وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                
وقال (عليه السلام): لَيْسَ بَلَدٌ بأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَد، خَيْرُ الْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ.                
وقال (عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: طَالِبٌ، وَمَطْلُوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا،مَنْ طَلَبَ الاْخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                

Search form

إرسال الی صدیق
الإمام علي عليه السلام وتنمية ثقافة أهل الكوفة - الأول

محمد العبادي

التكوين الثقافي للكوفة

 على الرغم من أنّ عمر مدينة الكوفة ـ من حين تأسيسها سنة ١٧ هـ إلى حين تولّي الخلافة من قِبل أمير المؤمنين (عليه السلام) سنة ٣٥هـ ـ يُعتبر عمراً فتياً ـ إلاّ أنّ مجيء زخم كبير من الكتل البشرية المهاجرة على شكل قبائل، ومرور القوات العسكرية إلى الشرق من خلال البصرة والكوفة، ساهم بشكل كبير في أن تكون الكوفة موطناً لثقافات متعددة.

فيما يلي نذكر عرضاً للثقافات التي تكوّنت منها ثقافة مدينة الكوفة.

١. ثقافة قبلية

تمتدّ جذور هذه الثقافة إلى ما قبل البعثة النبوية، لكن ما علاقة الكوفة بهذه الثقافة إذا كان بين تأسيس هذه المدينة وبين الزمن الذي سبق الإسلام هو ثلاثة عقود زمنية ؟.

يأتي الجواب واضحاً أنّ الجيل الذي نشأ في الكوفة هو في الواقع حصيلة الجيل السابق عليه الذي تربّى في حجر الجاهلية وتقاليدها ؛ لذا نجد أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يُشير إلى أنّ الفاصلة بين الجيل الذي عاصره في الكوفة و بين آبائهم قريبة، (وَلَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَلا بِهِمُ الْعُهُودُ،وَلا خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمُ الأَحْقَابُ وَالْقُرُونُ،وَمَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ كُنْتُمْ فِي أَصْلابِهِمْ بِبَعِيدٍ)[١].

لتأكيد هذا الخطاب العلوي نورد حادثتين تفحصان عن الرواسب والثقافة الجاهلية التي كانت حاضرةً في أوساط الناس حتى في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام).

الحادثة الأُولى: أتت الموالي أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالوا: نشكوا إليك هؤلاء العرب، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يعطينا معهم العطايا بالسّوية وزوّج سلمان وبلالاً وصهيباً، وأبوا علينا هؤلاء وقالوا: لا نفعل ! فذهب إليهم أمير المؤمنين (عليه السلام) فكلّمهم فيهم، فصاح الأعاريب: أَبينا ذلك يا أبا الحسن، أَبينا ذلك !

فخرج وهو مغضِب يجرّ رداءه وهو يقول: (يا معشر الموالي، إنّ هؤلاء قد صيرّوكم بمنزلة اليهود والنصارى، يتزوّجون إليكم ولا يزوّجونكم، ولا يعطونكم مثل ما يأخذون، فاتجروا بارك الله لكم، فإنّي قد سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: الرزق عشرة أجزاء، تسعة أجزاء في التجارة وواحدة في غيرها)[٢].

الحادثة الثانية: التي تدل على رواج الثقافة الجاهلية، أنّ امرأتين أتتا علياً (عليه السلام) إحداهما من العرب والأخرى من الموالي فسأَلَتاه، فدفع إليهما دراهم وطعاماً بالسّواء. فقالت إحداهما: إنّي امرأة من العرب وهذه من العجم ! فقال:(إنّي والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلاً على بني إسحاق)[٣].

الإمام علي كان يشاهد هذه الظواهر الجاهلية وتأثيرها السلبي على الإسلام وأحكامه، حيث إنّها تجعل المتقلّد بها نافضاً يد الطاعة، (أَلا وَإِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللَّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ)[٤].

قد يخطر السؤال التالي، كيف لهؤلاء الذين أعلنوا الإسلام أن يكونوا غير مطيعين لأحكامه ؟ ألم يكن إسلامهم كافياً في أن يُصبحوا ضمن المسلمين ؟.

