وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                
وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                
وقال (عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: طَالِبٌ، وَمَطْلُوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا،مَنْ طَلَبَ الاْخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا.                
وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَر.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.                

Search form

إرسال الی صدیق
الإمام علي علیه السلام بأقلام المعاصرین

 ماجد محمد علي

مقدّمة

‌‌‌لم تختلف أمّة في دنیا الناس علی عظیم من عظمائها كما اختلفت الأمّة الإسـلامیة‌ حـول‌ شـخصیة‌ الإمام علي علیه‌ السلام ولعلّ سرّ هذا الاختلاف هو حكمة وجود الاختلاف نفسه بین بني البـشر‌ ، وذلك لتجلیة فلسفة التدافع والابتلاء ، وإتمام رحلة التكامل والارتقاء التي یقضي‌ الإنسان عمره كـلّه كادحا‌ لقطعها‌ نحو خـالقه سـبحانه یا أیّها الإنسان إنّك كادحٌ إلی ربّك كدحا فملاقیه .

وكلّما اشتدّ الاختلاف ، تعمّق الوعي وألقیت الحجّة وتكشّفت الحقیقة ، رغم ما في ذلك من ألم ومرارة‌ ومعاناة لابدّ من دفع ضریبتها لمن یرید الوصول إلی الحـقیقة ، فيتكامل من یتكامل ویتسافل من یتسافل ، وفي رحلة كدح ومكابدة سیكون شعارها یوم الحساب اقرأ كتابك كفى بنفسك الیوم‌ علیك‌ حسیبا .

لم نكن في هذا العرض الموجز راغبین في تقدیم قراءة واحـدة لشـخصیة الإمام علي علیه‌ السلام بأقلام الكتّاب الشیعة القدماء والمعاصرین ، وإنّما صار الخیار أن نقدّم هذه القراءة‌ بأقلام‌ أخری حُسِب بعضها علی التشیّع وبعضها لم یُحسب . . . فكان منها مثلاً (سلطة الحقّ) للمفكر الشیوعی المعروف عـزیز السـیّد جاسم ، وأخری للكاتب المصری الأستاذ صالح الورداني‌ ، ومثلها للكاتب المغربي إدریس الحسیني وعلی شاكلتها قراءة الشیخ معتصم سید أحمد من السودان ، وقراءة للكاتب المصري عبد الكریم الخطیب في كـتابه «عـلي بن أبي طالب ـ بقیّة النبوّة‌ وخاتم‌ الخلافة»‌ لنعیش ساعة أو ساعتین مع‌ ما‌ كتبه‌ هؤلاء من مشارب مختلفة وأقطار مختلفة في العالم الإسلامي ، وحول شخصیة عظیمة ألّهها أُناس وعبدوها ، فيما شـتمها آخـرون بـعد‌ رحیلها‌ ، ثمانین عاما كاملة ، لُتـمنح الدهـر كـلّه بعد‌ ذلك‌ خلودا وعزّا ومجدا .

فإلی بعض القطرات التي ابتلّت بها أصابع هؤلاء الكتّاب من بحر هذه الشخصیة الفریدة ، وإلی‌ بـعض‌ السـطور مـمّا اقتطفناه نحن من إنصافهم وموضوعیّتهم وشرف كلماتهم وبـحثهم‌ عـن الحقیقة والحقّ .

السیف والسیاسة : صالح الورداني :

هذا هو عنوان كتاب معروف للكاتب والصحفي المصري‌ الاستاذ‌ صالح‌ الورداني ، وقد وسـمه بـعنوان آخـر مرادف هو «صراع بین الإسلام‌ النبوي‌ والإسلام الأموي» مؤكدا أنّ السیاسة بدأت تلعب لعبتها بعد وفاة الرسول مباشرة حیث انشطر الإسلام شطرین‌ وتوزّع‌ علی‌ خطّین (خط الإسلام القـبلي) و (خـط الإسـلام النبوي) ـ حسب تعبیره ـ وراح‌ الأخیر‌ مشتبكا في ساحة المواجهة یُصارع السـیف تـارةً ، والسیاسة تارةً أُخری ویصارعهما معا تارةً‌ ثالثة‌ .

یؤكد الكاتب في معرض كتابه أنّ رائد الإسلام النبوي فـي هـذه المـعركة هو الإمام‌ علي‌ علیه‌ السلام ویصفه بالقول :

«هذه الشخصیة الربّانیة تربّت علی یـد الرسـول صـلی ‌الله‌علیه‌ و‌سلم وارتوت‌ من‌ معینه‌ ، وهذا أمر له دلالته وانعكاساته علی شخصیة الإمام ، فتربیة الرسول له ثمّ‌ مـصاهرته‌ أنّما یـعني الاصطفاء ، فكما أنّ الرسول تمّ اصطفاؤه فإنّ علیّا أیضا تمّ‌ اصطفاؤه» [١] .

ویروح الاستاذ الورداني یـستدلّ عـلی الاصطفاء هذا من أقوال النبي صلی ‌الله‌علیه‌ و‌سلم نفسه التي منها :

«أنت‌ منّي بمنزلة هـارون مـن موسی» [٢] .

و«عـلي منّي وأنا منه» [٣] .

و«من‌ كنتُ‌ مولاه‌ فعلي مولاه» [٤] .

و«لا یحبّه إلاّ مؤمن ولا یبغضه إلاّ منافق» [٥] . .

ویضیف الكاتب‌ قائلاً‌ :«ویكفي فـي حـقّ علي شموله بقوله تعالی :

إنّما یرید اللّه لیُذهب‌ عنكم‌ الرجس أهل البیت ویطهِّركم تـطهيرا مـعلّقا : وهـذا النصّ دلیل ساطع وبرهان قاطع علی ربانیّته» [٦] .

كما‌ یؤیّد بأنّ علي بن أبي طالب هو الأفـقه مـن بین جمیع صحابة‌ النبي‌ ، فيقول :

«وقد تفوّق الإمام علي‌ بفقهه‌ علی‌ جـمیع الصـحابة ولم یـضاهِه في ذلك أحد‌ حتّی‌ إنّ عمر بن الخطّاب الذي یشهدون له بالفقه والعلم شهد لصالح علي وأقرّ‌ بـتفوّقه‌ علیه» [٧] ، ویـضیف :

«وهـناك‌ شهادات‌ للإمام علي‌ علی‌ لسان‌ كثیر من الصحابة وعلی رأسهم عمر‌ نـفسه‌ الذي كـان یستعین بعلي في كلّ معضلةٍ وكان یتعوّذ باللّه من معضلةٍ‌ لیس‌ فيها (أولها) أبو الحسن» [٨] .

وفي دلیـل آخـر ، أو‌ أدلّةٍ أخری علی اصطفاء علي علیه‌ السلام‌ واختیاره من قبل النبي في إعدادٍ خـاصّ وتـربیةٍ خاصّة ، یشیر الورداني في‌ كتابه‌ هذا إلی هـذه الحـقیقة قـائلاً‌ :

«یروي‌ ابن عبّاس : دفع‌ رسول اللّه صلی ‌الله‌علیه‌ و‌سلم الرایـة‌ إلى‌ علي وهو ابن عشرین سنة» [٩] .

«وقال الرسول صلی‌الله‌علیه‌و‌سلم یوم خیبر : لأعطینّ الرایة‌ غدا‌ رجـلاً یـفتح اللّه علی یدیه یحبّ‌ اللّه‌ ورسـوله ، ویـحبّه‌ اللّه‌ ورسـوله؛ فـلما كـان الغد‌ دعا علیّا فدفعها إلیه» [١٠] .

«وكان الصـحابة ـ والكـلام كلّه هنا للاستاذ صالح الورداني ـ یردّدون‌ : لاسیف إلاّ ذو الفقار ولا‌ فتی‌ إلاّ‌ علي‌ . وقد قـتل أشـهر‌ فرسان‌ العرب یوم الخندق وأصاب المـشركین بنكسة معنویة كبیرة» [١١] .

ویستدلّ الكـاتب عـلی الدور الذي أُنیط بعلیّ‌ وعلی‌ المهمّة‌ التي أخـتُزن لها في مسلسل الرسالة السماویة‌ بقوله‌ :

«وشهادة‌ الرسول‌ صلی ‌الله‌علیه ‌و‌سلم‌ لعلي في حجّة الوداع أمام أكـبر حـشد من الصحابة والمسلمین في تـاریخ الدعـوة أنّما تؤكد هذه الخـاصّیة وهـذا الدور الذي وكل إلیه ، وهي تـؤكد مـن جانب‌ آخر شرعیة هذا الدور وارتباط خطوات الإمام ومواقفه المستقبلیة بحدود الشرع وبالإسلام النبوي» [١٢] مضیفا :

«یـروي أنّ علیّا نشد الناس قائلاً : من سـمع رسـول اللّه صلی ‌الله‌علیه ‌و‌سلم یـقول یـوم غـدیر‌ خمّ‌ إلاّ قام . فقام اثـنا عشر بدریا فشهدوا أنّهم سمعوا رسول اللّه صلی‌ الله‌علیه‌ و‌سلم یقول لعلي یوم غدیر خم : ألیس اللّه أولی بالمؤمنین؟ قـالوا : بـلی ، قال : اللهمّ‌ من كنتُ مولاه فـعلي مـولاه . اللّهـم والِ مـن والاه وعـادِ من عاداه» [١٣] .

ویبدو مـن دراسـة السیّد الورداني لهذا الاصطفاء وتحلیله له‌ أنّه‌ أراد التمییز بین الإسلامین المذكورین‌ لئلاّ‌ یُذرّ الرماد في عیون المـسلمین ولكـي لا تـلتبس علیهم خطوط الإسلام النبوي عن الآخر الأمـوي ، فـيقول مـندّدا بـمن یـحاول تـسطیح الفكرة أو عدم‌ التمییز‌ بینهما :

«إنّ محاولة‌ رفع‌ بني أمیّة ، أو التقلیل من شأن الإمام علي ، أو مساواته بمعاویة كما هي عقیدة (البعض) لیس فقط تؤدّي إلی التمویه علی حقیقة الصـراع الذي دار بین الإمام وخصومه‌ كما‌ هو الهدف الظاهر منها ، وإنّما سوف تؤدّي إلی التمویه علی حقیقة الإسلام النبوي الذي یمثِّله الإمام نیابةً عن الرسول صلی ‌الله‌علیه ‌و‌سلم وبالتالي سوف تكون النتیجة ارتفاع الإسلام القبلي ، إسـلام‌ بـني أمیة وعلوّ‌ مكانته علی حساب الإسلام النبوي» [١٤] .

