وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَيَنْفَدُ.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                

Search form

إرسال الی صدیق
الإمام علي عليه السلام وتنمية ثقافة أهل الكوفة – الثاني عشر

الأساليب الثقافية – ١

تعددت الأساليب الثقافية وتنوّعت عناوينها بحسب الشؤون والأحداث الّتي عالجها الإمام، وقد اقتضى كلّ موقف أُسلوباً وغايةً يختصان به، هذه الأساليب هي كما يلي:

١. الأسلوب الوعظي

استخدم الإمام هذا الأسلوب كثيراً والغاية منه هي الوصول إلى ثمرة التقوى.

في هذا الأسلوب نثر الإمام (عليه السلام) لآليء مواعظه، والتي هي جامعة للعِظة والحكمة، حسب رأى ابن أبي الحديد (فإنّ الغاية أمامكم، وإنّ وراءكم الساعة تحدوكم، تخفّفوا تلحقوا، فإنّما ينتظر بأَوّلكم آخركم).

قال الرضي رحمه الله: (أقول إنّ هذا الكلام لو وُزن بعد كلام الله سبحانه

وبعد كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بكلّ كلام، لمال به راجحاً وبرّز عليه سابقاً)[١].

إنّ علة جامعية هذه الموعظة المليئة معنىً، هي أنّ الإمام ذكر الغاية والمحرك والمسير والمصير في عبارة واحدة جامعة للعظة.

مرّة أخرى طُلب من أمير المؤمنين موعظة مختصرة، فوعظ بذكر الدار ودقة الإقامة فيها، وذكر السبق في العمل والإعراض عن التأسي بالنبي (صلّى الله عليه وآله) إلى الرّغبات ؛ قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): عظنا وأوجز، فقال:

(الدنيا في حلالها حساب وحرامها عقاب، وأنّى لكم بالرَّوح ولمّا تأسَّوا بسنة نبيكم، تطلبون ما يطغيكم ولا ترضون ما يكفيكم)[٢].

هناك خطب كثيرة تضمنت الحكمة والموعظة الحسنة، وقد آثرنا الاختصار وتجنّبنا الإكثار ؛ لأنّها فوق التعريف لشهرتها.

٢. الأسلوب التذكيري

الغاية من هذا الأسلوب هي النظر في العواقب واستلهام العبرة، قد ورد في التنزيل الحكيم: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)[٣] و(أَوَلَمْ نُعَمّرْكُم مّا يَتَذَكّرُ فِيهِ مَن تَذَكّرَ)[٤] جاء في كلام له (عليه السلام): (وليكن نظركم عبراً)[٥].

لقد ذكّر أمير المؤمنين (عليه السلام) بسيرة الماضين وكيف كانوا، وكيف مضوا، بعد أن نعموا في أعمارهم، ولهوا في إمهالهم، فصاروا إلى ما رحلوا إليه من المصير (عِبَادَ اللَّهِ أَيْنَ الَّذِينَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا، وَعُلِّمُوا فَفَهِمُوا، وَأُنْظِرُوا فَلَهَوْا، وَسُلِّمُوا فَنَسُوا، أُمْهِلُوا طَوِيلاً، وَ مُنِحُوا جَمِيلاً، وَ حُذِّرُوا أَلِيماً)[٦].

إنّ أهمية هذا الأسلوب تكمن في التأكيد على التذكير وقبوله، حتى يتسنّى الاعتبار للناس من التذكير (عبادَ الله إنّ الدّهر يجري بالباقين كجريه بالماضين، لا يعود ما قد ولّى منه، ولا يبقى سرمداً ما فيه...)[٧].

٣. الأسلوب التحاوري

الغاية من هذا الأسلوب هو معرفة آداب الكلام، لقد علّم الإمام الناس كيف يكون الكلام حيّاً وذي سداد، من خلال إلقاء سهام الكلام في المحلّ المقرّر له.

يذكر أهل الحديث أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في أثناء نزوله النهروان، التقى جميل ـ كاتب أنوشيروان ـ  وسأله: كيف ينبغي للإنسان يا جميل أن يكون ؟

قال: يجب أن يكون قليل الصديق كثير العدّو، قال: أبدعت يا جميل ! فقد أُجمع على أنّ كثرة الأصدقاء أولى، فقال: ليس الأمر على ما ظنّوا، وذكر ما حاصله أنّهم إذا كثروا كلّفوا السعي في حاجة ولا يمكن أن ينهض الإنسان بها كما يجب وينبغي، وجاء في المثل المعروف: (من كثرة الملاّحين غرقت السفينة).

