وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                
وقال (عليه السلام): الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجزِ.                
وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                
وقال (عليه السلام) : هَلَكَ فِي رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَال ، وَمُبْغِضٌ قَال .                

Search form

إرسال الی صدیق
الإمام علي عليه السلام وتنمية ثقافة أهل الكوفة – الرابع

الحلول الثقافية

هناك بعض الأحداث الّتي وقعت في زمان أمير المؤمنين (عليه السلام) وارتضى لها حلاًّ أناخ فيها حكماً.

اختلفت الحلول الثقافية في عصر الإمام (عليه السلام) بحسب ما يقتضيه العلاج المناسب والسليم، وربّما كانت هناك بعض الحلول الّتي ارتآها الآخرين في مقابل الحلّ الإسلامي الصّحيح.

والحلول الثقافية هي:

١. الحل الاستئصالي

حينما تنفذ الحلول والحجج في إعادة الحقّ إلى نصابه وموضعه، عند ذلك يختار الإمام (عليه السلام) الحلّ الاستئصالي  ؛ إزهاقاً للباطل، واجتثاثاً لجذوره (فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ، وَكَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ الْبَاطِلِ وَنَاصِراً لِلْحَقِّ)[١].

طبّق الإمام هذا الحلّ بعد أن نفذت الخيارات السلمية بقتال النّاكثين والقاسطين والمارقين، وطبّقه أيضاً مع الغلاة الّذين لم يرجعوا إلى التّوبة، ومع النصارى الّذين أعلنوا الحرب، ووقفوا بوجه الإسلام.

أتاه صلوات الله عليه قومٌ غَلوا فيه، ممّن قدّمنا وصفهم واستزلال الشيطان إيّاهم، فقالوا:

أنت إلهنا وخالقنا ورازقنا، ومنك مبدؤنا وإليك معادنا، فتغيّر وجهه (عليه السلام) وارفضّ عرقاً، وارتعد كالسّعفة ؛ تعظيماً لجلال الله (عز جلاله) وخوفاً منه، وثار مغضباً ونادى بمَن حوله وأمرهم بحفير فحُفر وقال: لأشبعنّكم اليوم لحماً وشحماً، فلمّا علموا أنّه قاتلهم، قالوا:

لئن قتلتنا فأنت تحيينا، فاستتابهم فأصّروا على ما هم عليه، فأمر بضرب أعناقهم، وأضرم ناراً في ذلك الحفير فأحرقهم فيه، وقال (عليه السلام):

لمّا رأيتُ الأمرَ أمراً منكرا ***** أَضرمتُ ناري ودعوتُ قنبرا[٢]

قريب من هذه الرواية ما نقله ابن شهر آشوب في مناقبه في سبعين من الزط[٣] الذين يدعونه إلهاً[٤].

الإمام (عليه السلام) تبرّأ من الغلاة ؛ لأنّهم فئة منحرفة (اللّهمّ إنّي بريء من الغلاة

 كبراءة عيسى بن مريم من النّصارى، اللّهمّ اخذلهم أبداً ولا تنصر منهم أحداً)[٥].

كذا نفّذ الإمام الحلّ الاستئصالي في أحد النّصارى ممّن وقفوا بوجه الإسلام، وأمر ـ علياً ـ بإحراق نصرانيّ ارتدّ فبذل أولياء النّصرانيّ في جثّته مِئة ألف درهم فأبى عليهم، فأمر به فأُحرق بالنّار، وقال: (ما كنت لأكون عوناً للشيطان عليهم ولا ممّن يبيع جثّة كافرٍ)[٦].

ممّا سبق نعرف أنّ الإمام لجأ إلى الحلّ الاستئصالي من أجل ؛ قلع جذور الانحراف أو الكفر.

٢. الحلّ الإبقائي

تجلّى هذا الحلّ بعد مجيء الإمام (عليه السلام) إلى الكوفة في ١٣ رجب سنة ٣٦هـ، حيث صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ووصّى النّاس بملازمة التقوى، وطاعة الله ورسوله وأهل بيته ـ الذي هم أولى بالطاعة من المنتحلين المدّعين ـ ثمّ صوّب الإمام حديثه نحو القوم الذي قعدوا عن نصرته وتخلّفوا عن دعوته، مستعتباً لهم وموضّحاً الحلّ معهم (إنّه قد قعد عن نصرتي رجال منكم فأنا عليهم عاتب زارٍ، فاهجروهم وأَسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا أو نرى منهم ما نرضى).

