وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                
وقال (عليه السلام): رُبَّ مَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ.                
وقال (عليه السلام) : هَلَكَ فِي رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَال ، وَمُبْغِضٌ قَال .                
وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                
وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                

Search form

إرسال الی صدیق
الإمام علي (عليه السلام) ووثيقة حقوق الانسان – الأول

«أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنَتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي، وَجُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ، وَإِقْبَالِ الاْخِرَةِ إِلَيَّ، مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ، وَالاِْهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي، غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي، فَصَدَّقَنِي[١] رَأْيِي، وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ، وَصَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي، فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدٍّ لاَ يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ، وَصِدْق لاَ يَشُوبُهُ كَذِبٌ.

وَجَدْتُكَ بَعْضِي، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يُعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي، فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي، مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ».

لقد سبق لنا أن قلنا: إنّ هذه الوصيّة هي من أفصح الكلام وأبلغه، وأجمعه لدقائق الحكمة العملية ولطائفها، وأكمل رسالة لتوجيه الفكر الحديث، والتعليم الأُممي، وأنّها تمكّن للناس في القربى، لا قربى النسب بل قربى الثقافة، والعلم، والأدب، وهي أبهج وأجمع قربى، ولأنّ في هذا تثقيفاً وتأليفاً ينتفع به الشرف الإنساني، لما يحمل من كنوز القرائح، ومُثل الحياة العليا، ومن مسرّة النفس، ولذّة العقل.

إدبار الدنيا واقبال الآخرة:

قوله (عليه السلام): «فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنَتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي، وَجُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ، وَإِقْبَالِ الاْخِرَةِ إِلَيَّ، مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ، وَالاْهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي».

يريد (عليه السلام) من الادبار تدرّج العمر في المضي، وأزوفه إلى الانصرام والفناء شأن كلّ متمتّع بالحياة.

وإقبال الآخرة هنا مرادف لما فسّرنا به إدبار الدنيا، فإنّ الإنسان كلّما بعد من مبدء السير، قرب إلى منتهاه.

وأما (جموح الدهر) فهو لعدم ملائمته للنوايا الصالحة، ولمعاكسة الزمان إياه، وتأخر أهله عن إنجاح مقاصده الإلهية التي لا ينفك عنها مثل مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهو سلام الله عليه يريد تزهيد الناس عن التولّع في الدنيا وحبّها لجهتين، أولاهما: أنّها منصرمة لا محالة، والثانية: أنّها عريّة عن إنالة أبنائها مقاصدهم المطلوبة، قصيّة عن رغباتهم. وكلّ من هاتين يحقّ معها الاعراض عنها، فكلّ منصرم عقيم الانتاج، وكلّ ما لا يجدي صاحبه نفعاً حريّ بالنكوص عنه.

وإنما وصفه (عليه السلام) من الدارين المقبلة والمدبرة هو الذي يحقّ معه عدم الاهتمام بغير النفس، وتدرّجها في الكمال، فإنّ للإنسان بذلك وازعاً عن غيره، فلا يضرّه من ظلّ إذا اهتدى، ولا ينهكه إذا صلح في هديه من انحرف عن الهدى، وهذا لا ينافي وجوب النهي عن المنكر، فإنّ الغاية هاهنا أن لا يسترسل هو مع رغبات الضالين، ولا يهملج في شهواتهم. وأما باب النهي عن المنكر فهو أن يردّهم عن متابعة الهوى، وأن ينقم ما سلكوه من المسالك الوعرة.

همّ النَفس يُشغِل عن هموم الناس:

وقوله (عليه السلام): «غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي، فَصَدَّقَنِي رَأْيِي، وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ».

إنّما تفرّد (عليه السلام) بهمّ نفسه لأنّه أعزّ الأنفس وأشرفها، وأعودها للأُمّة بمنافع ومنجيات، على أنّ فيه تعليماً للملأ الديني، بأن كيف تكون حالهم في تهذيب النفس وتربيتها، وإنمائها نموّاً صالحاً، وأن يكون لهم من أنفسهم وما يشوبها من أكدار ومعائب شاغل عن غيرهم، وعن التجسّس عن عيوب الناس والوقيعة فيهم.

هاهنا أصحر سلام الله عليه بنتيجة ما جاء به من سلوك، بأنّها مصدّقة من قبل الحقيقة الراهنة، الموصولة بالحقّ المبين، محبّذة بما هنالك من مبادئ قدسيّة التي وعاؤها قلب الإمام (عليه السلام)، ومصدرها عقله الفيّاض، وهو الذي صرفه عن الهوى لحضوتِهِ بالعصمة اللاّزمة لكلّ مُتَسَنِّم مثل مقامه من الامامة.

