وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام): لَيْسَ بَلَدٌ بأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَد، خَيْرُ الْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: طَالِبٌ، وَمَطْلُوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا،مَنْ طَلَبَ الاْخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا.                

Search form

إرسال الی صدیق
السياسة الإدارية عند الإمام علي عليه السلام قراءة في عهدالتولية لمالك الأشتر

الاستاذ الدكتور صاحب أبو جناح

ليس من التحكم أن نقول إن ( عهد التولية ) الذي كتبه الإمام علي (ع) إلى مالك الأشتر رحمه الله ـ وهو أطول عهد وأجمعه للمحاسن، كما يصفه الشريف الرضي رضوان الله عليه ـ يعد ميثاقا بين الإمام (ع) وعامله، ودستورا جامعا يرسم للناس حقوقهم ويضمن مصالحهم ويشخّص واجبات الدولة تجاههم . وفي اعتقادي أنه أهم وثيقة سياسية وإدارية في تاريخ الإسلام بعد وثيقة الخطاب النبوي الشريف في (حجة الوداع).

وهذا البحث يسعى لاستخلاص خطوط عامة يشكل ائتلافها صورة نأمل أن تكون مفصحة عن رؤية الإمام علي (ع) لمسؤولية الحكم والتزامات الحاكم في مجالات السياسة والدفاع وإدارة المجتمع وتنمية الاقتصاد مما استخلصناه من "عهده إلى مالك الأشتر" حين ولاه أمر مصر، ومستأنسين بما ورد له من أنظار وأفكار تنحو هذا المنحى، في خطبه ورسائله في مناسبات عدة في أثناء حكمه الشريف.

وقبل الخوض في تفاصيل هذا (العهد) ووصايا الإمام وتعليماته وأوامره في هذه المجالات يحسن أن ندرج جملة من المبادئ العامة مهد بها الإمام لعهده ونثر جملة منها في ثناياه لتكون ضوابط يلتزم بها المسؤول عند ممارسته مسؤولياته. ولابد لنا هنا من التنبيه والتأكيد على أن الإمام "ع" كان حريصا على تعليل كل وصية وبيان وجه الحكمة من كل نصيحة يسوقها في (عهده)، وكأنه كان برى أن من تمام مسؤوليته وواجبه تجاه أصحابه وأعوانه بيان الغاية والمصلحة فيما يوصي به ويأمر باتباعه، وذلك إرشادا لهم وإعذارا إياهم عن الإهمال والتقصير فيما كُلّفوا به.  

في مقدمة هذه المبادئ :

١- مبدأ الرقابة الذاتية :

يرى الإمام (ع) أن سلامة السيرة في تدبير شؤون الناس وإدارة مصالحهم تقتضي أن يلتزم المسؤول - بعد الركون إلى "كتاب الله" والعمل بأحكامه- مبدأ الرقابة الذاتية الصارمة ومحاسبة النفس "إملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك"([١]) ويرتبط بذلك الالتزام "بإنصاف الله والناس من نفسه وخاصة أهله والمقربين من أعوانه"([٢]) والسبيل إلى ذلك "أن يكسر من نفسه عند الشهوات وينزعها عن الجمحات، فإن النفس إمارة بالسوء إلا ما رحم الله" منبها إياه إلى أن هناك رقابة شعبية ورأيا عاماً ينبغي له أن لا يتغافل عنهما "إن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقوله فيهم، وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على السن عباده"([٣]) فالرأي العام- عند الإمام- مؤشر ومعيار لابد من التنبه له في تدبير الأمور ومراجعتها، وكان يقال: ألسنة الرعية أقلام الحق سبحانه إلى الملوك. وفي كل عصر يشكل الرأي العام مصدرا رئيسا للضغط السياسي على المؤسسات الحاكمة والأحزاب السياسية، وعلى السلطات التشريعية، بل على المراكز الدينية أيضا، وهو اليوم ( مادة دراسية ) في كليات الإعلام والعلوم السياسية.

٢ - النهي عن الاستبداد :

والحذر من الشعور "بالأبهة والمخيلة ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته" وأن لا يدفعه غرور السلطة للقول "إني مؤمَّر آمِر فأُطاع، فان ذلك أدغال في القلب ومنهكة للدين، وتقرب من الغير" وعلاج ذلك وتداركه نفسيا وروحيا أن "ينظر إلى عظم ملك الله فوقه، وقدرته منه على ما لا يقدر عليه من نفسه"([٤]) فذلك رادع له عن الطغيان وضمان من التجبر، وهما اشد ما يفسد الدول ويخرّب المجتمعات وينقض العمران. وقديما قيل: من استبد برأيه هلك. وقيل: ما خاب من استشار. وقيل: مشاورة العقلاء مشاركة لهم في عقولهم.

٣ - النهي عن سفك الدم الحرام :

لعل اشد ما حذر منه (ع) مالكا حتى إنه أوعده بالاقتصاص منه عند ارتكابه آفة الابتلاء بسفك الدماء بغير حلها، وهو أخطر ما امتحن الناس به، وشهدوا ما شهدوا منه من أهوال في عهود الطغاة من الذين استحوذوا على مقاليد الأمور بعد استشهاده (ع) وانقضاء عهده الشريف (٥) .

