وقال (عليه السلام): مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ.                
وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.                
وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                
وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                
وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَر.                

Search form

إرسال الی صدیق
الإمام علي عليه السلام وتنمية ثقافة أهل الكوفة – السابع

التحصين الثقافي

المجتمع عندما يقع تحت ضغط وتسلّط الثقافات الأخرى، فإنّ ذلك يعني استلاب هويّته الثقافية، من أجل هذا، عمل الإمام (عليه السلام) على تحصين أهل الكوفة وأصحابه عبر الوسائل التالية:

أ. المنع

كان الإمام (عليه السلام) بالمرصاد لأيّ ثقافة مخالفة للثّقافة الإسلامية، ويمنع من العمل بها، قال (عليه السلام) وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار، فترجّلوا له واشتدّوا بين يديه (ما هذا الذي صنعتموه ؟ فقالوا خُلُق منّا نعظّم به أمراؤنا، فقال: وَاللَّهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا أُمَرَاؤُكُمْ، وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ، وَتَشْقَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ، وَمَا أَخْسَرَ الْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ، وَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الأَمَانُ مِنَ النَّارِ)[١].

يذكر أنّ الإمام عند مسيره إلى الشام كان قد خرج معه من الكوفة ثمانين ألف نفر،[٢] وهذا يعني أنّ التحصين عبر المنع من قبل الإمام لدهاقين الأنبار قد شاهده أهل الكوفة أو فريق منهم.

إنّ أمير المؤمنين بهذا المنع، أبعد المشقة عنهم ووضع المنفعة لهم، وليس هو منع يفتقد المعنى أو ليس له بديل، بل إنّ الإمام عندما يمنع أصحابه من ثقافة معينة، يبيّن لهم البديل الأفضل، بالإصغاء إلى نداء العقل والحكمة، إنّه لمّا بلغه أنّ أصحابه أنّهم يكثرون شتم مخالفيهم باللّعن والسّب، أرسل إليهم (أن كفّوا عمّا بلغني [ عنكم ] من الشتم والأذى).

فلقوه، فقالوا: يا أمير المؤمنين ألسنا محقّين ؟ فقال: بلى.

قالوا: ومَن خالفنا مبطلون ؟ قال: بلى، قالوا: فلِمَ منعتنا شتمهم ؟

فقال: كرهت أن تكونوا سبّابين، ولكن لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، و[ لو ] قلتم مكان سبّكم إيّاهم: اللّهمّ احقن دمائنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، وأهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق مَن جهله، ويرعوي من الغيّ والعدوان مَن لهج به، فهذا من الكلام أحبّ إليّ لكم.

فقالوا: قد أصبت[٣].

إنّ المنع لابّد من أن يستند إلى أساس وهو رضا الله تعالى وسخط الشيطان ومعاقبة العدو، عن جابر قال: سمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) رجلاً يشتم قنبراً وقد رام قنبر أن يردّ عليه، فناداه أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام): (مهلاً يا قنبر، دع شاتمك مُهاناً ترضي الرّحمن وتسخط الشيطان وتعاقب عدوّك، فو الذّي فلق الحبّة وبرأ النّسمة ! ما أرضى المؤمن ربّه بمثل الحِلم، ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت، ولا عوقب الأحمق بمثل السّكوت عنه)[٤].

فالمنع وطرح البديل اللائق، كفيلان بتحصين وحفظ الثقافة الإسلامية من الأهواء والثقافات الأخرى، وجدير بالذكر أنّ المنع يعتبر وسيلةً دفاعية محضة.

ب. التهذيب

تهذيب البلاغ الثقافي يبتدئ من تهذيب الإنسان لآلات التوصيل والارتباط الثقافي.

فاللسان يعبّر عن حقيقة الكلام وقوّته، والكلام من دون تدبير وتفكير يُفقد المرء الاتزان والتعادل، ويجنح بصاحبه نحو المزالق ؛ لأجله في عملية التحصين وممارسة التهذيب على المؤمن أن يتدبّر كلامه ؛ (لأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ وَإِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ)[٥].

فالمحلّ الأوّل للكلام في داخل النفس، والمؤمن يتفحص الكلام ويقلّب وجوهه، فإن أصاب الخير أظهره، وان كان فيه الشرّ أنكره ؛ لأنّ هذا التهذيب الداخلي هو التأني والتدبّر لنتائج الكلام.

