وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ .                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                

Search form

إرسال الی صدیق
الحياة والإحتضار والموت والقبر وصفة الموتى في كلام الإمام علي (عليه السلام)

لبيب بيضون

قال الامام علي (ع):

فإنّكم لوقد عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم ووهلتم، وسمعتم وأطعتم، ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا، وقريب ما يطرح الحجاب. (الخطبة ٢٠، ٦٥)

وقال في الخطبة الغراء يذكر فعل الدنيا: حتّى إذا أنس نافرها، واطمأنّ ناكرها، قمصت بأرجلها، وقنصت بأحبلها، وأقصدت بأسهمها، وأعلقت المرء أوهاق المنيّة (أي حبالها)، قائدة له إلى ضنك المضجع، ووحشة المرجع ومعاينة المحلّ (أي مشاهدة مكانه في الجنة أوالنار)، وثواب العمل. وكذلك الخلف بعقب السّلف. لا تقلع المنيّة اختراما، ولا يرعوي الباقون اجتراما. يحتذون مثالا، ويمضون أرسالا. إلى غاية الإنتهاء، وصيّور الفناء. (الخطبة ٨١، ١، ١٣٧)

فهل ينتظر أهل بضاضة الشّباب إلاّ حواني الهرم؟ وأهل غضارة الصّحّة إلاّ نوازل السّقم؟ وأهل مدّة البقاء إلاّ آونة الفناء؟ مع قرب الزّيال، وأزوف الإنتقال، وعلز (أي هلع) القلق، وألم المضض، وغصص الجرض (أي الريق)، وتلّفّت الإستغاثة، بنصرة الحفدة والأقرباء، والأعزّة والقرناء، فهل دفعت الأقارب، أونفعت النّواحب؟ وقد غودر في محلّة الأموات رهينا، وفي ضيق المضجع وحيدا. قد هتكت الهوامّ جلدته، وأبلت النّواهك جدّته وعفت العواصف آثاره، ومحا الحدثان معالمه. وصارت الأجساد شحبة بعد بضّتها، والعظام نخرة بعد قوّتها، والأرواح مرتهنة بثقل أعبائها، موقنة بغيب أنبائها. لا تستزاد من صالح عملها، ولا تستعتب من سيّى‏ء زللها. (الخطبة ٨١، ٢، ١٤٢)

وقال (ع) في الخطبة الغراء عن المغتر بالدنيا: دهمته فجعات المنيّة في غبّر جماحه، وسنن مراحه. فظلّ سادرا، وبات ساهرا. في غمرات الآلام، وطوارق الأوجاع والأسقام. بين أخ شقيق، ووالد شفيق. وداعية بالويل جزعا، ولادمة للصّدر قلقا. والمرء في سكرة ملهثة، وغمرة كارثة، وأنّة موجعة، وجذبة مكربة، وسوقة متعبة. ثمّ أدرج في أكفانه مبلسا، وجذب منقادا سلسا. ثمّ ألقي على الأعواد، رجيع وصب (أي تعب)، ونضوسقم (أي هزيلا من الضعف). تحمله حفدة الولدان، وحشدة الإخوان. إلى دار غربته، ومنقطع زورته، ومفرد وحشته. حتّى إذا انصرف المشيع، ورجع المتفجّع، أقعد في حفرته نجيّا، لبهتة السّؤال، وعثرة الإمتحان.

وأعظم ما هنالك بليّة نزول الحميم، وتصلية الجحيم. وفورات السّعير، وسورات الزّفير. لا فترة مريحة، ولا دعة مزيحة. ولا قوّة حاجزة، ولا موتة ناجزة، ولا سنة مسلّية. بين أطوار الموتات، وعذاب السّاعات إنّا باللّه عائذون (الخطبة ٨١، ٣، ١٤٦)

ومن كلام له (ع) في عمروبن العاص: أما واللّه إنّي ليمنعني من اللّعب ذكر الموت، وإنّه ليمنعه من قول الحقّ نسيان الآخرة. (الخطبة ٨٢، ١٤٩)