فهذه الآفة المهلكة- كما يبصرها الإمام وكما شهدت به الوقائع التاريخية وما تزال تشهد به اليوم- تستدعي عند الله النقمة، وزوال النعمة، وتعجيل الأجل، وتعظيم التبعة، وتتقدم- لشناعتها عند الله- غيرها من الخطايا في المساءلة يوم الحساب. "فلا تقوين سلطانك بدم حرام، فان ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله"([٥]) وأنذر مالكا بالاقتصاص منه إذا تورط في قتل العمد، فان وقع من ذلك خطا منه أو إفراط في عقوبة بدنية أدى إلى وفاة المجني عليه الزمه بدفع حق ذلك إلى أولياء المقتول دون تردد أو كراهة أو أنفة بسبب ما هو عليه من سلطان وأبهة.

يعقد جورج جرداق مبحثين مهمين في كتابه "الإمام علي صوت العدالة الإنسانية" يشغل الأول منهما خمسا وأربعين صفحة وعنوانه"علي ومبادئ الثورة الفرنسية ويشغل الثاني منهما عدة صفحات وعنوانه "وثيقة حقوق الإنسان" وفيه يربط بين مبادئ هذه الوثيقة وتعليمات الإمام (ع) ووصاياه إلى ولاته وعماله ومرؤوسيه ، الأمر الذي يوحي بأن الإمام عليه السلام قد سبق في فكره ورؤياه فلاسفة الثورة الفرنسية والمشرعين العالميين في عصرنا هذا بعدة أجيال ومراحل.

٤ - النهي عن الاحتجاب عن الناس :

لكي يكون الوالي متابعا لأحوال مواطنيه مطلعا عليها، ويكون المواطنون على علم بما يجري من حولهم من شؤون الدولة، حذر الإمام (ع) مالكا من الاحتجاب عن الناس، لأن ذلك مدعاة للتكهنات وترويج الظنون، وحرمان أصحاب الحاجات والمظالم من أن يصل صوتهم إليه، فضلا عن أنه يحول دون وقوفه على شؤونهم وأحوالهم. "فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور"([٦]).

٥ - مراقبة الخاصة والحاشية :

يتصل بما تقدم من إنصاف الناس والاطلاع على شؤونهم بشكل مباشر أن يحذره من خاصته وبطانته، وما يقع لهم من استغلال للنفوذ واستئثار وتطاول وقلة إنصاف للناس في المعاملة، ويأمره بردع هؤلاء والامتناع عن أن يحملهم على رقاب الناس ويمكنهم من الاستئثار بالنعم دونهم والإذلال لهم. "ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وحامتك قطيعة، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم، فيكون مهنا ذلك لهم دونك، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة"([٧]).وهذا المبدأ يتصل بمبدأ المساواة الذي أقرته شريعة حقوق الأنسان كما رسمها الفكر السياسي الحديث بعد الثورة الفرنسية.

وفي موضع متقدم من "العهد" يقرر الإمام أن هذه الفئة الطفيلية هي أقل الفئات استعدادا للتضحية عند الأزمات وأثقلها مؤونة عند الرخاء. "وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، واقل معونة له في البلاء وأكره للإنصاف وأسأل بالإلحاف، واقل شكرا عند الإعطاء وأبطأ عذرا عند المنع وأضعف صبرا عند ملمات الدهر، من أهل الخاصة"([٨]).

ولأن الحق شديد على النفوس ثقيل الوطأة عليها، لاسيما إذا لحق مصالح الأهل والأقارب والخواص، آساه الإمام (ع) في ذلك قائلا "وأَلزِم الحق من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك صابرا محتسبا، واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه، فإن مغبة ذلك محمودة"([٩]).

٦ - أداء الفروض :

بعد أن فرغ (ع) من التوصية بأمور الناس، وهي في صلب الطاعة لله ولأوامره ونواهيه، أوصاه بأداء فرائضه والقيام بها كاملة غير مثلومة، في ليله وفي نهاره، بالغا ذلك من بدنه ما بلغ، مع حرصه على ان تكون صلاته في الناس غير طويلة ولا ناقصة مخدجة، لان فيهم العاجز والمريض والمسن "صل بهم كصلاة أضعفهم، وكن بالمؤمنين رحيما"([١٠]).

لقد أراد الإمام لعامله أن يكون قدوة لمرؤوسيه وأعوانه ووكلائه في العدل والنزاهة وحصانة النفس عن استغلال النفوذ والاستئثار بما تحت يده من مال وسلطان، فمتى تحقق ذلك في نفسه وأتباعه اقتدى به مواطنوه ورعاياه فالناس على دين ملوكهم، كما قيل.

محاور السياسة العامة :

لخص الإمام (ع) المهمات السياسية والإدارية لمالك في "عهد التولية" بالعنوانات الآتية: "جباية الخراج، وجهاد العدو، واستصلاح الناس وعمارة البلاد"([١١]).

وإنما بدأ بجباية الخراج لأنه مصدر التمويل الرئيس وعماد اقتصاد الدولة وإدامة أجهزتها. وثنى بالدفاع عن الأرض وجهاد العدو، ثم أتم ذلك باستصلاح الناس، وأراد بذلك إدارة شؤونهم ورعاية مصالحهم وتحقيق العدالة بينهم، وختم مهماته بعمارة البلاد وتنمية الاقتصاد وتوفير أسباب الطمأنينة للقوى المنتجة. وقبل تفصيل الحديث عن هذه المحاور الأربعة حرر الإمام فقرة أوجز فيها الإشارة إلى فئات المجتمع الذي وجه إليه مالكا، وسماهم "طبقات" ([١٢]) وفيها: "جنود الله (العسكريون) ومنها كتاب العامة والخاصة (من يقوم بشبه مهام الوزراء) ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الإنصاف والرفق (الإداريون والجباة) ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس (المزارعون ومربو الماشية والأنعام)، ومنها التجار، وأهل الصناعات (الحرفيون) ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجات والمسكنة (فقراء المدن والريف).