فقام إليه مالك بن حبيب التميميّ اليربوعيّ ـ وكان صاحب شرطته ـ فقال: والله ! إنّي لأرى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلاً، والله لئن أمرتنا لنقتلنّهم، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): (يا مالك، جزت المدى وعدوت الحدّ، وأغرقت في النّزع)[٧].

لقد اختار الإمام الحلّ الإبقائي، بهجرهم وإسماعهم ما يكرهون بهدف إصلاحهم وعودتهم إلى الطّاعة.

رغم أنّ رئيس شرطته اختار حلاًّ حاسماً باستئصالهم، إلاّ أنّ الإمام قد حلّ الأمر حسب المدى الشّرعي المتاح تطبيقه.

مرّة أخرى في وقعة صفين أراد أمير المؤمنين تطبيق الحلّ الإبقائي ـ بدعوة معاوية إلى الطّاعة والجماعة ـ قبل اللّجوء إلى الحلّ الاستئصالي، إلاّ أنّ معاوية رفض ذلك، ثمّ إنّ علياً دعا بشير بن عمرو بن مخصن الأنصاريّ وسعيد بن قيس الهمدانيّ وشبث بن ربعيّ التميميّ، فقال: (ائتوا هذا الرّجل فادعوه إلى الله وإلى الطاعة والجماعة، فقال له شبث بن ربعيّ: يا أمير المؤمنين ! أَلا تُطمعه في سلطان تولّيه إيّاه، ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك ؟ فقال عليّ: ائتوه فالقوه فاحتجّوا عليه وانظروا ما رأيه)[٨].

إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يختار هذا الحلّ عندما يكون في البين أملاً في الإصلاح ومنفعة تعود للإسلام.

٣. الحلّ الانتقائي

اتخذ الّذين اتّبعوا أهوائهم حلاًّ انتقائياً في علاج ما ينزل بهم من مهمّات ومبهمات، فمالوا بالحقّ إلى آرائهم، وأخذوا من كلٍّ ضِغث.

(فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ، فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ)[٩].

قد عمل بهذا الحلّ الانتقائي فريق ممّن نصّبوا أنفسهم للقضاء بين النّاس.

(جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثًّا مِنْ رَأْيِهِ ثُمَّ قَطَعَ بِهِ، فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ)[١٠].

إنّ الحلّ الانتقائي يورد الإنسان موارد الشّبهات ؛ لأنّه يعني العمل بفنون الاستدراك،(يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ).

٤. الحلّ التبعي

في عصر أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يوجد نوعان من الحلول التبعيّة: الأوّل: اتّباع الإمام (عليه السلام) وما صدع به من الحقّ.

عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال للبراء بن عازب: كيف وجدت هذا الدّين ؟ قال: كنّا بمنزلة اليهود قبل أن نتّبعك، تخفّ علينا العبادة، فلمّا اتبعناك ووقع حقايق الإيمان في قلوبنا، وجدنا العبادة قد تثاقلت في أجسادنا[١١].

إنّ اتّباع الإمام (عليه السلام) يعني اتّباع الله ورسوله، ويترتب عليه أن يقود الإنسان إلى الصّراط المستقيم.

الثاني: اتّباع الشيطان والآباء والأسلاف، (إِنّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى‏ أُمّةٍ وَإِنّا عَلَى‏ آثَارِهِم مُقْتَدُونَ)[١٢].

قد زجّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بكثير من المفاهيم في سبيل الحؤول دون اتّباع خطوات الشّيطان، عندما تعرّض لذكر طائفة من النّاس في اتّباعهم الأعمى، راجياً حجزهم عن ذلك.

(اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لأَمْرِهِمْ مِلاكاً، وَاتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً، فَبَاضَ وَفَرَّخَ فِي صُدُورِهِمْ، وَدَبَّ وَدَرَجَ فِي حُجُورِهِمْ، فَنَظَرَ بِأَعْيُنِهِمْ، وَنَطَقَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ، وَ زَيَّنَ لَهُمُ الْخَطَلَ فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَّيْطَانُ فِي سُلْطَانِهِ، وَنَطَقَ بِالْبَاطِلِ عَلَى لِسَانِهِ)[١٣] (أَو َلَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَالآبَاءَ وَإِخْوَانَهُمْ وَالأَقْرِبَاءَ، تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ وَتَطَؤونَ جَادَّتَهُمْ ؟)[١٤].

هذه التّبعيّة أَلهت القوم عن رشدهم وأبعدتهم عن حظّهم.

