وقال (عليه السلام): إِذَا وَصَلَتْ إِليْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلاَ تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ .                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَر.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): إذَا كَانَ في رَجُل خَلَّةٌ رَائِعَةٌ فَانْتَظِرْ أَخَوَاتِهَا.                
وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
السلم والتعايش الإنساني من منظار نهج البلاغة

الاستاذ المساعد الدكتور : محمد أديبي مهر                          

الدكتور : يد الله ملايري

جامعة طهران – الجمهورية الاسلامية الايرانية

ملخص البحث:

وتحاول هذه الورقة عرض أهمّ ما يطرحه نهج البلاغة من استراتيجيات للسلم والتعايش السلمي خاصة تلك التي تتعالق مع هذه النقاط.

وتراىء لنا من خلال الدراسة أنّ الخطاب العلوي خطاب مؤسّس على التعايش وإعطاء الأولوية للسلام  واحترام الآخر، رغم ما يكشفه لنا التاريخ من الحروب والصراعات التي خاضها الإمام عليه السلام طيلة حياته المباركة قبل تصديه للسلطة السياسية وبعده.

إشكالية البحث:

تسعى هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على ملامح فكرة التعايش الإنساني في نهج البلاغة بحثاً عن مقومات التفاهم الإنساني في هذا المصدر التراثي.

ويتراءى لنا أنّ التعايش الإنساني موضوعة هامة يمكن استخراجها من كلام الإمام علي عليه السلام، لتصبح وصفة ناجعة للتعامل الحضاري البناء بين مختلف المجتمعات رغم تعدد ثقافاتها، مما يصون هذه المجتمعات المتعددة في الثقافة أمام الرؤى المنغلقة والمتطرفة التي لا تريد العالم مجالاً للتعامل والحوار والتعددية، بقدرما يريده حلبة للصراع الحضاري، فالمتشددون لا يعرفون الاصطياد إلا في المياه العكرة!

السلام والتعايش:

يمثّل النصّ الديني الحضارة الإسلامية خير تمثيل، لأن هذه الحضارة حضارة النصّ، كما يقول الدكتور نصر حامد أبو زيد، فاستطاعت الحضارة الإسلامية أن ترى الضوء في نهاية الدهليز المظلم قبل سبعة قرون، عندما كان المسلمون يعيشون في إحدى أحلك عصورهم التاريخية، إذ كانوا يتخبطون في الفوضى و التشرذم، ولم يعرفوا طريقاً للخلاص إلا عبر التراث الديني.

طبقاً للنصوص الإسلامية الأصيلة يمكننا أن ندعي أنّ الديانة الإسلامية ـ كغيره من الديانات السماوية ـ يعطي الأولوية للتعايش السلمي بين جميع الناس بمختلف عناصرهم ومعتقداتهم،رغم الأفكار الغريبة الهدامة التي يريد أصحابها الانتهازيون الذين قد ارتدوا عباءة هذا الدين بلوغ أهدافهم من خلال استغلال الناس البسطاء الذين لا يعرفون دينهم معرفة حقة، تكشف لهم لباب الدين دون القشور التي يتمسك بها هؤلاء المستغلون الذين شوّهوا صورة الإسلام حيث جعلوا هذه الديانة المنفتحة السمحة معادلاً موضوعياً للإرهاب والموت والدمار في أذهان الذين لا يعرفون الإسلام إلا من خلال هؤلاء الانتهازيين!

وليست هذه الأفكار الهدامة حكراً على الحضارة الإسلامية بل هي متفشية في بعض جوانب الحضارة الغربية.

وجاءت هذه الورقة ردّاً على تلك الأفكار الهدامة التي ترى في صراع الحضارات طريقاً وحيداً لا بدّ للإنسان من اجتيازه، ومن تلك الأفكار، فكرة "صراع الحضارات" لصاموئيل هانغتيغتون، والتي تمهد بتركيز علی الصراع بين الحضارة الغربية والحضارتين الإسلامية والكنفوشية بالأساس للهجوم العسكري على الشرق، كما أنّ الأصوليتين الإسلامية واليهودية وغيرهما من الأصوليات قد مهّدتا للهجوم على الإنسان والإنسانية، وهذا ما يراه الكثير من الباحثين والمفكرين المحايدين في العالم.