إنّ هؤلاء أسلموا بعد إذ لم يكن بدّ من التلوّن والميل إلى الإسلام، وقد كانوا مكرهين مقهورين ـ حيث انعدمت الوسائل وتقطّعت بهم الأسباب ـ إمّا الموت أو الإسلام، فأُرغموا على القبول، (فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا أَسْلَمُوا وَلَكِنِ اسْتَسْلَمُوا وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ)[٥].

نعم، إنّهم عادوا إلى أيامهم الأُولى في الزمن المندثر قبل الإسلام، والإمام

ذكّرهم بنعمة الإسلام، وبإنذار الرسول لهم وأمانته وصدقه، كما عرّفهم بالمقام الذي كانوا فيه، (إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ وَفِي شَرِّ دَارٍ مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ وَحَيَّاتٍ صُمٍّ، تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، الأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ وَالآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ)[٦].

كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) كتاباً بعد منصرفه من النهروان وأمر أن يُقرأ على الناس، وممّا ذكر في الكتاب قوله (عليه السلام): (بعث الله محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأنتم معاشر العرب على شرّ حالٍ، يغدو أحدكم كلبه ويقتل وُلده، ويُغير على غيره فيرجع وقد أُغير عليه، تأكلون العلهز والهَبيد والميتة)[٧].

إنّ الوضع الثقافي الجاهلي الذي كان سائداً قبل الإسلام لا يمكن تجاوز آثاره بسهولة ؛ ولهذا نلاحظ أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يذكر في غير موضع الوضع الجاهلي ذاماً له ولتقاليده، وحاثاً الناس إلى التزام تعاليم الإسلام.

٢. ثقافة دخيلة

يمكن تقسيم هذه الثقافة إلى نوعين:

أ. ثقافة دخيلة للديانات المختلفة، ترجع إلى زمن ما قبل الإسلام حيث (كان في العرب مَن يميل إلى اليهودية، منهم جماعة من التبابعة وملوك اليمن، ومنهم نصارى كبني تغلب والعِبادييّن رهط عديّ بن زيد ونصارى نجران، ومنهم مَن كان يميل إلى الصابئة ويقول بالنجوم والأنواء)[٨].

إنّ هذه الثقافة الدخيلة ليست بغريبة عن ثقافة العرب، بل هي ثقافة دخيلة على الثقافة الإسلامية، لكن ما هي علاقة هذه الثقافة بأهل الكوفة ؟ أليس هذه الثقافة قد ولّت واندحرت بعد مجيء الإسلام ؟.

أمّا علاقة هذه الثقافة بأهل الكوفة، فالتاريخ ينقل أنّ قسماً من اليهود قد تم إجلائهم سنة ٢٠ هـ إلى الكوفة من قِبَل الخليفة عمر، (فيها أجلى يهود نجران إلى الكوفة ـ فيما زعم الواقدي ـ)[٩] وهذا يعني انتقال هذه الثقافة عن مركز المدينة التي يوجد فيها كثير من المهاجرين والأنصار، وانتقالهم يسمح لهم بممارسة أنشطتهم، لا سيما وأنّ المسلمون في سنة ٢٠ هـ وحتى سنة ٣٢ هـ قد انشغلوا بالفتوحات العسكرية والغنائم، وأنّ عدداً آخر كان قد سكن الكوفة: (فهاجر هؤلاء التغلبيّون ومَن أطاعهم من النمر وإياد إلى سعد بالمدائن ونزلوا بالمدائن ونزلوا معه بعد بالكوفة)[١٠].

أمّا مسألة اندحار هذه الثقافة وإدبارها بعد مجيء الإسلام، فالملاحظ على ما يرويه المؤرّخون أنّ اليهود والنصارى كانوا يمارسون أنشطةً مختلفةً تتنافى مع التعاليم الإسلامية في مدينة الكوفة زمن الخليفة عثمان، حيث كان قد أرسل إلى ولاية الكوفة الوليد بن عقبة، والوليد هذا كان ملازماً ورفيقاً لأحد النصارى من بني تغلب، وقد تعرّف عليه أثناء وجوده بالجزيرة، ويدعى هذا النصراني أبو زبيد الشاعر وهو من المدمنين على احتساء الخمر، حتى أنّ أهل الكوفة كانوا ينهونه عن مرافقة أبو زبيد له، إلاّ أنّه لا يعتني بذلك، (كان الوليد يُدخل أبا زبيد المسجد وهو نصراني، ويجري عليه وظيفةً مَن خمرٍ وخنازيرٍ تقام له كل شهر، فقيل له قد عظم إنكار الناس لِما تُجري على أبي زبيد، فقوّم ما كان وظّف له دراهم وضمّها إلى رزق كان يجريه عليه)[١١].

