وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ .                
وقال (عليه السلام): خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ .                
وقال (عليه السلام): مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                
وقال (عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَيَنْفَدُ.                
وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                

Search form

إرسال الی صدیق
الإمام علي ـ بلاغة علي

الدکتور: محمود امین النواوي

قال الاستاذ الادیب محمد المرصفي وهو یتحدث عن اللغة العربیة في مقدمة شرحه لنهج البلاغة (وبین هذه وتلك منزلة هي علینا منازل الکلام فیما نعلم وأشرفها مکانا وأجلها اما کان فیها من صدر الإسلام وشطرا من خلافة بني أمیة جمعوا فیها بین جمال الحضارة الجدیدة وجلال البداوة القدیمة وبشابشة القرآن الکریم بهذه الخصال الثلاث امتاز الخلفاء الراشدون ومن تأثرهم کزیاد والحجاج وقطري بن الفجاءة وقد کان المجلی من هذه الحلبة علي (رضي الله عنه) وما أحسبني أحتاج في اثبات هذا الی دلیل أکثر من نهج البلاغة ذلك الکتاب الذي أقام الله به حجة واضحة علی أن علیا کان أحسن مثال حي لنور القرآن وحکمته وعلمه وهدایته واعجازه وفصاحته اجتمع لعلي في هذا الکتاب ما لم یجتمع لکبار الحکماء من أفذاذ الفلاسفة ونوابغ الربانیین من آیات الحکمة السامیة وقواعد السیاسة المستقیمة ومن کل موعظة باهرة وحجة بالغة تشهد له بالفضل وحسن الأثر.

خاض علي في هذا الکتاب لجة العلم والسیاسة والدین فکان في کل هذه المسائل نابغة مبرزا ولئن سألت عن مکان کتابه من الدب بعد أن عرفت مکانه من العلم فلیس في وسع الکاتب المسترسل والخطیب المقصع والشاعر المفلق أن یبلغ الغایة من وصفه وحسبنا أن نقول انه الملتقی الفذ الذي التقی فیه جمال الحضارة وجزالة البداوة والمنزل المفرد الذي اختارته الحقیقة لنفسها منزلا تطمئن فیه وتأوي الیه بعد أن زلت بها المنازل في کل لغة) هذا وأما أنا فسأحاول أن أحلل بعض عوامل تلك العبقریة العلویة مما یشوق الی مطلبها:

نشإ علي کما قلنا في بیت النبوة حیث تتلي آیات الله والحکمة فیحظی بالنصیب الاوفی من فیوضات الاسلام وهي المادة الخصیبة لکل أدیب، وسعد مع ذلک بغصن النبوة فاطمة الزهراء فکانت تزیده أدبا الی أدبه وتمده ببعض ما أخذت عن أبیها من دونه ولقد حفظ علي القرآن کله ثم وقف علی أسرارله ومزجه بلحمه ودمه ویری القاریء الفاضل ذلك في نهج البلاغة الذي تتخلل خطبه ورسائله وحکمته جملا کثیرة من آیات الکتاب العزیز وجدیر بعلي فط خصوبته وعبقریة واستعداده في صفائه النفسي وعزوفه عن الدنیا أن تتفجر من ذلك کله ینابیع الحکمة متدفقة کالمحیطات بالسلسل العذب من الکلمات کما یتجلی ذلك في نهج البلاغة الذي نحلیك علیه لتری العجب العجاب من هذا البیان الفیاض ولقد تتلمذ علی هذا البیان الحسن البصري فکان آیة الآیات في بلاغته وله أعظم التأثیر في ارشاده وتتلمذ علیه زیاد بن أبیه فکان النمط الاسمی للبیان في عصره وتتلمذ علیه عبدالحمید الکاتب وصار امام الکتاب من بعده، لقدکان علي (کرم الله وجهه) في تدفقاته خضما من الربانیین فخاض أسرار الکون وطبائع الناس وتشریح النفوس وبیان حقائقها وعرض لمداخل الشیطان ومخارجه وفتن الدنیا وآفاقها وتکلم بالعجب في الموت وأحواله وفي بدء الخلق وأطواره وفي شأن السماء وما یعرج فیها من أملاك وما یحف بها من أفلاك کما عرض لملك الموت ووصفه وأطال في وصفه وخطب علي في السیاسة وکتب فیها وفط شؤون البیعة والعهد والقضاء واختیار الاحق من الناس وما أحاط بذلک من ظروفه مثل التحکیم وما تبعه من آثار سیئة وتفریق للکلمة ولم یفته أن ینوه في خطبه بأنصار الحق وأعوان الخیر والدعوة الی الجهاد ولم یترك محاجة الخوارج والنصح لهم ولأمثالهم في اتباع الحق ومنطق بدیع غیر أن ناحیة عجیبة امتاز بها الامام وهي ما اختص بها الانبیاء ومن کان ذکر کثیرا من مستقبل الامة وأورد ما یکون لبعض أحزابها کالخوارج وغیرهم ومن ذلك ومنعه لصاحب الزنج وذکر الکثیر من أحواله وذلك من غیر شک لون من الکرامات ولما قال له بعض أصحابه لقد أوتیت یا أمیرالمؤمنین علم الغیب وقال للرجل وکان من بني کلب: «یا أخا کلب لیس هو بعلم غیب وانما هو تعلم من ذي علم انما علم الغیب علم الساعة وما عدد الله بقوله... الآیة الکریمة ان الله عنده علم الساعة ... فعلم الله سبحانه وتعالی خاص بالارحام من ذکر أو أنثی أو قبیح أو جمیل وسخي أو بخیل وشقي أو سعید ومن یکون في النار حطبا أو في الجنان مع النبیین مرافقا فهذا علم الغیب الذي لا یعلم أحد غیر الله الذي لا یغیب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وما سوی ذلك فعلم علمه الله نبیه فعلمنیه ودعا لي أن یعیه صدري...».