وهذا ما هو حاصل فعلاً ـ كما یری الكاتب ـ وما‌ تبرّم منه ویتبرّم متألّما متوجّعا حیث یقول :

«وتلك هي النتیجة‌ التي‌ استقرّت‌ علیها الأمـّة بـعد وقعة صفين وبعد اختفاء الإسلام النبوي وسیادة الإسلام القبلي علی ید بني أمیة ، ‌‌ذلك‌ الإسلام الذي تُعبّر عنه عقیدة أهل السنّة ، والذي تحوّل إلی دین الأغـلبیة‌ بـدعم‌ الحكومات‌ المتعاقبة من عصر بـني أمـیة وحتّی الیوم» [١٥] وهو الإسلام المزیّف الذي روّج لمفاهيم عجیبة غریبة‌ وصفها أنّها «لا تخرج عن كونها أطروحات فرضتها السیاسة وباركها الفقهاء» [١٦] مشیرا‌ إلی بعض هذه المفاهيم‌ بقوله‌ : «لماذا یحاول الفـقهاء إجـبار الأمّة علی الاعتقاد بـضرورة الصـلاة وراء كلّ برٍّ وفاجر؟ ولماذا تحیّز فقهاء السلف لرأي یناقض القرآن والعقل؟» [١٧] .

وعلی طریقته في التندید والتحلیل والإثارة وإلفات نظر‌ جمهور المسلمین إلی المسألة الجوهریة في سرّ تمزّق وحدة المسلمین ، وسرّ عدم موفقیتهم فـي الوصـول إلی الهدف المنشود ، یقول الورداني ویتساءل :

«كنتُ علی الدوام أطرح علی نفسی السؤال‌ التالی‌ : هل ما بین أیدینا تراث أم دین؟» [١٨] ویضیف :

«لیس هناك ما یُسمّی بشیعة أو سنّة أو شافعیة أو مالكیة أو أحناف أو حنابلة . . فكلّ هـذه تـسمیات‌ تأریخیة‌ مـن اختراع السیاسة . . والحقّ أنّ هناك إسلام حقّ وإسلام باطل وإسلام ربّاني وإسلام حكومي . . ولكن الذي ساد علی مـرّ التاریخ هو الإسلام الحكومي ، والذي‌ اختفى‌ هو الإسلام الرباني . .» [١٩] .

وللخروج مـن هـذا المـأزق ولتأكید حقّانیة الإمام علي علیه‌ السلام في اصطفائه وریادته أو ضرورة ریادته (أي ریادة منهجه) للإسلام النبوي یوصي الورداني بـأنّ‌ ‌ ‌البـاحث‌ عن‌ الحقّ یجب أن یتّبع النصّ‌ ولیس‌ أقوال‌ الرجال؛ لأنّ الثاني یجعل بین البـاحث والنـص وسـائط ، وهؤلاء یجعلون (الباحث رهين الرجال لا رهين النص) حسب تعبیره ـ وحتّی‌ في‌ مسألة‌ هؤلاء الوسائط  یـشیر الكاتب إلی أنّ النصّ الشیعي، أو التراث الشیعي یعتمد علی آل البیت ، فيما یعتمد الآخر عـلی الصحابة ، وفيما یرفض التـراث الشـیعي التعایش‌ مع‌ الحكام‌ یؤكد تراث الآخر علی التعایش معهم ، وقاعدة الشیعة ترتكز‌ علی متن الروایة فيما یعتمد الآخر علی سندها وهكذا [٢٠] .

ومن هنا جاء نص روایة مالك أو تمّ‌ الاحتفاظ‌ بها‌ ، والقائلة «أنّی تركتُ فيكم الثقلین كتاب اللّه وسنّتی» وحُجبت ، أو‌ اختفي نص روایة مسلم التي تقول «كتاب اللّه وعترتی» [٢١] .

أمّا فكرة (عدالة الصحابة) التي فنّدها‌ الاستاذ‌ أحمد‌ حسین یعقوب في كتابه الشهير (نظریة عدالة الصحابة) وضعّف عدالة الكـثیر مـنهم‌ بالأرقام‌ والوثائق‌ التاریخیة المعتبرة ، والتي غمطت حقّ علي علیه‌ السلام باعتباره واحدا من (الصحابة) فقط دون‌ أی‌ امتیاز‌ ، فإنّ الورداني فنّد هو الآخر هذه الفكرة مفندا معها فكرة الإجماع التي أفـرزتها‌ السـیاسة‌ قائلاً :

«إنّ الهدف من فكرة الإجماع هو نفس الهدف من فكرة العدالة‌ ، كلاهما‌ یدفع الأمّة إلی الاستسلام للخط السائد وإضفاء المشروعیة علیه . وكما أنّ فكرة العدالة‌ من‌ اختراع السیاسة ، فـإنّ فـكرة الإجماع أیضا من اختراع السیاسة» [٢٢] .

إنّ مواجهة‌ الهدف‌ هو‌ الذي قاد المؤسسة الدینیة الشیعیة لأن تقف في حالة صِدام مع الواقع الظالم أو الحكام‌ الظلمة‌ رافضةً مبدأ الطاعة المذكور ، فيما جاءت المؤسسة الدیـنیة للآخـر عـكس هذا‌ الاتجاه‌ ، فهي كما یـقول الوردانـي : «مـؤسسة مرتبطة بالحكام وواقعة في دائرة نفوذهم ویتقاضی الفقهاء منهم‌ أجورهم‌ من‌الحكام،‌ ومن ‌ثمّ ‌فإنّ ولاءهم یتّجه علی الدوام نحو الحاكم ولیس نحو الجماهير ، وفتاواهم‌ تـصدُر‌ لحـساب الحـاكم لا لحساب الجماهير..» [٢٣]  .

ومن هنا تأتي ضرورة الاصطفاف مع الجـماهير قـبال الحكام ، والعمل‌ علی إقناع الحكام بتحقیق مطالب الأمّة ، ولیس إلزام الأمّة بتحقیق مصالح‌ الحكام‌ ، وانطلاقا من وصیة الإمام علي علیه‌ السلام‌ لوالیـه‌ عـلی‌ مصر مالك الأشتر والتي جاء فيها :

«ولیكن‌ أحبّ الأمور إلیـك أوسطها في الحقّ وأعمّها في العدل ، وأجمعها لرضا الرعیة‌ ، فإنّ سخط العامّة یجحف برضا‌ الخاصّة‌ ، وإن‌ سخط‌ الخـاصّة‌ یـفتقر مـع رضا العامّة» [٢٤] .

إدریس‌ الحسیني‌ ـ نموذج آخر في كتابه (الخلافة المغتصبة)

فقد عبّر عـن تـقدیره وإجلاله‌ لشخصیة‌ الإمام علي علیه‌ السلام ـ موضوع بحثنا‌ ـ ودور هذا الإمام‌ العظیم‌ في ترسیخ كیان الإسلام ولو‌ علی‌ حـساب حـقّه الشـخصي وسكوته عن أولئك الذين اغتصبوا الخلافة ـ حسب تعبیره‌ ـ فيقول :

«أدرك الإمام علي علیه‌ السلام‌ بـعد‌ كـلّ مـا وقع‌ أنّه‌ قد وقع في مأزق‌ وداخل‌ شراك خطیر ، فالعرب تظاهرت علیه واستضعفته وتـیّار الاغـتصاب لم یـركب الخلافة فحسب ، وإنّما‌ طوّق بیت الإمام علیه‌ السلام وحاصره بعد‌ أن‌ مدّ جسور‌ التعاون‌ مـع‌ المـنافقین . . .»‌ .

وهذا یعنی أنّ على الإمام أحد طریقین لفك هذا الحصار وتدمیر هذا التـعاون غـیر‌ المـقدّس‌ : فهو إمّا أن یثور ویجهز‌ علی‌ هذا‌ التيار‌ المتحالف‌ ضدّه مع ما‌ في‌ ذلك من مـجازفة قـد تأتي علی الإسلام كلّه ورجاله المخلصین ، وإمّا أن یصبر حتّی یعید‌ الأمور‌ إلی‌ نـصابها .

یـقول إدریـس الحسیني في هذا‌ السیاق‌ :

« . . أمّا الخیار الأوّل فهو یسیر علی علي علیه‌ السلام وهو مَنْ أرعبَ بـسیفه العـرب واهتزّ لشجاعته الأبطال ، وتیّار الاغتصاب كان مدركا لكلّ ذلك ، غیر أنّهم أدركوا‌ أنّ أبـا الحـسن لا یُقاتل في أمر لا مصلحة للشرع فيه ، أدركوا ذلك علی مدی سنوات من الجهاد الذي كان یتزعمه . ولذلك تـجاسروا عـلیه وأبـدوا بطولاتهم المزیّفة . . .» أمّا الخیار الثاني ، والقول للكاتب طبعا ، «والإمام علي وهو یـنتظر ، لم یـقف مكتوف الیدین ، لم یكن انتظاره سلبیا كما یبدو للكثیر . . كان‌ نشیطا‌ یعمل حسب ما تسمح به الظـروف مـتحرّكا خلف الحصار المفروض علیه [٢٥] . . (كان مقدّرا سلام اللّه علیه) أنّ الذين التفّوا حوله لم یـكونوا‌ علی نفس الدرجة من الإخلاص‌ (وربّما‌ الوعـي) . .

