وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                
وقال (عليه السلام): رُبَّ مَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ.                
وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَر.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.                

Search form

إرسال الی صدیق
التشكيك في نسبة النهج

لم يذكر الشريف الرضيّ في صدر كتابه المصادر الّتي رجِع إليها حين اختيار كلام الإمام عليّ عليه السلام أو الشيوخ الّذين نقل عنهم، إلّا أنّه - كما يبدو من تضاعيف الكتاب - نقل في بعض ما نقل عنه، عن كتاب البيان والتبيين للجاحظ، والمقتضب للمبرِّد، والمغازي لسعيد بن يحيى الأمويّ، والمقامات لأبي جعفر الإسكافيّ وغيرها من الكتب.
وهذا الأمر كان سبباً هامّاً في تشكيك بعضٍ في مدى صحّة ما نسبه الرضيّ إلى الإمام عليه السلام في نهج البلاغة من كلام.
فقال بعضهم إنّه كلّه من كلام جامعه لا من كلام مَن نُسِب إليه، وبعضهم أخطأ في اسم جامعه فنسبه إلى الشريف المرتضى (أخي الشريف الرضيّ)، وادّعى أنّه من وضعه لا من كلام الإمام عليّ عليه السلام، وبعضهم تنازل عن هذه الدعوى إلى ما هو أخفّ منها فقال إنّه قد دخل فيه ما ليس من كلام الإمام عليّ عليه السلام.
ولعلّ أوّل من بذر بذرة التشكيك في نسبة النهج إلى الإمام عليّ عليه السلام وفي جمعه هو ابن خلّكان صاحب كتاب (وفيّات الأعيان، وأنباء أبناء الزمان) حيث قال في ترجمة سيرة وحياة السيّد المرتضى:
"وقد اختلف الناس في كتاب (نهج البلاغة) المجموع من كلام الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، هل جَمْعُهُ أم جَمْعُ أخيه الرضيّ؟ وقد قيل: إنّه ليس من كلام عليّ، وإنّما الّذي جمعه ونسبه إليه هو الّذي وضعه، والله أعلم" [١].
ثمّ جاء من بعد ابن خلّكان من يتابعه على هذا الرأي الفاسد، فنسج على منواله شُبهاً وأوهاماً هي أوهى من بيت العنكبوت، ومن هؤلاء:
١- ابن تيميّة(توفي سنة ٧٢٨هـ) في (منهاج السنّة) حيث يقول: "وهذه الخطب المنقولة في نهج البلاغة لو كانت عن عليّ ومن كلامه لكانت موجودة قبل هذا المصنّف (أي كتاب نهج البلاغة)، منقولة عن أعلى الأسانيد" [٢].
٢- الذهبيّ (توفي سنة ٧٤٨هـ) في (ميزان الاعتدال)، حيث يقول في ترجمة الشريف المرتضى: "عليّ بن الحسين الحسينيّ الشريف المرتضى.. وهو المتّهم بوضع كتاب نهج البلاغة. وله مشاركة قويّة في العلوم. ومن طالع كتابه نهج البلاغة جزم بأنّه مكذوب على أمير المؤمنين عليه السلام، ففيه السَبُّ الصراح، والحطّ على السيّدين أبي بكر وعمر، وفيه التناقض والأشياء الركيكة والعبارات الّتي من له معرفة بنفَس القرشيّين الصحابة وبنفَس غيرهم ممّن بعدهم من المتأخّرين جزم بأنّ الكتاب أكثره باطل" [٣].
٣- الصفديّ (توفي سنة ٧٦٤هـ) في (الوافي بالوفيات).
٤- اليافعيّ (توفي سنة ٧٦٨هـ) في (مرآة الجنان).
٥- ابن حجر (توفي سنة ٨٥٢هـ) في (لسان الميزان).
٦- جرجي زيدان (توفي سنة ١٣٣٢هـ) في (آداب اللغة العربيّة).
٧- محمّد كرد عليّ (توفي سنة ١٣٧٢هـ- ١٩٥٣م) في (الإسلام والحضارة العربية).
٨- أحمد أمين (توفي سنة ١٣٧٣هـ- ١٩٥٤م) في (فجر الإسلام).
٩- أحمد حسن الزيّات (توفي سنة ١٩٦٨م) في (تاريخ الأدب العربيّ).
١٠- محمّد سيّد كيلانيّ (معاصر)في (أثر التشيّع في الأدب العربيّ).
ومن الّذين سلكوا هذا المسلك في عصرنا الحاضر الأستاذ محمّد أبو الفضل إبراهيم حيث قال في مقدّمة شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:
"وعلى مرِّ العصور والأزمان كانت نسبة ما في كتاب نهج البلاغة إلى الإمام عليّ عليه السلام مثاراً للشكّ عند العلماء والباحثين المتقدّمين والمتأخّرين" [٤].

