وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): لَيْسَ بَلَدٌ بأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَد، خَيْرُ الْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.                
وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                

Search form

إرسال الی صدیق
الدليل العقلي على إمامة علي عليه السلام – الأول

 علي الحسيني الميلاني

مقدّمة المركز

لا يخفى أنّنا لازلنا بحاجة إلى تكريس الجهود ومضاعفتها نحو الفهم الصحيح والافهام المناسب لعقائدنا الحقّة ومفاهيمنا الرفيعة، ممّا يستدعي الالتزام الجادّ بالبرامج والمناهج العلمية التي توجد حالة من المفاعلة الدائمة بين الاُمّة وقيمها الحقّة، بشكل يتناسب مع لغة العصر والتطوّر التقني الحديث.

وانطلاقاً من ذلك، فقد بادر مركز الابحاث العقائدية التابع لمكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ـ مدّ ظلّه ـ إلى اتّخاذ منهج ينتظم على عدّة محاور بهدف طرح الفكر الاسلامي الشيعي على أوسع نطاق ممكن.

ومن هذه المحاور: عقد الندوات العقائديّة المختصّة، باستضافة نخبة من أساتذة الحوزة العلمية ومفكّريها المرموقين، التي تقوم نوعاً على الموضوعات الهامّة، حيث يجري تناولها بالعرض والنقد والتحليل وطرح الرأي الشيعي المختار فيها، ثم يخضع ذلك الموضوع ـ بطبيعة الحال ـ للحوار المفتوح والمناقشات الحرّة لغرض الحصول على أفضل النتائج.

ولاجل تعميم الفائدة فقد أخذت هذه الندوات طريقها إلى شبكة الانترنت العالمية صوتاً وكتابةً.

كما يجري تكثيرها عبر التسجيل الصوتي والمرئي وتوزيعها على المراكز والمؤسسات العلمية والشخصيات الثقافية في شتى أرجاء العالم.

وأخيراً، فإنّ الخطوة الثالثة تكمن في طبعها ونشرها على شكل كراريس تحت عنوان «سلسلة الندوات العقائدية» بعد إجراء مجموعة من الخطوات التحقيقية والفنيّة اللازمة عليها.

وهذا الكرّاس الماثل بين يدي القارئ الكريم واحدٌ من السلسلة المشار إليها.

سائلينه سبحانه وتعالى أن يناله بأحسن قبوله.

مركز الابحاث العقائدية

فارس الحسّون  

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطيبين والطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الاولين والاخرين.

يقول الله سبحانه وتعالى: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [١] .

الحق في اللغة بمعنى الثبوت، (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) أي: أفمن يهدي إلى الامور الثابتة القطعية اليقينية، هذا الذي يهدي إلى الواقع، (أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ) أم الذي لا يهتدي (إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) .

هذا الذي يقوله الله سبحانه وتعالى إرشاد إلى قاعدة عقلية قطعية عند جميع العقلاء من مسلمين وغير مسلمين، إنّهم إذا أرادوا الوصول إلى أمر واقع وإلى حقيقة من الحقائق، يهتدون بمن يعلم بتلك الحقيقة ويهدي ويوصل الانسان إلى تلك الحقيقة، يرجعون إلى هكذا شخص، أمّا الذي ليس بمهدي، ليس بعارف بالحقيقة، الذي لا يهتدي إلى الواقع، كيف يمكن أن يكون هادياً للاخرين إلى الواقع ؟

ومن هنا قرّر العلماء من الفريقين على أنّ العقائد يجب أن يتوصل إليها الانسان بالقطع واليقين، ولا يكفي في العقيدة الظن والتقليد، ويقول الله سبحانه وتعالى (إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) [٢] ، الظن لا يغني من الواقعيّات شيئاً، الواقعيّات والامور الحقيقيّة، المطلوب فيها القطع واليقين، ولا يكفي فيها الظن، ولا يكفي فيها الاخذ بأقوال الاخرين، وهذه قاعدة عقليّة، والقرآن الكريم يشير ويرشد إلى هذه القاعدة العقلية القطعية.

