وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام): إِذَا وَصَلَتْ إِليْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلاَ تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ .                
وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                
وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                
وقال (عليه السلام): الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجزِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
الإمام علي عليه السلام وتنمية ثقافة أهل الكوفة – الخامس

مواجهة الثقافات السلبية

كانت لدى أهل الكوفة ثقافات سلبية بمثابة الصّخرة الحائلة أمام مجرى الماء وانسيابه في مليء السواقي العطشى، عمل الإمام (عليه السلام) على قلع هذه الصخرة ذات الأضلاع الأربعة، والتي جاءت بها أمواج الجهل والأهواء العاتية.

 فإنّ الثقافات السلبية هي التالية:

١. التمزّق

يعتبر التمزّق الذي نشب في جسم الأمّة آنذاك من الصفات التي كانت شائعةً، وهو ناجم من ثقافة سلبية سنشير إليها لاحقاً (إن شاء الله تعالى).

عندما تولّى أمير المؤمنين (عليه السلام) الخلافة في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة، دبّ التمزّق في أعضاء الأمّة وأجزائها، وقد جهد أمير المؤمنين في لمّ الشمل ورأب الصّدع الحاصل، إلاّ أنّ سعيه قوبل بالعنف والشدة والمواجهات الحربيّة، التي قضى فيها الإمام على خصومه أو شارفهم على الانتهاء.

التمزّق الّذي واجهه الإمام علي نحوين:

الأَوّل: التمزّق الخارجي، قد حصل هذا خارج حدود الكوفة وهو أيضاً على مسارين:

أ. التمزّق الخارجي في ردّ عمّال الإمام ومحاربتهم، وهو بدأ منذ الوهلة الأُولى لتولي الإمام الخلافة، حيث تمّ ردّ العمّال المبعوثين من قبل أمير المؤمنين ومحاربتهم في بعض الأمصار الإسلامية، (وانتقضت البلاد على عليّ فجعل كلّما وجّه عاملاً من عمّاله إلى بلدة من البلدان، حاربوه وتبّروه، إلاّ أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل مصر وقليل من أهل الحجاز، فقال علي (رضي الله عنه) لأصحابه: (اعلموا أنّه قد وقع الأمر الذي كنت أحذّركم إيّاه، وأنّ الفتنة كالنّار كلّما أسعرت ازدادت، وإنّما سأمسك هذا الأمر ما استمسك، فإذا لم أجد بدّاً فآخر الّدواء الكيّ)[١].

ب. التمزّق الخارجي الذي مثّله الناكثون والقاسطون والمارقون، وهؤلاء هم قومٌ من أصحابه، وممّن كان قد بايعه وتولاّه ودان بإمامته، مرقوا عنه ونكثوا عليه وقسطوا فيه، فقاتلهم أجمعين، فهزم الناكثين وقتل المارقين وجاهد القاسطين وقتلهم وتبرّؤوا منه وبرئ منهم)[٢].

إنّ هؤلاء الانفصاليّون قد أعلنوا الحرب كلّ على حدة في وجه الإمام و في ثلاث سنوات متوالية، سنة ٣٦هـ طلع قرن الناكثين بزعامة طلحة والزبير، وسنة ٣٧هـ برز الطّلقاء وأبناؤهم القاسطون يقودهم معاوية، وسنة ٣٨هـ ظهر الخوارج يترأسهم عبد الله بن وهب الراسبي.

لم تنتهي هذه الحروب الثلاثة عند هذا الحدّ، بل تبعها تمزّق آخر قاده الخرّيت بن راشد وكان مصيره من الاندحار والهزيمة كمصير الناكثين والمارقين، (الخرّيت هذا كان مع علي حتى حكم الحكمين، ففارقه إلى بلاد فارس مخالفاً، فأرسل إليه معقل بن قيس وجهّز معه جيشاً، فحشّد الخرّيت مَن قدر عليه من العرب والنّصارى، فأمر العرب بمنع الصدقة، والنصارى بمنع الجزية، وارتدّ كثير ممّن كان أسلم من النّصارى، فقاتلهم معقل ونصب رايةً ونادى: مَن لحق بها فهو آمن، فأنصرف إليها كثير من أصحاب الخرّيت، فانهزم الخرّيت فقتل)[٣].