الجواب عن التشكيك
أوّلاً فيما يتعلّق بجامع النهج:
جامع النهج هو الشريف الرضيّ، دون غيره مطلقاً، والدليل على ذلك:
أ- اتفاق محقّقي العلماء والمؤرّخين على أنّ نهج البلاغة من جمع الشريف الرضيّ وحده، لا من جمع غيره، بحيث إنّه انفرد وحده في القيام بهذا العمل ولم يشترك أحدٌ معه في ذلك. وعليه لا يضرُّ بذلك ما يقوله بعض الشُذَّاذ.
ب- إجازات تلاميذ الشريف الرضيّ وسلسلة تلاميذه من بعدهم خلفاً عن سلف بما يصل إلى حدّ التواتر. وهذه الإجازات تتضمّن نسبة هذا الكتاب إلى الشريف الرضيّ وحده.
ج- تصريحات الشريف الرضيّ نفسه في مواطن كثيرة بأنّ النهج من جمعه وحده شخصيّاً، مثل ما ورد في مقدّمة كتابه (خصائص الأئمّة) الّذي هو من تأليفه بإجماع العلماء حيث يقول فيه:
"ابتدأت تأليف كتاب (خصائص الأئمّة) عليهم السلام... وسألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على المختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه، ومتشعّبات غصونه من خطب وكتب ومواعظ وأدب. ورأيت من بعد تسمية هذا الكتاب بنهج البلاغة".
وعلى هذا الأساس وبعد تصريح الرضيّ نفسه بأنّه هو الجامع للنهج وأنّه من كلام الإمام عليّ عليه السلام، فنحن نسأل لماذا لم يدّعِ الرضيّ أنّ الكتاب من تأليفه؟ وما الداعي لأن يُخفي ذلك؟ ولماذا لم ينسب الكتاب إلى نفسه رغم أنّه لو ادّعى ذلك لاعتُبِر الرضيّ من الرجال الأفذاذ ولكان ذلك مفخرةً وزيناً له؟
ومن المفيد جدّاً أن نذكر هنا ما قاله الأمير شكيب أرسلان عندما سُئل عن رأيه فيما ذكره أحد الجالسين في محضره من أنّ نهج البلاغة موضوع على لسان الإمام عليّ عليه السلام حيث قال:
إذا كان نهج البلاغة موضوعاً فمن هو واضعه؟ هل هو الشريف الرضيّ؟ فقالوا له: نعم.
فقال: إنّ الشريف الرّضي لو قُسِّم أربعين رجلاً ما استطاع أن يأتي بخطبةٍ واحدة قصيرة من خطب نهج البلاغة، أو جملةٍ من جمله، ونهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام دون شكٍّ أو ريب، ولكنّ الّذي أوجب الشكّ فيه اشتماله على القدح في الصّحابة الّذين هم مقدّسون في أنظار الناس [٥].
ثانياً: في ما يتعلّق بكون ما بين دفّتي (نهج البلاغة) من جمع الرضيّ، وهذا ما يُثبته:
أ - إنّ خطب أمير المؤمنين عليه السلام ومواعظه وكتبه وأوامره حظيت بعناية العلماء والأدباء والمتكلِّمين من قبل أن يولد الشريف الرضيّ، حيث اهتمّ كثير منهم بجمع الكثير منها حتّى تكوّن من ذلك مجاميع عديدة ذكر منها صاحب كتاب (مصادر نهج لابلاغة) ثمانية وعشرين كتاباً في الخطب والكتب والرسائل والكلمات والعظات، وكلّها لمؤلِّفين توفُّوا جميعاً قبل أن يولد الشريف الرضيّ بما لا يقلّ عن مائة عام [٦].
ب -إنّ بعضهم كان يحفظ كثيراً من كلام الإمام عليّ عليه السلام ويستعين به في إنتاجه الفنّي من أمثال: الحسن البصريّ، وعبد الحميد الكاتب، وابن نباتة، وابن المقفّع كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