وهو سلام الله عليه لا يكلّف الناس بكلمته هذه أن يكونوا معصومين كمثله، فإنّ ذلك مستحيل على العاديين من الناس، وإنّما يحبّذ (عليه السلام) أن يقتصّوا أثره حسب القدرة والاستطاعة، لذا قال في مورد آخر: «أما إنّكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد»[٢].

وفي ذلك إيعاز إلى أنّ السير الحثيث وراء أيّ حقيقة ملازم للتوصّل اليها كما توصّل هو سلام الله عليه فصدّقه رأيه، وصرفه عن الهوى، وصرّح له محض أمره، بعيداً عن الشوائب والأكدار، فهو (عليه السلام) يرغب في أن تكون شيعته، مقتصّة أثره فيما بينّاه من السير والتوصّل، ويرغّبهم في ذلك بكلمته الذهبية، وبيانه الشافي.

وهو أصدق من أصحر بحقيقة حيث يعرف نفسه الكريمة، بأنّ تفكيره فيما أفضى به إلى جدّ لا يكون فيه لعب، وصدق لا يشوبه كذب، فإلى اقتصاص أثره يا مؤمّلي النجاة به وبهديه وهداه يا شيعته جميعاً.

الحنان الأبوي:

قوله (عليه السلام): «وَجَدْتُكَ بَعْضِي، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يُعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي، فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي، مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ».

هذا حنان أبوي لبيان تمحيص النصح، وإسداء أقصى ما يسع أيّ ابن أُنثى أن يسديه من محض الخير، والإمام في طليعة من يفيض البر، ويحثّ على المعروف، وهو سلام الله عليه ليست حياته حياة دمويّة، ولا كيانه كياناً مادّياً، حتّى تثيره لإرشاد ولده المحبوب عاطفة طبيعية، أو حبّ بشري، ولكن له وجود مكيّف بالفيض الأقدس، وحياة مزيجها المواهب الإلهية، فليس فيما ينيله إلاّ الخير محضاً، ولكن كلّما كملت قابليّة القابل عظم النصح المبذول.

وفي المقام لا قصور في الفاعل والقابل، فلا قصور في مدى كلٍّ منهما، غير أنّه سلام الله عليه استعمل هذا النوع من الخطاب جرياً على ما هو المطرد في العادة، من أنّ الإنسان لا يدّخر برّه عمّن هو أقرب الناس إليه من قربى وولده. وهو بخطاب ابنه العزيز يرمي إلى المجتمع الديني كلّه من باب «إياك أعني واسمعي يا جارة»، فعلى كلّ فرد أن يأخذ منه منيته من المقدرة، وقسطه من المعرفة.

أجل هكذا كان الإمام (عليه السلام) يتّجه إلى الناس بحكمه، وأمثاله، ونصائحه الرائعة التي لا تجد لها أشباهاً إلاّ في حكم النبي وأمثاله ونصائحه.

حكم تتبلور فيها طبائع الصديق والعدوّ، والمحسن والمسيء، والأحمق والعاقل، والبخيل والكريم، والصادق والمنافق، والظالم والمظلوم، والمعوز والمتخم، وصاحب الحق، وصاحب الباطل، ومفهوم الخلق السليم والخلق السقيم، وشؤون الجاهل والعالم، والناطق والصامت، والأرعن والحليم، وصفات الطامع والقانع، وأحوال العسر واليسر، وتقلّبات الزمان وما لها من أثر في أخلاق الرجال، وما إلى ذلك من أُمور لا تحصى في فصل أو باب، وكلّها مركّزة على الواقع، يدركها العقل الصحيح، فيأخذ منها قواعد لا تتأثر بظرف، ولا تتعلّق بزمان.

كان (عليه السلام) يحرّك في الأفراد عواطف الخير، ويوقظ فيهم ما غشته الأيام من الضمائر السليمة، ويعمل على إنمائها وينصح برعايتها.

كان يتوجّه إلى الضمائر بتوصياته، وخطبه، وعهوده، وأقواله جميعاً؛ لأنّه لم يفته أنّ لتهذيب الخُلُق شأناً في رعاية النظم العادلة، وفي بثّ الحرارة في المعاملات بين الناس. وقد ساعده في ذلك ما أوتي من مقدرة خارقة ينفذ بها الى أعماق الناس أفراداً وجماعات، فيدرك ميولهم وأهواءهم، ويعرف طباعهم وأخلاقهم، فيزن خيرها وشرّها، ثمّ يصوّر ويطوّر، ويأمر وينهى، على ضوء ثقته الهائلة بالضمير الإنساني الذي يتوجّه إليه.