فكأن قد علقتكم مخالب المنيّة، وانقطعت منكم علائق الأمنيّة، ودهمتكم مفظعات الأمور، والسّياقة إلى الورد المورود. ف كُلُّ نَفسٍ مَعَهَا سَائقٌ وشَهِيدٌ: سائق يسوقها إلى محشرها، وشاهد يشهد عليها بعملها. (الخطبة ٨٣، ١٥٠)

وخلق الآجال فأطالها وقصّرها، وقدّمها وأخرها، ووصل بالموت أسبابها، وجعله خالجا لأشطانها (أي جاذبا لحبالها الطويلة)، وقاطعا لمرائر أقرانها (أي لحبالها القوية). (الخطبة ٨٩، ٤، ١٧٥)

أولستم ترون أهل الدّنيا يصبحون ويمسون على أحوال شتّى: فميت يبكى، وآخر يعزّى، وصريع مبتلى. وعائد يعود، وآخر بنفسه يجود. وطالب للدّنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه. وعلى أثر الماضي ما يمضي الباقي ألا فاذكروا هادم اللّذّات، ومنغّص الشّهوات، وقاطع الأمنيات، عند المساورة للأعمال القبيحة. (الخطبة ٩٧، ١٩٢)

وهويرى المأخوذين على الغرّة (أي بغتة)، حيث لا إقالة ولا رجعة، كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون، وجاءهم من فراق الدّنيا ما كانوا يأمنون، وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون، فغير موصوف ما نزل بهم. اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت. ففترت لها أطرافهم، وتغيّرت لها ألوانهم. ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجا. فحيل بين أحدهم وبين منطقه. وأنّه لبين أهله ينظر ببصره، ويسمع بأذنه، على صحّة من عقله، وبقاء من لبّه. يفكّر فيم أفنى عمره، وفيم أذهب دهره ويتذكّر أموالا جمعها، أغمض في مطالبها، وأخذها من مصرّحاتها ومشتبهاتها. قد لزمته تبعات جمعها، وأشرف على فراقها. تبقى لمن وراءه ينعمون فيها، ويتمتّعون بها. فيكون المهنأ لغيره، والعب‏ء على ظهره. والمرء قد غلقت رهونه بها، فهويعضّ يده ندامة على ما أصحر له (أي ما ظهر له وأنكشف) عند الموت من أمره، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيّام عمره، ويتمنّى أنّ الّذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتّى خالط لسانه سمعه. فصار بين أهله لا ينطق بلسانه، ولا يسمع بسمعه. يردّد طرفه بالنّظر في وجوههم. يرى حركات ألسنتهم، ولا يسمع رجع كلامهم. ثمّ ازداد الموت التياطا به، فقبض بصره كما قبض سمعه، وخرجت الرّوح من جسده، فصار جيفة بين أهله. قد أوحشوا من جانبه، وتباعدوا من قربه. لا يسعد باكيا، ولا يجيب داعيا. ثمّ حملوه إلى مخطّ في الأرض، فأسلموه فيه إلى عمله، وانقطعوا عن زورته. (الخطبة ١٠٧، ٢١٠)

وقال (ع) عن صفة الموتى: حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، وأنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفانا. وجعل لهم من الصّفيح أجنان، ومن التّراب أكفان، ومن الرّفات جيران. فهم جيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيما، ولا يبالون مندبة. إن جيدوا (أي أصابهم المطر) لم يفرحوا، وإن قحطوا لم يقنطوا. جميع وهم آحاد، وجيرة وهم أبعاد. متدانون لا يتزاورون، وقريبون لا يتقاربون. حلماء قد ذهبت أضغانهم، وجهلاء قد ماتت أحقادهم. لا يخشى فجعهم، ولا يرجى دفعهم. استبدلوا بظهر الأرض بطنا، وبالسّعة ضيقا. وبالأهل غربة، وبالنّور ظلمة. فجاؤوها كما فارقوها، حفاة عراة.

قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدّائمة والدّار الباقية، كما قال سبحانه وتعالى كَمَا بَدَأنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْداً عَلَيْنَا إنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ. (الخطبة ١٠٩، ٢١٧)

وأسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم. (الخطبة ١١١، ٢١٨)

ثمّ إنّ الدّنيا دار فناء وعناء، وغير وعبر، فمن الفناء أنّ الدّهر موتر قوسه، لا تخطى‏ء سهامه، ولا تؤسى جراحه. يرمي الحيّ بالموت، والصّحيح بالسّقم، والنّاجي بالعطب. (الخطبة ١١٢، ٢٢٠)

فسبحان اللّه، ما أقرب الحيّ من الميّت للحاقه به، وأبعد الميّت من الحيّ لانقطاعه عنه. (الخطبة ١١٢، ٢٢١)

إنّ الموت طالب حثيث، لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب. إنّ أكرم الموت القتل. والّذي نفس ابن أبي طالب بيده، لألف ضربة بالسّيف أهون عليّ من ميتة على الفراش، في غير طاعة اللّه. (الخطبة ١٢١، ٢٣٢)

فإنّه واللّه الجدّ لا اللّعب، والحقّ لا الكذب. وما هوإلاّ الموت، أسمع داعيه، وأعجل حاديه. فلا يغرّنّك سواد النّاس من نفسك. فقد رأيت من كان قبلك ممّن جمع المال، وحذر الإقلال، وأمن العواقب طول أمل واستبعاد أجل كيف نزل به الموت فأزعجه عن وطنه، وأخذه من مأمنه. محمولا على أعواد المنايا. يتعاطى به الرّجال الرّجال، حملا على المناكب وإمساكا بالأنامل. (الخطبة ١٣٠، ٢٤٣)

وقال (ع) قبيل وفاته يصور حاله بعد وفاته: ليعظكم هدوّي وخفوت إطراقي وسكون أطرافي، فإنّه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ والقول المسموع. (الخطبة ١٤٧، ٢٦٢)

وبالإيمان يعمر العلم، وبالعلم يرهب الموت، وبالموت تختم الدّنيا، وبالدّنيا تحرز الآخرة. (الخطبة ١٥٤، ٢٧٤)

يذهب اليوم بما فيه، ويجي‏ء الغد لاحقا به. فكأنّ كلّ امرى‏ء منكم قد بلغ من الأرض منزل وحدته، ومخطّ حفرته: فيا له من بيت وحدة، ومنزل وحشة، ومفرد غربة. وكأنّ الصّيحة قد أتتكم، والسّاعة قد غشيتكم. وبرزتم لفصل القضاء. قد زاحت عنكم الأباطيل، واضمحلّت عنكم العلل. واستحقّت بكم الحقائق. وصدرت بكم الأمور مصادرها. فاتّعظوا بالعبر، واعتبروا بالغير، وانتفعوا بالنّذر. (الخطبة ١٥٥، ٢٧٨)

وأوصيكم بذكر الموت وإقلال الغفلة عنه. وكيف غفلتكم عمّا ليس يغفلكم، وطمعكم فيمن ليس يمهلكم. فكفى واعظا بموتى عاينتموهم. حملوا إلى قبورهم غير راكبين، وأنزلوا فيها غير نازلين. فكأنّهم لم يكونوا للدّنيا عمّارا، وكأنّ الآخرة لم تزل لهم دارا. أوحشوا ما كانوا يوطنون، وأوطنوا ما كانوا يوحشون. واشتغلوا بما فارقوا، وأضاعوا ما إليه انتقلوا. لا عن قبيح يستطيعون انتقالا، ولا في حسن يستطيعون ازديادا. أنسوا بالدّنيا فغرّتهم، ووثقوا بها فصرعتهم. (الخطبة ١٨٦، ٣٤٨)