ویـذكر الیـعقوبي أنّه اجتمع جماعة إلی علي بن أبي طـالب یـدعونه إلی البیعة فقال لهم :

«اغدوا علیّ محلّقین الرؤوس فلم‌ یغدُ‌ إلاّ ثلاثة نفر» [٢٦] .

وهنا‌ یقول الإمام عـلي علیه‌ السلام : «لو وجدتُ أربعین ذوی عزم لناهضتهم» ثـمّ قـال قولته المـشهورة : «فـرأیتُ الصـبر علی هاتا أحجی ، فصبرتُ وفي العـین قـذی وفي الحلق شجی» [٢٧] .

وحین‌ اشتدّ الحصار ، وكثر الابتعاد عن الدین وتحوّل الخلاف إلی صـراع حـقیقي بین ما كان یفعله عثمان ومـا یریده الإمام ، راح الإمام یـعلن اعـتراضه علی عثمان بشكل واضح‌ وصـریح‌ . یـقول‌ السیّد إدریس الحسیني في هذا الإطار :

«لقد كان ثمّة صراع حقیقي بین عـلي وعـثمان ، وبلغ‌ بالإمام أنّه بدأ یـُبدي اعـتراضه الصـریح علی عثمان ولا یـأبه بـأي تهدید‌ منه‌ ، كیف یـسكت عـلي وهو لم یسكت قبلها ، إذْ سكت إلاّ مراعاةً لحرمة الإسلام وحواریي الرسول ‌‌صلی ‌الله‌علیه‌ و‌آله‌ .

أما وقد بدأ عـثمان یـختلف في الدین ویستهزئ بشریعته ، وینزّل مـن‌ مـقام‌ حواري‌ الرسـول ویـرفع مـن شأن الطلقاء»  [٢٨] ، «فلم یكن السـكوت أحجا ولیكن ما یكون» [٢٩] .

ولعلّ‌ أكثر مواقف الصراع بین الرجلین هو ما یذكره التاریخ عن نـفي عـثمان لأبي‌ ذر ووقوف الإمام مع‌ الثاني‌ فـي تـشییعه له وتـودیعه ، ومـا یـنقله الكاتب إدریس الحسیني عـن كتب التاریخ المعتبرة ، إذ یقول :

«إنّه عندما أزمع عثمان علی تسییر أبي ذر الغفاري رضي‌ الله ‌عنه إلی الربذة ومنع‌ النـاس أن یـسیروا مـعه ، فلمّا طلع عن المدینة ومروان یسیر عـنها طـلع عـلیه عـلي بـن أبي طالب ومعه ابناه وعقیل أخوه وعبداللّه بن جعفر وعمّار بن یاسر ، فاعترض مروان‌ فقال‌ : یا علي انّ أمیر المؤمنین (عثمان) قد نهى الناس عن‌أن ‌یصحبوا أباذر في مسیره ویـشیّعوه. فإذا كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتُك، فحمل علیه علي بن أبي طالب بالسوط وضرب بین‌ أُذني‌ راحلته ، وقال : تنحّ نحّاك اللّه إلی النار . ومضی مع أبي ذر فشیّعه ثمّ ودّعه وانصرف . فلمّا أراد الانـصراف بـكی أبو ذر ، وقال : رحمكم‌ اللّه‌ أهل البیت إذا رأیتك یا أبا الحسن وولدك ذكرتُ بكم رسول‌ اللّه صلی ‌الله‌ علیه‌ و‌آله .

فشكا مروان إلی عثمان ما فعل علي بن أبي طالب ، فقال عثمان : یا معشر‌ المسلمین‌ مـن‌ یـعذرني من علي؟ ردّ رسولي عمّا‌ وجّهته‌ له ، وفعل كذا ، واللّه لنعطینه حقّه . فلمّا رجع علیّ استقبله الناس ، فقالوا له : إنّ أمیر المؤمنین‌ علیك‌ غضبان‌ لتشییعك أبا ذر ، فـقال : غـضب الخیل‌ علی‌ اللجم» [٣٠] .

وفي محاولة جـادّة مـن قبل الاستاذ إدریس الحسیني لإعادة كتابة التاریخ ، والانعتاق من الموروث المؤدلج والمصبوغ‌ بأصباغ‌ الحكومات ومعجون السیاسة ، أي محاولة إعادة الحقّ إلی نصابه‌ بعد تغییب متعمّد أو غـیر مـتعمّد دام قرونا عدیدة ، وخاصّة فـيما یـتعلّق بمنهج الإمام علي علیه‌ السلام مقارنة‌ بمناهج‌ غیره‌ ، یقول الكاتب :

«لقد كان وما یزال أغلب المؤرِّخین والناقدین‌ للتراث‌ ، یسبحون في بحر التكرار ، ویبنون إبداعاتهم النقدیة علی عناصر وهمیة ، ومعطیات جاءت بـها‌ رغـبة‌ الخلفاء‌ وطمع المؤرّخین . وإذا ما انتبهنا إلی الماضي ومجریات أحداثه سوف یتبیّن‌ لنا‌ الأمر‌ علی درجة كاملة من الوضوح ، فالسیاق التاریخي الذي ظهر فيه التدوین والتأریخ هو‌ نهایة‌ العصر‌ الأموي والعصر العبّاسي ، وهـو سـیاق شهد نـموّا خطیرا ومنظّما لتیّارات مختلفة الاتجاه ، وشهد‌ ـ أیضا ـ صراعا سیاسیا حادّا تفتّق عن صراعات ایدیولوجیة .

ولمّا كانت‌ السـلطة‌ طرفا‌ في هذا الصراع ، كان من الطبیعي أن تستثمر إمكانیاتها وموقعها كـسلطة صـاحبة القـرار‌ في‌ سبیل تدمیر الأطراف الاُخری ، وتشكیل ایدیولوجیة الدولة . وكان الدین دائما هو‌ الضحیة‌ الأساس‌ . لأنّ تشكیل الایدیولوجیة هـذه ‌ ‌لا یـستقیم إلاّ بإجراء سلسلة من التحریفات لیكتمل التناغم والانسجام‌ بین‌ الاثنین . .» [٣١] .

خلاصة الذي أراد ویرید الكاتب إدریـس الحسیني قـوله‌ في‌ كتبه‌ الثلاثة؛ (الانتقال الصعب) ، (الخلافة المغتصبة) وآخرها (لقد شیّعني الحسین) أنّ الإمام علیّا علیه‌ السلام استشهد‌ مهضوم‌ الحقّ‌ مظلوما ، لم یعرف التاریخ حقّه والمؤرّخون بعد ، ولئن كانت حُلّت‌ أزمة‌ التـاریخ بعد توفّر الدراسات العـلمیة الدقـیقة فإنّ أزمة المؤرِّخین لم تحلّ بعد ، وهذا ما یقتضي‌ استنهاض‌ هؤلاء لإنصاف دینهم ورسالتهم ودعوتهم لدراسة التاریخ بعیدا عن الایدیولوجیة الجاهزة ، ومحاولة‌ التعرّف علی الرجال من خلال الحقّ ولیس‌ العكس‌ .

علي بـن أبي طالب ـ سلطة الحقّ‌ : عزیز السیّد جاسم

جاء هذا العنوان أو هذا الكتاب بقلم عزیز السیّد جاسم‌ عضو‌ اللجنة المركزیة للحزب الشیوعی‌ العراقی‌ في الستینیات‌ ومسؤول‌ صحیفة‌ (الثورة) العراقیة في الخمسینیات ، فراح‌ یـلقي‌ أضـواء جدیدة علی إمام المتّقین ومدینة العلم وبابها ـ حسب تعبیره ـ ویوضّح‌ لماذا وكیف اصطفاه الرسول صلی ‌الله‌علیه ‌و‌آله لیصبح‌ وریث علمه والمحافظ علی‌ سلالته؟

ویستعرض الكاتب في كتابه هذا‌ حیاة‌ الإمام علي علیه‌ السلام واقـفا عـلی أهمّ أحداثها بالتحلیل والدراسة ابتداءً من جهاده مع‌ الرسول‌ صلی ‌الله‌علیه‌ و‌آله مرورا بمحنتی الجمل وصفين‌ وحتی‌ استشهاده‌ موضّحا أهمّ صفات‌ أو‌ سمات شخصیة هذا الإمام‌ العظیم‌ الأخلاقیة والفكریة والنفسیة ، وكذلك سـیاساته الاقـتصادیة والاجتماعیة والعسكریة ومنهج حكمه الذي یُعتبر أو‌ یتمحور‌ العدل فيه درّة لم یتخلّ عنها‌ حتّی‌ مع قاتله [٣٢] ، وینتهي‌ الكاتب مع الإمام في‌ اسلوب الإمام الخطابي وبلاغته الفذّة التي عُبّر عنها أو عَبّر عنها البلغاء والفـصحاء أنّها تـحت‌ كلام‌ الخالق وفوق كلام المـخلوق ، ثـمّ‌ أفـصح‌ الكتاب‌ عن‌ شخصیة‌ الإمام كقدوة تحتذی‌ ، محرّكا سیرته وملامح شخصیته من بطون كتب التراث إلی حیث نبض الحیاة وعراكها ـ حسب تعبیر‌ الكـاتب‌ أیـضا‌ ـ لیـتحقّق الهدف الأكبر من دراسة هذه‌ الشخصیات‌ الخالدة‌ وهـو‌ التـواصل‌ بین‌ التراث وهمومنا المعاصرة ، أي كي لا یبقی هؤلاء العظماء مجرّد قمم شامخة في سماء الناس معلّقین في الهواء للإعجاب والانـبهار والتـجارة بـالسِیر والكلمات والمواقف .

یقول‌ الكاتب في مقدّمة كتابه هذا :

«ثمّة قـادة عسكریون كبار ، ومفكرون ، وفقهاء عظماء ، وبلغاء وزهّاد وعباقرة ، وعلماء وأُدباء .