السياسة الدفاعية: حين شرع الإمام (ع) بتفصيل الحديث عن حقوق فئات المجتمع وواجباتها بدأ بالحديث عن الجنود الممثلين لتشكيلات الحرس النظامي والمقاتلين من المجاهدين المندوبين للدفاع أو الفتح. فامتدحهم بأنهم "حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلاّ بهم"([١٣]) ولا بد من تموينهم بما لدى الدولة من موارد مالية تتمثل في عائدات الخراج والجزية وأموال الزكاة، وتوفير مستلزماتهم حتى يمكنهم الدفاع عن عهدتهم، فضلا عن احتياجهم إلى طبقات المجتمع من إداريين وتجار وحرفيين يوفرون لهم مستلزماتهم وسلعهم وعددهم مما لا يقوم به غيرهم.

ورسم بان يختار لقيادتهم والإمرة عليهم أقومهم سيرة وأكثرهم تحريا للعدل والإنصاف، وحدد لذلك شرائط وضوابط لخصها بالقول: "فول من جنودك انصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأطهرهم جيبا وأفضلهم حلما، ممن يبطيء عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويراف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء"([١٤]).

وفي هذا النص احترس الإمام من خطرين: خطر الفساد، الذي شهد ما شهد منه في زمانه، قبل توليه الأمر، وانتهى بثورة أدت إلى مصرع الخليفة الثالث، وخطر الاستبداد الذي يعطل أحكام الشريعة، فجعل الحلم والأناة والرأفة بالضعفاء والحزم مع الأقوياء المتنفذين شرطا في من يتولى المسؤولية وميزانا لاختياره.

ولان الحكمة الماثورة تقول: "عليكم بذوي الأحساب، فإن هم لم يتكرموا استحيوا" أوصى الإمام عامله بان يصطفي من جنوده قيادات من "ذوي المروءات والأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم وشعب من العرف"([١٥]) نفوسهم غنية عما في أيدي الناس، وهمتهم لا تتخلف عن نصرة صاحبهم، وهم ابعد ما يكونون عن التخاذل أو الغلول.

وعطف على هذه الوصية توصية برعاية الجنود وأسرهم ماديا ومعنويا، لان في ذلك ضمانا لحسن بلائهم ورفع معنوياتهم، وتشجيعا لأهل الإخلاص والمبادرة منهم، مما يصطلح عليه اليوم في إدارة الجيوش بالتعبئة المعنوية والتوجيه النفسي. يقول (ع): "فافسح في آمالهم، وواصل من حسن الثناء عليهم، وتعديد ما ابلي ذوو البلاء منهم، فإن كثرة الذكر لحسن فعالهم تهز الشجاع، وتحرض الناكل"([١٦]).

وفي السياسة الخارجية :

ينصح الإمام (ع) مالكا بان يختار السلم على الحرب عندما يعرض عليه عدوه صلحا يرضي الله ولا يفرط فيه بحقوق الأمة، لان في السلم راحة للمقاتلين وللوالي، وهو أمن للبلاد وسبيل إلى العمران والازدهار الاقتصادي، مع الاحتراس من مكائد العدو والتيقظ لتدبيراته، إذ لابد من الحزم والانتباه وعدم الاسترسال في حسن الظن والاطمئنان.

وتوثيقا لذلك لابد أن يكون هناك التزام بالوفاء بالعهد المبرم ورعاية الذمة، فتعظيم الوفاء بالعهود سنة حسنة عند جميع الناس والأمم، مسلمها ومشركها "وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، وحريما يسكنون إلى منعته، ويستفيضون إلى جواره، فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه"([١٧]).

وضمانا لسلامة "المعاهدة" وتحقيقا لاستتباب السلم المنيع يحذر الإمام "ع" مالكا، عند إبرام العهود والمواثيق، من الصيغ المبهمة المحتملة للتأويلات والعلل وطلب المخارج، ويحذّره أيضا من نقض العهد، وأن لا يعوّل في الاحتيال لبلوغ ذلك على تأويل خفيّ أو فحوى قول حين يجد نفسه ملزما بما لا يوافق هواه ومصلحته، وقد آساه الإمام في ذلك قائلا "فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته"([١٨]).

وفي السياسة الداخلية والإدارية :

خصص الإمام (ع) فقرة من "عهده" قدمها على ما سواها من تعليمات الإدارة واختيار الإداريين والحكام، وألزم فيها مالكا بضرورة الاستعانة بسياسة "التطهير، ومحاربة الفساد" وذلك بالاحتراس من الاستعانة بأعوان الجائرين من الحكام ممن شاركوهم في آثامهم، فنهاه عن أن يتخذ منهم بطانة، لان في غيرهم سعة وغنية عن اللجوء إليهم، قائلا: إن شر وزرائك من كان قبلك للأشرار وزيرا.. وأنت واجد عنهم خير الخلف، ممن لهم مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم وآثامهم، ممن لم يعاون ظالما على ظلمه، ولا آثما على إثمه"([١٩]) معللا ذلك بأن هؤلاء الجدد سيكونون أخفّ عليه مؤونة وأحسن له معونة، لم يتلوثوا بالفساد ولم يأثموا باجتراح الباطل.

