنها مكية والاتفاق على أن ثلاث آيات منها مدنية ومن الآيات الثلاث آية:{قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [٤٣].

ثم إن هذه الصيغة للشك والاعتراض على الرسول صلى الله عليه واله وسلم:( أمنك أم من الله) ؟ وما تولد عنها من كلمات مشابهة وأفعال تابعة قد تكررت على سمعه بمؤداها وإن لم تكن بلفظها، وآذته كثيرا ولست أستقصي كل ما ورد في ذلك فغايتنا الكشف عن أن الشك والمرية لا يكفي في النجاة منها الدخول في الإسلام؛لأنه مرض كما وصفه القرآن الكريم قال: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [٤٤]. أي يشكون و يمتارون!

* أمير النحل :

والنحل ـ كما في مجمع البحرين ـ كفلس ذباب العسل الواحدة نحلة كنخلة،وأميرها هو الزنبور،سميت نحلة لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج منها إذ النحلة العطية..

وإن أمير النحل وأمير المؤمنين بمعنى؛لأن النحل كناية عن المؤمنين أو أن مثلهم مثل النحل كما في الحديث قال الصادق عليه السلام:( إنما أنتم في الناس كالنحل في الطير لو أن الطير تعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلا أكلته ولو أن الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السر والعلانية رحم الله عبدا منكم كان على ولايتنا) [٤٥].

وقال ابن الجوزي: والمؤمنون يتشبهون بالنحل لأن النحل تأكل طيبا وتضع طيبا،وعلي عليه السلام أمير المؤمنين [٤٦] .

ويقول الشاعر :

ولا يتي لأمير النحــل تكفيني ***** عند الممات وتغسيلي وتكفيني

وطينتي عجنت من قبـل تكويني ***** بحب حيدر كيف النار تكويني

 

 

------------------------------------------------------------------------------------------------------

[١] . ينابيع المودة :٣٤.

[٢] . علي إمام البررة :٢٩٢- ٣١٥.

[٣] . علي إمام البررة ج١: ١٤٧ .

[٤] . مسند أحمد بن حبنل. وراه عدد جم من أعلام العامة وقال في مجمع الزوائد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة.

[٥] . ن/ م ٥ : ١١٣.

[٦] . علي إمام البررة ج١: ٢٣٦ السيد محمد مهدي الخرسان.

[٧] . كتاب الغيبة شيخ الطائفة الطوسي : ١٠٠ .

[٨] . احقاق الحق٤: ١٩.

[٩] . المناقب للخوارزمي : ٣٢٣.

[١٠] . حلية الأولياء ابو نعيم الأصفهاني ١ : ٦٣.

[١١] . إحقاق الحق٤ : ٢٧.

[١٢] . الغدير ١: ٢٧٠.

[١٣] . أرجح المطالب لعبيد الله الحنفي الهندي١٥ , مناقب سيدنا علي للعيني الحنفي الحيدر آبادي الهندي ٢٠: ٦١.

[١٤] . فردوس الأخبار للديلمي ٣ : ٣٩٩.

[١٥] . الكافي١:  ٤١٢.

[١٦] . بحار الأنوار٣٧:٣٣٩ , آخر باب ٥٤. لمعرفة بعض القرآئن التي أشار إليها الباقر المجلسي إرجع إلى الحديث الثالث حسب التسلسل الذي ذكرنا.

[١٧] . لسان العرب ابن منظور١: ٦٠٢.

[١٨] . الكافي١: ٤١٢.

[١٩] . مجمع البحرين١: ١٠٣.

[٢٠] . سورة البقرة:٢٤٧.

[٢١] . البحار٣٧: ٢٩٢.

[٢٢] . أمالي الشيخ الطوسي: ٢٩٥.

[٢٣] . تفسير العياشي١: ٢٧٦.

[٢٤] . سورة البقرة: ٩٣.

[٢٥] . سورة النحل:١٢٤.

[٢٦] . سورة النساء:٤٧.

[٢٧] . صحيح مسلم  ٨: ٧٥ .

[٢٨] . سورة العنكبوت:٢.

[٢٩] . صحيح البخاري ٨: ٨٩.

[٣٠] . ن/ م ٤: ٣١.

[٣١] . أرجع في تفصيل ذلك إلى مكاتيب الرسول للشيخ علي الأحمدي الميانجي في أربع مجلدات ضخمة.

[٣٢] . علي إمام البررة ١: ٢٩٢- ٣٠٩. نفحات الأزهار بخلاصة عبقات الأنوار المجلد الأول بكامله مخصص بتخريج وتصحيح هذا الحديث الشريف.

[٣٣] . سورة الحج:٤٦.

[٣٤] . الغدير٨: ٨٦.

[٣٥] . إبن شبة , تاريخ المدينة المنورة ٢/٦٦٣, الطبقات لابن سعد٣ ق١/١٩٢, تاريخ الطبري ٥/١٥ وقيل إن أول من سلم عليه بإمرةالمؤمنين المغيرة بن شعبة،وأول من دعا له بهذا الاسم على المنبر أبو موسى الأشعري.

[٣٦] . مقدمة ابن خلدون: ٢٢٧.

[٣٧] . سورة النجم:٣-٤.

[٣٨] . سورة المائدة:٩٢.

[٣٩] . سورة الحشر:٧.

[٤٠] . الجامع لأحكام القرآن القرطبي ١٨: ٢٧٨-٢٧٩,  نور الثقلين ٥: ٤١٢.  وقد نقلها عدة آخرين من قبيل: الثعلبي في تفسيره الكبير، والمصري الشبلنجي في كتاب نور الأبصار، والحلبي في الجزء الثالث من سيرته في حجة الوداع، والحاكم في المستدرك وربما غيرهم.

[٤١] . سورة المائدة:٦٧.

[٤٢] . ثم تابع الإجابة إلى آخر فقرة في كلام صاحب المنار فراجع إلى الميزان٦: ٥٥- ٥٧.

[٤٣] . سورة الشورى:٢٣.

[٤٤] . سورة البقرة:١٠.

[٤٥] . أصول الكافي٢: ٢١٨.

[٤٦] . تذكرة الخواص:١٦.

يتبع ......

****************************