هذه الأحداث الّتي حصلت خارج حدود الكوفة، كان لها انعكاسات سلبية على الوضع الاجتماعي والثّقافي لأهل الكوفة ؛ حيث إنّ الحرب والتمزّق يترك قتلى من كلا الجانبين، ويجعل موضوع التمزّق حديث ساعاتهم بلحاظ الهزيمة والنصر، ومن حالة القيل والقال، ومن حيث ترويج الإشاعات والكذب الرّخيص من قِبَل النّفوس الضّعيفة والمغرضة.

إذا أخذنا بنظر الاعتبار السّابقة التاريخية التي عليها الكوفة، نجد أنّ هذه المدينة هي المموّن للأمصار من جهة الشرق في أثناء الفتوحات العسكرية.

قد كان للكوفة ثغور أربعة: حلوان وما سَبَذان وقرقيسيا والموصل، وعلى هذه الثغور قادة عسكريون.

لقد كانت الكوفة بمثابة قاعدة عسكرية تقوم بإمداد القوّات العسكرية التي تزحف نحو الشرّق، وكتب عمر آنذاك يشكر لأهل الكوفة دورهم، (جزى الله أهل الكوفة خيراً ! يكفون حوزتهم ويمدّون أهل الأمصار)[٤].

استمّر إمداد أهل الكوفة حتى سنة ٣٢هـ حيث تمّ القضاء على آخر الملوك السّاسانيين.

إنّ هذه الخصوصية للكوفة جعلت من المجتمع صاحب الثقافة المدنيّة يتحوّل إلى مجتمع صاحب ثقافة عسكرية.

إنّ السابقة التاريخية الأخرى للكوفة والتي يمكن التدقيق فيها نظراً لمخلفاتها السلبية، هي أنّه منذ تأسيس الكوفة سنة ١٧هـ إلى سنة ٣٦هـ حيث قدم الإمام إليها، تولّى العمل على ولايتها (١١) عامل من ضمنهم اثنين تمّ تجديد ولايتهم في سنين متفرقة، هؤلاء العمّال هم على التوالي (سعد بن أبي وقاص، عبد الله بن عبد الله، زياد بن حنظلة، عمّار بن ياسر، أبو موسى الأشعري، عمر بن سراقة، المغيرة بن شعبة، الوليد بن عقبة، سعيد بن العاص).

كذا تولّى بعد سعيد بن العاص ولاية الكوفة أبو موسى الأشعري حتى حرب الجمل.

إنّ هذا التّغيير للولاة والعمال وأيضاً القضاة لأسباب ؛ قد تعود للخلفاء، أو للولاة أنفسهم بطلب الاستعفاء، أو لأهل الكوفة عند ما يطلبون من الخليفة تغيير عامله عليهم، هذا التّغيير المتلاحق في مدة قصيرة يخلق نزوعاً عند النّاس نحو تغيير الولاة، كما أنّه ينشئ إحساساً نفسياً بصغر شخصية العامل عليهم ؛ حيث إنّ أي اقتراح ضّده بالإمكان أن يزيحه من موقعه ويخرجه من مكانه.

لذا كان عند أهل الكوفة من جرّاء هذه السّوابق التاريخية ميلاً نحو التغيير، حتى الحاكم الصالح أو عدم طاعته، لمجرّد أنّه لا يروق لأهوائهم وهو ما واجهه أمير المؤمنين (عليه السلام).