قال أمير المؤمنين: فما منفعة كثرة الأعداء ؟

فقال: إنّ الأعداء إذا كثروا يكون الإنسان أبداً متحرّزاً متحفظاً أن ينطق بما يؤخذ عليه، أو تبدأ منه زلّة يؤخذ عليها، فيكون أبداً على هذه الحالة سليماً من الخطايا والزلل.

فاستحسن ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان جميل هذا حواسّه كلها سالمة إلاّ البصر وذهنه صافياً وقريحته تامة[٨].

إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الّذي حدّد اتّجاه الكلام من خلال الحوار المفيد المبني على السؤال.

٤. الأسلوب التأمّلي

الغاية من هذا الأسلوب معرفة عظمة الخالق سبحانه وتعالى.

حرّك أمير المؤمنين الأبصار والأسماع والقلوب لهذه الغاية من خلال التأمّل في مخلوقات الله تعالى، وكيف رُكبّت وصُوّرت، وكيف بسط لها رزقها وسبلها.

تحدّث أمير المؤمنين في واحدة من خطبه عن أعظمها خلقاً وتقويماً، وهو الإنسان، (أَمْ هَذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْحَامِ، وَشُغُفِ الأَسْتَارِ، نُطْفَةً دِهَاقاً وَعَلَقَةً مِحَاقاً، وَجَنِيناً وَرَاضِعاً وَوَلِيداً وَيَافِعاً، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً، وَلِسَاناً لافِظاً وَبَصَراً لاحِظاً)[٩].

دعا الإمام (عليه السلام) إلى التأمل في الشمس والقمر والنبات والشجر وما اختلف خَلقه، وتفجّر أمره... (فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنَّبَاتِ، وَالشَّجَرِ وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَاخْتِلافِ هَذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَتَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وَكَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ وَطُولِ هَذِهِ الْقِلالِ، وَتَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ وَالأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ) .

دعا الإمام أيضاً إلى التأمل (مَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الأَطْيَارِ، الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الأَرْضِ، وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا، وَرَوَاسِيَ أَعْلامِهَا، مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَهَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ، مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ، وَمُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوِّ الْمُنْفَسِحِ وَالْفَضَاءِ الْمُنْفَرِجِ، كَوَّنَهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ، وَرَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ، وَمَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي الْهَوَاءِ خُفُوفاً وَجَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً، وَنَسَقَهَا عَلَى اخْتِلافِهَا فِي الأَصَابِيغِ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ وَدَقِيقِ صَنْعَتِهِ، فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي قَالَبِ لَوْنٍ لا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ، وَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلافِ مَا صُبِغَ بِهِ .

وَمِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطاووسُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَمِ تَعْدِيلٍ، وَنَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ، بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ وَذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ ...)[١٠].

ثمّ فصّل الحديث في خلق الخفاش وعجيب أجزائه، وفيما دبّ في الأرض (انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ وَلا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا، تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا، تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وَفِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا.... وَلَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا فِي عُلْوِهَا وَسُفْلِهَا، وَمَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا، وَمَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً)[١١].

ثمّ دعا أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى النّظر في خلق الجرادة، وكيف جعل لها الله السمع الخفي والفم السويّ، وغير ذلك ممّا جعله الله لها من بديع صنعه.

إنّ هذا الأسلوب التامّلي لا يترك شيئاً ممّا خلق الله تعالى إلاّ ودعا إلى التأمل فيه والوقوف عنده، بدءً من الذرّة الصغيرة إلى ما علاها من عظيم الجثة، فـ (سُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الذَّرَّةِ وَالْهَمَجَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ الْحِيتَانِ وَالْفِيَلَةِ !)[١٢].

٥. الأسلوب التدريجي

إنّ الغاية منه معرفة تقدير النعم والابتلاء فيها، كتب البحراني في شرحه أنّ الغرض من الاستدراج هو (الحثّ على فضيلتي الشكر والصبر)[١٣].