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ)[١٥] ، قالوا (حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا)[١٦].

هذا الحلّ قد أنس به معاوية: مستفيداً من تجربة أسلافه في الادّعاء والتّضليل ؛ ولذا وعظه أمير المؤمنين (عليه السلام) في أن ينتفع بالنّظر الفاحص في شواهد الأمور.

(أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِاللَّمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِيَانِ الأُمُورِ، فَقَدْ سَلَكْتَ مَدَارِجَ أَسْلافِكَ بِادِّعَائِكَ الأَبَاطِيلَ وَاقْتِحَامِكَ غُرُورَ الْمَيْنِ وَالأَكَاذِيبِ)[١٧].

نصح الإمام المسلمين من وطئ جادة الآباء، ولم يبخل بالوعظ ـ كما عرفنا آنفاً ـ لأعدائه عن امتطاء سبيل الأسلاف.

٥. الحل التّأصيلي

هذا الحلّ يكون بإقامة السنّة، حيث إنّ إرجاع الأحكام ـ في مختلف القضايا ـ إلى القرآن والسنّة الّتي عمل بها النّبي وأهل بيته كفيلان بحلّ جميع القضايا المستحدثة.

من هنا كان الإمام يحكم ويعمل بالسنّة، معيداً لها اعتبارها وتأصيلها، لا تجد علياً (عليه السلام) يقضي بقضاء إلاّ وجدت له أصلاً في السُنّة. قال: كان عليّ (عليه السلام) يقول: (لو اختصم إليّ رجلان فقضيت بينهما قضاءً واحداً ؛ لأنّ القضاء لا يحول ولا يزول)[١٨].

إنّ إعادة تأصيل السُنّة ـ من قبل الإمام ـ شملت حتى أبسط الأوضاع والحركات العادية الّتي قد يكرّرها الإنسان في ركوبه أو سيره من دون أن يستند إلى السُنّة، لكن علي (عليه السلام) بأفعاله علّمنا بأنّ سنّة النّبي موجودة وقائمة في كلّ وضع يتّخذه الإنسان، حتى في حال ركوبه الدّابة أو وسيلة معيّنة، وهو ما يعني أنّ السّنّة النبويّة الّتي خلّفها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وورّثها أهل بيته (عليهم السلام) تشمل كلّ مفردات وتفاصيل الحياة اليومية.

عن عليّ بن ربيعة الأسدي، قال: ركب عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فلمّا وضع رجله في الركاب قال: (بسم الله، فلمّا استوى على الدابّة قال: الحمد لله الّذي أكرمنا وحملنا في البرّ والبحر، ورزقنا من الطيبات وفضّلنا على كثير ممّن خلق تفضيلاً، (سُبْحَانَ الّذِي سَخّرَ لَنَا هَذا وَمَا كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ)[١٩] ثمّ سبّح الله ثلاثاً، وكبّر الله ثلاثاً ثمّ قال: ربّ اغفر لي، فإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت. ثمّ قال: فعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذا وأنا رديفه)[٢٠].

إنّ الاستناد إلى السُنة يعتبر أفضل حلّ في التعامل مع الأحداث اليومية.

------------------------------------------------------------
[١] . نهج البلاغة: الخطبة ٢٢.
[٢] . دعائم الإسلام: ١/٨٧.
[٣] . الزط ـ جيل أسود من السند إليهم تنسب الثياب الزطية.
[٤] . مناقب آل أبي طالب: ١/٣٢٥.
[٥] . نفس المصدر: ١/٣٢٤.
[٦] . دعائم الإسلام: ٢/٤٠٥.
[٧] . المعيار والموازنة: ٩٧، الفتوح: ٢/٣٤٨، أمالي المفيد / ١٢٧.
[٨] . تاريخ الطبري: ٣/٧٦.
[٩] . نهج البلاغة: الخطبة ٥٠، المعيار والموازنة: ٢٩١.
[١٠] . نفس المصدر: الخطبة ١٧.
[١١] . سفينة البحار: ١/٢٥٢.
[١٢] . الزخرف: ٢٣.
[١٣] . نهج البلاغة: الخطبة ٧.
[١٤] . نفس المصدر: الخطبة ٨٣.
[١٥] . البقرة: ١٧٠.
[١٦] . المائدة: ١٠٤.
[١٧] . نهج البلاغة: الكتاب: ٦٥.
[١٨] . أمالي الطوسي: ٦٤.
[١٩] . الزمر: ١٣.
[٢٠] . أمالي الطوسي: ٥١٥.
****************************