"ولا تدفعن صلحاً دعاك إليه عدوك لله فيه رضى، فإن في الصلح دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمناً لبلادك" هذا ما يقوله الإمام عليه السلام في كتابه للأشتر النخعي حين ولاه على مصر، ونعدّ هذا الكلام تأسيساً لخطابه الفكري في تفضيل السلم على الحرب.

ولا يكتفي الإمام بتأسيس الخطاب فحسب، بل يفكّر أيضاً في ديمومته فيضيف في الكتاب نفسه "وإن عقدت بينك وبين عدو لك عقدة، أوألبسته منك ذمة، فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالأمانة، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت، فإنه ليس من فرائض الله شيء الناس أشد عليه اجتماعاً، مع تفريق أهوائهم، وتشتيت آرائهم، من تعظيم الوفاء بالعهود"

ولم يكن الإمام عليه السلام ممن يعشقون الحرب، بل كانت الحرب من المحظورات التي تبيحها الضرورات، فالحرب بدمارها وقتلها للإنسان أي إنسان، وهو إما أخ لنا في الدين أو نظير لنا في الخلق، لاتشكل خيار الإمام الأول، بل هي خياره الأخير، فهو يؤخّر الحرب طمعاً في هداية الناس وتجنباً للقتال وحقناً للدماء: "فوالله ما دفعت الحرب يوما إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي، وتعشو إلى ضوئي، و ذلك أحب إلي من أن أقتلها على ضلالها، وإن كانت تبوء بآثامها." ولا شك في أن تفضيل هداية الأعداء ومعايشتهم على خوض القتال معهم فكرة متجذرة في الخطاب القرآني العام، فيأمر الله سبحانه وتعالى موسى وهارون عليهما السلام بذهاب إلى فرعون: "اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى".

وللقول الليّن أو الحوارـ إذا أردنا ترهين المصطلح ـ مكانة رفيعة في الخطاب القرآني الذي انبنى عليه الخطاب العَلوي، فهذان الخطابان المؤسّسان على التذكر والخشية أمام الله سبحانه وتعالى كفيلان بسدّ الطريق أمام الطغيان الذي يؤسّس للحرب والدمار، بعد أن أغلق جميع الأبواب أمام الحوار والتعددية فالتعايش، وهذا ما يشهد عليه التاريخ الإنساني بجميع طغاته.

للتعايش مكانة مرموقة ليس في الديانة الإسلامية فحسب بل في العلاقات التي تحكم بين الديانات السماوية أيضاً، فليس التبشير بظهور نبينا صلى الله عليه و آله وسلم في الكتب السماوية التي نُزّلت قبل القرآن الكريم إلا برهاناً قاطعاً على النزعة التعايشية المنفتحة التي تحكم تلك العلاقات، كما أنّ المكانة المهمة التي تحتلها قصص الأنبياء السابقين في النص القرآني دليل على هذا التعايش، وتعايش النصوص وهي منظومة من العلامات التي يهتدي بها الإنسان دليلٌ على تعايش المرسل والمرسل إليه، خاصة وإنّ مرسل هذه النصوص واحد، وهوالله سبحانه وتعالى.

ويسبح النص العلوي بوصفه منبثقاً من النص القرآني في هذا الفلك التعايشي، فنرى أنّ ذكر موسى وعيسى عليهما السلام يدخل في نسيج ضفائر نص نهج البلاغة "وإن شئت قلت في عيسي بن مريم عليه السلام، فلقد كان يتوسد الحجر، ويلبس الخشن، وكان إدامه الجوع، وسراجه بالليل القمر، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم، ولم تكن له زوجة تفتنه، ولا ولد يحزنه، ولا مال يلفته، ولا طمع يذله، دابته رجلاه، وخادمه يداه!" ولا شك في أنّ هذه الصورة التي يرسمها الإمام لعيسى بن مريم عليه السلام تتواشج مع مدلول النص الإنجيلي حين يقول على لسان السيد المسيح: "ما أصعب دخول الأنبياء إلى ملكوت الله! فمرور الجمل في ثقب الإبرة أسهل من دخول الغنيّ إلى ملكوت الله". وإن دلّ هذا التواشج الدلالي على شيء فيدلّ على عقلية الإمام عليه السلام المنفتحة تجاه الآخر المسيحي ونصّه المقدّس.