وحينئذ إذا دار الامر بين رجلين، أحدهما مهتدي ويمكنه هداية الاخرين إلى العقائد الحقة والاُمور الواقعية، والشخص الاخر يحتاج إلى من يهديه، يحتاج إلى من يرشده ويأخذ بيده، كيف يمكن الحكم بالاهتداء وبأخذ الحقائق والواقعيات ممّن هو بنفسه يحتاج إلى من يهديه ؟

أمّا نحن فنعتقد بأنّ الامامة أمر لا يكون إلاّ من الله سبحانه وتعالى، الامامة جعل ونصب من الله سبحانه وتعالى، ولا فرق بين الامامة والنبوّة من هذه الحيثيّة، وحينئذ نحتاج في معرفة الامام وتعيّنه إلى نصٍّ قطعيّ، أو إلى أدلّة تقتضي أن يكون الشخص هو الامام لكونه مهتدياً وهادياً.

وأيضاً، لو قام الدليل على عصمة شخص أو أشخاص، فإنّ العصمة إنْ وجدت في شخص لا يجوّز العقل الاهتداء بغير هذا الشخص مع وجوده، ومع التمكن منه ولو بالواسطة، لذا جعلنا الامامة إمّا بالنص وإمّا بالعقل، والنص إمّا من الكتاب وإمّا من السنّة القطعيّة.

وكان حديث المنزلة ـ وهو آخر الادلة اللفظية التي بحثنا عنها ـ دليلاً على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) من الجهات الثلاثة جميعاً، فلقد كان هذا الحديث نصّاً في إمامة أمير المؤمنين، ودليلاً على عصمته، ودليلاً على أفضليّته (عليه السلام) من سائر الصحابة.

وقد بحثنا عن مدلول هذا الحديث وفقهه، وبيّنا اندفاع الشبهات التي طرحت في كتب الاُصول والكلام على هذا الحديث

والاستدلال به على إمامة أمير المؤمنين، وكان عمدة تلك الشبهات، ثلاثة شبهات ذكرتها، وقد كانت شبهات مترابطة، وبيّنّا اندفاع تلك الشبهات بأدلّة عديدة تجتمع تلك الادلّة على اندفاع المناقشات الثلاثة كلّها في دلالة حديث المنزلة.

وموضوع بحثنا في هذه الليلة هو الاستدلال بما يحكم به العقل على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، أي الدليل العقلي على الامامة.

الاوصاف المجمع عليها في الامام

لو راجعتم كتب العقائد والكلام عند أهل السنّة ككتاب: المواقف في علم الكلام للقاضي الايجي، وشرح المواقف للشريف الجرجاني، وشرح القوشچي على التجريد، وشرح المقاصد لسعدالدين التفتازاني، وشرح العقائد النسفية، وغير هذه الكتب التي هي من أُمّهات كتب العقيدة والكلام عند أهل السنّة.

لرأيتم أنّهم يذكرون في المباحث المتعلقة بالامام فصولاً، منها:

إنّ نصب الامام إنّما يكون بالاختيار، وليس بيد الله سبحانه وتعالى، خلافاً للاماميّة.

وإذا كان نصب الامام عندهم بالاختيار، فإنّهم يذكرون في فصل آخر الشروط التي يجب توفّرها في الامام حتّى يُختار للامامة.

وإذا راجعتم ذلك الفصل الذي يذكرون فيه الشروط، شروط الامام أو أوصاف الامام، يذكرون هناك أوصافاً ويقسّمونها إلى قسمين:           

قسم قالوا بأنّها أوصاف مجمع عليها.

وقسم هي أوصاف وقع الخلاف فيها.

ونحن نتكلّم على ضوء تلك الشروط التي ذكروها على مسلكهم في تعيين الامام وهو الاختيار، تلك الشروط المجمع عليها بينهم، نتكلم معهم على ضوء تلك الشروط التي ذكروها وأوجبوا توفّرها في الامام كي يختار إماماً على المسلمين بعد رسول الله.

نتكلّم معهم بغضّ النظر عن مسلكنا في تعيين الامام، وهو أنّه بيد الله سبحانه وتعالى، بغضّ النظر عن ذلك المسلك، نتكلّم معهم على مسلكهم، وعلى ضوء ذلك القسم من الاوصاف التي نصّوا على ضرورة وجودها للامام بالاجماع.