وحثّه على أن يتّخذ من هؤلاء الصفوة المختارة مستشارين ناصحين وأن يؤثر منهم من كان صريحا في قول الحق، على مرارته، ولا يعينه على ما يكون منه مما يكره الله لأوليائه "واقعا ذلك من هواك حيث وقع".

اختيار العمال والولاة :

رسم الإمام (ع) شروطا وضوابط يلتزمها مالك عند اختيار عماله وولاة النواحي وأمراء الأطراف، أولها: إن يكون اختبارهم وتجربتهم محكا لذلك، وليس الركون إلى المحاباة والأثرة، لأنهما يجمعان الجور والخيانة ووضع الأمور في غير نصابها، على نحو ما كان يقع قبل ولاية الإمام وما وقع بعدها على نحو فاحش، وعلى نحو ما يقع بيننا اليوم من بلاء وضعنا في طليعة الأنظمة المنخورة بداء الفساد وآفاته.

وثانيها: أن يتوخى منهم "أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة" معللا ذلك "بأنهم أكرم أخلاقا، وأصح أعراضا، وأقل في المطامع إشرافا، وأبلغ في العواقب نظرا"([٢٠]).

ولإعانتهم على صيانة نفوسهم ورعاية ذممهم أوصاه بأن يسبغ عليهم الأرزاق، لأن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، ومانعا لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحجة عليهم إن ثلموا الأمانة، وخالفوا الأمر.

اختيار الكتاب والمستشارين :

عند اختيار الكتاب، وهم يقومون مقام مدراء المكاتب أو الوزراء في أنظمة الإدارة اليوم، وكذلك المستشارين وأمناء السر، أوصى الإمام (ع) مالكا بان يتحرى أكيسهم وأرسخهم حكمة وحنكة، وأكتمهم للسر، ليكون أمينا على مكاتباته وأسراره وتدابيره في الإدارة والمراسلات، ممن يؤمن ولاؤه وطاعته ووفاؤه، وأن يكون دقيقا في تحرير المكاتبات والعقود وكتب التولية، حتى لا يلتبس منها شيء، ولا يستغل منها نص غير محكم. وحذره من أن يكون اختياره لهم عن محض فراسة وحسن ظن بأحوالهم مما يوحي به ظاهرهم، لأن تصنع الكياسة والوقار والتقوى وحسن الحديث كثيرا ما يخفي عدم النصح وضعف الأمانة عند المحترفين منهم([٢١]) على ما نشهده اليوم عند كثير من المتوسلين إلى تسنّم المناصب والساعين إلى بلوغ المآرب. وحثه على اختيار أهل التجربة ممن سبقت لهم خدمة صالحة عند من كان قبله من الولاة، وتحقق له حسن سمعة عند الجمهور، بما عرف به من أمانة ونصيحة.

اختيار القضاة :

ومن الشروط التي اشترطها الإمام (ع) في هذا الباب أن يكون القاضي من أنبه الناس عقلا وأفضلهم وعيا وإدراكا وسعة صدر، وتحريّا عن الحق، وتقبلا للرجوع عن الخطأ، وصرامة عند اتضاح الحكم، وأبعدهم عن الطمع، ممن لا يخدع بإغراء ولا يستميله إطراء.

ولضمان تحقق ذلك واحتراسا من الوقوع في مهاوي الإغراء أوصاه (ع) بإكرامهم وتوفير رزقهم ومؤونتهم، ورفع منزلتهم على سواهم، لحمايتهم من التجاوز وصيانتهم من النيل منهم,وفي هذا ضمان لاستقلال القضاء كما يرى بعض الباحثين. والإمام في هذا الموقف يستحضر سوء ما كان عليه الحال قبيل ولايته من تعطيل حدود الله والحكم بالهوى وإيثار القرابة والحاشية، بقول الإمام: "فانظر في ذلك نظرا بليغا، فإن هذا الدين قد كان أسيرا في الأشرار، يُعمَل فيه بالهوى، وتُطلَب به الدنيا"([٢٢]).

إدارة المجتمع :

إن الاستقصاء الدقيق للشأن الاجتماعي الذي التحم به نسيج النص المتضمن (عهد الإمام لمالك) يقفنا على طائفة من الوصايا والنصائح وطائفة من التحذيرات والنواهي، وفي مقدمتها:

التربية الذاتية :

ولعل أنجع ما أوصى به الإمام (ع) مالكا في شان التربية الذاتية ومراقبة النفس عند إدارة أمور الناس- على تقدمه في السن وتجربته في الحياة- نصيحته له "بالإكثار من مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء" في مراجعة ما كان عليه أمر الناس قبله، وما كانت شؤونهم تدار به، لترسيخ ما كان صالحا منه وتقويم ما استقام به الناس قبله،  ممهدا لذلك بقوله: ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت بها الألفة، وصلحت عليها الرعية"([٢٣]).

فالاستعانة بما صحّ من تجارب سابقيه وتوخي الحذر من اتخاذ الإجراءات غير المدروسة، هما السبيل إلى توفير الجهد واجتناب الهدر في الطاقات وإقلاق السكينة الاجتماعية، وهذا يعزز ما استهل به الإمام (عهده) من نصيحة " وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاّك، وقد استكفاك أمرهم، وابتلاك بهم". 