الثاني: التمزّق الداخلي، حصل هذا التمزّق داخل الحدود المحلية للكوفة، ذلك ما يرويه ربيعة السعدي قال: (أتيت المدينة فإذا حذيفة بن اليمان مستلقٍ في المسجد واضع إحدى رجليه على الأخرى، فقال: مرحباً بشخص لم أرَه قبل اليوم ممّن أنت ؟ قلت من أهل الكوفة.

قال: سلْ عن حاجتك قال: [ قلت: ] تركت الناس بالكوفة على أربع طبقات: طبقة تقول أبو بكر الصدّيق خير الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ لأنّه صاحب الغار وثاني اثنين، وفرقة تقول: عمر بن الخطاب ؛ لأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: اللّهمّ أعزّ الإسلام بعمر بن الخطاب، وفرقة يقولون: أبو ذر [ خير الناس ] ؛ لأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (ما أظلّت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ)، ثمّ سكت.

قال [ حذيفة: ] مَن الرابع قلت: ذاك [ الذي قال له النبيّ: (هو مني وأنا منه) ][٥].

لماذا هذه الطّبقات الأربع في تعيين الأصلح بعد النبي ؟ ولماذا بعد مضي ما يقارب ثلاثة عقود ـ من وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ـ جرى هذا الحديث عن تعيين الأصلح ؟.

إنّ هذه الطبقية في تحديد الأصلح تعني وجود مجاميع وطوائف، وهو ما ينعكس سلباً على وحدة المجتمع وتركيبته ؛ لأنّ وجود الاختلاف آنذاك في موضوع معيّن كان يصاحبه فساد قضية الوّد بين الأطراف، ويرافقه أيضاً فسخ الطاعة، وقد ابتلي أمير المؤمنين طوال فترة خلافته بانفضاض أكثر الناس من حوله أو تردّدهم في نصرته.

لقد وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) على لبّ الحقيقة حينما وضع أسباب الاختلاف (فَيَا عَجَباً وَمَا لِيَ لا أَعْجَبُ مِنْ خطأ هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا، لا يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ وَلا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ، وَلا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ وَلا يَعِفُّونَ عَنْ عَيْبٍ، يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ، الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا وَالْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا، مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُعْضِلاتِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، وَتَعْوِيلُهُمْ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى آرَائِهِمْ، كَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ، قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرىً ثِقَاتٍ وَأَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ)[٦].

إنّ هذا التمزّق الذّي بدأ من أهواء تتبع كان يمثل صفةً ثقافية سلبية خيّمت على أكثر أهل الكوفة.

٢. التشرنق

التشرنق هو الانطواء والاعتزال عن نصرة الحقّ بذريعة الابتعاد عن الفتنة.

كان بداية هذا التشرنق في الأيّام الأُولى للاستعداد لحرب الجمل، عندما بعث أمير المؤمنين كلاً من محمد بن أبي بكر ومحمد بن عوف إلى الكوفة، يستحثان أهلها إلى نصرة الإمام (عليه السلام)، ويستشيران أبا موسى الأشعري في الخروج، إلاّ أنّ هذا الأخير ونتيجة ؛ لانعدام الرؤية الصحيحة سلك سبيلاً جديداً، ولفّ على نفسه غلافاً من الأوهام، ورأى أنّ ذلك فتنةً، ولا ينبغي الخروج حتى تضع الحرب أوزارها أو تجتمع الأمّة بعد شتاتها !

فقال أبو موسى: أمّا سبيل الآخرة فأن تقيموا، وأمّا سبيل الدّنيا فأن تخرجوا[٧] (وتهاوى الناس وأبو موسى يكفّهم ويأمرهم بلزوم البيوت حتى تنجلي الفتنة ويقول: أطيعوني وخلّوا قريشاً إذا أبوا إلاّ الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم، حتى ينجلي الأمر)[٨].

أوضح الإمام (عليه السلام) لأهل الكوفة دوافع هذا الاعتزال وصورته المصنوعة التي تزيّن بها، (وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُئُولَةُ نَفْسِهِ وَانْقِطَاعُ سَبَبِهِ، فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ، فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ وَلا مَغْدىً)[٩].

