وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجزِ.                
وقال (عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: طَالِبٌ، وَمَطْلُوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا،مَنْ طَلَبَ الاْخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا.                
وقال (عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَيَنْفَدُ.                
وقال (عليه السلام): إذَا كَانَ في رَجُل خَلَّةٌ رَائِعَةٌ فَانْتَظِرْ أَخَوَاتِهَا.                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَر.                

Search form

إرسال الی صدیق
الشريف الرضي بين دكتورين

بقلم مارون عبود

مدير الجامعة الوطنية بعاليه

جرى حديث بين الشيطان وايفان في رواية (الاخوة كرامازوف) للقصصي العظيم (دوستوفسكي) فقال الشيطان لايفان: يجب ان تشك وتجحد. فبدون الشكوك والجحود لانقد. وبدون النقد كيف ننقح ونهذب . اذا توارى النقد لم يبق الا (اوصانا) وهذا لا يكفي. يجب ان نضع التقريظ والنقد في كفتي الميزان. ومع ذلك فما انا الذي اخترعت النقد، لست انا تيس الخطيئة . يجب ان انتقد لان النقد اصل الحياة.»

اما (تورغنيف) الروائي العظيم الاخر فيقول في روايته (الارض البكر)، اين النقد في روسيا، عندنا بعض شبان يريدون ان ينتقدوا، فاذا ارادوا ان يبرهنوا ان الدجاجة تبيض سودوا عشرين صفحة لاظهار هذه الحقيقة... وقد لا يظهرونها كما يريدون.

اذا صدقنا (سكوروبيكين) قلنا كل انتاج قديم هو كالعدم، او لاشىء ، لانه قديم , واذا كان الامر كذلك صارت الفنون كالازياء ، ولا لزوم للتحدث عنها بجد. اذا لم يكن في الفن شيء دائم لا يتغير ، مثل العلم، فليأخذه القرد.

نعم ان قواعد الفن صعب اكتشافها كقواعد العلم، ولكنها موجودة, ومن ينكر وجودها فهو أعمي. لا شيء اقوى فينا من الشيء الذي يبقى فينا، ويظل  كسرّ مغلق لا نفهم منه الا القليل.

هذا رأي الشيخين الروسيين الخالدين ، اما انا ، ولا ادعاء، فارى النقد لا يعدو ثلاثة انواع ، فهو اما بعث، واما نشر وتحنيط، واما قبر.

امامي الان كتابان في الشريف الرضي، والشريف الرضي اشهر من ان يعرف، فهوشاعر بعيد مرامي الكلم، كبير الهم. ان بيت المتنبي الذي قاله عن نفسه:

وفوادي من الملوك وا ***** ن كان لساني يرى من الشعراء

يصح في الشريف الرضي لا في ابي الطيب . انه ملك حقاً، ومستقره في حنايا القلوب الكبيرة لا القصور الرفيعة العماد.

اما الكتابان فواحد للدكتور زكي مبارك ,وواحد للدكتور محفوظ .

 فلنقل اذن الشريف ، رضي الله عنه، بين دكتورين.

ولكن لا ، فالاستاذ مبارك، كما يتضح من الكشف الذي على الجزء الثاني من كتابه (عبقرية الشريف الرضي)، اكثر من دكتور, هو دكتور في الاداب من جامعة باريس، ودكتور في الاداب من الجامعة المصرية مرتين، فقد حيرني هذا فقلت: ترى صارت الدكتوراه كبعض الاوسمة .. تمنح مرتين!

وكيفما دارت الحال بالدكتور مبارك فهو كاتب وملهم، كما يعبر زميله ومعلمه الدكتور الاخر.

فكرت قبل ان افتح كتابه ان اثني ثناء طويلاً عريضاً على كتبه الفخمة ، فالرجل، بارك الله في عمره، سوّد وحبر من الصفحات ما يعز على عشرة من فطاحل الكتَّاب ان يسوّده. وفيما انا افتش عن كلمة نفي بها قسطاً من الديون المستحقة ، فتحت الكتاب بدون انتباه فوقعت عيني على اول صفحة فاستغنيت عن كلامي بكلمته هو، وصاحب البيت ادرى بالذي فيه, فبعد ان قال الدكتور، ولانه ولانه..