وفي هذا الشأن حذّر الإمام (ع) مالكا من جملة من المعايب والمآخذ منها مغبة الإعجاب بالنفس والوثوق بما يعجبه منها، ومنها حبه للإطراء الذي يفرط فيه المتزلفون من الأعوان والحاشية وطلاب المنافع، لان ذلك- عند الإمام- إفراط في الضلال وسبيل إلى محق كل ما صدر عنه من حسن تصرف.

 ومما حذّره منه آفة المنّ على الرعية على ما يستوجبونه من حقوق والتبجّح بما صدر عنه من منفعة لهم هي في صميم واجباته نحوهم. لأن المنّ يبطل الإحسان، والتزيّد يذهب بنور الحق، لأنّه يخلط الكذب بالصدق.

ومن ذلك العجلة بالأمور قبل أوانها، فهي خصلة مذمومة، أو التساقط فيها- حرصا وجشعا- عند إمكانها، أو اللجاجة في الحاجة إذا تعذرت، أو التهاون فيها والتراخي عنها وترك انتهاز الفرصة فيها "إذا اتضحت وانكشفت".

ومما نهاه عنه الاستئثار بما الناس فيه أسوة، وهو آفة الحكام ولا يكاد ينجو منه أحد.

وحذره من التغابي والتغافل عما يبلغه من تمادي خاصته في منكرات الأمور والتستر عليها، فان مسؤولية ذلك تقع عليه، وهو مأخوذ بجريرتهم.

وألزمه بتجنب عواقب الغضب والتسرع في حسم الأمر قبل أن يستعيد هدوءه ويسكن عنه الغضب "املك حمية انفك وسورة حدك وسطوة يدك وغرب لسانك، واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار"([٢٤]).

ومن بين ما حذّره منه الإنصات إلى أهل الوشاية والسعي في طلب معايب الناس، وهم فئة تجمعها دواعي الحسد وحب الشغب، فينصحه باستبعادهم وازدرائهم وعدم الإنصات لهم أو التعجيل بتصديقهم، "فإن الساعي غاشٌ وإن تشبه بالناصحين"([٢٥]) ويحثه مقابل ذلك على ستر عورات الناس ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وعلى معالجة ما ظهر منها وبان للجمهور، ويذر لله تعالى الحكم على ما خفي منها.

ومثلما حذّره من الوشاة حذّره من اتخاذ البخلاء والجبناء والجشعين مستشارين له، لأن البخل والجبن والحرص، كما يراها الإمام، غرائــز شتـى يجمعها سوء الظن بالله. ومغزى كلام الإمام الذي حذّر به مالكا أن الإنســان لو أحسن الظن بالله وكان يقينه صادقا لعلم أن الأجل مقدّر وأن الرزق مقــدّر وأن الغنى والفقر مقدّران، ولا يكون شيء من ذلك إلاّ ما قضى الله تعالى كونه.

وفي مقابل ذلك ينصحه بتقريب أهل الورع والصدق، وترويضهم على تجنب الإطراء والتزلف، لان الإفراط في ذلك، كما يقرر الإمام، يحدث الزهو ويدني من العزة، وهما مظنة الغرور والاستكبار.

وينهاه عن تجاهل التفريق بين أهل الإحسان وأهل الإساءة، فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة([٢٦]). وينصحه بتهدئة النفوس وطمأنتها وإطلاق عقد الخوف وأسباب الوتر والتغابي عن كل ما لا يتضح له.

ولتلافي كل هذه المحذورات يقترح الإمام (ع) علاجا لذلك عماده التمسك بذكره المعاد إلى الله والالتزام بفرائضه وأوامره والاقتداء بسنة الرسول (ص) والصالحين من أولياء الأمور المعروفين بالعدل والفضل، وفي مقدمتهم ولي أمره، وما يشهده من سيرته وعدالته وتقواه.