كانت ثقته بالضمير الإنسان ثقة العظماء الذين تألف فيهم العقل النيّر، والقلب الزاخر بالدفء الإنساني، النابض بالحبّ العميق الذي لا يعرف حدوداً.

كانت ثقته بهذا الضمير ثقة المسيح، ومحمّد، وسقراط، وسائر العظماء الذين مدّهم القلب بنور يخبو لديه كلّ نور، وعلى أساس هذه الثقة أرسى (عليه السلام) حكمه وأمثاله، وعلى أساسها تترابط ا لأفكار والتوجيهات التي يخاطب بها وجدانات الناس.

إنّ وصايا الإمام التي توجّه بها نحو الضمير الفردي والجماعي تعتبر بمنزلة وصايا الأنبياء بما تحمل من عمق الفهم، وحرارة العاطفة وسموّ الغاية، هذه الوصايا التي أرادها (عليه السلام) حصناً منيعاً للأخلاق العامة، والعطف الإنساني، وتركيز العمل النافع على أُسس من الايجابية في العقل والضمير.

وإنّ من أروع ما وضعه نحو المصلحة العامة، وحريّة الفرد وحقوق الإنسان دستوره لمالك الأشتر (قدس سره)، وهو من جلائل وصاياه، وأجمعها لقوانين المعاملات المدنيّة، والحقوق العامة، والتصرّفات الخاصّة.

فليخفّف الغرب من إعجابه في «شرعة حقوق الإنسان» التي نشرته هيئة الأُمم المتّحدة في القرن العشرين، وملؤوا الدنيا عجيجاً فارغاً حول ما صنعوا وما يصنعون، وأكثروا من الدعاوة لأنفسهم على صورة ينفر منها الصدق والذوق جميعاً، وأزعجوا الإنسان بمظاهر غرورهم، وحمّلوه ألف منّة، وألف حمل ثقيل.

فقد فكّر فيها الإمام (عليه السلام) منذ أربعة عشر قرناً، وصاغها صريحة تعلن عن ذاتها جوهراً في كلّ حين، ونصّاً وجوهراً في أكثر الأحيان.

وإنّك لتجدها في آثاره متماسكة متفاعلة لا تترك فيما بينها منفذاً لما ينفضها في خطوطها العامّة، أو في جزئياتها الخاصّة.

وما شأن علي (عليه السلام) بذلك إلاّ شأن عظماء العصور الذين يوغلون في الحياة حتّى يكشفوا عن خطوطها الكبرى المتماسكة، فيعلنون عمّا اكتشفوه بصدق وبساطة وحرارة. فإذا بالذي يكشفونه، ويعلنون عنه يؤلّف قسمين اثنين: قسماً يتناول الأصول الكبرى فيبقى لكلّ زمان ومكان، كما تبقى القواعد العلميّة الثابتة، وقسماً يتناول التفاصيل والجزئيات فيتبدّل ويتغيّر مع الزمان والمكان.

مقارنة مع وثيقة حقوق الانسان:

وقد آن لنا الآن أن نثبت في هذا الفصل أهمّ ما جاء في الوثيقة الدوليّة لاعلان حقوق الإنسان، ليرى القارئ بنفسه إذا كان هنالك من فرق بين مذهب الإمام (عليه السلام)في الحقوق العامة وهذه الوثيقة، ثمّ يدرك أين يستقرّ هذا الفرق وما هي أسبابه.

أما نحن، فإذا جاز لنا أن نقول قولا موجزاً بهذا الصدد، فإنّا نشير إلى أنّه يصعب على المرء أن يجد اختلافاً بين مذهب الإمام والوثيقة الدوليّة هذه من حيث الروح، أمّا الفوارق في الفروع، ثمّ في الصيغ فمحتومة مع اختلاف الزمان.

أمّا الأُسس، فليس من أساس بوثيقة حقوق الإنسان التي نشرتها هيئة الأمم المتّحدة إلاّ وتجد له مثيلا في دستور الإمام علي (عليه السلام)، ثمّ تجد في دستوره ما يعلو و يزيد.

أمّا إذا كان هنالك من فرق صحيح فارق فهو إنّما يتعلّق بواضعي الوثيقتين، ويتلخّص في نظرنا بنقاط:

الفرق الأول: هو أنّ الوثيقة الدولية لاعلان حقوق الإنسان وضعها أُلوف من المفكّرين، ينتمون لمعظم دول الأرض أو لها جميعاً، والدستور العلوي وضعه عبقريّ واحد هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

والفرق الثاني: هو أنّ الإمام (عليه السلام) يسبق واضعي هذه الوثيقة ببضعة عشر قرناً.