وفي التاریخ هناك الاسكندر العظیم یعشق الفلسفة‌ ، فـيأخذ مـعه (ارسـطو) استاذه ، وهناك (افلاطون) الفيلسوف واستاذه سقراط ، وهناك بوذا وكونفوشیوس ، وقادة الثـورات والمـصلحون ، كلٌّ متخصّص في میدانه ، أمّا علي بن أبي طالب‌ ، فهو الحاوي علی جمیع سمات العبقریات المـتعدّدة ، فـهو الخـلیفة القائد ، وهو المحارب العظیم ، وهو الفيلسوف ، وهو الاستاذ في العدل‌ والمؤسس‌ لعلم النـحو ، وهـو الفـقیه‌ ، القاضي ، العالم بالحساب والفلك ، وهو أمیر البلاغة والشاعر ، والحكیم والحافظ لتراث محمد رسول اللّه صـلی ‌الله‌علیه ‌و‌آله وهـو الأخـلاقي الرفيع ، والأنموذج في‌ كلّ‌ شیء» [٣٣] .

ویضیف : «یستطیع‌ المرء أن یتعلّم أشیاء كثیرة من علي أو یعلم عـنه ولكـنّه لا یستطیع أن یكون مثله . . فكان في زمنه وحیدا إلاّ من قلّة مخلصة إخلاصا نادرا ، ومـن‌ أنـصار‌ ومـؤیّدین یجتمعون ویتفرّقون لأمر أو أمور كان علي أعلم بها من غیره . وحین خذلته المحنة فـي زمـنه ، أنصفه التاریخ ، إذ أصبح أفواج المحبّین من رجال الفكر والكفاح‌ الإنسانی‌ ، والعدل‌ والمعرفة ، یـتّصلون بـه بـحسب الفكر والإیمان ونسبهما ، وأصبح حبّ علي بن أبي طالب حقیقة موضوعیة‌ یقرّ بها المحبّ والمبغض» [٣٤] .

أمـّا لمـاذا ناوأه المناوئون وناجزه المناجزون‌ ، واعترض‌ علیه المعترضون ، فقد اختصر ذلك عزیز السید جـاسم بـأروع اخـتصار وأوجزه بأجمل إیجاز قائلاً :

«كان ‌‌الرجل‌ وحیدا في عبقریاته ، عجیبا في مسلكه ، لذلك لم یكن جمیع أعـدائه‌ مـن‌ طـینة‌ واحدة ، فبعض الذين حاربوه كانوا یرون فيه عدوّهم الأكبر ، أي عدوّ باطلهم ، أو كـفرهم أو شـركهم أو ظلمهم ، وبعض الذين حاربوه رأوا فيه المقیاس‌ الذي یكشف عن بُعدهم‌ من‌ الحقّ والعدل ، رأوا ـ من خلاله ـ هُزالهم فـي حـین كانوا یحسبون أنفسهم مهمّین . فإذا بهم في الضآلة ، بالمقارنة مع شخصیة عـلي .

وكـانوا یهيئون أنفسهم لدور كبیر‌ بین أتباعهم ، فيأفل نـجمهم أمـام شـمس علیّ النیّرة ، فحاربوه لافتضاحهم بالمقارنة ولعجزهم عـن الارتـفاع إلی مستوی الحقّ والصدق . . .»

مضیفا : «أمّا الذين تركوا معسكره ـ وهم‌ كثرة‌ ـ فإنّهم إنّما فـعلوا ذلك لأنّهم لم یطیقوا عدله ، وحقّه وصدقه» مـستشهدا بـمقولة الاستاذ عـبّاس مـحمود العـقّاد الذي یُفسّر هذه الظاهرة قائلاً :

«وهكذا فـُرضت عـلی الرجل العظیم ضریبة‌ العظمة‌ الغریبة في دیارها وبین آلها وأنصارها ، فالعلاقة بـینه وبـین كبار الصحابة كانت علاقة الزمالة التي ینوب فيها الواجب مـناب الإلفـة . والعلاقة بینه وبین الخصوم كـانت عـلاقة‌ حسد‌ غیر مكفوف وبغضٍ غیر مكتوم ، والعلاقة بینه وبین سواد العامّة كانت عـلاقة غـرباء یجهلونه ولا ینفذون إلی لبابه . وإن قاربه النـاس مـعجبین ، وبـاعده أُناس نافرین . تـلك‌ أیـضا‌ آیة الشهيد» .

ثمّ یـعلّق‌ السـیّد‌ عزیز‌ السیّد جاسم علی هذا ویروح یتساءل :

«هل كان ممكنا نجاح شخصیة علي بـن أبي طالب ـ في عصرها ـ نجاحا‌ سیاسیا‌ عـلی‌ مـا هو عـلیه مـن (الحـقّانیة) التامّة والعدل التامّ؟»‌ ویـضیف‌ :

«لقد أحبّه ـ في زمنه ـ أُناس حبّا خارقا وبالغ بعضهم في الحبّ فألّهوه وكفروا ، فأمر بـالقذف‌ بـهم‌ في‌ النار ، وهم غیر نادمین . وهـذا أمـر عـجیب نـادر‌ . یـفرض نفسه في طـلب التـحلیل لظاهرته الغریبة المثیرة» [٣٥] .

هذه التساؤلات وغیرها ، وهذا التدافع في تحلیل‌ شخصیة‌ الإمام‌ ، وهذا الاستغراق في دراسة مـواقفه ومـواقف النـاس منه وموقفه من‌ الناس‌ ترك للتاریخ والنـاس لكـي یـغترف كـلّ غـارفٍ غـَرفة ، ویقول كلّ محلّل قولة ، وهذا هو‌ العمق‌ وحیازة‌ التاریخ والخلود . . .

یقول عزیز السیّد جاسم في هذا السیاق‌ : «لقد‌ حسم اغتیال الإمام علی المناقشة . . وقطع الطریق أمام مـحاولته التصدّي للهجمة المضادّة‌ ، ووجد‌ في الموت فوزه الأكبر وهو یرقب مغادرة روحه : «فزت وربّ الكعبة» واستمرّ الناس‌ فيما‌ همّ علیه من صراعات سیاسیة ودنیویة ودینیة ومصلحیة» [٣٦] .

ویصف الكاتب عجزه عن‌ دراسـة‌ هـذه‌ الشخصیة العظیمة بالحبّ العظیم له وكیف أنّه (سلام اللّه علیه) جدیر بالحبّ والاحترام والإكرام‌ من‌ قبل كلّ إنسان حرّ ذی ضمیر نجیب ـ حسب تعبیره ـ . . . وكیف‌ أنّ كلّ شیء یمكن أن یختتم إلاّ الكتابة عـن عـلي فإنّها لا تختتم .

ولا‌ یجد‌ الكاتب مناصا للتعویض عن عجزه هذا إلاّ الاستشهاد ببعض كلمات وصیة الإمام‌ علیه‌ السلام‌ لولده‌ الحسن حیث یجد فيها ناموسا فكریا وأخـلاقیا ، ودلیـلاً للضمیر ، ودستورا للناس ، وخاصة‌ حـین‌ یـسمعه یقول في هذه الوصیة الخالدة :

«یا بني اجعل نفسك میزانا‌ فيما‌ بینك وبین غیرك ، فاحبب لغیرك ما تحبّ لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا‌ تـظلم كـما لا تُحب أن تُظلَم ، واحسن كـما تـحبّ أن یُحسن‌ إلیك‌ واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غیرك‌ . . . وارضَ من‌الناس بماترضاه لهم من نفسك...»..

ویروح‌ الكاتب في معظم فصول الكتاب یضع عناوین شاخصة معبِّرة یستظهر من خلالها دلالات‌ واضحة‌ عـلی عـظمة الإمام وعدم تكرار‌ نموذجه‌ في دنیا‌ الناس‌ ، فيضع عنوان الفصل الأوّل مثلاً : «مشیئة‌ الرب» مؤكدا أنّ للإمام علي مواقف وصفات وسمات لم یشاركه أحد فيها‌ من‌ دنیا الناس علی الإطلاق . ویأتي‌ عـنوان الفـصل الثالث «شـجاعة‌ علی‌ : البدء المتطابق» وما یحمله‌ هذا‌ العنوان من دلالة التطابق بین علي الإنسان وعلي النموذج الفرید ، وكیف أنّ‌ جمیع‌ الذين أسلموا لم یكونوا بطبیعة‌ الحال‌ مؤمنین‌ ، ولم یحافظ‌ جمیع‌ الذين أسـلموا عـلی جـوهر‌ الإسلام‌ ، فمنهم من ارتدّ مكشوفا ، ومنهم من كانت ردّته خفية أو حتی لا‌ شعوریة‌ . . مع أنّ الإسلام في‌ زمـن‌ ‌ ‌الابـتداء كان‌ ذروة‌ التربیة‌ وثورة التربیة» [٣٧] إلاّ علی‌ الذي تطابق إسلامه مع إیمانه ولم یحدْ لحظة أو قیراطا .

ویأتي عـنوان الفـصل الخـامس‌ والسادس‌ علی التوالي : «السیاسة العسكریة لعلي‌ بن‌ أبي‌ طالب‌ ، وتاریخ لأولیات سیاسیة»‌ ویقول‌ العنوان الثـاني :

«من المؤكد مع أنّ اللوحة الاجتماعیة العامة للكثیر من الصراعات في زمن الجـاهلیة‌ كانت‌ تشیر‌ إلی صراعات اقـتتالیة بـین أبناء العمومة في‌ العشیرة‌ الواحدة‌ ، بأن‌ أشهر‌ الحروب وأخطرها كانت حروبا من النوع المذكور ، فحرب (البسوس) التي استمرّت ما یقارب الأربعین عاما كانت حربا بین (بكر) و(تغلب) ابني وائل وابني قیس بن عبس وذبیان ابني بغیض بن وریث بن غطفان ، واستمرّت أیضا أربعین عاما . .»‌ لیؤكد أنّ جذور هـذه الأوّلیـات هي تلك حتّی شاءت تلك المقدّمة (الدراماتیكیة) ـ حسب تعبیره ـ أن توفّر ما توفّر بین بني عبد شمس وبني عبد مناف [٣٨] .