إنّ أمير المؤمنين يعمّق الوعي ويحدّ الرؤية في عملية التهذيب، بحيث إنّها تشمل قنوات وأعضاء أخرى في وجود الإنسان، مثل الخطأ الطفيف لحاسّة البصر الّتي ربّما جلبت مضرّةً، والتي عبّر عنها الإمام بـ (رمزات الألحاظ) حيث قد تعني تلك الألحاظ معاني سيئة، ومثل الألفاظ التي ينقلب المعنى فيها إلى غير القصد الصحيح والنافع، والتي ربّما بعثت على سخط الله تعالى أو تحبط الأعمال منها، أو شهوات القلب المترادفة والتي تضع أهداف الإنسان في أسر الأهواء.

قد ورد في الدعاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (اللّهمّ اغفر لي رمزات الألحاظ، وسقطات الألفاظ، وشهوات الجنان، وهفوات اللسان)[٦].

وكما أنّ في جسم الإنسان هذه الأعضاء يطلب تهذيبها، كذلك في المجتمع ؛ حيث إنّ مشاهدة العين وتدقيقها على ما يخرج أو ما يرد، ينبغي أن يكون عن معرفة وتقوى في قبول الأشياء الداخلة إلى المجتمع والخارجة منه.

أيضاً سقطات الألفاظ فإنّ بعض الألفاظ التي تصدر من بعض الأفراد قد تكون غير مسؤولة وبعيدة عن التروّي والتفكير. هذه الألفاظ قد تجرّ إلى نتائج غير محمودة ؛ لذا نجد أمير المؤمنين (عليه السلام) يدعوا إلى إجالة النظر ومعرفة هويّة الزّمان وأهله (يا بني، إنّه لابدّ للعاقل من أن ينظر في شأنه فليحفظ لسانه وليعرف زمانه)[٧].

عندما تكون دائرة المسؤولية كبيرة، ينبغي على الإنسان أن يتصرف بحكمة (يا بنيّ، لا تقل مالا تعلم، بل لا تقل كلّ ما تعلم)[٨].

وليس معنى ذلك أن يبخل المرء في أن يقول ما يعلم، وإنّما على المرء أن يعرف في أيّ وعاء يضع علمه، وفي أيّ محلّ ينفقه، ففيه إشارة إلى مراعاة الحكمة في المواضع التي يرتادها الشخص وينشر علمه.

قد تحصل أنّ التحصين الثقافي، الّذي يتم من خلال التهذيب في تمييز ما يرد عليه من أشياء أو ما يصدر منه، لا بد من أن يكون منسجماً مع ثقافة الإسلام، وهو وسيلة دفاعية أكثر منه هجومية.

ج. التحفيز

هو وسيلة لترغيب الإنسان في أن يكون خلاّقاً ومنتجاً ومفيداً، وهو يعتبر وسيلة هجومية في التحصين الثقافي، وهو بعكس المنع الذي يعتبر وسيلة دفاعية محضة.

حثّ الإمام (عليه السلام) على العمل ومعرفة الهدف الذي ينتهي إليه، فكلّما كان العمل ذا هدف سامي، وذا طريقة سليمة من حيث الإحكام والإتقان و النّهج المتبع، فإنّ ذلك ينعكس إيجاباً في التأثير والتأثر به ولابدّ منه، بحيث إنّه يصبح نموذجاً يُحتذى به ومثالاً يُقتدى به (الْعَمَلَ الْعَمَلَ، ثُمَّ النِّهَايَةَ النِّهَايَةَ، وَالاسْتِقَامَةَ الاسْتِقَامَةَ، ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ، وَالْوَرَعَ الْوَرَعَ، إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ، وَإِنَّ لِلإِسْلامِ غَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى غَايَتِهِ)[٩].

فالعمل مهما كان يحتاج إلى الجدّ أو المثابرة ؛ لأنّه مع التهاون والغفلة لا يؤتي التحفيز أُكله، (الجدّ الجدّ أيّها الغافل !)[١٠].

كيف يمكن مواجهة ومعالجة الغفلة والجمود ؟ إنّ ذلك يكون بالعزم والتفكير والتشمير عن ساعد الجدّ والتزوّد من الاستقامة (فَعَلَيْكُمْ بِالْجَدِّ وَالاجْتِهَادِ، وَالتَّأَهُّبِ وَالاسْتِعْدَادِ، وَالتَّزَوُّدِ فِي مَنْزِلِ الزَّادِ)[١١].