والفرق الثالث: هو أنّ واضعي هذه الوثيقة، أو جامعي شروطها ـ والقول أصح ـ قد ملأوا الدنيا ـ كما ذكرنا ـ عجيجاً فارغاً حول ما صنعوا، وأكثروا من الدعاوة لأنفسهم على صورة ينفر منها الصدق والذوق جميعاً، وحمّلوا الإنسان ألف منّة. وفيما تواضع الإمام للناس وربّ العالمين فلم يستعل ولم يستكبر، بل رجا الله والناس في أن يغفروا له ما عمل وما لم يعمل.

أما الفرق الرابع والأهم: فهوأنّ معظم هذه الدول المتّحدة التي ساهمت في وضع وثيقة حقوق الإنسان واعترفت بها، هي التي تسلب الإنسان حقوقه، فينتشر جنودها في كلّ ميدان تمزيقاً لهذه الوثيقة وهدراً لهذه الحقوق فيما مزّق الإمام (عليه السلام)صور الاستبداد والاستئثار، حيث حطّت له قدم، وحيث سمع له قول، وحيث تلامع سيفه نور الشمس، وسوّى بها الأرض، ومشى عليها الأقدام، ثمّ قضى شهيدَ الدفاعِ عن حقوق الأفراد والجماعات بعد أن استشهد في حياته ألف مرّة.

نص الوثيقة:

وإلى القارئ الآن أجل ما في وثيقة الأُمم المتّحدة، نأخذها من كتاب «صوت العدالة الإنسانية» وأخذها هو من كتاب «تاريخ إعلان حقوق الإنسان» الذي وضعه الكاتب الفرنسي «البيرباييه» ونقله إلى العربية «محمّد مندور» ونشرته جامعة الدول العربية:

١ ـ يولد الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، مزوّدين بالعقل والضمير، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الأُخوّة.

٢ ـ لكلّ إنسان أن يتمتّع بكافة الحقوق والحريّات الواردة في هذه الوثيقة، وذلك بدون أيّ تمييز، وخاصة ما كان بسبب الجنس واللون والذكورة أو الأُنوثة واللغة والدين، والرأي السياسي أو أيّ رأي خلافه، والأصل الوطني النازح منه الفرد، أو الأصل الاجتماعي وحالة الغنى والفقر والمركز العائلي، أو أي مركز خلافه.

٣ ـ تمتدّ الحقوق الواردة في هذه الوثيقة إلى جميع سكّان الأراضي الموضوعة تحت الوصاية، والأراضي غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وذلك على قدم المساواة مع سكان البلاد ذات السيادة.

٤ ـ لكلّ فرد الحقّ في الحياة، وفي الحرية، وفي أن يعيش آمناً مطمئناً.

٥ ـ لا يجوز أن يعيش إنسان في الرقّ أو الاستعباد، والرقّ والنخاسة في كافة صورهما محظوران.

٦ ـ لا يجوز أن يعذّب إنسان، أو أن توقع عليه عقوبات قاسية غير إنسانية، أو مزرية بالكرامة.

٧ ـ لكلّ إنسان الحقّ في أن يعترف له في كلّ مكان بشخصيّته القانونية.

٨ ـ الجميع متساوون أمام القانون، ولكلّ فرد ـ دون أيّ تمييز وعلى قدم المساواة ـ الحقّ في أن يحتمي به. وللجميع الحقّ في الحماية ضدّ كلّ تمييز يعتبر خروجاً على هذه الوثيقة، وضدّ كلّ تحريض على هذا التمييز.

٩ ـ لكلّ إنسان الحقّ في الالتجاء الفعلي إلى القضاء الوطني المختصّ بالنظر في كلّ إعتداء على الحقوق الأساسية المعترف له بها في الدستور والقوانين.

١٠ ـ لا يجوز القبض على أحد، أو حبسه، أو نفيه باجراء تحكّمي.

١١ ـ لا يجوز أن يتعرّض أحد لتدخّل تحكّمي في حياته الخاصّة، أو في أُسرته أو منزله أو مراسلاته، ولا أن يعتدى على شرفه وسمعته. لكلّ إنسان الحقّ في حماية القانون ضدّ مثل التدخّل وذلك الاعتداء.

