وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام): خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ .                
وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                
وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ .                

Search form

إرسال الی صدیق
التفسير الموضوعي لنهج البلاغة – الثالث

السيد محمود الهاشمي

المنهج الاستقرائي

هوأحد مناهج الاستدلال على اثبات الصانع الحكيم - سبحانه وتعالى - هوفي شيوعه ووضوحه ساوق المنهج الاول (الفطري).

ومنحى هذا المنهج لاثبات الصانع، يقوم على أساس الآیات والآثار التي تدل على الحكمة في الصنع والتدبيرفي الخلق، والتي تدل بدورها على وجود الصانع (وجود الله سبحانه وتعالى).

فالدليل الاستقرائي العلمي، يساوق المنهج والاستدلال المنطقي الذي يواجهه الانسان حينما يثبت أية حقيقية علمية أونظرية تجريبية، فنحن نعلم أن العلوم والنظريات العلمية من المسائل التي تمتلك استدلالا يسمى في علم المنطق وعلم الاستدلال (بالاستقراء والتجربة).

أي مثلا: عندما أثبتوا أن الحديد أوالفلزات تتمدد بالحرارة. كيف تم هذا اللون من الأثبات لهذه الحقيقة العلمية ؟

أثبتوها على أساس مشاهدات وملاحظات واستقراء وتجربة، حيث جاؤا بقطعة من الحديد ووجهوا اليها الحرارة مرة ومرتين وثلاثا، فوجدوها تتمدد في جميع المرات، فاستنتجوا من ذلك قانونا كليّا: هوأن الحديد يتمدد بالحرارة.

هذا وأن جميع الخواص والقوانين الكيميائية والفيزيائية والفلكية والطبيعية - والتي أصبحت اليوم من البديهيات والواضحات والمسلّمات - منهج الاثبات هومنهج الاستدلال العلمي، أي (الاستقرائي)[١].

وقد وجد في تأريخ العلم والفلسفة الكثير من الاتجاهات التي نادت بالاقتصارعلى المنهج العلمي للاستدلال، فاتجهت الى ان تنكر التوحيد ومبدأ ماوراء المادة، بأعتبار ان المنهج العلمي يختص بحقل المادة والتجربة فقط،...

الاّ ان سيدنا الشهيد الصدر (رض) في كتابه، الاسس المنطقية للاستقراء اثبت حقيقة قّيمة ومن اروع ما انتهت اليه المدرسة الاسلامية، وهي ان المنهج الاستقرائي ذاته يمكن أن يكون مصدرا لأثبات الله سبحانه وتعالى، بنفس الطريقة

التی نثبت من خلالها الحقائق العلمية المجردة، ولعلها المحاولة الاولى في تأريخ الفكرالديني والفلسفة الالهية هذه التي ذهب اليها سيدنا الشهيد الصدرفقد استدل بها لاثبات وجود الله سبحانه وتعالى بنفس القوة والاسس المنطقية التي يستدل بها لاثبات حقيقة عملية ربما تكون من المسلمات،..

وبهذا اوضح انه لا يمكن الفصل بين العلم والايمان، فأما ان نطقي للعلم والايمان واحد وهوالاستقراء

ان جوهرالاستدلال بالملاحظة والاستقراء والتجربة، يبتني: انه كلّما وجد الفكر البشري ظاهرتين متقارنتين، احداهما مع الاخرى تتكرر، بحيث كلّما وجد الظاهرة الاولى تحققت الظاهرة الثانية ايضا.

ففي مثل هذه الحالة، سوف يؤمن الذهن البشري بوجود علاقة بين هاتين الظاهرتين.

وان الظاهرة الأولى لها ارتباط بالظاهرة الثانية، اما علّة للظاهرة الثانية، أوكلتاهما معلولتان لعلّة ثالثة بحسب اصطلاح الفلاسفة.

والذهن البشري ينفي افتراض أن يكون اقتران الظاهرتين من باب الصدفة، ومن باب الاتفاق، مع تكرار نفس الظاهرة والنتيجة، كظاهرة تقارن الاحتراق بالنار، أوالتمدد بالحرارة للفلزات.