الاستدراج الّذي يقوم به النّاس بعضهم لبعض هو ؛ لأجل غرض معيّن أو هدف خاص، قد يكون دنيوياً وأخرى أخروياً.

أمّا الاستدراج الإلهي فهو ليس من قبيل استدراج إنسان لإنسان، بل هو من النوع الذي على الإنسان أن يؤدي فيه حقّ الطّاعة لله، بشكر نعمه أو معرفة النّعمة على الوجه الذي يرضي الله تعالى، وإلاّ فالحذر من هذا الاستدراج (يَا ابْنَ آدَمَ إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَأَنْتَ تَعْصِيهِ فَاحْذَرْهُ)[١٤].

إنّ الاستدراج الإلهي بالإحسان والنّعم هو المهم، والذي خصّه أمير المؤمنين في أحاديث مختلفة المناسبة ؛ لأنّ الاستدراج الإلهي فيه تبعات تفوق استدراج الناس (كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَمَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ، وَمَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ، وَمَا ابْتَلَى اللَّهُ أَحَداً بِمِثْلِ الإِمْلاءِ لَهُ)[١٥].

أمير المؤمنين (عليه السلام) عمل على تثقيف النّاس لهذا الأسلوب الإلهي، وحثّهم على الشكر والحذر ممّا يمليه الله عليهم من نعمة.

وبلّغ النّاس على أن يكون خوفهم من النعمة النازلة (أَيُّهَا النَّاسُ لِيَرَكُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ وَجِلِينَ كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ النِّقْمَةِ فَرِقِينَ، إِنَّهُ مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجاً فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً، وَمَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اخْتِبَاراً فَقَدْ ضَيَّعَ مَأْمُولاً)[١٦].

٦. الأسلوب الإيحائي

الغرض منه تلطيف الغرض في نفس السامع أو المقصود به.

كيف يكون الكلام موجباً ؟

عندما تكون هناك دلالات لفظية لها معنى ومفهوم آخر يدركه شخص معيّن أو مجموعة معيّنة، أو يكون هناك سلوك له دلالات رمزية يفهمها شخص مقصود بعينه فضلاً عن صائغ ذلك السلوك ومبدعه.

لهذا ينقل أهل الحديث عن كميل بن زياد النخعي، أنّه بعد الانتهاء من صلاة العشاء الآخرة أخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) بيده حتى خرجا من المسجد، حتى خرج إلى ظهر الكوفة ولا يكلمه بكلمة، فلمّا أصحر تنفّس، ثمّ قال: (يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ: إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ:

النَّاسُ ثَلاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ.

 يَا كُمَيْلُ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ وَالْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى الإِنْفَاقِ.

 يَا كُمَيْلُ مات خُزَّانُ المال وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ، أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ، هَاه هاه ! إِنَّ هَاهُنَا ـ وأشار بيده إلى صدره ـ لَعِلْماً جَمّاً لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً...)[١٧].

في هذا الحديث دلالات موحية وهي:

لماذا اختار أمير المؤمنين (عليه السلام) كميل النخعي دون غيره ؟

اختاره ؛ لأنّه من أصحابه الذّين يدركون ما يقوله (عليه السلام).

ثمّ ماذا يعني ويوحي صمت أمير المؤمنين عندما خرج مع كميل بن زياد آخذاًَ بيده ؟

إنّ الأخذ بيد كميل له معنى نفسي عميق وهو الصّلة والرابطة المتينة بين كميل وأمير المؤمنين (عليه السلام).

إنّ سكوت الإمام حتى خرجا إلى ظهر المسجد له معنى، وهو أنّ هذا الحديث لا يقال لكلّ أحد أو في حضرة الناس، بل لمَن هو أهل له.

ما الّذي يستفيده كميل من تصنيف أمير المؤمنين للناس ؟.

الذي يستفيده أن يختار الصنف الأليق والأحسن من بين أصناف الناس.

ثمّ لماذا ذكر أمير المؤمنين الحديث عن أهمية العلم وعلوّه على المال ؟.

ذكر ذلك لكميل ؛ لبيان المقياس الصّحيح في أنّ العلم مقدّم على أمور الحياة الأخرى، ومنها المال.