وحین‌ یصل‌ الكاتب إلی الفصل السابع من كتابه یضع عنوانه المفصح المعبِّر : «سـلطة الحـقّ في رفض السلطة» لیكون عنوان الكتاب نفسه ، وفيه ، أي في هذا الفصل یضع الكاتب‌ دیباجته‌ من كلامٍ صریح واضح للإمام علیه‌ السلام یقول فيه :

«أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، لولا حـضور الحـاضر وقیام الحجّة بوجود الناصر ، وما‌ أخذ اللّه علی العلماء‌ أن‌ لا یقارّوا علی كظّة ظالم ولا سغب مظلوم ، لألقیتُ حبلها علی غاربها . . .»

ویشیر عزیز السیّد جاسم أنّ السلطة لیست مهمّة بحدّ ذاتـها وأنّها لیـست هدفا للعظماء‌ بحدّ‌ ذاته وأنّما هي مـهمّة بمقدار النتائج التي یحقّقها صاحب السلطة للناس وللأجیال والتاریخ ، فيقول :

«ولا یهمّ البشریة أن یقال هذا حاكم قوي ، وذاك حاكم ضعیف ، فقد‌ حفل‌ التـاریخ الإسـلامي‌ مـثلاً بآلاف الأمثلة في ذلك دون فائدة تُذكر» ویضیف :

«إنّ البـشریة بـحاجة إلی الحاكم النبراس الذي‌ یقدِّم للمجتمعات ثمارا أبدیة في العدل وفي الفكر ، وفي الممارسة‌ . أي‌ أنّ المقیاس في تقویمات كـهذه ، هـو مـقیاس موضوعی یخصّ الفوائد الوطیدة للبشر ، ولیس مقیاسا فردیا‌ ، ‌‌كما‌ یـجنح عادة بعض الكتّاب والمؤرِّخین إلی تفصیل الخصائص الشخصیة والعائلیة للحاكم . . .» [٣٩] .

ولا یقتصر هذا الخلط علی الكتّاب والمؤرِّخین والنخب السیاسیة والاجـتماعیة ، بـل أنّه یمتدّ ویكون‌ خطره أفظع حین یعمّ كلّ مساحة الناس ممّن سـمّاهم الإمـام علیه‌ السلام «الهمج الرعاع‌ : أتباع كلّ ناعق‌ (الذين)‌ یمیلون مع كلّ ریح ، ولم یستضیئوا بنور العلم . ولم یلجأوا إلی ركـنٍ وثـیق» .

وهـنا یدعو السیّد جاسم إلی تحریرالنفس‌البشریة من‌هذه‌ الرعویة والهمجیة والغوغائیة ، والتي هي كما ‌یـسمّیها طبیعة‌ حیوانیة غـیر مـهذّبة فيقول:

«وشخّص علي تشخیصا فذّا تلك المجامیع من الجماهير ، التي هي من طراز الهمج الرعـاع ، وهي مـجامیع لا تشكل جوهر المجتمع ، ولیست هي الجماهير بتمامها‌ بل‌ هي شرائح اجتماعیة رهينة شروطها الفـكریة الذاتـیة وبنت التخلّف الطویل المقیم . . وأولئك الهمج الرعاع أعداء كلّ تقدّم ، وتطوّر ، واستقرار ، وهم یـعاكسون إرادة الحـقّ ، ومـسار‌ العلم‌ ، واتجاه العدل ، ویعطون الشرعیة التهریجیة للظالمین ، فهم خدمهم الذين یُنفِّذون إرادتهم الطغیانیة ، وهـم لا مـانع لدیهم من استبدال سلطان بآخر ، فهم مع الأقوی والمنتصِر‌ .

وكان علي في رؤیـته مـتنبئا بـما سیحمله (الشرق) من كوارث سیاسیة ، سببها الصراعات الدامیة حول السلطة ، ودور الهمج الرعاع في تأجیجها وفـي دفـعها إلی الثورة . . .»  [٤٠].

هؤلاء الهمج الرعاع الذين ینعقون‌ مع‌ كلّ‌ ناعق ویمیلون مع كـلّ ریـح والذيـن لا ینصرون حقّا ولا یخذلون باطلاً ویحدّدون مواقفهم (مع مَنْ غلب) كما یقول التاریخ هم‌ الذين‌ مـلأوا‌ قـلب الإمـام علی قیحا وشحنوا صدره غیضا . . والأسوأ منهم هم أعوان الظلمة وحواشیهم وبـطانتهم مـن الذين تنقل الروایات أنّ منادي یوم القیامة یعلو صوته منادیا : «أین‌ أعوان‌ الظلمة قبل الظلمة» بـاعتبارهم أذرع السـلطان وأدواته التنفيذیة الذين مكنوا‌ الظالم وحكموه وتحكموا به . . .

هذا التشخیص الواعي للإمـام عـلي بن أبي طالب (سلام اللّه علیه)‌ هو‌ الذي جـرّعه ألوان الغـصص ، فلا هو قادرٌ علی مجاراة الهمج الرعـاع‌ أو‌ مـسایرتهم في أهوائهم وأطماعهم ، ولا هو قادر عن التخلّي عنهم وهو المسؤول عن تربیتهم وتـأدیبهم‌ . . . فـلا هم أطاعوه لیرتاح من زجـرهم وتـقریعهم ولا فهموه لكـي یـستقرّ‌ عـلی‌ قرار‌ . . . فبقي حیاته كلّها مقارعا مـستغیثا نـادبا حظّه وحظّهم إذْ ابتُلي بهم‌ وابتلوا‌ به‌ كما یقول علیه‌ السلام وحیث أرادهم لدیـنه وأرادوه لدنـیاهم ، وشتّان بین الإرادتین . . .

علي بن أبي طالب ، بقیّة النبوّة ، وخـاتم الخـلافة : عبد الكریم‌ الخطیب

هذا‌ هو العـنوان الذي اخـتاره عبد الكریم الخطیب لكتابه وذیّله بحدیث شریف للنبي الأكرم صلی ‌الله‌علیه‌ و‌آله‌ یقول‌ فيه : «یـا عـلي لا یُحبّك إلاّ مؤمن ، ولا یبغضك إلاّ منافق»‌ ، ثـمّ‌ راح یـدوّن فـي تقدیمه لكتابه هـذا قـائلاً :

«إنّ تاریخ العظماء لیـس مـجرّد حیاة وموت‌ ، وأحداث وقعت فيما بین الحیاة والموت فضبطتها صحف التاریخ ، وختم علیها‌ الزمـن‌ بـخاتمه‌ ، وإنّما تاریخ حیاتهم میراث كریم تـتوارثه الإنـسانیة كلّها ، وتـقتدي بـما فـيه من عظات‌ وعبر‌ ، وتـقطف من مجانیه ، ما تطول یدها وتبلغ همّتها من قدوة صالحة‌ ومثَلٍ‌ كریم» [٤١] .

وحین یصل إلی الإمام عـلي علیه‌ السلام بعد زفراتٍ طرحها علی ما حـلّ بـالمسلمین مـن‌ اخـتلاط‌ مـرویّاتهم عن صحابة رسـول اللّه وكـیف (اختلط فيها الحقّ بالباطل والصدق بالكذب‌ ، والواقع بالخیال) ـ حسب تعبیره ـ راح‌ یقول‌ :

« . . . وعلي ـ كرّم‌ اللّه‌ وجـهه ـ هـو بـقیّة النبوّة ، وخاتم خلافة النبوّة ، وحیاته كلّها مـعركة‌ مـتّصلة‌ فـي سـبیل اللّه ، وإیـثار‌ سـخيّ لإعزاز دین‌ اللّه‌ ، وإعلاء رایة الإسلام التي حملها رسول‌ اللّه‌ ، والتفّ حولها المهاجرون والأنصار ، فكانوا جند اللّه وكتیبة الإسلام . . . واحتملوا تبعات الجهاد في سبیل‌ اللّه ، صابرین مصابرین‌ . . . أمّا عـليّ ، فقد‌ كان صدره درعا واقیا لدعوة الإسلام ، من أوّل یوم الإسلام إلی أن‌ تداعت‌ حصون الشرك ، وذهبت معالمه‌ . . »

‌ وأضاف :«وكان‌ سیفه‌ شهابا راصدا ، یرمي‌ أعداء‌ الإسلام بالمهلكات ، ویشیع في جموعهم الخزي والخـذلان ، ویـُلبس أبطالهم وصنادیهم المذلّة والهوان‌ ، حتّی لیكون سیفه علما یسمّی (ذا‌ الفقار)‌ وحتّی لیكون‌ صاحب‌ السیف‌ مثلاً یحدِّث الناس به‌ في مواقف البطولات الخارقة فيقال (فتیً ولا كعليّ)» [٤٢] .

وحین یأتي إلی موضوع الخلافة ـ  كـكاتب‌ یـری‌ رأیا آخر ـ لا یجد مناصا‌ من‌ التصریح‌ بالحقیقة‌ رغم‌ مرارتها فيقول :

«فقد‌ كانت الخلافة أقرب إلیه بعد رسول اللّه صلی ‌الله‌علیه‌ و‌آله من أيّ صحابي آخر» ولكـنّه یـضیف :

«فلمّا‌ تمّت‌ البیعة‌ لأبي بـكر ، تـوقّف قلیلاً وأمسك یده‌ عن‌ البیعة‌ له‌ بالخلافة‌ ، حتّی إذا رأی القبائل تتنادی بالردّة والخروج عن طاعة الخلیفة الجدید ،بادرَ فسدّ هذه الثغرة ،وأعطی الخلیفة كلّ ولائه ونُصحه» [٤٣] .