هذا الی أن طرق نواحي من القول کانت من خواص الشعر اذ ذاك ولکنه ضمنها خطبه فوصف الطیر وعرض للخفاش وما فیه من عجائب والطاووس وما یحویه من أسرار وغرائب وذکر ما في الانسان من عجاب الخلق وآیات المبدع الحق سبحانه وتعالی وأحیلك في هذا کله علی نهج البلاغة، ولکني أتعجل لك جملا من قوله في الخفاش وهو یذکر بالله سبحانه و تعالی... (من لطائف صنعته وعجائب حکمته ما أرانا من الغوامض في هذه الخفافیش التي یقبضها الضیاء الباسط لکل شيء ویبسطها الظلام القابض لکل شيء وکیف غشیت أعینها عن أن تستمد من الشمس المضیئة نورا تهتدي به في مذاهبا... الخ) ووصف الطاووس وهو یتحدث عن الطیر أیضا ومن أعجبها خلقا الطاووس الذي أقامه الله في أحکم تعدیل ونضر صفاته في أحسن تنضیر بجناح أشرع قصیه وذنب أطال مسحیه وذا درج الی الانثی نشره من طیه وسما به مطلا علی رأسه الی أن یقول یفضي کافضاء الدیکه ویؤر بملاحقه أر الفحول المغتلمة في الضراب فان شبهته بما أنبتت الأرض قلت جنی جنی من زهرة کل ربیع وان ضاهیته بالملابس فهو کموشي الحلی أو مرفق عصب الیمن أو شاکلته بالحلی فهو کقصوص من ذات ألوان ... الخ) وهکذا تجد في أدب علي الدین والسیاسة والوصف العجیب والبیان الزاخر ففیه کتاب الی شریح القاضي یعظه وقد اشتری دارا ویحذره أن یکون من مال المسلمین معان عجیبة وأسلوب خلاب وفي کتابه الی معاویة یجادله في الاحق بالخلافة وفي شأن قتلة عثمان بن عفان بیان ملزوم وحجج دامغة صادقة لا یحسها غیره وفي کتبه الی العاملین علی الصدقات تعالیم لبیان الواجبات وما یلزمهم من جمیع ملابساتهم.

وله (کرم الله وجهه) عهد الی محمد ابن ابي بکر حین قلده مصر یفیض بالقوة والتوجیه العظیم وله وصیة الی ابنه الحسن عند منصرفه من صفین لم یدع فیها معنی تتطلبه الحیاة لمثله الا وجهه فیه أسمی توجیه في فلسفة نبیلة وحکم رائعة جلیلة وکل تلك النواحي والاغراض في معان سامیة مبسطة تدنو بها الی جمیع النفوس وتمتلك بها أزمة القلوب ومما یذکر من شؤونه العجیبة أن رجلا من أصحابه قام الیه فقال له نهیتنا عن الحکومة (التحکیم) ثم أمرتنا بها فما ندري أي الامرین أرشد فصفق باحدی یدیه علی الاخری ثم قال:

«هذا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ! أَمَا وَاللهِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِما أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْراً، فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ وَإِنِ اعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ، لَكَانَتِ الْوُثْقَى، وَلكِنْ بِمَنْ وَإِلَى مَنْ، أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَأَنْتُمْ دَائي كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا  مَعَهَا، اللَّهُمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هذَا الدَّاءِ الدَّوِيِّ وَكَلَّتِ النَّزْعَةُ  بِأَشْطاء الرَّكِن أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الاِسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ قَرَأُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وَهِيموا إِلى اللقاء فَوَلَّهُوا وَ لَهُ اللِّقَاحَ إلی أَوْلاَدَهَا وَسَلوا السُّيُوفَ من أَغْمَادَهَا، وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الأرْضِ زَحْفاً ومنعا منعا بَعْضٌ هَلَكَ وَبَعْصٌ نَجَا، لاَ يُبَشَّرُونَ بِالأحْيَاءِ وَلاَ يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتَى قدح الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ ذُبُلُ الشِّفَاهِ  مِنَ الدُّعَاءِ صُفْرُ الألْوَانِ مِنَ السَّهَرِ عَلَى وَجُوهِهمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعيِنَ أُولئِكَ أصحابي الذَّاهِبُونَ».