كما يقال في المراسيم بناء وبناء ، قال اخيراً :  «ولان القلم جرى فيه – اي في كتابه – باسلوب ما احسبني سبقت اليه في (شرح اغراض الشعراء) حتى كدت اتوهم اني طفت بأودية لم تعرفها الملائكة ولا الشياطين».

وحسبي بهذا ثناء على الدكتور الجليل . فرجعت ولساني يردد قول العوام عندنا : من مالك يهدى لك...

روى الدكتور بيتا للشريف وهو:

انا النضار الذي يضن به ***** لو قلبتني يمين منتقد

وقد علق عليه بهذه العبارة : اشهد أنك وجدت المنقد ايها النضار.

ليت الدكتور اصرّ على ما ادعى في عبارته التي تقدمت فقد انصف نفسه الانصاف كله حين زعم انه شرح اغراض الشريف.

 لقد اجاد في هذا وافاد، وصوب اشعة التاريخ الكاشفة على عذارى الشريف الخالدات، فبهر جمالها العيون وفهم الناس عن ذلك النبيل ما لم يكونوا يفهمون لولا كتاب مبارك .

ناهيك ان الديوان اصبح نادرا فكأنه اعاد طبعه ، او اختار دراريه . فأصبح القارىء في غنى عن التماس الاصل . اما النقد الذي توعد به الشريف الرضي . او وعده . فما وقعت على اثر له في الكتاب . الا اذا كان ما قاله الدكتور مبارك نقدا في نظر غيري... له كذلك ، ومن يدري ...

أتقول هذا نقداً!؟ قال الدكتور في ص ١٢: سيرى قراء هذا الكتاب اني «جعلت» الشريف افحل شاعر عرفته اللغة العربية وقد سمع بذلك ناس فذهبوا يقولون في جرائد بغداد . ايكون الشريف اشعر من المتنبي.

واستطيع ان اجيب بأن الشريف في كتابي اشعر من المتنبي في اي كتاب. وان يكون المتنبي اشعر من الشريف الا يوم اؤلف عنه كتاباً مثل هذا الكتاب» .

واذا قلبت الورقة عثرت على هذه العبارات (وبيان ذلك اني لم اقف من الشاعر الذي ادرسه موقف الاستاذ من التلميذ ، كما يفعل المتحذلقون ، وانما وقفت منه موقف الصديق من الصديق والتشاهب بيني وبين الشريف الرضي عظيم جدا ، ولو خرج من قبره لعانقني معانقة الشقيق للشقيق) .

قل له يا سيدي. قم فيقوم ، ويشهد الناس عناقاً لم يشهدوا مثله في بيت عنيا ... ما زلت تخمل شاعرا كالمتنبي ، اذا شئت ، وينبه ذكره اذا كتبت عنه كتاباً مثل هذا الكتاب . فلا يصعب عليك ان تنشر الشريف هنيهة ليعانقك معانقة الشقيق للشقيق، وانا اكفل له الخلود الى قيام الساعة مثل ايليا واحنوخ ، لان معانقة من يحيي قلمه ويميت ليست بالامر الكثير الوقوع.

حقاً ان العبقرية فنون ....

ومع كل هذا القول فما ارى كتاب مبارك الا نشراً وتحنيطاً، ومصر بزّت العالم في هذا الفن ، قد كان موقف الدكتور في هذا الكتاب موقف الدليل من العاديات،  او كمن يعرض «صندوق الدنيا» قلت ان الدكتور في غنى عن المدح لانه ادرى بنفسه ، وقد وفاها حقها. انه محتاج الى من ينتقده ، وقل من يقدم على ذلك ، لان عند الدكتور  بضاعة لا يعرضها غيره في سوق الادب ، فهو محتكر هذا الصنف ومدخره لحين الحاجة.

قد فرغنا من كتاب (عدة دكاترة) فلنعد الى الكتاب الاخر ، كتاب الدكتور الواحد...

كتاب الدكتور محفوظ جديد في بابه، وفيه جهود ذات بال لولا مغالاة صاحبها في بسطها. وفرحته بالعثور عليها تحاكي في ضوضائها وضجتها فرحة ذلك العالم الذي هتف ، وجدتها وجدتها.

لقد اصبت يا دكتور ولكن حنانيك ... وهلتنا يا شيخ . فليس ما تسمونه (الرمزية) باكتشاف جديد، فمحاولة الاستعارة الرمزية، كما فعل الشريف اللبيب ، تبلغك الهدف , احذف كاف التشبيه واضف المشبه به الى المشبه، وفتش عن الاستعارات الغريبة والكنايات البعيدة تكن رمزياً ...