ويتراءى لنا أنّ هذا الانفتاح النصي بحاجة إلى انفتاح في التأويل، وهذا الانفتاح يحتاج قبل كلّ شيء إلى عقلية منفتحة لدى المتلقي، ولا يحصل هذا الانفتاح إلا عبر التعايش السلمي مع الآخر بكيانه المستقل، وهذا يحتاج إلى نظرة تعددية لدى المتلقي أيّاً كانت ديانته.

ونكتشف من خلال فك شفرات هذه الفقرة من النصّ العلوي ومقارنته بالنصّ الإنجيلي أنّ الإمام يركّز على التعايش السلمي البناء مع الآخر، ولا نحصل على هذه الحصيلة الدلالية إلا من خلال الحفر في أعماق النصّ، كما رأينا، وليس الاكتفاء بقشوره، أي إنّ النصّ العلوي ـ وكذلك النصّ القرآني ـ لا يذكر الأنبياء السابقين عليهم السلام لنعتبر بقصصهم فحسب بل يريد ـ وهذا هو الأهم برأينا ـ  أن يؤسّس من خلال هذه العلاقة التناصية لخطاب فكريٍّ منفتح حيٍّ ـ وكلّ حيٍّ منفتحٌ ـ ليأتسي به كلّ من يقتدي بالإمام، فيحترم الآخر وينفتح عليه، ليكون التعايش السلمي معه خيارنا الأول والأهم في الحياة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية على المستويين المحلي والعالمي.

الاستعداد والوحدة صماما أمان للسلام والتعايش:

يجب الانتباه إلى أنّ التركيز على التعايش السلمي وتفضيل السلم على القتال في الخطاب العلوي لا يعني أن نغطّ في نوم الغفلة العميق، بل علينا دائماً أن نكون على أهبة الاستعداد لمواجهة الأخطارالتي يمكن أن تكون لنا بالمرصاد، ومن جملة هذه الأخطار الكيان الصهيوني الذي أصبح يهدد السلام العالمي.

ونرى كيف أنّ الإمام عليه السلام يطالب الأشتر النخعي بأخذ الحذر كلّه: "ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه، فان العدو ربما قارب ليتغفل، فخذ بالحزم، واتهم في ذلك حسن الظن".   

ولا شك في أنّ أخذ الحذر من العدو أو كلّ من بإمكانه أن يشكل خطراً للمسلمين ـ ويبدو أنّهم غالبية من يتلقون النص العلوي ـ يتطلب تضامناً حقيقياً بينهم، ليصبحوا أقوياء يستطيعون الرهان على السلام و التعايش مع الآخر، لأنّ سلام الأقوياء يشكل خياراً أنسب في عالم لا نستطيع أن نعيش فيه حياة كريمة لمجرد النوايا الطيبة، وتكشف لنا تجارب تاريخية على مستوى العلاقات الدولية مثل الحرب الباردة، أنّ السلام والتعايش في أدنى درجاتها يمكن أن يتحققا من خلال موازنة الخوف من الآخر، ولاشك في أن هذا اللون من السلام والتعايش أفضل بكثير من الصراع والحرب.

ويرى الإمام في الوحدة رمزاً للقوة وفي الفرقة رمزاً للضعف: "فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة، والأهواء مؤتلفة، والقلوب معتدلة، والأيدي مترادفة، والسيوف متناصرة، والبصائر نافذة، والعزائم واحدة، ألم يكونوا أرباباً في أقطار الأرضين، وملوكا على رقاب العالمين! فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم، حين وقعت الفرقة، وتشتتت الألفة، واختلفت الكلمة والأفئدة، وتشعبوا مختلفين، وتفرقوا متحاربين، قد خلع الله عنهم لباس كرامته، وسلبهم غضارة نعمته، وبقي قصص أخبارهم فيكم عبراً للمعتبرين."