ویـأتی عـبد الكریم الخطیب‌ إلی فتنة الخـلیفة الثـالث عثمان بن عفّان وابن عمّه مروان ویفتح ملفّها ولا یستطیع غلقه فيقول :

«أسلم الحكم (والد مروان) عام الفتح إسلام الطلقاء ، وكان طرید رسول اللّه‌ صلی‌ الله‌علیه ‌و‌آله‌ ولعینه . . . وقد قال فيه البلاذري : إنّ الحـكم بـن العاص كان جارا لرسول اللّه صلی ‌الله‌علیه‌ و‌آله في الجاهلیة وكان أشدّ جیرانه له أذًی في الإسلام . . . وكان قدومه إلی المدینة بعد فتح مكة ، وكان مغموصا علیه في دینه (أي مطعونا علیه ومتّهما في دینه» [٤٤] .

وبعد رحیل النبي‌ صـلی‌ الله‌علیه ‌و‌آله‌ كلّم عـثمان أبا بكر في‌ ردّ‌ الحكم وولده فكان جوابه «ما كنتُ لآوی طرداء رسول اللّه‌» ولمّا استُخلف عمر ، قال قول أبي بكر ، ولما استُخلف عثمان أدخلهم المدینة‌ فأنكر‌ علیه المسلمون إدخالهم المـدینة‌ ، ثـمّ ولّی الحـكم صدقات قضاعة (حيّ في الیمن) ـ والكلام للخطیب طبعا ـ فبلغت ثلاثمائة ألف درهم ، فوهبها له حین أتاه . . . ومات الحكم (طـرید ‌ ‌رسـول اللّه‌)‌ في‌ خلافة عثمان فصلّی علیه عثمان وضرب علی قبره فسطاطا» [٤٥] .

وعن مروان بـن الحـكم یـنقل الخطیب ما ذكره ابن سعد في طبقاته حین قال :

«فلم یزل مروان مع ابن‌ عـمّه‌ عثمان ابن‌ عفّان ، وكان كاتبا له ، وأمر له عثمان بأموال ، وكان عثمان یتأوّل في ذلك صـلة‌ قرابة ، وكان الناس یـنقمون عـلی عثمان تقریبه مروان وطاعته له‌ ، ویرون‌ كثیرا ممّا ینسب إلی عثمان لم یأمر به ، وأنّ ذلك عن رأی مروان ، دون عثمان‌ ، ‌‌فكأنّ‌ الناس شنّعوا بعثمان ، لما كان یصنع بمروان ویقرّبه» [٤٦] .

ومن هنا جاء‌ تعلیق‌ الإمام‌ علي علیه‌ السلام علی الفتنة التي أودت بحیاة عثمان مخاطبا الثوّار : «جزعتم فأسأتم الجزع ، واستأثر فأساء الأثرة» .

«والحقّ أنّ علیّا كان أوفر الناس حظّا ، وأطولهم‌ صحبةً لرسول اللّه صلی ‌الله‌علیه ‌و‌آله‌ ، فمنذُ وُلد علي ، وهو بین یدي محمد ، قـبل النـبوّة وبعدها . لم یفترق عنه في سلم أو حرب ، وفي حلٍّ أو سفر ، بل كان بین یدي النبي‌ ، وتحت سمعه وبصره إلی أن لحق الرسول بالرفيق الأعلی ، وهو علی صدر علي ، حیث سكب آخر أنفاسه فـي الحیاة» [٤٧] ویـضیف :

«فقد كان علي بطل الإسلام دون منازع‌ . . . وكان فقیه الإسلام ، وعالم الإسلام ، وحكیم الإسلام ، غیر مدفوع عن هذا أو منازَع فيه . . .» إلی أن یقول :

«ولو أنّ إنسانا غیر‌ علي‌ بن أبي طالب ، امتُحن بما امـتحن بـه من شدائد وأهوال ، لتبلّدت مشاعره ، وعطّلت ملكاته ، ولما وجد العقل الذي یفكر ویقدّر ولا اللسان الذي ینطق ویبین! ولكنّها‌ النفس‌ الكبیرة العمیقة ، تمرّ بها الأحداث المزلزلة ، والكوارث المكربة ، كما تمرّ الأعاصیر بـالجبال الشـامخة فـتتطاحن عندها وتتخاشع بین یدیها ، وتـتكسّر مـتداعیة تـحت قدمیها . . .» [٤٨] .

وفي‌ مقاربة معبّرة بین زواج الخلیفة‌ عثمان‌ من‌ بنتي رسول اللّه صلی ‌الله‌علیه ‌و‌آله رقیة وأمّ ‌كلثوم ومنحه لقب (ذي النورین) ، وبین زواج الإمام علي من فـاطمة عـلیها السلام یـقول عبد الكریم‌ الخطیب‌ أو‌ یكتب قائلاً :

« . . فإنّ في‌ زواج‌ عـلي من فاطمة شیئا أكثر من هذا الذي ظفر به عثمان! فأوّلاً ، فاطمة (رض) اختُصت من بین أخواتها‌ بهذه‌ الدرجة‌ الرفـيعة التي رفـعها اللّه إلیها فجعلها في مقام مریم ابنة‌ عمران ، حیث وصفها الرسـول صلی ‌الله‌علیه ‌و‌آله بأنّهما خیر نساء العالمین ، وثانیا : أنّ فاطمة ـ وحدها من‌ دون‌ أبناء‌ النبي وبناته ـ هي التي كان مـنها سـبطا رسـول اللّه صلی ‌الله‌علیه ‌و‌آله‌ الحسن‌ والحسین ومنهما كلّ نسل رسول اللّه .

وإذْ ننظر إلی هذا الأمر ـ والكـلام للخـطیب ـ مع‌ ضمیمة‌ ما سبق من مواقف في هذا المقام ، نجد أنّ ذلك الموقف‌ متسق‌ مع‌ ما سـبقه ، جـار عـلی الغایة المُنجحة له ، والبالغة بابن أبي طالب ، ما‌ أراد‌ اللّه له من كرامة وتكریم!

فهذا رسول اللّه صـلی ‌الله‌علیه ‌و‌آله یـكون له بـنین وبنات ثمّ‌ یختارهم‌ اللّه جمیعا إلی جواره في حیاة الرسول ، عدا فاطمة (رض) ، ثمّ‌ لا‌ یقف‌ الأمـر عـند هـذا ، بل یكون من حكمة اللّه ألا یعقب أحد من أبناء‌ الرسول‌ وبناته ولدا ، ومن كان له ولد من بـناته مـات هذا الولد صغیرا‌ . . وهكذا یصبح الرسول ـ صلوات اللّه وسلامه علیه ـ لا یری له ولدا غیر فاطمة‌ ، ولا نسلاً مـتّصلاً إلاّ مـا كـان من فاطمة وعلي» [٤٩] .

ویأتی الخطیب‌ إلی‌ قضیة‌ حسّاسة یحاول أن یتجاوزها بفذلكة وذكاء وذلك عند تمییزه بـین شـخص الرسول ورسالته ، فيقطع‌ الطریق‌ علی‌ الرأي الآخر القائل بأنّ الإمام علیّا علیه‌ السلام إنّما هـو امـتداد لرسـالة الرسول‌ وإنْ‌ كان لشخصه فيه النصیب الأوفى ، فيقول في هذا الإطار معترفا ممرّرا :

«فإذا قـیل : أنّ‌ علیّا أخو النبي وزوج ابنته فاطمة ، سیّدة نساء العالمین ، وأبو‌ السبطین‌ ، ریحانتي شـباب الجـنّة ، الحـسن والحسین‌ . . ثمّ إذا قیل : إنّ علیّا هو‌ الشخص‌ القائم مقام الرسول في كلّ موقف یُلتمس فـيه شـخص الرسـول ، لا رسالة‌ الرسول‌ ، إذا قیل ذلك في‌ (علي)‌ فإنّه لا‌ یعطي أكثر‌ من دلالة واحدة ، هي أنّ‌ عـلیّا‌ أقرب الناس إلی الرسول ، وألصقهم به وأولاهم ، فيما یمسّ ذاته‌ ، ویتّصل بشخصه!» [٥٠] .

وعن عدل (علي)‌ وترفّعه عن حـطام الدنـیا‌ واندكاكه‌ بمبادئ الدین وعدم اهتمامه بما‌ تقوله‌ السیاسة ورجالها فيه ، یقول عـبد الكـریم الخطیب :

«روي أنّه حین تفرّق‌ أصحاب‌ علي بـعد مـقتل الخـوارج ودخل‌ مسجد‌ الكوفة‌ فخطبهم ، وكشف‌ لهم‌ عـن الحـال التي صاروا‌ إلیها‌ ، وما ینتظرهم من ذلّ علی أیدي أهل الشام بعدها ، قام إلیـه بـعض‌ أصحابه‌ فقال :

«یا أمیر المـؤمنین . . . أعـطِ‌ هؤلاء‌ هـذه‌ الأمـوال ، وفـضّل هؤلاء‌ الأشراف من العرب وقریش عـلی المـوالي ، ممّن یتخوّف خلافه علی الناس وفراقه ، إنّ‌ هذا‌ هو الذي كان یصنعه مـعاویة بـمن‌ أتاه‌ ، وإنّما‌ عامّة‌ الناس همّهم الدنـیا‌ ، ولها یسقون ، وفيها یـكدحون ،فـاعط هؤلاء الأشراف ،فإذا استقام ذلك مـا ترید عـُدت‌ إلی‌ أحسن‌ ما كنتَ علیه من القسْم»  [٥١] .

ویواصل‌ الخطیب‌ رؤیته‌ هذه‌ معلّقا‌ :

«هذه هي السـیاسة التي كان یمكن أن یغلب بـها الإمـام ، وأن یـستكثر بها من الأنـصار والأتـباع! ولكنّه یأبى بأن یـستجیب لهـذا الرأي ، ویردّ علی أصحابه‌ قائلاً :

«أتأمروني أن أطلب النصر بالجور . . فواللّه لا أفعل ذلك ما لاح في السماء نـجم ، واللّه لو كـان المال مالي لسویتُ بینهم! فكیف وهي أمـوالهم» .