إنّ سلوك التّشرنق يطلع قرنه عندما تكون هناك محنة تُبتلى بها الأمّة، فعندما أراد الإمام التّوجه لمحاربة معاوية وجنوده، خطب في أهل الكوفة ثمّ عرض عليهم الرأي، فكان من أصحاب الإمام أن أحسنوا القول والنصح، ومنهم من لحقه داء أبي موسى في الاعتزال والقعود مثل حنظلة بن الربيع التميمي الذي قال لأمير المؤمنين:

إنّنا قد مشينا إليك بنصيحة فأقبلها منّا ولا تردها علينا، فإنّنا قد نظرنا لك ولمَن معك من المسلمين، الرأي عندنا أنّك تقيم ولا تعمل بالمسير إلى قتال أهل الشام... وأمّا حنظلة فاعتزل الفريقين جميعاً[١٠].

حالة الانطواء والاعتزال هذه لا تختصّ بفئة من أهل الكوفة فقط، بل شملت فريقاً من أهل مكة، هذا يجعل التأثير السلبي متبادل بين المِصرينِ، ويعطي سنداً نفسياً في تعزيز سلوك الانطواء، (خرج المغيرة وسعيد بن العاص معهم مرحلةً من مكة، فقال سعيد للمغيرة: ما الرّأي ؟ قال الرّأي والله الاعتزال، فإنّهم ما يفلح أمرهم، فإن أظفره الله أتيناه، فقلنا: كان هوانا وصَغْونا معك، فاعتزلا فجلسا، فجاء سعيدٌ مكة فأقام بها ورجع معهما عبد الله بن خالد بن أسيد)[١١].

هذه الثقافة قد اعتنقها طائفة من الصّحابة أيضاً: (وكان من الصحابة فريق لم يدخلوا في شيء من القتال، وظهر بقتل عمّار أنّ الصّواب كان مع علي)[١٢].

هكذا نلاحظ أنّ الإمام قد عاصر هذه الثقافة السلبية الثانية.

٣. التملّق

المعنى اللغوي للتملّق هو (الذي لم يصدق ودّه)[١٣] وقد جاء في إحدى حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) تعريفاً له: الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق[١٤].

حاول بعض المتملّقينَ التقرّب من الإمام عبر إظهار المحبة وإخفاء خلافها، إلاّ أنّ الإمام (عليه السلام) فضح ذلك السلوك الكاذب، عن الأصبغ بن نباتة قال: كنت مع أمير المؤمنين (عليه السلام) فأتاه رجل فسلّم عليه ثمّ قال: يا أمير المؤمنين ! إنّي والله لأحبّك في الله وأحبّك في السرّ كما أحبّك في العلانية، وأدين الله بولايتك في السرّ كما أدين بها في العلانية، وبيد أمير المؤمنين (عليه السلام) عود فطأطأ رأسه ثمّ نكت بالعود ساعة في الأرض ثمّ رفع رأسه إليه فقال: (إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حدّثني بألف حديث لكلّ حديث ألف باب، وإنّ أرواح المؤمنين تلتقي في الهواء فتشمّ وتتعارف، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وبحقّ الله لقد كذبت، فما أَعرف في الوجوه وجهك ولا اسمك في الأسماء)[١٥].

الإمام فضحه ؛ لكذبه، ولأنّ الذي يحب أحداً حقيقةً لا يتملّقه، قال (عليه السلام) لرجل أفرط في الثناء عليه وكان له متهماً: (أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك)[١٦].

نصح الإمام عمّاله في رفض هذا السلوك، ( ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلاّ يُطْرُوكَ وَلا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ  (الغرّة))[١٧].