وبادروا الموت وغمراته. وامهدوا له قبل حلوله، وأعدّوا له قبل نزوله. فإنّ الغاية القيامة. وكفى بذلك واعظا لمن عقل، ومعتبرا لمن جهل. وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الأرماس، وشدّة الإبلاس. وهول المطّلع، وروعات الفزع. واختلاف الأضلاع، وإستكاك الأسماع. وظلمة اللّحد، وخيفة الوعد. وغمّ الضّريح، وردم الصّفيح. (الخطبة ١٨٨، ٣٥١)

واعلموا أنّ ملاحظ المنيّة نحوكم دانية، وكأنّكم بمخالبها وقد نشبت فيكم، وقد دهمتكم فيها مفظعات الأمور، ومعضلات المحذور. فقطّعوا علائق الدّنيا واستظهروا بزاد التّقوى. (الخطبة ٢٠٢، ٣٩٧)

أولئكم سلف غايتكم وفرّاط مناهلكم. الّذين كانت لهم مقاوم العزّ وحلبات الفخر، ملوكا وسوقا. سلكوا في بطون البرزخ سبيلا. سلّطت الأرض عليهم فيه، فأكلت من لحومهم، وشربت من دمائهم. فأصبحوا في فجوات قبورهم جمادا لا ينمون، وضمارا لا يوجدون. لا يفزعهم ورود الأهوال، ولا يحزنهم تنكّر الأحوال. ولا يحفلون بالرّواجف ولا يأذنون (أي يستمعون) للقواصف. غيّبا لا ينتظرون، وشهودا لا يحضرون. وإنّما كانوا جميعا فتشتّتوا، وآلافا فافترقوا. وما عن طول عهدهم ولا بعد محلّهم عميت أخبارهم، وصمّت ديارهم، ولكنّهم سقوا كأسا بدّلتهم بالنّطق خرسا، وبالسّمع صمما، وبالحركات سكونا. فكأنّهم في ارتجال الصّفة صرعى سبات. جيران لا يتأنّسون، وأحبّاء لا يتزاورون. بليت بينهم عرى التّعارف. وانقطعت منهم أسباب الإخاء. فكلّهم وحيد وهم جميع. وبجانب الهجر وهم أخلاّء. لا يتعارفون لليل صباحا، ولا لنهار مساء. أيّ الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا. شاهدوا من أخطار دارهم أفظع ممّا خافوا، ورأوا من آياتها أعظم ممّا قدّروا، فكلتا الغايتين مدّت لهم إلى مباءة، فأتت مبالغ الخوف والرّجاء. فلوكانوا ينطقون بها لعيّوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا. ولئن عميت آثارهم، وانقطعت أخبارهم. لقد رجعت فيهم أبصار العبر، وسمعت عنهم آذان العقول. وتكلّموا من غير جهات النّطق. فقالوا: كلحت الوجوه النّواضر، وخوت الأجسام النّواعم. ولبسنا أهدام البلى، وتكاءدنا (أي شقّ علينا) ضيق المضجع، وتوارثنا الوحشة، وتهكّمت علينا الرّبوع الصّموت. فانمحت محاسن أجسادنا، وتنكّرت معارف صورنا، وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا. (الخطبة ٢١٩، ٤١٦)