بل يؤمن - الذهن - ويعتمد أن هناك علاقة بين الظاهرتين المتقارنتين، ويستدل بأن هذه الظاهرة علّة لتلك، أوهناك نکتة مشتركة تقتضيهما معا.

فلوافترضنا، أن قطعة من الحديد بمجرد ملامستها - للحرارة وبعد فترة زمنية - قد تمددت وحصلت تلك الخواص والحالات المعروفة فقد نحتمل , في المرة الاولى اوالثانية اوالثالثة او... حصولهما اتفاقا.

لكن مع تکرارالحالة والنتيجة، وتكرارالأرقام، سوف ينفي الذهن البشري باب الاتفاق والصدفة هنا، وسوف يعّمم الاستنتاج الذي حصل عليه من التقارن بين الظاهرة المتكررة هو(المنهج الاستقرائي)، والذي يدل هنا على نفي الصدفة والاتفاق، فهذه الصدفة بالحساب الرياضي تكون منفية لحدّ يبلغ حدّ الصفر في النهاية، حيث ان هذا الاتفاق له صورعديدة، قد يتفق فقط في الصورة الثالثة، وهكذا..أما افتراض أنها تتفق في كل هذه المرات، هذا الاتفاق في نفسه فرضية أواحتمال، هوالذي يسمى بالصدفة النسبية وهوالذي ينفيه المنهج العلمي ومنطق الاستقراء.

انّ الانسان عندما يأخذ أيّة عينة من العينات الموجودة في الكون، ياخذ خلية واحدة مثلا من الكائنات العضوية، أوجزئية للكائن غيرالعضوي، ويدقق فيها، يجد ان ما تحتوي من التركيبات المعقدة المقترنة بتكوينها، تمتلك من الدّقة ومن الترابط المؤثر بين أجزائها، ما يحمل الانسان على الدهشة والحيرة،..هذه الخلية لوأردنا أن نرجع مكوناتها هذه الى الصدفة، قد نفترض ان مكوناتها وظواهرها قد اجتمعت اتفاقا مع الظاهرة الاولى والثانية والثالثة..، بهذا الترتيب دون وجود أي سبب أواي مبدأ ربط بين هاتين الظاهرتين بوعي وادراك، هذا الافتراض قيمته الاحتمالية، واحد من ملايين من الاحتمالات، والافتراضات التي تستلزم افتراضات - بحساب الاحتمالات - تبلغ الملايين، تكون منفية.

هذا المبدأ المنطقي والرياضي ينفي احتمال الصدفة والاتفاق للظواهرالأخرى، بنفس الدرجة ينفي فيها اتفاق الظواهرالمتعددة عشوائيا، بالنسبة لتمدد الحديد أواحراق النار، فنفي الصدفة لظاهرتين صغيرتين يقّرها الذهن البشري، ولا يقول بوقوعها اتفاقا.

فكيف بهذه الظواهر الكونية والطبيعية وغيرها، والتي لها من الدّقة والحكمة ما لا يمكن للذهن الانساني حصره وبيانه.

القرآن الكريم يشيرالى هذه الحقيقة، ويثبتها، ويحاول ان ينبه الذهن البشري اليها، عن طريق العديد من الآیات التي تشير لهذا المعنى منها:

(أفلا ينظرون الى الابل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت والى الجّبال كيف نصبت والى الأرض كيف سطحت) (الغاشية: ١٧ – ٢٠).

وآية (لهم الليل نسلخ منه النهار فأذا هم مطلعون. والشمس تجري لمستقرّ لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمرقدّرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشّمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون). (يسّ: ٣٧ - ٤)

(افلم ينظروا الى السّماء فوقهم كيف بنيناها وزيّنها وما لها من فروج. والأرض مددناها والقينا فيها رواسي وأننبتنا فيها من كل زوج بهيج). (ق: ٦ -٧)

فهي دعوة تأمل وتفكر في الآيات الصنع والابداع والتناسق والنظم الموجودة في الكون والخلق والطبيعة، فان كل عينة من عينات عالم الوجود وما فيها من الابداع والنظم والدقة والتناسب، يكفي لأثبات وجود مدبر حكيم، استطاع أن يوجد ويخلق هذه العينة بوعي وادراك، وكل قد أوجده بقصد وحكمه.