ماذا تعني إشارة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى صدره وقوله:

إنّ هاهنا لعلماً جمّاً لو أَصبت له حَمَلة ؟

إنّ فيها حثاً لكميل على طلب العلم من منبعه وهو الإمام (عليه السلام) ؛ ليكون حاملاً له.

هكذا نجد أنّ في هذا الحديث إيحاءً معنوياً مفيداً لأحد أصحاب أمير المؤمنين، لقد كان بالإمكان أن يحدّث كميل في المسجد دون أن يمشي معه آخذاً بيده، إلاّ أنّ الدلالات الإيحائية في هذا السلوك لها معنى كبير من الناحية النفسية ؛ لدفع كميل بن زياد نحو العمل بفحوى هذا اللّقاء.

٧. الأسلوب الاستدلالي

الغاية منه معرفة وجه الحقيقة، فالإمام (عليه السلام) توخّى ضوء الحقيقة ووضوحها ؛ لأنّ ما بعد الحقيقة ضلال وأوهام (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاّ الضَّلالُ)[١٨].

على هذا ذهب الإمام (عليه السلام) في حكومةٍ مع يهودي إلى شريح ؛ لأقامة الحق، والدليل فيما تحاكما به.

مضى (عليه السلام) في حكومةٍ إلى شريح مع يهودي، فقال: يا يهوديّ، الدّرع درعي ولم أبعْ ولم أهبْ.

فقال اليهودي: الدّرع لي وفي يدي، فسأله شريح البيّنة.

فقال: هذا قنبر والحسين يشهدان لي بذلك.

فقال شريح: شهادة الابن لأبيه وشهادة العبد لا تجوز لسيّده، وإنّهما يجرّان إليك !

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ويلك يا شريح، أخطأت من وجوه ؛ أمّا واحدة فأنا إمامك فدين الله بطاعتي، وتعلم أنّي لا أقول باطلاً، فرددت قولي وأبطلت دعواي، ثمّ سألتني البيّنة.

فشهد عبد وأحد سيدَي شباب أهل الجنّة فرددت شهادتهما، ثمّ ادعيت عليهما أنّهما يجرّان إلى أنفسهما.

أَما إنّي لا أرى عقوبتك إلاّ أن تقضي بين اليهود ثلاثة أيّام !) أخرجوه إلى قبا فقضى بين اليهود ثلاثاً، ثمّ انصرف، فلمّا سمع اليهوديّ ذلك قال: هذا أمير المؤمنين جاء إلى الحاكم وحكم عليه ! فأسلم ثمّ قال: الدّرع سقطت يوم صفّين من جمل أورق فأخذتها[١٩].

نحو هذه الحكومة إلى شريح أيضاً، بين أمير المؤمنين (عليه السلام) وعبد الله بن قفل التميمي في درع طلحة الذي أخذه غُلُولاً يوم البصرة، نقلها ابن شهر آشوب في مناقبه.

إنّ أمير المؤمنين لا يقضي بشيء إلاّ وله وجه وبرهان، وبيان نابع من صميم الحقيقة، ويقيم على ذلك الاستدلال والبيّنة على أكمل صورة.

وينقل السيوطي رواية تؤيّد ما ندّعيه أعلاه:

جلس رجلان يتغدّيان، مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلمّا وضعا الغداء بين أيديهما مرّ بهما رجل، فسلّم فقالا: اجلس وتغدَّ، فجلس وأكل معهما واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرّجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال: خذاها عوضاً ممّا أكلت لكما، ونلته من طعامكما، فتنازعا فقال صاحب الخمسة الأرغفة: لي خمسة دراهم، ولك ثلاثة، وقال صاحب الأرغفة الثلاثة: لا أرضى إلاّ أن تكون الدّراهم بيننا نصفين.

فارتفعا إلى أمير المؤمنين عليّ، فقصّا عليه قصّتهما فقال لصاحب الثلاثة، (قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزُه أكثر من خبزك، فارضَ بالثّلاثة، فقال: والله لا رضيت عنه إلا بمرّ الحقّ، فقال عليّ: ليس لك في مرّ الحق إلاّ درهم واحد، وله سبعة دراهم.

فقال الرّجل: سبحان الله ! قال: هو ذلك، قال: فعرّفني الوجه في مرّ الحق حتى أقبله، فقال عليّ: أَليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثاً ؟ أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا يُعلم الأكثر منكم أكلاً ولا الأقلّ.