ماذا نجني من السلام و التعايش:

يقول الإمام عليه السلام في كتابه للأشتر النخعي "فإن في الصلح دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمناً لبلادك" وإذا وسّعنا مدلول "الجنود" و"الهموم" و"الأمن" ليشمل كل الطاقات التي من المفترض أن تقوم بدورها في التنمية المستدامة الشاملة في كلّ مجتمع من المجتمعات البشرية، فنستطيع أن نستوعب مدلول كلام الإمام عليه السلام، فنرى كيف كان الإمام يؤمن بدور السلام في تنمية الطاقات المختلفة التي يمتلكها المجتمع ليستخدمها في تطويره في مختلف الميادين، وذلك بعيداً عن الهموم والمشاكل التي يواجهها الكثير من المجتمعات المسلمة التي كانت عليها أن تقتدي بكلام الإمام عليه السلام، وتجتاز العقبات التي سدّت طريق التقدم والتنمية أمام هذه المجتمعات.

توفير الفرص لقيام بعملية الإصلاح في المجتمع فائدة أخرى للسلام يضع الإمام إصبعه عليها، فيقول ردّاً على الذين سألوه "لم جعلت بينك وبينهم أجلاً في التحكيم؟"، يقول:" فإنما فعلت ذلك ليتبين الجاهل، ويتثبت العالم، ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأمة، ولا تؤخذ بأكظامها، فتعجل عن تبين الحق، وتنقاد لأول الغي.

وإذا كانت في الهدنة التي أعقبت الحرب مع العدو فرصة للإصلاح وإخماد نيران الأحقاد والعودة إلى الرشد وسواء السبيل، فمن البديهي أن يكون للسلام والتعايش مثل هذه الإنجازات في علاقاتنا المحلية والإقليمية والدولية.

إنّ التعاضد والتضامن في وجه الأخطار التي تهدّد المجتمعات المتعايشة المسالمة من الثمار التي تجنيه هذه المجتمعات من السلام والتعايش، ونرى ذلك في النص العلوي حين نستنطق ضفيرة من ضفائر هذا النص، فيذكر الإمام عليه السلام في حلف يعقده بين ربيعة واليمن أنهما تصبحان "يداً واحدة" ومن ذوي "دعوة واحدة"، أي إنّ السلام والتعايش يبرزان القواسم المشتركة بين هاتين الطائفتين من الناس لتنتج عنها قوة واحدة تحمي الطرفين المسالمين.

وغني عن الذكر أنّنا حين نقوم بترهين هذا الجزء من الخطاب العلوي علينا أن ننتبه إلى أنّ المجتمعات المعاصرة ليست مثل "المجتمعين" الذين عقد الإمام بينهما، فالمجتمعات المعاصرة أكثر تعقيداً وتعددية، الأمر الذي يجعلنا نحترم الآخر بخصوصياته الثقافية وبكيانه المستقل، حتى ولو كان هذا الآخر ممن يشترك معنا في الديانة واللغة وما شابههما من القواسم المشتركة. 

سؤال و إجابة:

قبل أن ننتهي من هذه العجالة التي حاولنا من خلالها تفكيك شفرة من شفرات النص العلوي، وهو نصّ متعدد الأصوات يحتمل قراءات متعددة، قبل أن ننتهي منها يواجهنا سؤال جدّ هامّ، هو: إذا كان الخطاب العلوي خطاباً مسالماً منفتحاً يدعو للتعايش واحترام الآخر، فلماذا لا يشكل كلام الإمام عليه السلام في نهج البلاغة فضاء نصياً يعادل تلك الأفضية النصية التي تتحدث عن الحرب والقتال والجهاد؟

من أجل الإجابة عن هذا السؤال نقول :