فما هي تلك الشروط والاوصاف التي أجمعوا على ضرورة وجودها في الامام حتى يختار إماماً ؟

تلك الشروط المجمع عليها بينهم:

الشرط الاول: العلم

بأن يكون عالماً بالاصول والفروع، بحيث يمكنه إقامة الحجج والبراهين على حقيّة هذا الدين، ويمكنه دفع الشبهات  

الواردة من الاخرين، بأن يدافع عن هذا الدين من الناحية الفكرية، ويمكنه دفع الشبهات والاشكالات الواردة في أصول الدين وفروعه من المخالفين.

الشرط الثاني: العدالة

بأنْ يكون عادلاً في أحكامه، وفي سيرته وسلوكه مع الناس، أن يكون عادلاً في أحكامه عندما يتصدى رفع نزاع بين المسلمين، أن يكون عادلاً عندما يريد أن يقسّم بينهم بيت المال، أن يكون عادلاً في تصرّفاته المختلفة المتعلّقة بالشؤون الشخصية والعامة.

الشرط الثالث: الشجاعة

بأن يكون شجاعاً، بحيث يمكنه تجهيز الجيوش، بحيث يمكنه الوقوف أمام هجمات الاعداء، بحيث يمكنه الدفاع عن حوزة الدين وعن بيضة الاسلام والمسلمين.

هذه هي الشروط المتفقة عندهم، التي يجب توفرها في الشخص حتى يمكن اختياره للامامة على مسلكهم من أنّ الامامة تكون بالاختيار.

ولابدّ وأنّكم تحبّون أنْ أقرأ لكم نصّاً من تلك الكتب التي أشرت إليها، لتكونوا على يقين ممّا أنسبه إليهم، ومن حقّكم أن تطالبوا بقراءة نص من تلك النصوص:

جاء في كتاب المواقف في علم الكلام وشرح المواقف [٣] ما نصّه:

«المقصد الثاني: في شروط الامامة

الجمهور على أنّ أهل الامامة ومستحقّها من هو مجتهد في الاُصول والفروع ليقوم بأُمور الدين، متمكّناً من إقامة الحجج وحلّ الشبه في العقائد الدينية، مستقلاً بالفتوى في النوازل وأحكام الوقائع نصّاً واستنباطاً، لانّ أهمّ مقاصد الامامة حفظ العقائد وفصل الحكومات ورفع المخاصمات، ولن يتمّ ذلك بدون هذا الشرط».

إذن، الشرط الاول: أن يكون عالماً مجتهداً بتعبيره هو في الاصول والفروع، ليقوم بأمور الدين، وليكون متمكناً من إقامة الحجج والبراهين، ودفع الشبه المتوجهة إلى العقائد من قبل المخالفين.

الشرط الثاني: «ذو رأي وبصارة، بتدبير الحرب والسلم وترتيب الجيوش وحفظ الثغور، ليقوم بأُمور الملك، شجاع ليقوى على الذب عن الحوزة والحفظ لبيضة الاسلام بالثبات في المعارك».

لاحظوا بدقة ولا تفوتنّكم الكلمات الموجودة في هذا النص، وكتاب المواقف وشرح المواقف من أهم كتب القوم في علم الكلام، فالشرط الثاني هو الشجاعة.

«وقيل في مقابل قول الجمهور: لا يشترط في الامامة هذه الصفات، لانّها لا توجد الان مجتمعة».

وكتاب المواقف إنّما أُلّف في القرن السابع أو الثامن من الهجرة، وهذه الصفات غير مجتمعة في الحكّام في ذلك الوقت، إذن، يجب عليهم أن يرفعوا اليد عن اعتبارها في الامام، ويقولوا بإمامة من لم يكن بعالم أو لم يكن بشجاع، وحتّى من يكون فاسقاً فاجراً كما سنقرأ صفة العدالة أيضاً.

يقول: «نعم يجب أن يكون عدلاً، لئلاّ يجور، فإنّ الفاسق ربّما يصرف الاموال في أغراض نفسه فيضيع الحقوق. فهذه الصفات شروط معتبرة في الامامة بالاجماع».