ج - إنّ خطبه عليه السلام وحدها الّتي كانت متداولة بين الناس تجاوزت الأربعمائة خطبة كما ذكر اليعقوبيّ المتوفّى سنة ٢٩٢ هـ في كتابه (مشاكلة الناس لزمانهم) حيث قال: "حفظ الناس عنه عليه السلام الخطب، فإنّه خطب بأربعمائة خطبة، حُفِظت عنه وهي الّتي تدور بين الناس ويستعملونها في خطبهم" [٧] .
بالإضافة إلى ما ذكره المسعوديّ المتوفّى سنة (٣٤٦) في (مروج الذهب) حيث قال: "والّذي حفظ الناس من خطبه، في سائر مقاماته أربعمائة ونيّف وثمانين خطبة يوردونها على البديهة، وتداول الناس ذلك عنه قولاً وعملاً" [٨].
هذا وقد تصدّى جماعة من علماء السنّة والشيعة لدحض هذه الشبهات والأقوال وتناولوها بالبحث والتدقيق، وممّن تعرّض للدفاع عن نسبة النهج إلى الإمام عليّ عليه السلام وإبطال قضيّة التشكيك ابن أبي الحديد المعتزليّ في شرحه للنهج حيث يقول:
"كثير من أرباب الهوى يقولون: إنّ كثيراً من نهج البلاغة كلامٌ مُحدَثٌ صنعه قوم من فصحاء الشيعة، وربّما عزوا بعضه إلى الرضيّ أبي الحسن أو غيره، وهؤلاء أعمت العصبيّة أعينهم". وأجاب عن هذا الكلام فقال:
"لا يخلو إمّا أن يكون كلّ نهج البلاغة مصنوعاً منحولاً، أو بعضه.
والأوّل: باطل بالضرورة, لأنّا نعلم بالتواتر صحّة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السلام. وقد نقل المحدّثون - كلّهم أو جلّهم - والمؤرّخون كثيراً منه، وليسوا من الشيعة ليُنسبوا إلى غرض في ذلك.
والثاني: يدلّ عليّه ما قلناه، لأنّ من قد أنِس بالكلام والخطابة، وشَدَا طَرَفاً من علم البيان، وصار له ذوق في هذا الباب, لا بُدَّ أن يُفرِّق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الفصيح والأفصح، وبين الأصيل والمولّد. وإذا وقف على كرّاسٍ واحد يتضمّن كلاماً لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط، فلا بُدَّ أن يُفرِّق بين الكلامين، ويُميّز بين الطريقتين... فإنّنا نرى أنّهم حذفوا من شعر أبي نوّاس كثيراً لمّا ظهر لهم أنّه ليس من ألفاظه ولا من شِعره... وأنت إذا تأمّلت نهج البلاغة وجدته كلّه ماءً واحداً، ونفَساً واحداً، وأسلوباً واحد, كالجسم البسيط الّذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهيّة, وكالقرآن العزيز أوّله كوسطه، وأوسطه كآخره، وكلّ سورة منه، وكلّ آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفنّ والطريق والنظم لباقي الآيات والسور.
ولو كان بعض نهج البلاغة منحولاً، وبعضه صحيحاً، لم يكن ذلك
كذلك..." ثمّ قال: "إنّ فتح هذا الباب يؤدّي بنا إلى عدم الثقة بصحّة أيّ من كلام منقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم" [٩]   .
ونحن لو حاولنا التأمّل بدقّة وبعين البصيرة والإنصاف لوجدنا أنّ الباعث لهؤلاء على إنكار نهج البلاغة كلّه أو بعضه إنّما هو اشتماله على ما يعدّونه قدحاً في الصّحابة المقدَّسين عن كلِّ قدحٍ كالّذي اشتملت عليه الخطبة الشقشقيّة وغيرها، واشتماله على ما يظهر منه التألّم ممّن تقدّمه في الخلافة وإظهار أنّه أحقّ بها منهم.