إنّ رفض التملّق ومحاربته ـ من قبل الإمام ـ استمّر حتى في الوقت الذي قلّ فيه الناصر ورحل عنه القريب، حيث يروى أنّ طائفة من أصحاب أمير المؤمنين طلبوا منه أن يعطي من الأموال لبعض أشراف العرب وقريش، وبعض الّذين مالت بهم الدنيا إلى ما عند معاوية من مغانم دنيوية كثيرة ؛ لاستمالتهم، إلاّ أنّه رفض بشدة أن يطلب النّصر بالجور.

بعد ذلك سكت الإمام طويلاً ثمّ قال لهم ناصحاً ومدلاًّ إلى سبيل الحق، مَن كان له مال ومأواه فساد (إِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَمْ يَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَلا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلاّ حَرَمَهُ اللَّهُ شُكْرَهُمْ وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ، فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيلٍ وَأَلأَمُ خَدِينٍ)[١٨].

الإمام يريد أن تكون رابطة النّاس به طبيعيةً نابعة من أصول طيّبة وطبيعية، وهو يرفض التملّق ؛ لأنّه يعبّر عن تكلّف وتزلّف كاذب.

٤. التعلّق

التعلّق بالدّنيا يحصل من الشّغف بها والنظر إليها بعين الانبهار (مَنْ رَاقَهُ زِبْرِجُهَا أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَهاً، وَمَنِ اسْتَشْعَرَ الشَّغَفَ بِهَا مَلأَتْ ضَمِيرَهُ أَشْجَاناً)[١٩].

يعود التعلّق إلى سببين ذكرهما أمير المؤمنين: (إنّما أخاف عليكم اثنين، اتّباع الهوى وطول الأمل، أمّا اتّباع الهوى فإنّه يصدّ عن الحقّ، وأمّا طول الأمل فينسي الآخرة)[٢٠].

احتلّ الحديث عن الدنيا وأوصافها والحذر منها والاعتبار بها وأصناف الناس فيها وحقيقتها، مساحات واسعة من خطب الإمام وكتبه وأقواله ؛ نظراً إلى أنّ الإنسان عليه أن يعرف موقعه فيها، وحقيقة الدنيا وتبعاتها وخطورة الحال فيها إن كانت مذمومةً، وأهمية المنزل فيها أن كانت ممدوحةً.

فالذي ذمّه الإمام (عليه السلام) من الدنيا شهواتها عندما تتحوّل إلى هدف، و آمالها التي لا تنقطع عند حد ولا تنقضي عند طموح.

آمالها التي لا تنقطع عند حد ولا تنقضي عند طموح.

إنّ أمير المؤمنين كان قد حذّر أهل الكوفة ـ مراراً وتكراراً ـ من الافتتان والتعلّق بالدنيا (وَلا تُفْتَنُوا بِأَعْلاقِهَا (أغلاقها)، فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ وَنُطْقَهَا كَاذِبٌ، وَأَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ وَأَعْلاقَهَا مَسْلُوبَةٌ)[٢١].

مع كثرة التذكير والتحذير في الحديث عن الدنيا في خطب الإمام، إلاّ أنّ هناك مَن لم يوقظه وعظ ولا يجديه اعتبار: بل بقي نظره متوجهاً صوب الدنيا وما قدّره من ريح زائل (إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ، وَإِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الآخِرَةِ كَسِلَ !)[٢٢].

يروى أنّ قوماً ممّن ساروا بغير دليل وجاروا عن قصد السبيل، أَتَوه لدنياهم (فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ)[٢٣] عرف في وجوههم سيماء الدنيا، وأنكروا فيه تفرّسه لهم، فردّ ادعائهم وانتسابهم له ؛ بأنّهم من شيعته وأقام لهم أوصاف الشيعة.