١٤ ـ لكلّ فرد الحقّ في التنقّل بحريّة، وفي اختيار داخل الدولة. لكلّ إنسان الحقّ في أن يغادر أيّ بلد بما في ذلك بلده، وأن يعود إليه.

١٥ ـ لكلّ إنسان الحقّ أزاء الاضطهاد في أن يبحث عن ملجأ، وأن يستفيد من وجود هذا الملجأ في بلاد أُخرى.

١٦ ـ لكلّ فرد الحقّ في الملكية سواء بصفة فردية أو اجماعية. لا يجوز حرمان أحد من ممتلكاته باجراء تحكّمي.

١٧ ـ لكلّ إنسان الحقّ في حرية التفكير والاعتقاد والديانة.

١٨ ـ لكلّ شخص الحقّ في حرية الرأي والتعبير، بما يتضمّنه ذلك من الحقّ في أن لا يزعج بسبب آرائه.

١٩ ـ لكلّ إنسان الحقّ في أن يساهم في إدارة شؤون بلاده العامّة، وذلك سواء بصفة مباشرة أو بواسطة ممثّلين منتخبين انتخاباً حرّاً. لكلّ شخص الحقّ في تولّي الوظائف العامّة في بلده على أساس المساواة. إرادة الشعب هي مصدر السلطات العامّة.

٢٠ ـ لكلّ إنسان الحقّ في الضمان الاجتماعي، بأن يحصل على الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية اللاّزمة لكرامته، ولتنمية شخصيّته تنمية طليقة، وذلك بفضل المجهود القومي، والتعاون الدولي.

٢١ ـ لكلّ شخص الحقّ في العمل والحريّة في اختياره بشروط عادلة مجرّبة، كما أنّ له الحق في الحماية من البطالة.

للجميع الحقّ دون أيّ تمييز، في الحصول على أجر متساو عن عمل متساو. لكلّ من يعمل الحقّ في أجر عادل مجز يضمن له ولأُسرته حياة تتّفق مع الكرامة البشريّة. ويكمّل عند الضرورة هذا الأجر بأيّة وسيلة من وسائل الحماية الاجتماعية.

٢٢ ـ لكلّ فرد الحق في مستوى من الحياة يضمن له ولأُسرته الصحّة والرخاء، وبخاصّة فيما يتعلّق بالمأكل والملبس والمسكن والخدمات الصحيّة، والخدمات الاجتماعية الضرورية، كما أنّ له حقّ الضمان في حالة البطالة والعجز عن العمل، والترمّل والشيخوخة، وفي الحالات التي يعقد فيها وسائل كسب قوّته نتيجةً لظروف لا دخل لارادته فيها.

٢٣ ـ لكلّ إنسان الحقّ في التعليم، ويجب أن يكون التعليم مجانياً. والتعليم الأوّلي إجباري.

يجب أن يهدف التعليم إلى تنمية الشخصية البشرية، وتقوية احترام حقوق الإنسان وحريّاته الأساسيّة، ومن الواجب أن يناصر الفهم المتبادل، والتسامح، والصداقة بين كافة الأُمم وكافة الجماعات، كما يعمل على تعزيز مجهودات الأُمم المتحدة للمحافظة على السلام.

٢٤ ـ على الفرد واجبات نحو الهيئة الاجتماعية التي من الممكن أن تنمو فيها وحدها شخصيّته نموّاً كاملا.

٢٥ ـ لا يخضع الفرد عند مزاولة حقوقه، والتمتّع بحريّاته إلاّ للقيود التي ينصّ عليها القانون لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحريّاتهم واحترامها، ثمّ لحماية مقتضيات الأخلاق الدقيقة والنظام العام، والرفاهيّة العامة في مجتمع ديموقراطي.

لا يمكن في أيّة حالة مزاولة هذه الحقوق والحريّات على نحو يتعارض مع أهداف ومبادئ الأُمم المتّحدة.

٢٦ ـ لا يجوز أن يفسّر أيّ نصّ من نصوص هذه الوثيقة على أنّه يتضمّن بالنسبة لأيّة دولة، أو أيّة هيئة، أو أيّ فرد الحقّ في أن يزاول أيّ نشاط، أو أن يقوم بأيّ عمل يرمي إلى تحطيم الحقوق والحريّات الواردة فيها.

هذا أهمّ ما جاء في وثيقة الأُمم المتّحدة لاعلان حقوق الإنسان وحريّاته، هذه الحقوق والحريّات التي ما تزال دول الأُمم المتّحدة تحطّمها فيما تدّعي المحافظة عليها والعمل من أجلها.