هذا نصّ عبارته، ثم يقول: «وهاهنا صفات أُخرى في اشتراطها خلاف».

إذن، نتكلم معهم باعتبارنا عقلاء مثلهم، ونعتبر هذه الصفات الثلاث أيضاً في الامام، ونفترض أنّ الامامة تثبت بالاختيار، والامامة مورد نزاع بيننا وبينهم، فنحن نقول بإمامة علي وهم يقولون بإمامة أبي بكر.

فلنلاحظ إذن، هل هذه الصفات المعتبرة بالاجماع في الامام، المجوّز توفّرها فيه لانتخابه واختياره إماماً، هل هذه الصفات توفّرت في علي أو في أبي بكر، حتّى نختار عليّاً أو نختار أبا بكر، ومع غضّ النظر عن الكتاب والسنّة الدالّين على إمامة علي بالنص أو غير ذلك ؟

نحن والعقل الذي يقول بأنّ الرئيس للاُمّة والخليفة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجب أن يكون واجداً لهذه الصفات المجمع عليها، ونحن تبع لهذا الاجماع الذي هم يدّعونه على هذه الصفات.

وأيضاً: نحن نوافق على هذا الاجماع، وإن كنّا نقول باعتبار العصمة التي هي أعلى من العدالة، لكن مع ذلك نبحث عن هذه المسألة في هذه الليلة مع غضّ النظر عن مسلكنا في ثبوت الامامة وتعيين الامام.

إذن، يتلخّص كلام القوم في الصفات اللازم وجودها في الامام بالاجماع في ثلاثة صفات:

أنْ يكون متمكناً من إقامة الحجج وحلّ الشبه في العقائد الدينية، لانّ أهم مقاصد الامامة حفظ العقائد وفصل الخصومات، فلابدّ وأن يكون عالماً في الدين بجميع جهاته من أُصوله وفروعه، ليتمكّن من الدفاع عن هذا الدين إذا ما جاءت شبهة أو توجّهت هجمة فكرية.

وأن يكون شجاعاً، ليقوى على الذب عن الحوزة والحفظ لبيضة الاسلام بالثبات في المعارك، لانّ الامام إذا فرّ من المعركة فالمأمومون أيضاً يفرّون، إذا فرّ القائد فالجنود يفرّون تبعاً له، إذا انكسر الرئيس انكسر الجيش كلّه، وهذا واضح، إذن بنصّ عبارة هؤلاء يجب أن يكون من أهل الثبات في المعارك.

وأن يكون عدلاً غير ظالم ولا فاسق.

فإمّا تكون هذه الصفات مجتمعة في علي دون غيره، فيكون علي هو الامام، وإمّا تكون مجتمعة في غير علي فيكون ذاك هو الامام، وإمّا تكون مجتمعة في كليهما، فحينئذ ينظر إلى أنّ أيّهما الواجد لهذه الصفات في أعلى مراتبها، وإلاّ فمن القبيح تقديم المفضول على الفاضل عقلاً، والقرآن الكريم يقول: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي) ، من يكون عادلاً أولى بأن   يكون إماماً أو من يكون فاسقاً ؟ العالم أولى أن يكون إماماً نقتدي به أو من يكون جاهلاً ؟ وعلى فرض أن يكون كلاهما عالمين فالاعلم هو المتعيّن أو لا ؟ لابدّ من الرجوع إلى العقل والعقلاء، ونحن نتكلّم على هذا الصعيد.

قالوا: هذه هي الصفات المعتبرة بالاجماع، أمّا أنْ يكون هاشميّاً ففيه خلاف، أمّا أن يكون معصوماً ففيه خلاف، أمّا أن يكون حرّاً، ربّما يكون فيه خلاف، ربّما ينسبون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه أمر بإطاعة من ولّي على المسلمين وإنْ كان عبداً، ربّما ينسبون إليه هكذا حديث، لكن هذه قضايا مختلف فيها، فالعصمة تقول بها الشيعة وغيرهم لا يقولون بها، وكذا سائر الصفات فهي مورد خلاف، مثل أن يكون هاشمياً، أن يكون قرشياً، أن يكون حرّاً، وغير ذلك من الصفات المطروحة في الكتب.