نشر هذا الكتاب الطريف الجديد في لغة الضاد السيد محمود صفي الدين صاحب مكتبة بيروت ، فخدم الادب خدمة جلى ، اذ ادخل هذا البرعم الجديد الى حديقة آدابنا المحتاجة الى التطعيم. فالكتاب نفيس، مفيد جدا للشعراء الرمزيين .

فهو لا يخلو حتى من التمارين لتحويل الكلام الواقعي الى رمزي. يعلم الذين يستحلون الاسلوب الرمزي – وخصوصاً من لا يغيرون على الموتى، كما قال ابن الرومي في صاحبه البحتري . او الذين لا يعرفون الفرنسية ليعربوا كالآخرين صور (مالرمه وسامان ورنبووفاليري) حتى نثر (جورج ديهاميل) – عفواً يا سيدي ديهاميل ، انت دكتور ، فعندكم يهملون هذه الالقاب ، وانا اتكلم بلغتكم حين اتحدث عنكم.

من قراءة مقدمة السيد صفي الدين ناشر كتاب محفوظ يفهم القارىء ان الكتاب جديد في بابه، وهذا لا ينكر ، فهو عدا تعريفنا بعبقرية الشريف الرضي، يعرف القاريء الذي لا يعرف لغة اجنبية مذاهب الادب الاجنبي فيخرج من مطالعته وعنده من كل فن خبر ، فالكتاب حجر جديد في المكتبة العربية .

اما انه ادرك دون سواه رمزية الشريف وعبقريته فهذا ما اشك به . سمعت من استاذ  لي اطيب الثناء , على شعر الرضي، كان هذا الاستاذ ، ادركته وهو شيخ ، يعلمنا المعاني والبيان . كان يقول عن الشريف الرضي انه شريف في معانيه ، شريف في غزله،لا تستحي البنت ولا الحوري ان يرددا نسيبه . يؤدي فكرته باسلوب يخفف من وطئها وسماجتها ، فتحلو في السماع ولا تنبوعنها الطباع .

وما سماه الدكتور محفوظ اليوم (رمزياً) كان يسميه معلمنا تشبيهاً بليغاً ، وكثيراً ما كان يتلمظ اذ يقول:

 والريح تعبث بالغصون وقد جرى ***** ذهب الاصيل على لجين الماء

كان يحب، رحمه الله، اسلوب الشريف الرضي لفحولة كلامه وتعففه، وبعده عن الركاكة والحشو، ويعجبه جري تعبيره فيشبه بانهار لبنان. ويتكلم عن متانته ، فيقول: هذا عمَّار – بنَّاه – ماهر ، مدما  كه حلو...

نعم ان استاذنا ، في ذلك الزمان كان عارفاً بالادب الفرنسي ولم يكن يقيم وزناً للرمزيين لانه محافظ ، ولا يعدل (بكورتي وراسين) شاعراً فرنسياً.

كان ينظر الى شعر الشريف على ضوء كتابه الذي يعلمه – كتاب البلاغة العربية – وكان يقول لنا : متى قلت الادوات والوسائل كان المجاز ابلغ واحلى ، وخير مثال على هذا عنده شعر الشريف.

رحم الله ذاك الخوري ، لقد كان كما قال الشاعر : حجر شحذ  يسن الحديد ولا يقطع . كان شعره برداً ونثره ابرد . ولكنه كان معلماً.

اما كتاب الدكتور محفوظ فيفتح اذهان الشعراء والطلاب ويرشدهم في مهمة الرمزية، فهو كالصوى في الصحرا . ، او كهذه الاعمدة المنصوبة على مفارق طرقات لبنان تهدي السائق الغريب طريق البلد الذي يقصد.

لا تعيب هذا الكتاب تلك الفصول الخارجة عنه، فهي مفيدة للقاريء .وهي تمت الى موضوعه بنسب .يرد على الدكتور طه حسين في المقارنة بين الادب العربي والاداب الاجنبية , ويسمي ذلك وقفة ، واذا بالوقفة تطول جداً فتستغرق اربعين صفحة من الكتاب ، ولكنها وقفة ، على طولها ، لم تخل من فائدة اذ يتحدث فيها عن ادب اليونان فيقع الدكتور محفوظ فيما وقع فيه الدكتور حسين من المراجعة والتكرار والمط، فكأنه يريد ان لا يستقل طه حسين بهذا الاختصاص،  بل يريد – ويا للجسارة! – ان يعلم طه كيف يدرس وكيف تدرس الاداب، وطه حسين كبر على العلم.