وأظنّ أنّ القارئ سوف يدرك بالعاجل القريب ما بين مواد هذه الوثيقة، وبين دستور الإمام علي (عليه السلام) من علاقة وقرابة، إلاّ ما ارتبط منها بالزمان وتطوّراته. هذا بالاضافة إلى إطار من الحنان الإنساني العميق يحيط به الإمام (عليه السلام)دستوره في المجتمع، ولا تحيط الأُمم المتّحدة وثيقتها بمثله.

وهنالك وثيقة أُخرى نحو حقوق الإنسان الطبيعية، ونحو حمايته من الظلم والعبودية، ونحو تحريره من كلّ خوف، ومن كلّ سوط.

ولقد كان من الضروريّ النافع أن نبسط للقارئ هذه الوثيقة؛ لنجلو له عدم الفارق، ووحدة الموضوع بينها وبين ما وضعه الإمام علي (عليه السلام) منذ أربعة عشر قرناً.

هذه الوثيقة هي التي نظمت عقودها الحكومة الفرنسية وغلت وأسرفت في الغلوّ، فإذا الحبّة عندها قبّة، وتبجّحت وافتخرت بها على دول أوربا قاطبة.

ولو أنّها عرفت ونظرت أنّ الوثيقة التي صاغت شعاراتها ومبادئها، هي أصول موضّحة ومركّزة عند الإمام علي (عليه السلام) في «نهج البلاغة» بكثير وكثير من المتانة، لاندهشت وذهلت وانخفظ صوتها، حتّى لكأنّ الإمام عاش أيّامهم، وتطوّرات زمانهم، وأحوال مجتمعاتهم، وأدرك الكثير من تجاربهم واختباراتهم.

وإذا أنت تابعت سيرة الإمام علي (عليه السلام) بتفهّم وعمق، تجده لا يغفل عن صغيرة أو كبيرة ممّا يخصّ الحقوق الإنسانية. وإذا به ينبهك إلى ما يراه ولا تراه، لا جاهداً ولا متكلّفاً، وإذا أقواله وأعماله في هذا الباب واحدة لا تتناقض ولا تتعارض بل تنبع من معين واحد، كما تنبع المياه من الأرض، لا يتبدّل طعمها بين ليل ونهار ولا يختلف، فإذا اختلف فإنّما يختلف لفظاً وعبارةً لا جوهراً وأصلا.

وإذا أقواله وأعماله تدور جميعاً على محور واحد ذي قطبين:

أمّا القطب الأول (أو المصدر): فالشخصية الواحدة المتأجّجة بنار واحدة، الآخدة المعطية على صعيد واحد.

وأمّا القطب الثاني (أو الغاية): فخدمة الإنسان واحترام الحياة. وإذا توحّد المصدر، وتوحّدت الغاية جاءت الأفكار والنظريّات والأعمال واحدة وإن اختلفت ظروفها، وتباينت موضوعاتها. وهذا الذي ينبثق عنه في مختلف الأحوال والظروف، هو الذي يجعل لأقواله، وتعاليمه، وعهوده، قيمة الدستور المنظم، المبني على أُصول، والموجّه الى غايات.

أما الآن، فإلى الكلام عن وثيقة «حقوق الإنسان» المنبثقة عن جهود الإنسانية بكاملها، والتي وضعت الثورة صيغتها، ثمّ إلى الكلام عمّا كشف الإمام علي (عليه السلام) من أُصولها وأركانها.

أوّل ما نلفت إليه الأنظار هنا، هو أنّ فارق الزمان أمر حريّ بالاعتبار، وعلى هذا يجب أن ينظر في الأصول العميقة التي تجوز حدود الزمان والمكان، وتصطبغ بالصبغة الإنسانية العامة. أمّا ما يتعلّق بالزمان والمكان فليس بذي شأن كثير في موضوع هذه المقابلة إذا التقى الوجهان المقابلان على صعيد الإنسانية العام.

ونعطيك على هذا مثالا عاجلا: فالذي يقول لك اليوم: «لا تذهب إلى تلك المدينة إلاّ راكباً سيارة» كالذي قال لك من ألف سنة: «لا تذهب إلى تلك القرية إلاّ راكباً جملا»؛ فالعام المتعلّق بجوهر هذا الطلب هو «الركوب لا المشي»، والخاصّ المتعلّق بالزمان والمكان وهو: «السيارة والجمل»، فإذا تمّ المعنى العام أو الجوهر في الطلبين جازت المقابلة.