والامام (ع) في نهج البلاغة يشيرالى هذا المنهج كثيرا ايضا، ويتعرض لمسألة اثبات وجود الله سبحانه من خلال هذا المنهج، ويوجه الذهن البشري الى أيات قدرة الله وابداعه في الكون، فهو(ع) يتعرض لخلق السماوات والارض والبحار والطاووس والنملة... والى الكثير من آيات الابداع والدقة في الصنع والايجاد...

يقول (ع):

(ولوفكّروا في عظيم القدرة، وجسيم النّعمة، لرجعوا الى الطّريق وخافوا عذاب الحريق. ولكن القلوب عليلة، والبصائر مدخولة ! ألا ينظرون الى صغير ما خلق، كيف أحكم خلقه، وأتقن تركيبه، وفلق له السّمع والبصر، سوّى له العظم والبشر! انظروا الى النّملة في صغر جُثَّتها، ولطافة هيئتها، تكاد تُنَال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفِكَر، كيف دبّت على أرضها، وصُبّت على رزقها، تنقل الحبّة الى جُحرها، وتُعِدّها في مستقرّها.

تجمع في حرّها لبردها، وفي وردِها لصِدَرها مكفول برزقها، مرزوقة بِوِفْقها، لا يغفلها المنّان، ولا يحرمها الدّيّان، ولوفي الصّفا اليابس، والحجرالجامس ! ولوفكرت في مجاري أكلها، في علوها وسفلها، وما في الجوف من شراسيف بطنها، وما في الرّأس من عينها وأذنها، لقضيت من خلقها عجبا، ولقيت من وصفها تعبا ! فتعالى الذي أقامها على دعائمها ! لم يشركه في فطرتها فاطر. ولم يُعِنه على خلقها قادر. ولوضربت في مذاهب فكرك لتبليغ غاياته، ما دلّتك الدّلالة اِلاّ على أنّ فاطرَ النّملةِ هوفاطرالنّخلة، لدقيق تفصيل كلّ شيء، وغامض كلّ حيّ. وما الجليل واللطيف، والثّقيل والخفيف، والقويّ والضّعيف في خلقه إلا سواء)

ثم يضيف الامام (ع):

(وكذلك السّماء والهواء، والريّاح والماء فأنظرالى الشّمس والقمر، والنّبات والشّجر، والماء والحجر، واختلاف هذا اللّيل والنّهار، وتفجّرهذه البحار، وكَثْرَة هذه الجبال، وطول هذه القلال وتفرّق هذه اللّغات، والألسن المختلفات فالويل لمن أنكر المقدّر، وجحد المدبّر ! زعموا أنّهم كالنّبات ما لهم زارع، ولا لاختلاف صورهم صانع، ولم يلجوّوا الى حجّة فيما أدّعَوا، ولا تحقيق لما أوْعَوا، وهل يكون بناء من غير بأنٍ، أوجناية من غَيرِ جانٍ !).

(نهج البلاغة: خطبة ١٨٥)

فواضح ان الامام هنا، يشيرالى آيات صنع الله سبحانه وتعالى وحكمته ودقيق ابداعه، ثم يستدل من خلالها، لى وجود الصانع والمدبّرالحكيم.

ويبطل بهذا اللون من الاستدلال، آراء من جحدوا الخالق المدبّر، فنسبوا الخلق والوجود الى لصدفة أوالطبيعة.

يتبع  ...

----------------------------------------------------
[١] . كان التصورالسائد فيما سبق، ان المنهج الاستقرائي يختص بأثبات النظريات العلمية، ومجالة الحقول المادية التي يمكن مشاهدتها وملاحظة آثارها ولا يمكن من خلال هذا المنهج اثبات وجود عالم الغيب والمبدأ الاول الذي هوما وراء المادة.
****************************