أكثر من ذلك قد فعله (الوليد بن عقبة في مسجد الكوفة، وذلك أنّه بلغه عن رجل من اليهود من ساكني قرية من قرى الكوفة ممّا يلي جسر بابل يقال له زرارة يعمل أنواعاً من الشعبذة والسحر، يُعرف ببطروني فأحضره فأراه في المسجد ضرباً من التخييل، وهو أن أظهر له في الليل فيلاً عظيماً على فرس يركض في صحن المسجد، ثمّ صار اليهودي ناقةً يمشي على حبل، ثمّ أراه صورة حمار دخل من فيه خرج من دبره، ثمّ ضرب عنق رجل ففرّق بين جسده و رأسه، ثمّ أمرّ السيف عليه فقام الرجل وكان جماعة من أهل الكوفة حضوراً)[١٢].

إنّ إدخال رجل يهودي إلى مسجد الكوفة، والسماح له بعمل أنواع من الشعبذة والسحر، يُعتبر ترويجاً للثقافات الغريبة عن الثقافة الإسلامية، و هذا دليل آخر على عدم سكون الثقافات الدخيلة داخل إطار الثقافة الإسلامية.

قد أصبح ـ فيما بعد ـ لدى المنتسبين إلى الثقافات الدخيلة من الديانات الأخرى، نوع انفلات من أحكام الإسلام، وعدم الالتزام بالعهود المفروضة عليهم ؛ وذلك بعد توجّه المسلمين إلى أحداث أهم ؛ لذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يرتقب الفرصة لعلاج هذه القضية، (فكان علي (عليه السلام) يقول: (لئن تفرّغتُ لبني تغلب ليكونَنّ لي فيهم رأي، لأَقتلنّ مقاتلهم ولأَسبينّ ذرّيتهم، فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمّة حين نصّروا أولادهم)[١٣].

ثمّ إنّ بعض أفراد هذه الثقافة الدخيلة أخذ يدخل في مناظرات دينية وذلك عند حضور الناس، إلاّ أنّ أمير المؤمنين قطع عليهم الطريق في التأثير على المسلمين عندما ابتدرهم بأسئلة مفحمة عجزوا عن تحديد إجابة واضحة وصحيحة فيها، (قال سليم بن قيس: إنّي لجالس أنا وعليّ (عليه السلام) والناس حوله، إذا أتاه رأس اليهود ورأس النصارى، فأقبل على رأس اليهود فقال: (علي كم تفرّقت اليهود ؟ فقال: هو عندي مكتوب في كتاب، فقال عليّ (عليه السلام): قاتل الله زعيم قوم يسأل عن مثل هذا عن أمر دينه فيقول: هو عندي في كتاب، قال: ثمّ قال لرأس النصارى: كمَن تفرّقت النصارى ؟ قال: على كذا وكذا، فأخطأ، فقال عليّ (عليه السلام): لو قلت كما قال صاحبك كان خيراً من أن تقول وتخطئ).

ثمّ أقبل عليهما عليّ (عليه السلام) وعلى الناس فقال: (أنا والله أعلم بالتوراة من أهل التوراة، وأعلم بالإنجيل من أهل الإنجيل، وأعلم بالقرآن من أهل القرآن، أنا أخبركم....)[١٤].