أمّا الصفات المتفق عليها بين الجميع فهي: العلم والعدالة والشجاعة، ونحن نبحث على ضوء هذه الصفات.           

الصفة الاُولى: العلم

العلم والتمكن من إقامة الحجج والبراهين على حقيّة هذا الدين، والتمكن من دفع شبه المخالفين، من الصفات المتفق عليها.

لندرس سيرة علي وسيرة أبي بكر، لندرس ما ورد في هذا وهذا، لندرس ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ما قاله الصحابة، ما قاله سائر العلماء في علي، وما قيل في أبي بكر.

ولا نرجع إلى شيء ممّا يروى عن كلّ واحد منهما في حقّ نفسه، فعلي (عليه السلام) يقول: «علّمني رسول الله ألف باب من العلم، يفتح لي من كلّ باب ألف باب» [٤] .

لا نرجع إلى هذا الحديث، وهذا الخبر، لانّ المفروض أنّه في علي ومن علي، نرجع إلى غير هذه الروايات.        

مثلاً يقول علي: «سلوني قبل أن تفقدوني» [٥] هذا لم يرد عن أبي بكر، أبو بكر لم يقل في يوم من الايام: سلوني قبل أن تفقدوني، لكن نضع على جانب مثل هذه الروايات الواردة عن علي، وإنْ كنّا نستدلّ بها في مواضعها، وهي موجودة في كتب أهل السنّة.

لكنّا نريد أن ندرس سيرة هذين الرجلين، أن ندرس سيرة أمير المؤمنين وأبي بكر على ضوء ما ورد وما قيل فيهما عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة والعلماء، لنكون على بصيرة من أمرنا، عندما نريد أن نختار وننتخب أحدهما للامامة بعد رسول الله على مسلك القوم.

أنا مدينة العلم وعلي بابها:

نلاحظ في كتب القوم أنّ رسول الله يقول في علي: «أنا مدينة العلم وعلي بابها».

ونحن الان نبحث عن الصفة الاولى وهي العلم، والتمكن من إقامة الحجج والبراهين، ورسول الله يقول في علي: «أنا مدينة العلم وعلي بابها».

هذا الحديث موجود في كتبهم، يرويه:

١ ـ عبد الرزاق بن همّام الصنعاني.

٢ ـ يحيى بن معين، الامام في الجرح والتعديل، مع تصحيحه لهذا الحديث.

٣ ـ أحمد بن حنبل.

٤ ـ الترمذي.

٥ ـ البزّار.

٦ ـ ابن جرير الطبري.

٧ ـ الطبراني.

٨ ـ أبو الشيخ.

٩ ـ ابن السقا الواسطي.

١٠ ـ ابن شاهين.

١١ ـ الحاكم النيسابوري.

١٢ ـ ابن مردويه.

١٣ ـ أبو نعيم الاصبهاني.

١٤ ـ الماوردي.

١٥ ـ الخطيب البغدادي.        

١٦ ـ ابن عبد البر.

١٧ ـ السمعاني.

١٨ ـ ابن عساكر.

١٩ ـ ابن الاثير.

٢٠ ـ ابن النجّار.

٢١ ـ السيوطي.

٢٢ ـ القسطلاني.

٢٣ ـ ابن حجر المكي.

٢٤ ـ المتقي الهندي.

٢٥ ـ علي القاري.

٢٦ ـ المنّاوي.

٢٧ ـ الزرقاني.

٢٨ ـ الشاه ولي الله الدهلوي.

وغيرهم، وكلّ هؤلاء يشهدون بأنّ رسول الله قال في علي: « أنا مدينة العلم وعلي بابها» [٦] .

وهل قال مثل هذا الكلام في غير علي ؟

أنا دار الحكمة وعلي بابها:

ويقول رسول الله في حق علي: «أنا دار الحكمة وعلي بابها»، وعندما نراجع الكتب نرى هذا الحديث يرويه:

١ ـ أحمد بن حنبل.

٢ ـ الترمذي.

٣ ـ محمّد بن جرير الطبري.

٤ ـ الحاكم النيسابوري.

٥ ـ ابن مردويه.    

٦ ـ أبو نعيم.

٧ ـ الخطيب التبريزي.