وعلى كلّ حال، فالعبرة هنا بروح النصّ وبما يتحمّل من تفصيل يتعلّق بجوهره، ثمّ بما يتضمّنه من معان شاملة، وسوف ترى أن النصّ الذي لم يفرغه علي (عليه السلام) في القالب العصري ـ كما نفهمه اليوم ـ مفرغ في سلسلة من التجارب العملية الحيّة التي تعطيها معنى العلم كما تعطيها في أكثر الأحيان قالبه وشكله.

المقارنة بالتفصيل:

أمّا وثيقة حقوق الإنسان الفرنسيّة فإليك مبادئها واحداً واحداً، متبوعاً كلّ منها بما أعطاه الإمام علي (عليه السلام) من أُصول توافقها في المعنى، ومن نصوص ترادفها أو تماشيها في الغاية.

المبدأ الأول: الحرية والمساواة:

يقول المبدأ الأول:

«الناس يولدون ويظلّون أحراراً ومتساوين في الحقوق».

فيما يخص الشق الأول من هذا المبدأ «الناس يولدون ويظلون أحراراً» يقول الامام علي (عليه السلام): «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً»[٣].

هذه الآية العلوية توافق الشق الأول من الوثيقة الفرنسية روحاً وغاية ونصاً، ولا حاجة بنا الآن لايضاح ما هو واضح فيها. وقد تحدّثنا طويلا في كتابنا ـ علي ونهج البلاغة ـ عن عمل علي في إيقاظ روح الحرية في الناس، وعن اعترافه الصريح بأن قوة الوجود جعلت الناس أحراراً، لهم أن ينظروا في شؤونهم فيستغنوا بما علموا، لا إكراه في ذلك ولا قسر. ولهم أن ينكروا متى شاؤوا، وأن يؤازروا، وأن يكونوا من أمورهم جميعاً على ما يبدو لهم، فلا سلطان لانسان على إنسان بحكم المولد، ولا منّة يطوق بها رجل عنق رجل بما أذن له به من حرية التصرّف، فكلا الرجلين موجود حراً يرى ويفكر ويعلم ويريد.

نعم: ربما خشي علي (عليه السلام) ألا يستشعر الناس بقوة وجلاء أنهم أحرار أصلا، وأنهم يظلون أحراراً بما يترتب على هذه الأصالة. فاذا به يمكِّن فكرة الحرية في نفوسهم ويسعى في تدعيمها بكلّ وسيلة، فيخاطبهم جميعاً وفيهم الصديق والعدو، والمحب والكاره، والمعاون والمنابذ، فيقول: «لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين». ويقول أيضاً: «وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون».

ومعنى هاتين العبارتين مترتب على معنى العبارة الأولى: «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً». فالذي جُعل حرّاً لا يمكن أن يكون في شيء من حالاته مكرهاً لأن الاكراه ينقض الحرية. ويمعن في ذلك فيقول لأحد خصومه: «وقد أذنت لك أن تكون من أمرك على ما بدا لك»[٤]. ومعنى ذلك:

أنّ السلطة التي كانت بيد علي (عليه السلام) ليست بالسلطة التي تجيز لنفسها نقض الأصل الذي هو «حرية الرأي وحرية الاختيار». وحرية الرأي والاختيار لا تكون لازمة للإنسان إلاّ إذا كان «مولوداً حرّاً» على نحو ما في الوثيقة الفرنسية، ولا يترتّب نقضها إلاّ إذا نقض هذا الأصل.

وفي هذا الضوء الساطع من الاعتراف الصريح بأنّ الناس يولدون أحراراً، يتوجّه علي إلى الآباء قائلا لهم: «لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم فإنّهم مولودون لزمان غير زمانكم»[٥].

وفي هذا المبدأ من تعريف «الولادة الحرّة» شيء كثير؛ فإنّ الأبناء إن تخلّصوا من القسر والإكراه والاستعباد من جانب السلطة والقوانين، فإنّهم لا يتخلّصون عادةً من أخلاق آبائهم، وعاداتهم، وميولهم، وسائر ما يفرض عليهم فرضاً بحكم نزوع الآباء إلى أن ينشأ أولادهم على ما نشأوا عليه.

فإذا بعليّ (عليه السلام) يلتفت إلى هذا الواقع، إلتفاتاً هو من صميم الاعتراف بحريّة المولد، ومن صميم الاشارة إلى أنّ الحريّة لا تتقيّد حتّى بشروط يضعها الآباء قسراً أو فرضاً؛ لأنّ الحريّة في أقصى معانيها وأهدافها دافع إلى التطوّر وباعث على التقدّم.