شبهة الإضافات في نهج البلاغة
من الشُبه الّتي حامت حول "نهج البلاغة" شبهة الزيادات فيه، فقد زعم بعضهم أنّ الشريف الرضيّ بعد فراغه من جمع نهج البلاغة ترك أوراقاً من البياض في آخر كلّ باب من أبوابه الثلاثة "لاقتناص الشارد واستلحاق الوارد"، فلم يبقَ "النهج" على ما وضعه الرضيّ بل تعرّض لإضافات وزيادات حتّى بلغ إلى هذا الحدّ من الضخامة.
وهذه الدعوى من الافتراءات الّتي تُشبه القول بأنّ نهج البلاغة من وضع الشريف الرضيّ، وهي مردودة لأمور:
١ - إنّ النسخة الّتي بخطّ الرضيّ كانت موجودة في زمن ابن أبي الحديد المتوفّى سنة (٦٥٥ أو ٦٦٦) هـ، والّذي ألّف شرح نهج البلاغة ما بين سنة (٦٤٠) و (٦٤٤)هـ. "فالنهج" إلى هذا الحدّ سالم من التغيير والإضافة، بل وإلى زمن كمال الدين ميثم بن عليّ بن ميثم البحرانيّ المتوفّى سنة (٦٧٦)
هـ. لأنّه أشار إلى نسخة الرضيّ في مواضع من شرحه على نهج البلاغة.
٢- إنّ العادة كانت جارية بأنّهم يروون "نهج البلاغة" خلفاً عن سلف، ولا يكتفي بعضهم بروايته من طريق واحد.
٣ - هناك نسخ خطيّة من "نهج البلاغة" لا تزال موجودة تختلف تواريخها ولا تختلف محتوياتها. فمن أين تسرّبت هذه الزيادات؟ ولماذا لم يُعثر على نسخة واحدة خالية من هذه الإضافات المزعومة؟! ولماذا لم يقل بهذا أحدٌ من القدامى حتّى الّذين يذهبون إلى أنّ في (النهج) شيئاً "منحولا"؟
وكيف تواطأ ناسخو النهج وشرّاحه ورواته مع اختلاف أوطانهم وأزمانهم، بل واختلاف مذاهبهم ومشاربهم على الإضافة والتغيير؟
بقي شيء آخر لا بُدَّ من التنبيه عليه، وهو اختلاف ترتيب نسخ النهج بتقديم بعض الخطب والكلمات في نسخة وتأخيرها في نسخة أخرى، والسبب في ذلك أنّ بعض النسّاخ كتب الخطبة اللاحقة قبل السابقة سهواً ثُمّ تنبّه فكتب السابقة قبل اللاحقة من دون تنبيه فجاء من بعده فنقلها كما وجدها. وهذا لا يضرّ، ولا يُقلِّل من أهميّة الكتاب ولا يقدح في نسبته بعد الاتفاق على أنّ كلّ واحدة من نسخ (النهج) اشتملت على ما اشتملت عليه الأخرى، وقلّ أن يخلو كتاب من ذلك.

------------------------------------------------------------

[١] . وفيّات الأعيان، وأنباء أبناء الزمان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن أبي بكر بن خلّكان (ت، ٦٨١)، ج٣/ص٣، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
[٢] . راجع الإسلام والحضارة العربية، محمّد كرد علي،ج ٢، ص ٦١.
[٣] . ميزان الاعتدال، الذهبي، ج٣، ص١٢٤ دار المعرفة، بيروت.
[٤] . شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد، مقدّمة أبو الفضل ابراهيم، ج ١، ص٧.
[٥] . أعيان الشيعة، السيّد الأمين، ج ١، ص٥٤.
[٦] . راجع مصادر نهج البلاغة الجزء الأوّل منه. وراجع ما تقدّم في الدرس الأوّل فقرة هل كان الرضيّ أوّل من جمع كلام الإمام عليّ عليه السلام.
[٧] . نهج السعادة، المحمودي، ج١، هامش ص ١٢.
[٨] . مروج الذهب، المسعودي، ج٢، ص ٤٣١.
[٩] . شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج١، ص ١٢٨- ١٢٩.
****************************