٨ ـ العلائي.

٩ ـ الفيروزآبادي.

١٠ ـ ابن الجزري.

١١ ـ ابن حجر العسقلاني.

١٢ ـ السيوطي.

١٣ ـ القسطلاني.

١٤ ـ الصالحي الدمشقي.

١٥ ـ ابن حجر المكي.

١٦ ـ المتقي الهندي.

١٧ ـ المنّاوي.

١٨ ـ الزرقاني.

١٩ ـ ولي الله الدهلوي.

وغيرهم.

وهؤلاء يشهدون بأنّ رسول الله قال في علي: «أنا دار الحكمة وعلي بابها» [٧] .

فإذا كان رسول الله يقول في حقّ علي هكذا، وهم يروون هذا الحديث، فهل علي المتمكن من إقامة الحجج والبراهين على حقيّة هذا الدين ودفع الشبه، أو غيره الذي لم يرد مثل هذا الحديث في حقّه ؟

أنت تبيّن لاُمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي:

والاظهر من هذا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: «أنت تبيّن لاُمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي».

فقد نصب علياً للحكم بيننا في كلّ ما اختلفنا فيه، من أُمور ديننا ودنيانا.

وهذا الحديث يرويه:

١ ـ الحاكم النيسابوري، ويصحّحه.

٢ ـ ابن عساكر، في تاريخ دمشق.

٣ ـ الديلمي.

٤ ـ السيوطي.

٥ ـ المتقي الهندي.

٦ ـ المنّاوي.

وجماعة آخرون يروون هذا الحديث [٨] .

ولم يرد مثل هذا الحديث في حقّ غير علي.

عليّ هو الاُذن الواعية:

وأيضاً، لمّا نزل قوله تعالى: (وَتَعِيهَا أُذُنٌ واعِيَةٌ)  [٩] نرى رسول الله يقول: بأنّ عليّاً هو الاُذن الواعية.

فيكون علي وعاءً لكلّ ما أنزل الله سبحانه وتعالى، يكون وعاء لجميع الحقائق، يكون واعياً لجميع الاُمور.

وهذا الحديث تجدونه في:

١ ـ تفسير الطبري.

٢ ـ تفسير الكشاف.

٣ ـ تفسير الرازي.

٤ ـ الدر المنثور، حيث يرويه السيوطي هناك عن: سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، والواحدي، وابن النجار.

وتجدونه أيضاً في:

٥ ـ حلية الاولياء.

٦ ـ مجمع الزوائد.

وفي غير هذه الكتب [١٠] .

أقضاكم عليّ:

ويقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أقضاكم علي».

وكنّا نحتاج إلى الامام لرفع الخصومات كما ذكر صاحب شرح المواقف، كنّا نحتاج إليه لرفع الخصومات والتنازعات والخلافات بين الناس، ورسول الله يقول: «علي أقضاكم».

ولم يرد مثل هذا الكلام في حق غير علي.

فما ذنبنا إن قلنا بأنّ عليّاً هو المتعيّن للامامة حتّى لو كان الامر موكولاً إلى الاُمّة، حتّى لو كان الامر مفوّضاً إلى اختيار الناس ؟ كان عليهم أنْ يختاروا عليّاً، لانّ هذه هي الضوابط التي قرّروها في علم الكلام، وقالوا: بأن هذه الصفات هي صفات مجمع على اعتبارهم في الامام.

وحديث «أقضاكم علي» تجدونه في:

١ ـ صحيح البخاري.

٢ ـ مسند أحمد.

٣ ـ المستدرك.

٤ ـ سنن ابن ماجه.

٥ ـ الطبقات الكبرى.

٦ ـ الاستيعاب.

٧ ـ سنن البيهقي.

٨ ـ مجمع الزوائد.

٩ ـ حلية الاولياء.

١٠ ـ أُسد الغابة.

١١ ـ الرياض النضرة.         

وفي غيرها من الكتب.

هذا فيما يتعلّق ـ باختصار ـ بكلمات رسول الله التي يروونها هم، وفيها شهادة رسول الله أو إخبار رسول الله بمقامات علي، وبأنّه المتمكن من إقامة الحجج، إقامة البراهين، ودفع الشبه، إنّ عليّاً هو المرجع من قبل رسول الله في رفع الخلافات، هو المبيّن لما اختلف فيه المسلمون بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

-------------------------------------------------------------------------

[١] . سورة يونس: ٣٥.