هذا‌ هـو حـكم الدیـن ـ والتعلیق هنا للخطیب طـبعا ـ ودعوة الحقّ والعدل! ولكن أین الناس من الدین ، ومن الحقّ والعدل؟! لقد تعثّرت أقدامهم عـلی هـذا الطریق وثقل خطوهم‌ علیه‌ ، وتقطّعت بـهم الأسـباب دونـه . . . أتـریدون شـاهدا؟ وهل شاهد بـعد أن نـری علیّا وحده في المیدان ، لا یقوم تحت‌ رایته‌ غیر خمسین رجلاً؟» [٥٢] .

لكن‌ المؤلم‌ المؤسف أنّ الخطیب نفسه وفـي طـول الكـتاب وعرضه استمرّ مداریا متهيبا یقترب من قـول الحـقیقة السـاطعة ویـنسلّ مـنها ، وتـسطع شمسه فتضلّلها غیمة الموروث‌ وغمامة‌ الحكم الجاهز وكأنّي به‌ یرید‌ أن یقول شیئا ولكن الضریبة باهضة والموقف صعب والحقّ مرّ ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العلي العظیم .

الحقیقة الضائعة : الشـیخ معتصم سید أحمد :

رغم أنّ (الحقیقة)‌ لا‌ تضیع ولن تضیع ، وإنْ كانت ضُیعت أو غُیّبت لهذه الفترة أو تلك ، إلاّ أنّ (الحقیقة) عند الاستاذ والكاتب السوداني الشیخ معتصم سید أحمد قد ضاعت ، أي ضاعت‌ علیه‌ هـو نـفسه‌ فراح یبحث عنها في كتابه هذا بجدّیة وصدق وإخلاص حتّی عثر علیها موفقا مسدّدا إن شاء اللّه‌ .

ولعلّ أوّل ما یبدأ به الكاتب في بحثه عن الحقیقة‌ هو‌ تنقیبه‌ الدقیق وفـحصه الأكـثر دقّة لمتون وأسانید الحدیث الشریف : «إنّي تارك فيكم الثقلین : كتاب اللّه وسنّتي‌ ، ‌‌أو‌ عترتي أهل بیتي» وصراعه بین هذین الاثنین (سنّتي أم عترتي) وارتیاحه في‌ اكـتشاف‌ الخـیط‌ الدقیق بین سنّة رسول اللّه صـلی‌ الله‌علیه ‌و‌آله وعـترته أهل بیته وعلی رأسهم أو في مقدّمتهم الإمام‌ أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب علیه ‌السلام .

وبعد فراغه من هذا البحث الذي‌ قال : إنّه كلّفه‌ «مجهودا‌ فـكریا ونـفسیا ، وجعلني أعیش صراعات مـع ضـمیري وأخری مع زملائي وأساتذتي في الجامعة» [٥٣] وانتهائه إلی أنّ الآیة القرآنیة الكریمة إنّما ولیّكم اللّه ورسوله والذين آمنوا الذين یُقیمون الصلاة ویؤتون الزكاة‌ وهم راكعون إنّما نزلت في علي علیه‌ السلام وانّ لها دلالة خاصّة ـ حـسب رؤیـة الكاتب ـ راح غائصا في تقصّیها والبحث في مغزاها وأسباب نزولها .

بعدها راح الكاتب یبحث في مغزی‌ الآیة‌ القرآنیة الكریمة الاُخری : یا أیّها الرسول بلِّغ ما أُنزل إلیك من ربّك وإن لم تفعل فما بـلّغت رسـالته واللّه یعصمك مـن الناس وكیف أنّ هذا الأمر الإلهي الواجب تبلیغه‌ صار‌ یوازي تبلیغ الرسالة فإذا لم یبلِّغه فكأنّما لم یبلِّغ الرسالة» [٥٤] ویـضیف :

(وإنّ هذا الأمر ، هو مردّ خلاف عظیم بین الناس ، بل أنّ الرسـول خـاف علی نفسه‌ من‌ الناس ولذا طمأنه اللّه تعالی بقوله عزّ من قائل : واللّه یعصمك من الناس) [٥٥] .

ومن استجلاء معانی هذه الآیـات ‌ ‌البـیّنات وغیرها یروح الاستاذ معتصم یلقی باللائمة علی المؤرِّخین‌ الذين‌ یكتمون‌ الحقائق ولا ینقلونها إلی النـاس‌ ، وهـذا‌ مـا یقصده بضیاع الحقیقة إذْ یقول :

«وما تعانیه الأمّة الإسلامیة الیوم من فرقة وشتات وتمزّق في الصـفوف ما هو إلاّ‌ نتاج‌ طبیعی‌ للانحرافات التي حدثت في التاریخ من تدلیس المؤرِّخین‌ وكـتمهم‌ للحقائق . . من أجل مـصالح سـیاسیة (ودنیویة) . . وهو مخطّط استهدف مدرسة أهل البیت علی كافّة الأصعدة‌ والمستویات‌ لیشكل‌ تیّارا آخر ذا مظهر إسلامي في قبال الإسلام الحقیقي الأصلي» [٥٦] .

ولم تكن المسألة مسألة مصالح سیاسیة فقط وإنّما مسألة رعب ورهبة وخـوف لمن یجرأ ویكشف الحقیقة‌ إذْ‌ «كان‌ مجرّد التظاهر بالحبّ لعلي بن أبي طالب وأهل بیته كفيل بهدم‌ الدار‌ وقطع الرزق ، حتّی تتبّع معاویة شیعة علی قائلاً : اقتلوهم علی الشبهة والظنّة ، وحتّی‌ بات‌ ذكر‌ فـضائلهم جـریمة لا تُغتفر . .» [٥٧] .

وأكثر ما یجرح قلب الكاتب‌ ویمزّق‌ فؤاده‌ في مواقف هؤلاء المؤرّخین هو جنایة التكتّم علی مظلومیة الإمام علي علیه ‌السلام وحذفهم لرسائل‌ عدیدة‌ مهمّة‌ كان علیه ‌السلام بعثها إلی معاویة وحذف أخـری بـین هذا الأخیر ومحمد بن أبي بكر‌ ، وراح الكاتب یندِّد بموقف الطبري كمثال قائلاً :

«أخفي المؤرِّخون وأوّلهم الطبري الرسائل‌ التي‌ جرت‌ بین محمد بن أبي بكر ومعاویة بن أبي سفيان . . فاعتذر الطـبري بـعدما ذكر‌ إسناد‌ الرسالتين ، بأنّ فيهما ما لا یتحمّل العامة سماعه ، ثمّ جاء من‌ بعده‌ ابن‌ الأثیر وفعل ما فعله الطبري ، ثمّ سار علی نهجهم ابن كثیر فأشار إلی رسالة‌ محمد‌ ابـن أبي بـكر ، وحذف الرسالة وقال (فيها غـلظة)» إلی أن یـقول‌ (أي الكاتب)‌ :

«وما فعله المؤرِّخون الثلاثة هو من أبشع أنواع كتْم الحقائق ، وهو یكشف بكلّ‌ وضوح‌ عدم‌ أمانتهم العلمیة» [٥٨] .

ولم یتردّد الكاتب في ذكـر بـعض فـقرات هذه الرسالة‌ التي‌ (فيها غلظة) وینقلها عن مـروج الذهـب للمسعودي ، وجاء فيها :

«من محمد بن أبي بكر‌ إلی‌ الغاوي معاویة بن صخر ، وبعد الثناء علی النبي وكیف أنّ اللّه‌ أرسـله‌ رحمة وبعثه رسولاً ومبشِّرا ونذیرا ، فكان‌ أوّل‌ من‌ أجاب وأناب وآمـن وصدّق وأسلم وسلم أخوه‌ وابن‌ عمّه علي بن أبي طالب : صدقه بالغیب المكتوم وآثره علی كلّ حمیم‌ ، ووقـاه بـنفسه كـلّ هول وحارب‌ حربه‌ وسالم سلمه‌ . . . لا نظیر له . . . اتّبعه ولا مقارب له في فعله ، وقـد رأیـتُك تُسامیه وأنت أنت‌ ، وهو هو ، أصدق الناس نیّة‌ ، وأفضل الناس ذریّة‌ ، وخیر الناس زوجةً . . . وأنت اللعـین ابـن اللعـین لم تزل أنت وأبوك تبغیان لرسول اللّه صلی‌ الله‌علیه‌ و‌آله الغوایة‌ وتجهدان‌ في إطفاء نور اللّه ، تـجمعان‌ عـلی ذلك الجموع‌ وتبذلان‌ فيه المال ، وتؤلّبان‌ علیه‌ القبائل ، وعلی ذلك مات أبوك وعلیه خلفته . . .» إلی أن یقول‌ :

«فـكیف یـا لك الویـل! تُعدل أو‌ تقرن‌ نفسك بعلي‌ وهو‌ وارث‌ رسول اللّه صلی ‌الله‌علیه ‌و‌آله ووصیّه‌ وأبو ولده؛ أوّل الناس اتباعا وأقـربهم بـه عهدا ، یخبره بسرّه ، ویطلعه علی أمره‌ ، وأنت عدوّه وابن عدوّه ، فتمتّع‌ في‌ دنـیاك‌ مـا‌ اسـتطعت‌ بباطلك ولیمددك ابن‌ العاص‌ في غوایتك ، فكأنّ أجلك قد انقضی وكیدك قد وهن ثـمّ یـتبیّن لمن تكون العاقبة العلیا‌ . . .» [٥٩] .

أمّا رسالة معاویة في الردّ‌ علی‌ محمد‌ بن‌ أبي‌ بـكر‌ ، فـقد جـاء فيها ، ما تهيب عن ذكره المؤرِّخون الثلاثة المذكورون سابقا ، ولكن الشیخ معتصم أورد بعضا من نـصوصها كـما جاء في مروج الذهب أیضا‌ .