روي أنّ قوماً أتوا علياً (عليه السلام) في أمرٍ من أمور الدنيا يسألونه، فتوسلوا إليه فيه بأن قالوا: نحن من شيعتك يا أمير المؤمنين، فنظر إليهم (عليه السلام) طويلاً ثمّ قال:

(ما أعرفكم ولا أرى عليكم أثراً ممّا تقولون، إنّما شيعتنا مَن آمن بالله ورسوله، وعمل بطاعته واجتنب معاصيه، وأطاعنا فيما أمرنا به ودعونا إليه، شيعتنا رُعاة الشمس والقمر والنجوم، ـ يعني (عليه السلام) للوقوف على مواقيت الصلوات ـ شيعتنا ذبلٌ شفاههم، خمصٌ[٢٤] بطونهم، تعرف الرّهبانيّة في وجوههم، ليس من شيعتنا مَن أخذ غير حقه، ولا مَن ظلم النّاس، ولا مَن تناول ما ليس له)[٢٥].

فلو عرف أمير المؤمنين (عليه السلام) في وجوهم آثار التشيع لأراهم خفض جناحه ولين طبعه وطيب وده، مثلما يفعل مع المؤمنين الّذين يعملون الصالحات (كَانَ لِي فِيمَا مَضَى أَخٌ فِي اللَّهِ، وَكَانَ يُعْظِمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ)[٢٦].

إنّ الشيعة الذين يريدهم علي (عليه السلام) أولئك الذين: (أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا)[٢٧].

إنّ غشاوة الدّنيا والتعلّق بها، تحجب الإنسان عن المعرفة، وتصدّه عن أن يثقف ما يُلقى إليه من فكر وعبر، ويصبح الإنسان محصوراً ضمن إطار مغلق (وَمَنْ لَهِجَ قَلْبُهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا الْتَاطَ قَلْبُهُ مِنْهَا بِثَلاثٍ، هَمٍّ لا يُغِبُّهُ وَحِرْصٍ لا يَتْرُكُهُ وَأَمَلٍ لا يُدْرِكُهُ)[٢٨].

------------------------------------------------
[١] . الفتوح: ٢/٢٧٢.
[٢] . دعائم الإسلام: ١/٨٦.
[٣] . الإصابة في تمييز الصحابة: ٢/٢٣٥.
[٤] . تاريخ الطبري: ٢/٤٨٣.
[٥] . مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): ٢/٤١٠.
[٦] . نهج البلاغة: الخطبة ٨٨.
[٧] . تاريخ الطبري: ٣/٢٣، تاريخ ابن خلدون: ٢/٦١٣.
[٨] . تاريخ ابن خلدون: ٢/٦١٣.
[٩] . نهج البلاغة: الخطبة ٣٢.
[١٠] . الفتوح: ٢/٤٤٣.
[١١] . تاريخ الطبري: ٣/٨.
[١٢] . الإصابة في تمييز الصحابة: ٤/٤٦٦.
[١٣] . المعجم الوسيط: ٢/٨٨٥.
[١٤] . نهج البلاغة / الحكمة: ٣٤٧.
[١٥] . سفينة البحار: ١/٦١٢.
[١٦] . نهج البلاغة / الحكمة: ٨٣.
[١٧] . نفس المصدر / الكتاب: ٥٣.
[١٨] . أمالي المفيد: ١٩٨، نهج البلاغة: الخطبة ١٢٦، بحار الأنوار: ٤١/١٠٨.
[١٩] . نهج البلاغة: الحكمة: ٣٦٧.
[٢٠] . الأصول من الكافي: ٢/٣٣٥، نهج البلاغة: الخطبة ٤٢.
[٢١] . نهج البلاغة: الخطبة ١٩١.
[٢٢] . نفس المصدر: الخطبة ١٠٣.
[٢٣] . يوسف: ٥٨.
[٢٤] . أي ضامر البطن ذو مجاعة.
[٢٥] . دعائم الإسلام: ١/٩٥.
[٢٦] . نهج البلاغة: الحكمة: ٢٨٩: سفينة البحار: ١/٥٥.
[٢٧] . نفس المصدر: الخطبة: ١٩٣.
[٢٨] . نفس المصدر: الحكمة: ٢٢٨.
****************************