تشير بعض الأحداث الداخلية التي حصلت في داخل حدود الخلافة الإسلامية إلى وجود انعكاسات خطيرة بعد الفتن المتلاحقة ـ حيث كانت معركة الجمل في جمادي سنة ست وثلاثين، ووقعة صفين في سنة سبع وثلاثين، ووقعة النهروان مع الخوارج في سنة ثمان وثلاثين ـ فقد ارتدّ عدد من الناس عن الإسلام إلى النصرانية، (ومضى الحارث بن راشد الناجي في ثلاثمِئة من الناس فارتدوا إلى دين النصرانية، وهم من وُلد سامة بن لؤي بن غالب)[١٥].

وهكذا نلاحظ وجود ثقافة دخيلة لأديان من غير الدين الإسلامي.

ب. ثقافة دخيلة لقوميات مختلفة، هذه الثقافة تعود إلى السنين الأُولى من تأسيس الكوفة، (كان مع رستم يوم القادسية أربعة آلاف يُسمّون جند شاهنشاه، فاستأمنوا على أن ينزلوا حيث أحبوا، ويحالفوا مَن أحبوا، ويُفرض لهم في العطاء، فأعطوا الذي سألوه، وحالفوا زهرة بن حوية السعدي من بني تميم وأنزلهم سعد بحيث اختاروا)[١٦] وكان هؤلاء قد (شهدوا فتح المدائن مع سعد، وشهدوا فتح جلولاء، ثمّ تحوّلوا فنزلوا الكوفة مع المسلمين)[١٧].

إنّ اندماج أربعة آلاف نفر من البلاط الملكي في داخل الكوفة آنذاك يمثل وجود ثقافة أخرى إلى جانب الثقافة الإسلامية.

يرى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ الخير في عدم التأثر من الثقافات الأخرى ؛ لأنّ ذلك دليل على الانسياق والتبعية الثقافية التي تبدأ من أشياء بسيطة إلى أن تنتقل إلى أطوار أكبر في نفوذ الثقافات الأخرى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لا تزال هذه الأمّة بخير ما لم يلبسوا لباس العجم، ويطعموا أطعمة العجم، فإذا فعلوا ذلك ضربهم الله بالذّلّ)[١٨].

٣. ثقافة إسلامية

لاشك أنّ الدين الإسلامي دين جامع فهو (حَدِيثاً لِمَنْ رَوَى وَحُكْماً لِمَنْ قَضَى)[١٩].

وقد أخذ المسلمون من هذا الدين كلٌ بقدره و وسعه ؛ لأنّ الإسلام (رَفِيعُ الْغَايَةِ جَامِعُ الْحَلْبَةِ)[٢٠].

يروي لنا التاريخ كثيراً من الظواهر والأحداث التي تنم عن وجود الثقافة الإسلامية، وتركيز مفاهيمها بين المسلمين، ففي واقعة الجمل التي حدثت في جمادي الثاني سنة ٣٦هـ، كان المسلمون ينشدون أشعاراً يذكرون فيها مقام الإمام علي (عليه السلام) وأنّه الخليفة والوصي، وقال رجل من الأزد يوم الجمل:

هذا عليّ وهو الوصيّ ***** آخاه يوم النَّجوَةِ النبيّ

وقال هذا بعدى الوليّ ***** وَعاه واعٍ ونسي الشقيّ

وقال سعيد بن قيس الهمداني يوم الجمل وكان في عسكر علي (عليه السلام):

أَيّةُ حربٍ أُضرِمت نيرانُها ***** وكُسرت يوم الوغى مُرّانُها

قل للوصيّ أقبلت قحطانُها  ***** فادعُ بها تكفيكَها همدانُها

هم بنوها وهُمُ إخوانها

وقال زياد بن لبيد الأنصاريّ يوم الجمل، وكان من أصحاب علي (عليه السلام):

كيف ترى الأنصار في يوم الكلَب ***** إنّـا أنـاس لا نـبالي مَن عَطب

ولا  نبالي في الوصيّ مَن غضب ***** وإنّـمـا الأنـصار جـدّ كـعب

هـذا عـليّ وابـن عبد المطّلب ***** نـنصره  اليوم على مَن قد كذب

مَن يكسب البغي فبئسما اكتسب[٢١]

إنّ معركة الجمل كانت قبل مجيء الإمام إلى الكوفة، فكان المسلمون لديهم صورة، وثقافة عن موقع الإمام في جسم الأمّة، وأنّ محله هو القطب منها.