لقائل أن يقول: لا يمكن تحفيز الطاقة وتشغيلها عند الإنسان بالاعتماد على دوافعه الذاتية الخاصّة فقط !

نعم، نحن لا نقول إنّ تنشيط دوافع الإنسان يكون بالاعتماد والاتكاء على الذّات فقط، بل نقول إنّ نفس حث أمير المؤمنين (عليه السلام) هو تحفيز من الخارج إلى الناس.

إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يقتصر في هذا التحفيز على الوعظ والتنبيه والحثّ على العمل فقط، بل مضافاً إلى ذلك فرض محفّزات مالية لزيادة النشاط والإنتاج والاستفادة، (عن سالم بن أبي الجعد: فرض عليّ (عليه السلام) لمَن قرأ القرآن ألفين ألفين، قال وكان أبي ممّن قرأ القرآن)[١٢].

كما أنّ الدوافع الذاتية منشأ التحريك فيها هو ما أعده الله تعالى للذين يعملون الصالحات أو الذين أحسنوا.

فممّا تقدم نلاحظ أنّ التحفيز وسيلة للإبداع وتشغيل القدرات الكامنة في داخل الإنسان، ممّا يجعله وسيلةً تحصينية للثقافة.

د. التبادل الإيجابي

المقصود من التبادل الإيجابي هو ما عناه الحديث الشريف، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا عليك أن تصحب ذا العقل وإن لم تحمد كرمه، ولكن انتفع بعقله واحترس من سيء أخلاقه، ولا تدعنّ صحبة الكريم وإن لم تنتفع بعقله، ولكن انتفع بكرمه بعقلك، وافرر كل الفرار من اللئيم الأحمق)[١٣].

فالتبادل الإيجابي هو مبادرة يقوم بها الإنسان المسلم لإثراء ثقافته من صاحب العقل أو من صاحب الأخلاق ؛ لكي يصل إلى مقصوده ومنشوده.

يعتبر التبادل الإيجابي وسيلةً تحصينية متزنة ومعتدلة ؛ لأنّها تدعو إلى صحبة ذي العقل وإن لم يحمد كرمه ؛ للانتفاع بعقله أو صحبة ذي الكرم ؛ للاستفادة من كرمه وإن لم يحمد عقله، أمّا مَن فقد الكرم المحمود والعقل

النافع، فيجب الاحتراز والفرار منه وهو اللئيم الأحمق كما في الرواية الشريفة.

هذا التبادل الإيجابي كما أنّه من الممكن للفرد المسلم ممارسته، كذلك للولايات والأمصار أو الدول تطبيقه في علاقاتها وارتباطاتها، وأخذها ما هو نافع، ولفضها ما هو ضار.

فالملاك في هذا التبادل الثقافي الإيجابي هو أخذ النفع أنّى وجد، وتجنّب الضرر حيث وجد.

على صعيد العلاقات بين المؤمنين، أمر الإمام (عليه السلام) بالتفاعل والتواصل وتبادل المحبة والنصح، وتجنّب القطيعة والتدابر:

(عليكم يا بنيّ بالتواصل والتباذِل والتَّبار، وإيّاكم والنفاق والتدابر والتقاطع والتفرّق، وتعاونوا على البّر والتقوى)[١٤].

---------------------------------------------------------------
[١] . نهج البلاغة: الحكمة: ٣٧، مناقب آل أبي طالب: ٢/١٢١، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): ٤/١٦٣.
[٢] . الأخبار الطوال: ٢٤٥، دول الإسلام: ٢٠.
[٣] . المعيار والموازنة: ١٣٧، الأخبار الطوال: ٢٤٢، نهج البلاغة: الخطبة ١٩٣.
[٤] . أمالي المفيد: ١١٨.
[٥] . نهج البلاغة: الخطبة ١٧٦.
[٦] . نفس المصدر: الخطبة ٧٨.
[٧] . أمالي الطوسي: ١٤٦.
[٨] . نهج البلاغة: الحكمة: ٢٨٣/٧٢٢، نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: ١/٢٤٠.
[٩] . نفس المصدر: الخطبة ١٧٦.
[١٠] . نفس المصدر: الخطبة ١٥٣.
[١١] . نفس المصدر: الخطبة ٢٣٠.
[١٢] . كنز العمال: ٢/٣٣٩.
[١٣] . الأصول من الكافي: ٢/٦٣٨.
[١٤] . نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: ١/٧٥.
****************************