فانظر أنت الی قوة الحجة والالجاء الی المحجة وغرابةالتشابیه وروعة الاستعارات وسطوع التصویر وانسجام الالفاظ وتآخذها بعضها ببعض من هذا التراث المدهش العجیب ولقد یضیق بي مجال القول وتأخذ مني الحیرة کل مأخذ فأقف عاجزا عن شرح ما یجول بنفسي من تقدیر تلك المعاني السامیة والاسالیب الاخاذة المذهلة ثم یسعدني تصویر الاستاذ الامام له (محمد عبده) وهو یقدم نهج البلاغة فیقول:

«فکان یخیل الي في کل مقام أن حروبا شبت وغارات شنت وان للبلاغة دولة وللفصاحة صولة وان للاوهام عرامة وللریب دعارة وان جحافل الخطابة وکتائب الدرایة في عقود النظام وصفوف الانتظام تنافح بالصفیح الابلج والقویم الاملج وتمتلك المهج بروائع الحجج فتقل من دعارة الوساوس وتصیب مقاتل الخوانس فما أنا والحق الا منتصر والباطل منکسر ومرج الشك في جمود، وهرج الریب في رکود وان مدبر تلك الدولة وباسل تلك الصولة هو أمیرالمؤمنین الغالب علي بن أبي طالب» وبعد فانه یتجلی لك ما یأتي في أسلوب الامام:

١ – الثروة من الالفاظ العربیة الجزلة في مفردها وجمعها ومذکرها مؤنثها وحقیقها ومجازها في غرابة مقبولة لا تخرج بالکلام عن الفصاحة بل تسمو به عن الرکاکة.

٢ – المجازات والکنایات دون تعقید ولا التواء في معرض رائع أنیق وقالب جمیل رقیق.

٣ – الایجاز الدقیق والاطناب العظیم کل في مقامه ویظهر ذلك في سجعاته الغزیرة التي یجمل بکل أدیب أن یحفظ الکثیر منها لیصلح من شأن بیانه العربي السلیم.

٤ – المحسنات البدیعیة في نمط ممتاز مع الاحتفاظ بسلامة البیان وروعة الاداء.

٥ – الجرس والموسیقیة وجمال الایقاع مما لا یدرکه الا أهل الذوق الفنی السلیم.

ولا ینبغي أن أنتهي من هذا التصویر حتی أضیف الیه شیئا مما نوه به الامام یحیی الیمنی صاحب الطراز لقد تکرر تنویهه به في عدة مناسبات وباکورتها تمثیله للبلاغة في أول کتابه وتصویره لها اذ یقول في علي (کرم الله وجهه) فمن معنی کلامه ارتوی کل مسقع خطیب وعلی منواله نسج کل واعظ بلیغ اذ کان (علیه السلام) مشرع الفصاحة وموردها ومحط البلاغة ومولدها وهبوب مزنها الساکب ومتفجر ودقها الهاطل وعن هذا قال أمیرالمؤمنین في بعض کلامه نحن أمراء الکلام وفینا تشبثت عروقه وعلینا تهدلت أغصانه ثم أورد مثالا في أول خطبة في نهج البلاغة وقال العجب من علماء البیان والجماهیر من حزاق المعاني کیف أعرضوا عن کلامه مع علمهم بأنه الغایة التي لا مرتبة فوقها... الی أن قال وقد أثر علی فارس البلاغة وأمیر البیان الجاحظ اذ قال:

«ما قرع سمعي کلام بعد کلام الله وکلام رسوله الا عارضته، الا کلمات لأمیرالمؤمنین علي (کرم الله وجهه) فما قدرت علی معارضته وهي مثل قوله ما هلك امرؤ عرف قدره، استغن عمن شئت تکن أمیره واحتج لمن شئت تکن أسیره ولقد خرج هذا الادب السامي العلوي والبیان العبقري المطلبي نوابغ هذه الامة من القدیم والحدیث من أمثال ابن عباس والحسن البصري ثم زیاد والحجاج وقطري ثم عبدالحمید الکاتب وابن المقفع الفیلسوف الادیب ثم من أمثال الاستاذ الامام الشیخ محمد عبده وسعد زغلول والهلباوي وغیرهم من قادة الفکر من کل عصر فهل عسی أن نسلك مسلکهم في التهافت علی هذا التراث الثمین والکنز الدفین، أن یرد الله الخیر باللغة العربیة وبالدعاة الی التحریر الصادق والثقافة الاسلامیة النبیلة الکریمة فهیا أیها الشباب الی تلك المأدبة التي ما تذوقتم طعمها ولم تنهضوا بأنفسکم وأسرکم وأممکم الا بالتزود ففیها کل مالذ وطاب وکان السمو والنبل لأولي الالباب.

د. محمود امین النواوي

الاستاذ بالدراسات العلیا

جامعة الازهر

****************************