رعاية الطبقات الاجتماعية وفئات العامة

إن قانون الإمارة وحكمة الإدارة عند الإمام (ع) يرتكزان على إدراك مكونات المجتمع وتشخيص فئاته والتنبيه على وحدة المصير والتحام المصالح المشتركة بين فئات المجتمع وطبقاته. وهو الأمر الذي اتفق عليه علماء الاجتماع السياسي بإقرارهم: أننا لا يمكن أن نفهم المجتمع بكليته، ولا النظم المختلفة فيه، السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية ... ما لم نتعرف على العناصر التي يتكون منها، وطبيعة العلاقات القائمة فيما بينها، ثم المكانة التي تحتلها هذه العناصر بالنسبة إلى بنية الوحدات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية[٢٧] يتجلى ذلك في قول الإمام (ع): "واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلاّ ببعض، ولا غنى لبعضها عن بعض ... وكل قد سمّى الله له سهمه، ووضع على حدّه وفريضته، في كتابه أو سنة نبيه صلى الله عليه وآله، عهدا منه عندنا محفوظا" يؤكد هذه النظرية قول عالم الاجتماع المعاصر نيقولا حداد في كتابه (علم الاجتماع)ان غاية الاجتماع تعاون الافراد في الدفاع والاسترزاق واشتراكهم في التمتع بملذات الحياة. وقد أوحى هذا النص المشخص لطبقات المجتمع ووظائفها في البنية لاجتماعية وحقوقها عند السلطة السياسية والادارية لبعض الباحثين الاستنتاج أن الأمام (ع) هو أول من وضع قواعد علم الاجتماع وهو المعلم الاول له "الراعي والرعية(ص٥٠-٥٣)". لذا فالإمام يحث مالكا على لزوم تحري أوسط الأمور في الحق وأعمها في العدل واجمعها لرضا الرعية، ولاسيما "العامة" من جماهير الشعب وكادحيه، فالاجتهاد في رضا هؤلاء مقدمة واجبات الوالي، فهم "عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء"([٢٨]) بحسب وصف الإمام لهم، فهم قوام الدفاع عن أمن الأمة، وعليهم يقوم بناء الاقتصاد، وتحريك عجلة الإنتاج وتوفير أسباب العيش للمجتمع، لذا ينصح الإمام (ع) مالكا بأن يكون ميله إليهم واصطفافه معهم، لأن رضا هؤلاء أمان من الاضطراب والقلق السياسي المؤدي إلى إثارة السخط وانفجار الفتن، وليس عليه ـ إن حقق العدالة في هؤلاء ـ أن يُسخِط عليه "الخاصة" من حاشيته ومقربيه وذوي السلطة والشأن ممن تتناقض مصالحهم في الغالب مع مصالح العامة وجماهير الشعب، لأنها قائمة على الاستئثار والاستغلال والنهم الذي لا حدود له[٢٩]، فضلا عن أنهم أقل الفئات تضحية وأضعفها معونة بحسب وصف الإمام لهم: "وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء وأقل معونة له في البلاء وأكره للإنصاف([٣٠]) وأسأل بالإلحاف، وأقل شكرا عند الإعطاء، وأبطأ عذرا عند المنع وأضعف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة".  وقد صاغ الإمام (ع) هذه النظرية السياسية الخطيرة بقوله: "فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة، وإن سخط الخاصة يُغتفَر مع رضا العامة".

وإدراكا من الإمام (ع) لدور الفئات الاجتماعية المنتجة المحركة لعجلة الاقتصاد من "التجار والحرفيين" جعلهم موضع الاهتمام وأوصى مالكا برعايتهم وتفقد أحوالهم وحمايتهم من التجاوز عليهم، سواء كانوا قريبين منه أو في اطراف بلاده. وعلى عادة الإمام ع في بيان الحكمة من كل وصية أو تحذير علل ذلك بأنهم "مواد المنافع وأسباب المرافق وجلّابها من المباعد والمطارح" في البر والبحر والسهل والجبل، فضلا عن أنهم "سلم لا تخاف بائقته، وصلح لا تخشى غائلته"([٣١]) فهم فئات مسالمة لا يخشى منها تمرد ولا تآمر، لانشغالهم بما هم فيه من كسب، ولأن الاضطراب الأمني يعطل أعمالهم بل يفسدها.

ولم يغب عن بال الإمام (ع) التحذير من آفة التجارة في كل زمان ومكان وهي "الاحتكار والاستغلال" الذي يرافق الأزمات الأمنية والاقتصادية عادة، وقد نهى عنه رسول الله (ص) ومنع منه لأن ذلك باب مضرة للعامة، فألزم الإمام (ع) مالكا بمراقبة التجار ومنع الاحتكار ومعاقبة من يقترف خطيئة في هذا الشأن، بعد نهيه عنها، عقوبة صارمة من غير إسراف، يصل حد إراقة الدماء على نحو ما يقع من الحكام الطغاة تعسفا وجورا.

واستكمالا لذلك الأمر أوصاه بأن يكون البيع بيعا سمحا بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائعين والمبتاعين([٣٢]).

ولأن المساكين والمعوزين هم الشغل الشاغل لأولياء الله وأهل التقوى أردف الإمام (ع) توصيته بالتجار وأهل الصناعات توصية حثيثة بمن سمّاهم "الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنى" وهم إلى الإنصاف والعناية من بين الرعية أحوج من غيرهم. فالزم مالكا بان يخصص لهم قسما من بيت المال ومن عائدات الأرض الزراعية المفتوحة صلحا (الصوافي)، وحثه على رعاية شؤونهم وتفقدها، سواء كانوا قريبين منه أو بعيدين عنه، وان يوكل بهم جهازا خاصا لمتابعة شؤونهم وتفقد أحوالهم في مواطن اقامتهم، يديره الثقات من أهل الخشية والتواضع، وذلك أدعى لإزالة الرهبة والتهيب من نفوسهم، "فلا تشخص همك عنهم، ولا  تصعّر خدك لهم، وتفقّد أمور من لا يصل إليك منهم، ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال"([٣٣]) لهوان شأنه ورثاثة هيئته، التي خشي الإمام أن تكون حاجزا يمنع وصوله إلى ديوان المسؤولين.

والزمه بتعهد الأيتام والمسنين "ممن لا حيلة له ولا ينصب نفسه للمسالة" عجزا أو تعففا. ونبهه إلى ان "ذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل" وعزاؤه في ذلك أن الله تعالى يخففه عمن طلب الأجر والمثوبة، وصدق موعود الله. ولبلوغ هدفه في إقامة العدل ألزمه بأن يعقد "مجلسا عاما للمواطنين ولاسيما ذوي الحاجات عنده، يتفرغ لهم فيه، ويرفع عنهم كلفة المراسيم، وذلك بتنحية الحرس والجنود، لإزالة الرهبة عن نفوسهم، حتى يكلموه بغير تلجلج ولا ارتباك، بعد أن يتبسط معهم ويحتمل منهم السذاجة والعي ويبعد عنهم الضيق والأنف([٣٤]).