وما كدنا نفلت من طه حسين ومنه حتى اعادنا في عشرين صفحة اخرى الى ذلك المحيط محيط التعليم ، وتعليم درس لا علاقة له بالكتاب ، وباسلوب لا احبه . ان اكره ما اكره اسلوب اولا وثانياً وثالثاً.

وبمناسبة الكلام على المدارس الادبية يأتينا الاستاذ محفوظ بترجمة جديدة لكلمة رومنطيقي فيعربها الادب المطلق ، ويحتج على تسمية الابتداعي والاتباعي . حقاً لقد كان القدماء انبه منا فعرفوا كيف يعربون الالفاظ . اما نحن فكل يعرب على هواه، قد قرأت اسم شاعر الالمان صاحب (فوست) اشكالاً متعددة . ان اصح تعريب هو كلمة رومنطيقي ، وهي لا تخالف النمط العربي .

ويحدثنا الدكتور محفوظ ويثير عجاجاً من الاعجاب حول هذا البيت:

ولو استطاع لقد جرى*****مجرى الوشاح على حشاها

فهذه الفكرة ، التي غالى في وصفها وتحليلها ، بسيطة جداً . وردت لغير الشريف  وقد تردد كل يوم ، وفي كل ساعة عند ذوي العيون النهمة حتى صارت مبتذلة .

ويكتب فصلاً شائقاً فيما يلتبس بالشعر الرمزي ، ولا عيب في هذا الفصل الا انه كلف نفسه فيه مناقشة الاستاذ الزيات حول شعر ابن الفارض . فيقول الدكتور محفوظ ان البيتين والثلاثة في القصيدة لا تكفي لاعتبارها شعراً رمزياً. فلو كان لابن الفارض ثلاث قصائد كاملة من مرتبة هذين البيتين المليئين بالصور الجميلة:

وفي مساقط إنداء الغمام على ***** بساط  نور من الازهار منتسج

وفي مساحب اذيال النسيم اذا ***** اهدى اليّ سجيرا اطيب الارج

لجاز لنا ان ندعوه شاعراً رمزياً، ولكن بكل اسف لا نجد له سوى ابيات متفرقة فقط غير كافية لا لباسه التاج الرمزي الصحيح .

قلت : وهل للشريف الرضي قصائد كاملة, اقول هذا وانا مثل الدكتور مح فوظلا ارى الرموز الصوفية شعراً رمزياً  كما نفهم الشعر الرمزي الاوربي.

ويقابل الدكتور محفوظ بين الشريف وشعراء الفرنجة الرمزيين فيوفق توفيقاً حسن وان تكلف ، ويحاول تهشيم شعرائنا المتقدمين ليثبت قضيته التي اثارها حول شاعرنا الشريف.

 ثم يعجب حتى يفوق العجب باتفاق رنبو صاحب (المركب السكران) مع شريفنا صاحب (العرف السكران) حتى كدت اقول ان كتاب محفوظ يدور كله حوله هذا البيت دوران القمر حول الارض ...

كم نفحة لك كاللطيمة سراها ***** نموم وعرفها نمل

ويعجب محفوظ ببيت الشريف:

تزاحم انجمه للافول ***** والبدر في اثر ذلك الزحام

فيقابله بقول شعراء الغرب وينسى نابغتنا القائل:

وليس الذي يرعى النجوم بآيب

ويغالي الدكتور محفوظ جداً في استخراج الصور كانها كل شيء مع ان الشعر الرمزي يقوم على الموسيقى قبل الصور. وهذا رأي العرب في الشعر ايضاً فقالوا عن البحتري ، اراد ان يشعر فغنّى ، وقال الجاحظ: الشعر لا يستطاع ان يترجم ، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حول سقط موضع التعجب منه، ولهذا اتعجب كيف ان الدكتور لم يسهب في وصف موسيقى الشريف الشعرية ، مع انها موسيقى فائقة يضارع فيها البحتري شيخ الشعر. ولكنها ، ويا للأسف، غير موجودة في الابيات التي طبقها محفوظ على الاصول التي وضعها (مشترع الرمزية) ما لزمه ...