(أولاً) إنّ ما جاء في نهج البلاغة لا يشكل إلا جزءاً من النصّ العلوي، فإذا أردنا أن نحيط بدلالات هذا النصّ كله، علينا أن نراجع كتباً مثل "غررالحكم ودرر الكلم" للآمدي و"دستور معالم الحكم ومأثور مكارم الشيم" للقضاعي، وغيرهما من الكتب التي تشتمل على مادة غزيرة لدراسة الجانب المسالم من الخطاب العلوي، ولم تتناول هذه الورقة مثل هذه النصوص التزاماً  بحدود الدراسة وانصياعاً لسلطة العنوان.

(ثانياً) إنّ الإمام عليه السلام خاض الكثير من حياته الشريفة في الحروب الطاحنة التي فرضها عليه أعداء الإسلام ومعارضوه، الأمر الذي أجبره ليخصّص معظم طاقاته الجسدية والفكرية للتعامل مع هذه الأحداث، ولا شك في أنّ ذلك تمّ بالفعل على حساب الفضاء النصي الذي خصّه لخطابه السلمي التعايشي في نصوصه التي نجدها بين أيدينا، ولا شك أيضاً في أنّ هذا التقلص في الفضاء النصي لا يعني أبداً الضآلة في القيمة الدلالية لخطابه المسالم.

بالإضافة إلى ذلك فإننا نستغرب من تعامل الإمام السلمي في أحيان كثيرة يتوقع الكثير منّا نقيضه حين نقوم بعملية إعادة خلق الواقع التاريخي.

يشير المفكر الإسلامي الشهيد مرتضى مطهري إلى مثل هذا التعامل بقوله: "نرى أنّ أمير المؤمنين يخوض غمار الحرب حيناً و يمتنع أن يخوضه حيناً آخر.

لا يخوض الإمام عليه السلام غمار الحرب على السلطة بعد وفاة النبي صل الله عليه وآله وسلم، وكان يعامل بمرونة من كان يعامله بعنف. وحين ساءلته سيدة نساء العالمين سلام الله عليها عن سبب هذا التعامل، فأجاب إنّ الواجب هو الذي جعله يخوض حروباً زمن النبي صلى الله عليه وآله ويتجنبها بعد وفاته".

خاتمة البحث:

وحاولنا من خلال هذه الورقة تسليط الضوء على جانب مهم من الخطاب العلوي الفكري في نهج البلاغة، وهو الدعوة إلى السلم والتعايش السلمي بين أبناء الديانات والمجتمعات المختلفة، ورأينا أنّ الخطاب العلوي خطاب منفتح يناشد حياة مفعمة بالتعايش والسلام، وتراءى لنا ذلك من خلال استنطاق بعض طبقات النص في نهج البلاغة، مع ذلك فإننا نعتقد أنّ هذا النصّ نصّ تعدّدي يحتمل قراءات متعدّدة، غير أنّ ذلك لا يمنعنا، ونحن نحاول تقديم قراءة لهذا النصّ، أن نقول بأنّ خطاب الإمام الفكري خطاب مؤسس على التعايش السلمي، رغم ضآلة الفضاء النصي الذي يحتلّه هذا الخطاب الفكري بالمقارنة إلى الفضاء المخصّص بما يمكن أن نسميه الخطاب القتالي في نهج البلاغة. وينبني الخطاب العلوي المسالم هذا على الدعوة إلى السلام والحفاظ عليه، كما ينبني على الإشادة بالأنبياء السابقين عليهم السلام، وأشرنا إلى ذلك من خلال ذكر النص العلوي للسيد المسيح عليه السلام، مما يكشف عن علاقة حوار وتناصّ بين نصي نهج البلاغة والإنجيل، الأمرالذي يدعو المتلقي إلى حياة مؤسّسة على الحوار والتعددية واحترام الآخر بخصوصياته الثقافية والحضارية التي تتمثل في الكيان المستقل لكل مجتمع من المجتمعات، والاعتراف بهذا الكيان حجر أساس للحوار والتعددية فالتعايش.

****************************