وفي الشأن الإداري :

أوصاه بمتابعة مراسلات عماله وإجابة ما يعجز كتابه عن إجابته أو ما ليس من شأنهم الإجابة عليها من مراسلات خاصة لا يصلح أن يطلع عليها غيره. ونصحه بان ينظم عمله ويقسم أيامه ولا يدخل عمل يوم في عمل يوم آخر فيربكه ذلك ويتعبه([٣٥]).

وفي الشأن الاقتصادي :

نبه الإمام (ع) مالكا- إضافة إلى ما سبق من حثه على رعاية التجار وأهل الصناعات- إلى الدور العظيم للموارد الاقتصادية في إقامة شؤون الدولة وترسيخ نظامها وبناء مؤسساتها. والخراج هو رأس الاقتصاد في المجتمعات الزراعية ومنها مصر، لذا حث الإمام مالكا على تفقد أمره بما يصلح أهله ويعينهم، لان صلاحهم صلاح للمواطنين عامة، فهم عيال عليه وعلى القائمين به من شغيلة الحقل الزراعي وإدارييه. ووضع نصب عينيه أن اهتمامه بعمارة الأرض وتدبير مستلزمات الإنتاج يجب أن يتقدم اهتمامه بجباية ضريبة الخراج، لان من "طلب الخراج بغير عمارة الأرض أخرب البلاد وأهلك العباد" فإذا تعرضت الأرض إلى عطش بسبب شحّة المطر أو انقطاع مياه الري أو إلى آثار الفيضان أو الآفات الزراعية لزمه التخفيف عن كاهل أهلها- عند الجباية- بما يصلح أمرهم، وليس في ذلك خسارة على بيت المال بل تشجيع لهم على معاودة الإنتاج بجد ونشاط، وإصلاح عمارة الأرض، فضلا عما فيه من إشاعة الطمأنينة في نفوس الناس تجاه أولياء الأمور، واستعدادهم للبذل والمعونة عند حدوث أزمة أو إلمام ملمة. فليس من المصلحة استنزاف ما في ايدي المزارعين، لأن خراب الأرض يؤتى من إعواز أهلها الناجم عن إلحاح أهل الجباية والتحصيل، وهو ما حذّر منه الإمام ع، لأنه من مظاهر الفساد والجور وسوء التدبير([٣٦]).

وتأكيدا للردع والنهي عن الجور والفساد في هذا الشأن- وهو الهاجس الذي يؤرق الإمام (ع) ويشغل باله لما شهده في زمان العمال قبله- حذر الإمام عمال الخراج، في كتاب وجهه إليهم، من سوء التصرف والتعسف في معاملة الناس واضطرارهم إياهم إلى ما لا يجوز ولا يصح "ولا تبيعن الناس في الخراج- أي بسببه- كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابة يعتملون عليها، ولا عبدا، ولا تضربن أحدا سوطا لمكان درهم"([٣٧]).

وبلغ من احتياط الإمام (ع) لتحقيق العدل  انه كان يوصي عمال صدقاته بالتأدب مع الناس والتزام اللطف بهم، وجاوز ذلك إلى إلزامهم بالرفق بحيواناتهم المستحقة لفريضة الصدقات عليها "ولا تنفرن بهيمة، ولا تفزعنها، ولا تسوءن صاحبها فيها" ونصح بالرفق بما جبي من حيوانات الصدقة والعناية بها، لأنها ملك لبيت مال المسلمين والمستحقين لها، "ولا توكل بها إلا ناصحا شفيقا وأمينا حفيظا، غير معنف ولا مجحف ولا ملغب ولا متعب"([٣٨]).

والذي يتبين لي، بعد هذه الرحلة من التحليل والتأمل في (عهد الإمام)، أنه كان يؤمن بمقولة ( الناس على دين ملوكهم ) وليس بمقولة ( كيفما تكونوا يولَّ عليكم ) فأشد ما كان يشغل فكر الإمام هو صلاح ذوي الشأن القائمين على أمور الناس في مجال الإدارة والقضاء والدفاع وغيرها من شؤون إدارة الدولة، انطلاقا من إيمانه بمقولة ( صلاح الرعية بصلاح الوالي) لذلك لا نجد في (العهد) كله غير تفصيلات واجب المسؤول تجاه مسؤوليه وتذكيره بإقامة حكم الله وسلطان الحق فيهم، ثم رعايتهم بأقصى ما يستطيع من ذلك، لاسيما فئات الضعفاء والمعوزين والعجزة من طبقة العامة، وهي الطبقة التي وسمها بأنها "عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء" وهي أكثر الطبقات تحملا للتضحية واستعدادا للبذل والعطاء.

فالإمام كان حريصا في جميع فقرات هذا ( العهد) وتفاصيله على بيان مسؤولية الآمر وليس مسؤولية المأمور، وذلك لكثرة ما شهده وما سمعه عن جور الولاة وتجاوزهم على حقوق الناس وتحكمهم في مصائرهم بالباطل.