فكم أكلت الأرض من عزيز جسد، وأنيق لون. كان في الدّنيا غذيّ ترف، وربيب شرف. يتعلّل بالسّرور في ساعة حزنه، ويفزع إلى السّلوة إن مصيبة نزلت به. ضنّا بغضارة عيشه (أي بخلا بطيب عيشه)، وشحاحة بلهوه ولعبه؟ فبينا هويضحك إلى الدّنيا وتضحك إليه، في ظلّ عيش غفول، إذ وطى‏ء الدّهر به حسكه، ونقضت الأيّام قواه، ونظرت إليه الحتوف من كثب. فخالطه بثّ لا يعرفه، ونجيّ همّ ما كان يجده. وتولّدت فيه فترات علل، آنس ما كان بصحّته (أي أصابته العلل حال كونه أشد أنسا بصحته) ففزع إلى ما كان عوّده الأطبّاء، من تسكين الحارّ بالقارّ، وتحريك البارد بالحارّ. فلم يطفى‏ء ببارد إلاّ ثوّر حرارة. ولا حرّك بحارّ إلاّ هيّج برودة. ولا اعتدل بممازج لتلك الطّبائع إلاّ أمدّ منها كلّ ذات داء. حتّى فتر معلّله، وذهل ممرّضه. وتعايا أهله بصفة دائه، وخرسوا عن جواب السّائلين عنه. وتنازعوا دونه شجيّ خبر يكتمونه، فقائل يقول هولما به (أي هوهالك مما به)، وممّن لهم إياب عافيته، ومصبّر لهم على فقده. يذكّرهم أسى (جمع أسوة) الماضين من قبله. فبينا هوكذلك على جناح من فراق الدّنيا، وترك الأحبّة، إذ عرض له عارض من غصصه. فتحيّرت نوافذ فطنته، ويبست رطوبة لسانه. فكم من مهمّ من جوابه عرفه فعيّ عن ردّه، ودعاء مؤلم بقلبه سمعه فتصامّ عنه من كبير كان يعظّمه، أوصغير كان يرحمه. وإنّ للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة، أوتعتدل على عقول أهل الدّنيا. (الخطبة ٢١٩، ٤١٩)

... أصبحت أصواتهم هامدة، ورياحهم راكدة، وأجسادهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية (أي مندرسة). فاستبدلوا بالقصور المشيّدة، والنّمارق (الوسائد) الممهّدة، الصّخور والأحجار المسنّدة، والقبور اللاّطئة الملحدة. الّتي قد بني على الخراب فناؤها، وشيّد بالتّراب بناؤها. فمحلّها مقترب، وساكنها مغترب. بين أهل محلّة موحشين، وأهل فراغ متشاغلين. لا يستأنسون بالأوطان، ولا يتواصلون تواصل الجيران، على ما بينهم من قرب الجوار ودنوالدّار. وكيف يكون بينهم تزاور، وقد طحنهم بكلكله البلى، وأكلتهم الجنادل والثّرى وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه، وارتهنكم ذلك المضجع، وضمّكم ذلك المستودع. فكيف بكم لوتناهت بكم الأمور، وبعثرت القبور هُنَالِكَ تَبْلُوكُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ، ورُدُّوا إلَى‏ اللّهِ مَوْلاَهُمُ الحَقِّ، وضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ. (الخطبة ٢٢٤، ٤٢٨)

... فإنّ الموت هادم لذّاتكم، ومكدّر شهواتكم، ومباعد طيّاتكم. زائر غير محبوب وقرن غير مغلوب، وواتر غير مطلوب. قد أعلقتكم حبائله، وتكنّفتكم غوائله، وأقصدتكم معابله (جمع معبلة وهي النصل الطويل العريض. وأقصده: رماه بسهم فقتله). وعظمت فيكم سطوته. وتتابعت عليكم عدوته، وقلّت عنكم نبوته (هوالخطأ في الرمي). فيوشك أن تغشاكم دواجي ظلله، واحتدام علله. وحنادس غمراته، وغواشي سكراته. وأليم إزهاقه، ودجوإطباقه، وجشوبة مذاقه. فكأن قد أتاكم بغتة فأسكت نجيّكم، وفرّق نديّكم (أي جماعتكم). وعفّى آثاركم، وعطّل دياركم. وبعث ورّاثكم يقتسمون تراثكم (أي ميراثكم) بين حميم خاصّ لم ينفع، وقريب محزون لم يمنع، وآخر شامت لم يجزع. (الخطبة ٢٢٨، ٤٣١)

... فاحذروا عباد اللّه الموت وقربه، وأعدّوا له عدّته. فإنّه يأتي بأمر عظيم وخطب جليل. بخير لا يكون معه شرّ أبدا، أوشرّ لا يكون معه خير أبدا. فمن أقرب إلى الجنّة من عاملها ومن أقرب إلى النّار من عاملها. وأنتم طرداء الموت. إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، وهوألزم لكم من ظلّكم. الموت معقود بنواصيكم، والدّنيا تطوى من خلفكم. فاحذروا نارا... (الخطبة ٢٦٦، ٤٦٥)