فتُحملون في أكلكم على السّواء، قال: فأَكلت أنت ثمانية أَثلاث، وإنّما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث، وله خمسة عشر ثلثاً، أكل منها ثمانية وبقي له سبعة أكلها صاحب الدّراهم، وأكل لك واحداً من تسعة، فلك واحد بواحدك، وله سبعة) فقال الرّجل: رضيت الآن[٢٠].

٨. الأسلوب الفلسفي

الغاية منه الوقوف على سرّ الشيء، وحقيقته.

فرض الله تعالى على عباده مجموعة وظائف وتكاليف إلهية ؛ ليتقرّب بها إليه سبحانه.

الإسلام دين العلم والبيان، فلم يضع الله حكماً، إلاّ وقد بيّنه لرسوله الكريم (صلّى الله عليه وآله) وبيّنه النّبي لعليّ خاصة وللأمّة على وجه العموم.

علي (عليه السلام) بدوره عمل على بيان سرّ هذه الوظائف والتكاليف وحقيقتها، وعن ذلك (مَا حَرَسَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ ؛ تَسْكِيناً لأَطْرَافِهِمْ وَتَخْشِيعاً لأَبْصَارِهِمْ، وَتَذْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ وَتَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ، وَإِذْهَاباً لِلْخُيَلاءِ عَنْهُمْ وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً، وَالْتِصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالأَرْضِ تَصَاغُراً، وَلُحُوقِ الْبُطُونِ بِالْمُتُونِ مِنَ الصِّيَامِ تَذَلُّلاً، مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الأَرْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ، انْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ الأَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الْفَخْرِ، وَقَدْعِ طَوَالِعِ الْكِبْرِ)[٢١].

إنّ بيان حقيقة التكاليف والوظائف الإلهية يعطي للمسلمين رصيداً ثقافيّاً عن خلفيات الأوامر والنواهي الإلهية وماهيّاتها، وهذا الرصيد الثقافي والمعرفي يؤدي إلى ترسيخ الإيمان في نفوس المسلمين، وتثبيت هذه الحقائق في أذهانهم، بعد أن حدّد الإمام (عليه السلام) حيثيّاتها بشكل تفصيلي.

(أَلا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ اخْتَبَرَ الأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ (صلوات الله عليه) إِلَى الآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، بِأَحْجَارٍ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ وَلا تُبْصِرُ وَلا تَسْمَعُ، فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ (الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً) .

ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الأَرْضِ حَجَراً، وَأَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً، وَأَضْيَقِ بُطُونِ الأَوْدِيَةِ قُطْراً، بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ وَرِمَالٍ دَمِثَةٍ، وَعُيُونٍ وَشِلَةٍ وَقُرىً مُنْقَطِعَةٍ، لا يَزْكُو بِهَا خُفٌّ وَ لا حَافِرٌ وَ لا ظِلْفٌ، ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ (عليه السلام) وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ، وَغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ، تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الأَفْئِدَةِ، مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ، وَمَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ، وَجَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ، حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلاً، يُهَلِّلُونَ لِلَّهِ حَوْلَهُ وَيَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ، قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ ؛ ابْتِلاءً عَظِيماً وَامْتِحَاناً شَدِيداً، وَاخْتِبَاراً مُبِيناً وَتَمْحِيصاً بَلِيغاً، جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ وَوُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ)[٢٢].

٩. الأسلوب النقضي

الغاية منه كشف الحيلة والمغالطة، كان الإمام قد عمل على كشف أيّة مغالطة وخدعة ينسجها الأعداء، من خلال توضيح الواقع الصحيح للناس وحجزهم عن الوقوع في شراك الخديعة والتضليل.

الإمام يقوم بفضح المغالطة وتعريتها ونقضها بعد أن ينتزع طريقة ردّها من نفس ذرائعها الواهية، فيجعلها كهشيم تذروه الرّياح ببيان حق وصدق.

هذا الأسلوب موجود في أكثر أجوبة الإمام (عليه السلام) على أعدائه ومناوئيه (و أمّا طَلَبُكَ إِلَيَّ الشَّامَ فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لأُعْطِيَكَ الْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ، وَأَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ الْحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ الْعَرَبَ إِلاّ حُشَاشَاتِ أَنْفُسٍ بَقِيَتْ، أَلا وَمَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ فَإِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَكَلَهُ الْبَاطِلُ فَإِلَى النَّارِ .

وَأَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الْحَرْبِ وَالرِّجَالِ فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى الشَّكِّ مِنِّي عَلَى الْيَقِينِ)[٢٣].

(ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِ عُثْمَانَ، فَلَكَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هَذِهِ لِرَحِمِكَ مِنْهُ فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ وَأَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ، أَمَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَاسْتَكَفَّهُ، أَمْ مَنِ اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَى عَنْهُ وَ بَثَّ الْمَنُونَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ)[٢٤].

١٠. الأسلوب التغايري

الغاية منه بيان التفاوت في موازين الأعمال، هذا الأسلوب ينطوي على حثّ الناس نحو الاستزادة من الأعمال الصّالحة بعد توفير القناعة بأنّها هي الصحيحة والنافعة، في حالة مجانبة الإنسان للأعمال الصّالحة فإنّ ذلك يعني أنّه يعمل بما لا ينفعه عاجلاً وآجلاً (شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ: عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَتَبْقَى تَبِعَتُهُ، وَعَمَلٍ تَذْهَبُ مَؤونَتُهُ وَيَبْقَى أَجْرُهُ)[٢٥].

فالعمل الصّالح يرفع صاحبه والطّالح يضع راكبه، وقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) لمعاوية الحدّ الفاصل بين العملين، بعد شيوع صالح الأعمال في بني هاشم، وذيوع طالح الأعمال في بني أمية:

(وأمّا قولك: إنّا بنو عبد منافٍ، فكذلك نحن، ولكن ليس أميّة كهاشم، ولا حربٌ كعبد المطلّب، ولا أبو سفيان كأبي طالبٍ، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصريح كالّلصيق، ولا المحقّ كالمبطل، ولا المؤمن كالمُدغِل)[٢٦] (ومنّا النبيّ ومنكم المكذّب، ومنّا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف، ومنّا سيّدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار، ومنا خير نساء العالمين، ومنكم حمّالة الحطب)[٢٧].

لو لم يكن هناك حدّ فاصل بين العملين وآثارهما، لصدق قول معاوية نحن بنو عبدٍ مناف، واستوى أميّة وهاشم، وأبو سفيان وأبو طالب، والمهاجر والطليق، لكن وجود فارق بين العملين، رجّح كفة الحقّ إلى جانب بني هاشم.

١١. الأسلوب النفسي

الغاية منه التأثير على الميدان النفسي للآخرين، فهذا الأسلوب يعني استخدام إرادة ضّد إرادة أخرى.

قد عمل أمير المؤمنين (عليه السلام) قبل نشوب الحرب مع معاوية في صفّين على توجيه ضربات نفسية إلى معاوية، لتعظيم مقاومته،(فَلَبِّثْ قَلِيلاً يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ، فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ، وَأَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ سَاطِعٍ قَتَامُهُمْ، مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْمَوْتِ أَحَبُّ اللِّقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ، وَقَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ وَسُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ، قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ))[٢٨].

إنّ هذا الأسلوب النفسي شلّ معنويات معاوية وثبّط عزيمته من خلال إلقاء الرّعب في قلبه.

استخدم الإمام (عليه السلام) أسلوب نفسي آخر، بإظهار الصّلابة والقّوة الشّجاعة في مواجهة معاوية، حيث دعاه (عليه السلام) للبراز والقتال فيما بينهم على انفراد دون الناس، واستعان بأسلوب الإثارة النفسية لتحريك معاوية في قبول البراز (وَقَدْ دَعَوْتَ إِلَى الْحَرْبِ فَدَعِ النَّاسَ جَانِباً وَاخْرُجْ إِلَيَّ وَأَعْفِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقِتَالِ ؛ لِتَعْلَمَ أَيُّنَا الْمَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ وَالْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ، فَأَنَا أَبُو حَسَنٍ قَاتِلُ جَدِّكَ وَأَخِيكَ وَخَالِكَ شَدْخاً يَوْمَ بَدْرٍ وَذَلِكَ السَّيْفُ مَعِي)[٢٩].