ومذهب علي (عليه السلام) في الحريّة يوجب عليه أن ينتبه إلى الجانب الوجداني منها تنبّهاً شديداً، فيلحظ أنّ الإكراه إساءة إلى حياة الإنسان الداخلية تلحق الأذى في المكرِه والمكرَه، فيقول: «إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةً وَإِقْبَالا وَإِدْبَاراً، فَأْتُوهَا مِنْ قِبَلِ شَهْوَتِهَا وَإِقْبَالِهَا، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا أُكْرِهَ عُمِيَ»[٦].

وفي هذا الموقف السليم يقطف عليّ من وجدان الناس اعترافاً أصيلا بأنّهم أحرار في المولد والمنشأ لا قسر عليهم ولا إكراه.

وهكذا، فإنّ الناس «يولدون ويظلّون أحراراً» في وثيقة حقوق الإنسان الفرنسيّة، وهي كذلك في دستور الإمام علي (عليه السلام) مع مراعاة ما يختلف بعض الاختلاف الشكلي في صيغة هذه المادة من الوثيقة الفرنسيّة وصيغة العبارات العلويّة.

هذا من ناحية الشقّ الأوّل من المادة الأُولى، أمّا الشقّ الثاني منها فيقول: «ومتساوين في الحقوق».

ولعليّ (عليه السلام) نصوص كثيرة تجدها في عهوده إلى الولاة، منها ما يقرّر مباشرةً هذه «المساواة في الحقوق» بين جميع الناس، ومنها ما يشير إليها، ومنها ما يدور في روحها، ويؤول إلى معناها.

وإليك ما يقوله بصدد «المساواة في الحقوق» نصّاً صريحاً كأنّه منتزع من المبدأ الأوّل من وثيقة حقوق الإنسان، أو كأنّ هذا المبدأ منتزع منه.

«اَلْحَقُّ لاَ يَجْرِي لاَِحَد إِلاَّ جَرَى عَلَيْهِ، وَلاَ يَجْرِي عَلَيْهِ إِلاَّ جَرَى لَهُ»[٧].

وليس في هذا المبدأ العلوي ما يحتاج إلى توضيح، فهو الشقّ الثاني من أوّل مبادئ وثيقة حقوق الإنسان معنىً ولفظاً.

ثمّ إنّنا نجد في عهده إلى الأشتر النخعي هذه القاعدة:

«إياك والاستئثار بما الناس فيه أُسوة». أي احدز أن تخصّ نفسك أو غيرك من البشر بكثير أو قليل من الأُمور التي تجب فيها المساواة بين الناس وهي: الحقوق العامّة.

ثمّ يقول له ولسواه: «وليكن أمر الناس عندك في الحقّ سواء». ومعنى هذه العبارة، كما هوواضح، أنّ الناس متساوون في الحقوق لا فرق فيهم بين كبير وصغير، أو بين قريب وبعيد، أو بين عربي وأجنبي؛ لأنّ هؤلاء جميعاً هم الذين يعبّر عنهم بلفظة «الناس».

ثمّ يشدّد عليّ على هذا المعنى خشية أن يلتبس على الولاة ما أراد، فينبّه كلاًّ منهم إلى أصل الأصول، وهو أنّ البشر جميعاً متساوون في الحقوق؛ لأنّهم متساوون في المولد، ثمّ في صفة الإنسان قبل أن يكونوا أقارب وأباعد، عرباً وعجماً، قائلا: «كلّ إنسان نظير لك في الخلق»[٨].

ولذلك كان «للأقصى ـ في دستور علي ـ مثل الذي للأدنى». ولذلك يقول في غير المسلمين: «أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا» ما جاز عليهم جاز على غيرهم، وما حرّم عليهم حرّم على غيرهم كذلك.

وعلى هذا فإنّ الناس «يولدون ويظلّون أحراراً ومتساوين في الحقوق» في وثيقة حقوق الإنسان التي انجلت عنها الثورة الفرنسيّة الكبرى. وهم كذلك في دستور الإمام علي (عليه السلام).

يتبع .......

-----------------------------------------
[١] . في نهج البلاغة: فصدفني.
[٢] . نهج البلاغة : الكتاب ٤٥، إلى عثمان بن حنيف.
[٣] . نهج البلاغة، الكتاب رقم٣١.
[٤] . نهج البلاغة، الخطبة رقم٢٠٨.
[٥] . شرح نهج البلاغة ٢٠ : ٢٦٧ باب١٠٢.
[٦] . نهج البلاغة : قصار الحكم ١٩٣.
[٧] . نهج البلاغة : خطبة ٢١٦.
[٨] . نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
****************************