وقال (ع) في وصيته لابنه الحسن (ع): فتفهّم يا بنيّ وصيّتي، واعلم أنّ مالك الموت هومالك الحياة، وأنّ الخالق هوالمميت، وأنّ المفني هوالمعيد، وأنّ المبتلي هوالمعافي. (الخطبة ٢٧٠، ٢، ٤٧٨)

وقال (ع): واعلم يا بنيّ... أنّك طريد الموت الّذي لا ينجومنه هاربه، ولا يفوته طالبه، ولا بدّ أنّه مدركه. فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيّئة، قد كنت تحدّث نفسك منها بالتّوبة، فيحول بينك وبين ذلك، فإذا أنت قد أهلكت نفسك. (الخطبة ٢٧٠، ٣، ٤٨٣)

ثم قال (ع): يا بنيّ أكثر من ذكر الموت، وذكر ما تهجم عليه، وتفضي بعد الموت إليه. حتّى يأتيك وقد أخذت منه حذرك، وشدّدت له أزرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك. (الخطبة ٢٧٠، ٣، ٤٨٣)

فكأنّك قد بلغت المدى، ودفنت تحت الثّرى، وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الّذي ينادي الظّالم فيه بالحسرة، ويتمنّى المضيّع فيه الرّجعة، ولات حين مناص. (الخطبة ٢٨٠، ٤٩٩)

وقال (ع) في كتابه لعثمان بن حنيف الأنصاري: وما أصنع بفدك وغير فدك، والنّفس مظانّها في غد جدث، تنقطع في ظلمته آثارها وتغيب أخبارها. وحفرة لوزيد في فسحتها، وأوسعت يدا حافرها، لأضغطها الحجر والمدر، وسدّ فرجها التّراب المتراكم. (الخطبة ٢٨٤، ٥٠٦)

ومن كتاب له (ع) الى الحارث الهمذاني:... وأكثر ذكر الموت وما بعد الموت، ولا تتمنّ الموت إلاّ بشرط وثيق (أي لا تخاطر بنفسك إلاّ اذا علمت أن الغاية أشرف من بذل الروح). (الخطبة ٣٠٨، ٥٥٦)

نفس المرء خطاه إلى أجله. (٧٤ ح، ٥٧٧)

وتبع (ع) جنازة فسمع رجلا يضحك، فقال: كأنّ الموت فيها على غيرنا كتب. وكأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب. وكأنّ الّذي نرى من الأموات سفر عمّا قليل إلينا راجعون نبوّئهم أجداثهم، ونأكل تراثهم. كأنّا مخلّدون بعدهم. ثمّ قد نسينا كلّ واعظ وواعظة، ورمينا بكلّ جائحة (أي آفة). (١٢٢ ح، ٥٨٧)

... وعجبت لمن نسي الموت وهويرى الموتى. (٢١٦ ح، ٥٨٩)

وقال (ع) وقد رجع من صفين، فأشرف على القبور بظاهر الكوفة: يا أهل الدّيار الموحشة، والمحالّ المقفرة، والقبور المظلمة. يا أهل التّربة، يا أهل الغربة. يا أهل الوحدة، يا أهل الوحشة. أنتم لنا فرط (أي متقدّمون) سابق، ونحن لكم تبع لاحق. أمّا الدّور فقد سكنت، وأمّا الأزواج فقد نكحت، وأمّا الأموال فقد قسمت. هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت الى أصحابه (ع) فقال: أما لوأذن لهم في الكلام لأخبروكم: أنّ خير الزّاد التّقوى. (١٣٠ ح، ٥٨٩)

لورأى العبد الأجل ومصيره، لأبغض الأمل وغروره. (٣٣٤ ح، ٦٣٣)

ومن أكثر من ذكر الموت رضي من الدّنيا باليسير. (٣٤٩ ح، ٦٣٦)

مقتبس من كتاب تصنيف نهج البلاغة

****************************