١٢. الأسلوب التربوي

الغاية منه هي التعلّي بالآداب الإسلامية (أَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَأْوِيلِهِ وَشَرَائِعِ الإِسْلامِ وَأَحْكَامِهِ وَحَلالِهِ وَحَرَامِهِ، لا أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِهِ)[٣٠].

التربية الحقة تأخذ طريقها بسهولة كلّما كان الإنسان قريباً من الصّغر (وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالأَرْضِ الْخَالِيَةِ، مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ قَبِلَتْهُ، فَبَادَرْتُكَ بِالأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ)[٣١].

الإمام (عليه السلام) عندما يوصي أحد أبنائه أو أحد أصحابه ؛ لأنّه يأمل فيه أن يأخذ ذلك بقوة، ويتبع أحسن الذي قيل له من أبواب الأدب (ولا ميراث كالأدب)[٣٢].

إنّ هذا الأسلوب التّربوي يستهدف عقل الإنسان ونفسه وتكاليفه، يستهدف عقل الإنسان في دفع الجهل عنه وتحريكه نحو الخير، ويستهدف نفس الإنسان في قلع أو علاج الأمراض النفسية كالعجب، ويستهدف تكاليف الإنسان وتقديم الأهمّ فالأهمّ ممّا له تأثير في تأديب الإنسان وتربيته الروحية مثل عبادة التفكر.

أوصى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى الحسن بن عليّ (عليه السلام) فقال فيما أوصى به إليه: (يا بُني، لا فقر أشد من الجهل، احتمالاً (ولا وحدة)...

(صنعة) ولا عدم أعدم من العقل، ولا حبّ أوحش من العجب، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع كالكف عن محارم الله، ولا عبادة كالتفكر في صنعة الله عزّ وجل.

يا بني العقل خليل المرء، والحلم وزيره، والرفق ولده، والصبر من خير جنوده)[٣٣].

ربّى أمير المؤمنين (عليه السلام) أصحابه على مهمات الأخلاق ومكارمها (وفرشتُكم المعروف من قولي وفعلي، وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسي)[٣٤].

ومَن أخذ من مكارم أخلاق علي (عليه السلام) فقد  أخذ بحظٍ وافر.

١٣. الأسلوب العاطفي

الغاية منه إيصال الحق وتوثيق الارتباط به وتذكرّه.

يُستخدم هذا الأسلوب في أغلب الأحيان قبل الورود إلى مطلب معيّن، فهو جسر وطريق إلى هدف أسمى منه، وإن كان نفس الأسلوب العاطفي صحيح وصدق في اللجوء إليه (ووجدتُك يا بني بعضي، بل وجدتك كلّي، حتى كأنّ شيئاً لو أصابك أصابني، وكأنّ الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي، فكتبت إليك كتابي مستظهراً به إن أنا بقيت لك أو فنيت، فإنيّ أُوصيك بتقوى الله ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره والاعتصام بحبله)[٣٥].

إنّ المقياس عند أمير المؤمنين (عليه السلام) في البعد والقرب منه ليس النسب، بل ما يجده (عليه السلام) في المؤمنين من التقوى والاستعداد والقدرة.

عبارة الإمام وجدتك تشير إلى هذا المعنى ؛ حيث إنّ أقرب النّاس معنوياً إلى أمير المؤمنين ولداه الحسن والحسين (عليهم السلام)، قد صرّح الإمام بنوع القرب الحقيقي، وهو قرب المودّة، لا قرب النسب (القريب مَن قرّبته المودّة وإن بَعُد نسبه، والبعيد مَن باعدته العداوة وإن قرب نسبه).

المودة الحقيقية هي المودة والحب في الله ؛ حيث إنّ كلّ إنسان يولي الجميل محببٌ، وتهوي إليه قلوب المؤمنين (مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ).

كذا أوصى أمير المؤمنين لابنه الحسن (عليه السلام) (ووجدتك بعضي بل وجدتك كلّي) ليس لأنّه ابنه فحسب ؛ بل لأنّه يسرع به العمل أن يكون بعض بل كلّ أمير المؤمنين (عليه السلام).