والمسلمون إلى حفظهم لكثير من الآيات القرآنية، فإنّ لديهم معرفةً بالسنّة وبالأحاديث التي كان النبيّ يلقيها على مسامع الناس ؛ ليهديهم إلى التمسّك بالحق ومعرفته (عن شهر بن حوشب قال: سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول: والله لا يمنعني مكان معاوية أن أقول الحقّ في عليّ (عليه السلام)، سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: (عليّ أفضلكم، وفي الدّين أفقهكم، وبسنّتي أبصركم، ولكتاب الله أقرؤكم، الّلهمّ إنّي أُحبّ عليّاً فأحبّه، الّلهمّ إنّي أُحِبُ عليّاً فأحبّه)[٢٢].

وبعد الانتهاء من قتال الناكثين، وقدوم أمير المؤمنين الكوفة في ١٣ رجب سنة ٣٦ هـ، عمد الإمام إلى إعطاء تعريف لكلّ الأمور التي يلاحظها، أو يسأل عنها، أو تلك التي حصلت على شكل فتن داخلية، وسارع الإمام في كل المواقع في أن يُظهر الإسلام بشكله الصحيح حقيقته للناس.

وسعى الإمام جاهداً في تسريع حركة المسلمين، وتصحيح مقاصدهم، فقديماً عند ما أُسست الكوفة سنة ١٧هـ كانت الأسباب ماديةً، وربّما تتعلق بالحرب (ولمّا نزلها سعد كتب إلى عمر: (إنّي نزلت بالكوفة منزلاً فيما بين الحيرة والفرات برّياً وبحريّاً ينبت الحلفاء والنَّصيّ)[٢٣] ، (وكتب إلى سعد في بعثه روّاداً يرتادون منزلاً بريّاً بحريّاً، فإنّ العرب لا يصلحها من البلدان إلاّ ما أصلح البعير والشاة)[٢٤].

أمّا بعد قدوم الإمام فقد اختلفت النظرة إلى مدينة الكوفة حيث إنّها أصبحت مركزاً معنوياً، وكان عليٌّ (عليه السلام) يقول: (الكوفة كنز الإيمان، وحجة الإسلام، وسيف الله ورمحه، يضعه حيث يشاء)[٢٥].

ومن هنا نلاحظ أنّ الإمام (عليه السلام) قام بتعزيز الثقافة الإسلامية، وإعادة نصابها إلى واقع المسلمين.

----------------------------------------------------
[١] . نهج البلاغة: الخطبة ٨٩.
[٢] . موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): ٤/١٦٢.
[٣] . الغارات: ١/٧٠، بحار الأنوار: ٤١/١٣٧، كنز العمال: ٦/٦١٠.
[٤] . نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢.
[٥] . نفس المصدر.
[٦] . نفس المصدر: الخطبة ٢٦.
[٧] . سفينة البحار: ١/٧١٧.
[٨] . شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد: ١/١٢٠.
[٩] . تاريخ الطبري: ٢/٥١٦.
[١٠] . الكامل في التاريخ: ٢/١٤٩.
[١١] . تاريخ أبي مِخنَف: ١/٧٣.
[١٢] . مروج الذهب: ٢/٣٣٨.
[١٣] . البلدان وفتوحها وأحكامها: ٢١٥.
[١٤] . كتاب سليم بن قيس الهلالي: ٢/٩١٣.
[١٥] . مروج الذهب: ٢/٤٠٧.
[١٦] . البلدان وفتوحها وأحكامها: ٣٢٤.
[١٧] . نفس المصدر.
[١٨] . بحار الأنوار: ٦٦/٣٢٣.
[١٩] . نهج البلاغة: الخطبة ١٨.
[٢٠] . نفس المصدر: الخطبة ١٠٦.
[٢١] . نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ١/١٤٤.
[٢٢] . الأمالي، الشيخ المفيد: ٩٠.
[٢٣] . الكامل في التاريخ: ٢/١٥٠.
[٢٤] . تاريخ الطبري: ٢/٤٧٨.
[٢٥] . معجم البلدان: ٤/٥٥٩.
****************************