ان هذه الدزينة من الصور التي استخرجها الحكيم محفوظ من بيت الشريف.

كم فيك من مهجة معذبة ***** مجيرها بالنسيم يلتطم

لمدهشة حقاً ، وادهش منها تفتيشه دائماً على بيت ردىء او وسط عند المتنبي ليقابله بما قاله الشريف . واني لا عجب من الدكتور حين يقول عن هذا الشطر للشريف (ترى العين ما لا تنال اليد) وقد اورد هذا المعنى باسلوب شعري جميل . في حين انه قال عن بيت المتنبي:

تركت السرى خلفي عن قل ماله ***** وانعلت اغراس بنعماك عسجدا

ان في استطاعة كل انسان ان يقول: ملأت جيوبي ذهبا او ملاءت داري ذهبا ، وانعلت خيلي ذهبا عسجدا. ونحن نقول له : ان شطر الشريف هو ايضا نظم قولنا ، العين بصيرة واليد قصيرة .

ما هكذا تقاس الفنون يا حكيم ، وما هكذا يقابل بين شاعرين عظيمين كالشريف والمتنبي . فكل فنان يستقي من الواقع ولكنه يخرج فكرته كما تخرج النحلة عسلها اي مطبوعة بطابع نفسه ، فرويداً رويداً.

لقد اجاد الدكتور فأفاد حين حدّد الشعر الرمزي، وذكر اسسه واصوله، ولم يفته ذكر عيوبه فحذر جماعة الرمزيين بقوله :

 فنقع في العيب الذي وقع فيه الادب الرومنطيقي حيث كانوا يعيبون على شعرائه تكرار بعض عبارات .

لقد وقعتم يا صاحبي ، وابتذل شعركم كما قلت لكم غير مرة واصبحتم ترتطمون في تعلمكم، فخذار . وكأنه تصور ان الشريف الرضي شاعر رمزي حقاً فقال (٩٦) بعد ان بين العيوب التي وقع فيها الشعراء الرمزيون ، ان عبقرية الشريف المدهشة لم تقع في واحد من العيوب المنسوبة الى الادب الرمزي والى اسلوب شعرائه.. انها لغريبة تلك العبقرية التي تتجرد من نفسها لتنقذ ذاتها بذاتها .

فالجواب ان الشريف الرضي ليس بشاعر رمزي كما يشاء الحكيم ان يكون .

ولكنه شاعر ملهم له استعارات وتشابيه طريفة ارشده اليها ذوقه الرفيع واسلوبه الفذ ولغته الجزلة.

اما انه واضع اسس الرمزية قبل (بودلير)، فلا يا صاحبي , وهل للرمزية اسس تنفصل انفصالاً ناجزا عن المدارس التي سبقتها؟.

اما تعجب الحكيم من خاصة النقد عند الشريف فلا داعي له فهذه خاصة لابد منها لكل فنان في الادب وغيره . وان حرم منها فلا يقول شيئاً يذكر ، بل يضع السكر والملح في طبخة واحدة .

نحن قادمون على (مأتم) انه لمأتم ملكي ، طويل يدوم خمسة اسابيع واكثر، فلا ترع ايها القارىء الكريم مأتم حول بيت قاله الشريف واليك :

يلذ عيني وقلبي منك في ألم ***** فالقلب في مأتم ، والعين في عرس

من عادة المأتم، حتى الملوكي منه، ان يدوم اسبوعا ، اما المأتم الذي اقامه الحكيم فظل خمسة وثلاثين يوما اي ٣٥ صفحة وظل يحدثنا عن (المأتم) في الشعر العربي من ابي تمام حتى شوقي، فخلنا نفسنا في مأتم حقًا ، ولست ادري لماذا اتعب المؤلف نفسه كل هذا التعب وجاءنا بكل هذه المآتم. لا علاقة بين مأتم الشريف وبين اي مأتم آخر الا المأتم الذي اقامه قبله ابو تمام ، حيث يقع فيه الحافر على الحافر بين الشاعرين، كما عبر قبلنا ابن الاثير واليك قول ابي تمام:

اسكن قلباً هائماً فيه مأتم ***** من الشوق الا ان عيني في عرس

وحمل الحكيم تعصبه لشاعره على القول: ان الشريف لم يطلع على بيت ابي تمام هذا , ان هذا لا يضير الشريف يا دكتور ، فلا تعنّ نفسك ، فأبيات الشريف الاربعة التي اوردتها خير ما في الشعر العربي اظهاراً للتحرق، وهي من الشعر (الناعم) جدا كما تعبر عن شعركم الرمزي ، ولا بد من ايرادها تبريراً لمغالاتي:

خذي حديثك من نفسي عن النفس ***** وجد المشوق المعنى غير ملتبس

الماء في ناظري والنار في كبدي ***** ان شئت فاغتر في او شئت فاقتبسي

كم نظرة منك تشفي النفس عن عرض ***** وترجع الغلب مني جد منتكس

تلذ عيني وقلبي منك في ألمٍ ***** فالقلب في مأتمٍ ، والعين في عرس

فالشريف هنا ، وفي كل مكان يبذ ابا تمام ديباجة ، اما المعاني فذاك ربها كما وصفه ابن الاثير. ولم يكتف في نهاية المأتم العربي حتى نقله الى اوربا فجاءنا بما قاله (فرلن)، وقال ان القصد من هذه الابحاث هو تحليل الادب الدقيق.

قلت ولكنه تحليل طويل يحل المفاصل .

ومن عادة المأتم ان يعقبه البحث في زوال الدنيا وهكذا كان ، فشرح لنا الحكيم بيت الشريف العذب:

قلت ولكنه تحليل طويل يحل المفاصل.

ومن عادة المأتم ان يعقبه البحث في زوال الدنيا وهكذا كان ، فشرح لنا الحكيم بيت الشريف العذب:

وقفات على غرور وإقدام ***** على مزلق من الحدثان

وحدثنا حديثاً قيماً عن الصور الفارغة والمتناقضة ، وليس هنا باب التحدث عنها فالكتاب ضروري للمكتبة العربية فليطالعه الراغبون في الفن الرفيع.

وقد رأيت ان عند الدكتور اشياء لم يقلها ، فعسى ان لا يحرمنا منها في جزء تالِ. ولا عيب في كتابه هذا الا التكرار واللف والدوران ولا اخاله الا اضطر اليها اضطراراً.

وقد طبق المفصل اذ اهتدى الى الشريف ، فهو وابن المعتز ملكان، والتأنق من صفات الملوك.

وقد يصح هنا القول العربي المأثور ، كلام الملوك ملوك الكلام.

ان للشريف خاصة موسيقية فريدة في شعره الذي يرسله عفو الخاطر ، اما حين يتكلف الاستعارات البعيدة ، او الرمزية فقد رأيته يفقدها.

ناهيك ان هذه الاستعارات الجميلة هي في ديوانه الضخم كشذور في منجم. وقد ادرك بعد غوره القدماء فأشاروا الى ذلك ، وما اخرهم عن وضعه مع المتنبي الا لان شعره يجري في مستوى واحد ، فليس له وثبات ابي الطيب ولا اسفافه.

ان للشريف مقدرة عظمى على تحميل الكلمة كل ما تطيق ، فتبرز فكرته ناتئة كأنها تفويف الرخام اخرجه  ازميل نحات حاذق.

وللشريف شخصيتان بدوية وحضرية, فللشريف البدوي كلّ صفات الشاعر القديم، ما عدا الخشونة. وللشريف الحضري ليونة الاطلس  ونعومة المخمل.

فبينا تراه يرثي بدوياً تخالك امام شاعر جاهلي اذ يقول:

منابت العشب لا حامٍ ولا راع ***** مضى الردى بطويل الرمح والباع

ثم يختمها بقوله:

استودع  الارض خلاني لتحفظهم ***** لقد وثقت الى هوجاء مضياع

واذا تغزّل قال:

يا حبذا منك خيال سرى ***** فدلّه الشوق على مضجعي

انه احلى شعرائنا استعارة وابلغهم تشبيهاً، ولو كنا من معاصريه ، رضي الله عنه ، لقلنا فيه بيته هذا:

خلا منك طرفي وامتلا منك خاطري ***** كأنك من عيني نُقلت الى قلبي

حيا الله العبقرية، والاخلاق الرضية ، انه لشريف حقاً.

مقتبس من مجلة الأديب العدد/ ٦ السنة ١٩٤٥ .

****************************