نذكر فقرات منها خدمةً للقارئ الكریم وبـدون تـعلیق :

«مـن معاویة بن صخر ، إلی الزاري علی أبيه محمد بن أبي بكر . . . ذكرتَ ابن أبي طالب‌ ، وقدیم سـوابقه وقـرابته إلی رسـول اللّه صلی ‌الله‌علیه‌ و‌آله ومواساته إیّاه في كلّ هول وخوف فكان احتجاجك عليّ وعیبك لي بـفضل غـیرك لا بفضلك ، فاحمد ربّا صرف هذا الفضل عنك‌ وجعله‌ لغیرك ، فقد كنّا وأبوك فينا نعرف فضل ابـن أبي طالب وحقّه لازما لنا مبرورا علینا ، فلما اختار اللّه لنبیّه علیه الصلاة‌ والسـلام‌ مـا عنده ، وأتمّ له‌ ما‌ وعده ، وأظهر دعـوته وأبـلج حـجّته ، وقبضه اللّه إلیه صلوات اللّه علیه ، فكان أبوك وفـاروقه أوّل مـن ابتزّه حقّه وخالفه علی أمره‌ ، علی ذلك اتّفاقا واتساقا‌ ، ثمّ إنّهما دعوه إلی بیعتهما فـأبطأ عـنهما وتلكأ علیهما ، فهمّا به الهـموم وأرادا بـه العظیم . ثـمّ أنّه بـایعهما وسلّم لهما وأقاما لا یشركانه في أمـرهما ولا یـطلعانه علی‌ سرّهما‌ حتّی قبضهما اللّه . . .» إلی أن یقول :

«أبوك مهّد مهاده وبنی لملكه وساده ، فـإن یـك ما نحن فيه صوابا فأبوك اسـتبدّ به ونحن شركاؤه ، ولولا‌ مـا‌ فـعل أبوك‌ قبل ما خالفنا ابـن أبي طالب وسلّمنا إلیه ، ولكن رأینا أباك فعل ذلك به قبلنا فأخذنا‌ بمثله ، فعِبْ أبـاك بـما بدا لك أو دع ذلك‌ . والسلام‌ علی مـن أناب» [٦٠] .

وهـنا لا یـملك الشیخ معتصم نـفسه فـيروح مذیعا ما استفزّ سـریرته واسـتصرخ وجدانه ‌‌فيقول‌ :

«وقد عرفتُ بذلك السرّ الذي منع الطبري وابن الأثیر وابن كثیر من‌ نـقل‌ هـذه‌ الرسالة؛ لأنّها تكشف واقع الصراع والخـلاف الذي حـدث بین المـسلمین فـي أمـر الخلافة ، التي‌ هي حـقّ لعلي ـ كما یری طبعا ـ» ویضیف :

«فهذا معاویة یعترف‌ بذلك ولكنّه یعتذر بأنّ‌ خلافته‌ هي امـتداد لخـلافة أبي بكر وشنّع بذلك علی ابـنه . . . ولكـن لا عـلیك یـا مـعاویة ـ والكلام للكاتب ـ فـإنْ لم یـسكت محمد بن أبي بكر ولم یستر أمرك‌ فقد سكت عنه الطبری وابن الأثیر وابن كثیر . . .» [٦١] .

وهكذا هـو التـاریخ والمـؤرِّخون علی امتداد العصور والأزمان ، یُظهرون نصف الحـقیقة ، ویـسدلون السـتار عـلی نـصفها الآخـر فيتركون‌ الناس‌ في طرائق شتّی لا یهتدی فيها الضال ولا یستیقن المهتدی ، وكلّ ذلك من أجل مصالح خاصة أو مواقف سیاسیة مدفوعة الثمن تروح ضحیتها الحقیقة أو المؤرِّخ ، وما أعظم‌ المؤرِّخ‌ الذي یـروح ضحیةً للحقیقة! وما أعظم الحقیقة التي لا یعتّمها مؤرِّخ ولو غیّبها الزمن والسلاطین وسنین طویلة من عمر الدهر الخؤون!

----------------------------------------------------------------------
[١] . السیف والسیاسة ـ صالح الورداني‌ ، الطبعة الأولی ١٤١٧ه : ١٠٦ .
[٢] . انظر البخاري ومسلم ـ کتاب فضائل الصحابة ، باب فـضائل عـلي . . . وانظر الترمذي .
[٣] . اُنظر صحیح البخاري .
[٤] . اُنظر‌ مسند أحمد ج١ .
[٥] . اُنظر‌ مسلم‌ کتاب الإیمان .
[٦] . السیف والسیاسة : ١٠٧ عن مسلم : کتاب فضائل الصحابة ـ مناقب علي وآل البیت .
[٧] . نفس‌ المصدر‌ السابق : ١٠٧ عن : طبقات ابـن سـعد‌ ج٢‌ ، ومسند أبو داود الطیالسي .
[٨] . نفس المصدر السابق : ١٠٨ ، عن : طبقات ابن سعد ، ومستدرک‌ الحاکم‌ ، والإصابة في تمییز الصحابة لابن حجر ، وسیر أعلام‌ النبلاء للذهـبي .
[٩] . نـفس المصدر : ١١٠ عن الطبراني .
[١٠] . نفس المـصدر : ١١٠ عـن البخاري‌ مسلم‌ ، باب فضائل علي ، ومسند أحمد ج٢ .
[١١] . نفس المصدر‌ : ١١٠ .
[١٢] . نفس المصدر : ١١١ .
[١٣] . نفس المصدر السابق : ١١١ عن مسند‌ أحمد‌ ج١‌ .
[١٤] . نفس المصدر السابق : ١١٢ .
[١٥] . نفس المـصدر السـابق‌ : ١١٢‌ .
[١٦] . الخدعة ، صالح الورداني ، طـبعة ١٩٩٥ : ٣٠ .
[١٧] . نـفس‌ المصدر‌ السابق‌ : ٢٩ حتّی وصل الأمر حسب قول الورداني أیضا إلی «أن تسمع وتطیع للأمیر‌ وإنْ‌ ضرب ظهرك وأخذ مالك» عن کتاب «الامارة وطاعة الأمیر» صحیح مسلم .
[١٨] . الخدعة‌ ، المصدر السابق : ٣٩ .
[١٩] . نفس المصدر السـابق : ٤٥ .
[٢٠] . نـفس‌ المصدر‌ السابق : ٤٥ ـ ٥٠ .
[٢١] . نفس المصدر السابق: ٦٦ .
[٢٢] . نفس‌ المصدر‌ السابق: ١٠٢ .
[٢٣] . نفس المصدر السابق: ١٥٣ .
[٢٤] . نهج البلاغة ج٣ .
[٢٥] . تاریخ‌ الیعقوبي ٢: ١٢٦، وهم ـ کما هو معروف ـ أبو ذر والمقداد‌ وسلمان‌ .
[٢٦] . المصدر السابق نفسه .
[٢٧] . شرح نهج البلاغة ١: ١٥١ .
[٢٨] . الخـلافة المـغتصبة‌ : ١٠٣‌ .
[٢٩] . مروج الذهـب ٢: ٣٥٢ .
[٣٠] . الخلافة المغتصبة، مصدر سابق:‌ ١٠٤‌ ، عن مروج الذهب ٢: ٣٥١ .
[٣١] . نفس المصدر السابق: ٢٣٦ .
[٣٢] . من تقریض‌ الناشر‌ للکتاب في ظهر الطـبعة الثانیة .
[٣٣] . علي بن أبي طالب، سلطة‌ الحقّ‌ : عزیز السیّد جاسم ـ مـقدّمة الطـبعة‌ الثـانیة:‌ ١٠‌ .
[٣٤] . نفس المصدر السابق: ١١ .
[٣٥] . نفس المصدر السابق: ١١ .
[٣٦] . نفس المصدر السابق: ١١ .
[٣٧] . نفس‌ المصدر‌ السابق: ٤١ .
[٣٨] . نفس‌ المصدر‌ السابق: ١٢٢‌ .
[٣٩] . نفس المـصدر ‌ ‌السـابق: ١٦٦ .
[٤٠] . نفس‌ المصدر السابق: ١٦٨ .
[٤١] . علي بن أبي طالب ، بقیة النبوّة‌ ، وخاتم الخلافة ، عبد الکـریم الخـطیب‌ ، الطـبعة الثانیة سنة١٩٧٥ :‌ ٨ .
[٤٢] . نفس المصدر السابق:‌ ٢١‌ .
[٤٣] . نفس المصدر السابق: ٢٢ .
[٤٤] . نفس المصدر السابق: ٤٥ .
[٤٥] . نفس المصدر السابق: ٤٦ عـن‌ أنساب‌ الأشراف‌ للبلاذري ٥: ٢٧‌ .
[٤٦] . نفس المصدر السابق:‌ ٤٦‌ .
[٤٧] . نفس المصدر السابق: ٥٨ .
[٤٨] . نفس المصدر السابق: ٨٨ .
[٤٩] . نـفس‌ المصدر السابق: ١٢٦ .
[٥٠] . نفس‌ المـصدر‌ السـابق: ١٢٨‌ .
[٥١] . نفس المصدر السابق: ٥٦٦‌ عن : الإمامة والسیاسة : ١ ـ ١٦٠ .
[٥٢] . نفس المصدر السابق: ٥٦٧ .
[٥٣] . الحقیقة الضائعة : الشیخ معتصم سید‌ أحمد‌ ، الطبعة‌ الاُولی‌ ١٤١٧ه : ١٠٩‌ .
[٥٤] . نفس المصدر السابق: ١٦٥ .
[٥٥] . نفس المصدر السابق: ١٦٥ .
[٥٦] . نفس المصدر السابق:‌ ١٧٢‌ .
[٥٧] . نفس المصدر السابق: ١٧٣ .
[٥٨] . نفس‌ المـصدر‌ السابق:‌ ١٧٩‌ .
[٥٩] . نفس المصدر السابق: ١٧٩ ـ ١٨٠ عن مروج الذهب للمسعودي ٣: ٢٠ تحقیق محمد محيي الدین ، دار المعرفة ـ بیروت .
[٦٠] . نفس المصدر السابق:‌ ١٨١ عن مروج الذهب ٣: ٢١ .
[٦١] . نفس المصدر السابق: ١٨١ .

منقول من مجلة میقات الحج العدد - ١٤

****************************