لقد كان ابن أبي الحديد في منتهى الدقة والإنصاف حين وصف هذا (العهد) بأنه: نسيج وحده، ومنه تعلّم الناس الآداب والقضايا والأحكام والسياسة ... وحقيق مثله أن يُقتنى في خزائن الملوك. ( الشرح: ٢/٣١٠)

-------------------------------------------------------------------
([١]) نهج البلاغة ٤٩٩، ابن ابي الحديد ٥/٢٣.
([٢]) نفسه ٥٠٠، الشرح ٥/٢٦.
([٣]) نفسه ٥٠٠، الشرح ٥/٢٣.
([٤]) نفسه ٥٠١، الشرح ٥/٢٥.
([٥]) نفسه ٥١٩، الشرح ٥/٨٠.
([٦]) نفسه ٥١٦، الشرح ٥/٦٦.
([٧]) نفسه ٥١٧ ، الشرح ٥\٧٠ ,الامام علي صوت العدالة الإنسانية ١/٣٥٢.
([٨]) نفسه ٥٠٢ ، الشرح ٥/٢٦.
([٩]) نفسه ٥١٧ ، الشرح ٥/٧٠.
([١٠]) نفسه ٥١٦ ، الشرح ٥/٦٥.
([١١]) نفسه ٤٩٩ ، الشرح ٥/٢٣.
([١٢]) نفسه ٥٠٥ ، الشرح ٥/٣٦.
([١٣]) نفسه ٥٠٥ ، الشرح ٥/٣٨.
([١٤]) نفسه ٥٠٦ ، الشرح ٥/٣٨.
([١٥]) نفسه ٥٠٦ ، الشرح ٥/٣٨.
([١٦]) نفسه ٥٠٧ ، الشرح ٥/٣٨.
([١٧]) نفسه ٥١٩ ، الشرح ٥/٧٧.
([١٨]) نفسه ٥١٩ ، الشرح ٥/٧٨.
([١٩]) نفسه ٥٠٣ ، الشرح ٥/٣١.
([٢٠]) نفسه ٥٠٩ ، الشرح ٥/٥٠.
([٢١]) نفسه ٥١٢ ، الشرح ٥/٥٥.
([٢٢]) نفسه ٥٠٩ ، الشرح ٥/٤٣ ,الامام علي صوت العدالة الإنسانية ١/٣٦١.
([٢٣]) نفسه ٥٠٥ ، الشرح ٥/٣٥.
([٢٤]) نفسه ٥٢١ ، الشرح ٥/٨٣.
([٢٥]) نفسه ٥٠٣ ، الشرح ٥/٢٧.
([٢٦]) نفسه ٥٠٤ ، الشرح ٥/٣٣.
( [٢٧] ) علم الاجتماع السياسي ـ د. صادق الأسود ـ دار الحكمة للطباعة والنشر ـ بغداد ـ ١٩٩١ ـ ص ٩٩.
([٢٨]) نفسه ٥٠٢ ، الشرح ٥/٢٦.
([٢٩]) من مظاهر ذلك ما تضمنه قول عمر بن عبد العزيز لآل مروان: "إني لأحسب شطر أموال هذه الأمة أو ثلثيها في أيديكم" شرح ابن أبي الحديد: ٥/٧٥.
([٣٠]) ليس واقعة الجمل، في وجه من وجوهها، غير مظهر من مظاهر كراهة الإنصاف الذي أراده الإمام (ع) حين ساوى بين المسلمين في العطاء، فثارت ثائرة الخاصة من قريش وأمية والمنتفعين من السلطة السابقة بدعوى المطالبة بدم الخليفة الثالث.  
([٣١]) نفسه ٥١٣ ، الشرح ٥/٦٠.الامام علي صوت العدالة الإنسانية ١/٣٤٣.
([٣٢]) نفسه ٥١٣ ، الشرح ٥/٦٠.الامام علي صوت العدالة الإنسانية ١/٣٥٠
([٣٣]) نفسه ٥١٤ ، الشرح ٥/٦٢.
([٣٤]) نفسه ٥١٥ ، الشرح ٥/٦٤.
([٣٥]) نفسه ٥١٦ ، الشرح ٥/٦٤.
([٣٦]) نفسه ٥١١ ، الشرح ٥/٥٢.
([٣٧]) نفسه ٤٩٨ ، الشرح ٥/١٥.
([٣٨]) نفسه ٤٤٥ ، الشرح ٤/٥٧٩.

مصادرالبحث

إصلاح المجتمع في منظار نهج البلاغة(بحث) ،أحمد محمد جواد الحكيم , مجلة المورد ع٤ م٣٦ عام ٢٠٠٩ .

الأمام علي صوت العدالة الأنسانية ،جورج جرداق ،دار المهدي ،بيروت ،٢٠٠٤ م .

الراعي و الرعية ،توفيق الفكيكي ،ط٣،شركة المعرفة للنشر ،بغداد ،١٩٩٠ م

شرح نهج البلاغة ،أبن ابي الحديد ،دار مكتبة الحياة، بيروت ،د ت .

علم الأجتماع السياسي ،د.صادق الأسود ،دار الحكمة للطباعة و النشر،بغداد ،١٩٩١م .

نثر الدر ،منصور بن الحسين الابي ،تحقيق:محمد علي قرنة ،الهيئة المصرية العامة للكتاب ،القاهرة ،١٩٨٠ .

نهج البلاغة ،ط ٢ ،مؤسسة أنصاريان للطباعة ، قم ،٢٠٠٣ م .

****************************