ممّا يؤيّد وجود الموّدة والمحبّة الحقيقية بين أمير المؤمنين وأصحابه، قوله (عليه السلام) في الشهداء من أصحابه:

(أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرءوا القرآن

 فأحكموه... على وجوههم غَبَرة الخاشعين، أولئك إخواني الذّاهبون، فحقّ لنا أن نظمأ إليهم، ونعضَّ الأيدي على فراقهم)[٣٦].

كذا قول الإمام عند فقده عمّار بن ياسراً:

أَلا أيّها الموت الذي ليس تاركي ***** أَرحـني وقـد أفنيتَ كلَّ خليلِ

أَراك بـصيراً بـالّذين أُحـبهم  ***** كـأنّك تسعى نحوهم بدليلِ[٣٧]

كما ذكرنا فإنّ الأسلوب العاطفي يُستخدم في كثير من الأحيان قبل الدخول إلى مطلب معيّن، ينقل المؤرّخون إنّ أمير المؤمنين لمّا نزل بالنخيلة وأَيَس من الخوارج، جمع إليه رؤوس أهل الكوفة والقبائل ووجوه الناس وأمراء الأجناد، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: (يا أهل الكوفة، أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق، ومجيبيّ إلى جهاد المُعلين، بكم أضرب المدبر، وأرجو إتمام طاعة المقبل)[٣٨].

---------------------------------------------------------------
[١] . شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ١/٣٠١.
[٢] . الأصول من الكافي: ٢/٤٥٩.
[٣] . الروم: ٩.
[٤] . فاطر: ٣٧.
[٥] . نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: ١/٧٥.
[٦] . نهج البلاغة: الخطبة ٨٣.
[٧] . نفس المصدر: الخطبة ١٥٧.
[٨] . سفينة البحار: ١/٧١٧.
[٩] . نهج البلاغة: ٨٣/١٣٨.
[١٠] . نفس المصدر: الخطبة ١٦٥.
[١١] . نفس المصدر: الخطبة ١٨٥.
[١٢] . نفس المصدر: الخطبة ١٦٥.
[١٣] . شرح نهج البلاغة: ٥، الحكمة: ٣٣٩.
[١٤] . نهج البلاغة: الحكمة ٢٥.
[١٥] . نفس المصدر: الحكمة: ١٦.
[١٦] . نفس المصدر: الحكمة: ٣٥٨.
[١٧] . مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): ٢/٩٤، أمالي المفيد: ٢٤٧، أمالي الطوسي: ٢٠، الغارات: ١/١٤٩.
[١٨] . يونس: ٣٢.
[١٩] . جواهر المطالب: ٢/١٢٧، تاريخ الخلفاء: ٢١٧، بحار الأنوار: ٤١/٥٦.
[٢٠] . تاريخ الخلفاء: ٢١٢، الإصابة في تمييز الصحابة: ٣/٤١.
[٢١] . نهج البلاغة / الخطبة ١٩٢.
[٢٢] . نفس المصدر: الخطبة ١٩٢.
[٢٣] . نفس المصدر: الكتاب: ١٧/٤٩٦.
[٢٤] . نفس المصدر: الكتاب: ٢٨.
[٢٥] . نفس المصدر: الحكمة: ١٢١.
[٢٦] . نفس المصدر: الكتاب: ١٧، الأخبار الطوال: ٢٧٨.
[٢٧] . نفس المصدر: الكتاب: ٢٨.
[٢٨] . نفس المصدر: الكتاب: ٢٨/٥١٦.
[٢٩] . نفس المصدر: الكتاب: ١٠ ؛ الأخبار الطوال: ٢٦٢.
[٣٠] . نفس المصدر: الكتاب: ٣١.
[٣١] . نفس المصدر: الكتاب: ٣١.
[٣٢] . نفس المصدر: الحكمة: ١١٣.
[٣٣] . أمالي الطوسي: ١٤٦.
[٣٤] . نهج البلاغة: الخطبة ٨٧.
[٣٥] . نفس المصدر: الكتاب: ٣١ ؛ العقد الفريد: ٣/١١٤.
[٣٦] . نفس المصدر: الخطبة ١٢١.
[٣٧] . الأمثال والحِكم المستخرجة من نهج البلاغة: ٢٩٦.
[٣٨] . الإمامة والسياسة: ١/١٦٥، تاريخ الطبري: ٣/١١٧، تاريخ ابن خلدون: ٢:٦٣٨.
****************************