[٢] . سورة النجم: ٢٨.

[٣] . شرح المواقف في علم الكلام ٨ / ٣٤٩.

[٤] . كنز العمال ١٣ / ١١٤ رقم ٣٦٣٧٢، ١٦٥ رقم ٣٦٥٠٠.

[٥] . أخرجه أحمد في المناقب وابن سعد وابن عبد البر وغيرهم، الاستيعاب ٣/١١٠٣، الرياض النضرة ٢ / ١٩٨، الصواعق المحرقة: ٧٦.

[٦] . تهذيب الاثار «مسند الامام علي (عليه السلام)»: ١٠٥ رقم ١٧٣ ـ مطبعة المدني المؤسسة السعودية بمصر ـ ١٤٠٢، صحيح الترمذي. كما في جامع الاُصول ٩ / ٤٧٣، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: ١٧٠ وغيرهما، المعجم الكبير للطبراني ١١/٦٥ رقم ١١٠٦١ ـ دار إحياء التراث العربي، تاريخ بغداد ٤ / ٣٤٨، ٧ / ١٧٢، ١١ / ٢٠٤، الاستيعاب ٣ / ١١٠٢، فردوس الاخبار ١ / ٧٦، أُسد الغابة ٤ / ٢٢، الرياض النضرة ٢ / ٢٥٥، تهذيب الكمال ٢٠ / ٤٨٥، تاريخ جرجان: ٢٤، تذكرة الحفاظ ٤ / ٢٨، البداية والنهاية ٧ / ٣٥٨، مجمع الزوائد ٩ / ١١٤، عمدة القاري ٧ / ٦٣١، اتحاف السادة المتقين ٦ / ٢٢٤، مستدرك الحاكم ٣/١٢٦ و١٢٧، ترجمة الامام علي (عليه السلام) من تاريخ دمشق ٢/٤٦٥ رقم ٩٨٤، جامع الاُصول ٨/٦٥٧ رقم ٦٥٠١ ـ دارالفكر ـ بيروت ـ ١٤٠٣، الجامع الصغير للسيوطي ١/٤١٥ رقم ٢٧٠٥ ـ دارالفكر ـ بيروت ـ ١٤٠١، الصواعق المحرقة: ١٨٩، كنز العمال ١١/٦١٤ رقم ٣٢٩٧٨ و٣٢٩٧٩، فيض القدير للمنّاوي: ٣/٤٦ ـ دارالفكر ـ بيروت ـ ١٣٩١.

[٧] . فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام): ١٣٨ رقم ٢٠٣، سنن الترمذي ٥/٦٣٧، تهذيب الاثار «مسند علي (عليه السلام)»: ١٠٤ رقم ٨، حلية الاولياء ١/٦٤، مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي ٢/٥٠٤ رقم ٦٠٩٦ ـ دار الارقم ـ بيروت، أسنى المطالب لابن الجزري: ٧٠ ـ مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ أصفهان، الرياض النضرة ٢ / ٢٥٥، شرح المواهب اللدنية ٣ / ١٢٩، الجامع الصغير للسيوطي ١/٤١٥ رقم ٢٧٠٤، الصواعق المحرقة: ١٨٩، كنز العمال ١١/٦٠٠ رقم ٣٢٨٨٩ و١٣/١٤٧ رقم ٣٦٤٦٢، فيض القدير ٣/٤٦.

[٨] . مستدرك الحاكم ٣/١٢٢، ترجمة الامام علي (عليه السلام) من تاريخ دمشق ٢/٤٨٨ رقم ١٠٠٨ و١٠٠٩، كنز العمال ١١/٦١٥ رقم ٣٢٩٨٣.

[٩] . سورة الحاقة: ١٢.

[١٠] . تفسير الطبري ٢٩/٣٥ ـ ٣٦، تفسير الكشاف ٤/١٥١، تفسير الرازي ٣٠/١٠٧، الدر المنثور ٨/٢٦٧.

يتبع .....

****************************