وقال (عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِب فِيكَ نُقْصَانُ حَظّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِد فِيكَ ذُلُّ نَفْس.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                
وقال (عليه السلام) : هَلَكَ فِي رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَال ، وَمُبْغِضٌ قَال .                
وقال (عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: طَالِبٌ، وَمَطْلُوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا،مَنْ طَلَبَ الاْخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): لَيْسَ بَلَدٌ بأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَد، خَيْرُ الْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ.                

Search form

إرسال الی صدیق
الشريف الرضي (من کتاب تاریخ الأدب العربي)

حنا الفاخوري

الشّريفُ الرَّضّي (٣٥٩ – ٤٠٦ هـ / ٩٧٠ – ١٠١٦ م)

 ١ – تاريخه : وُلِد الشريف الرضي في بغداد سنة ٣٥٩ هـ / ٩٧٠ م من أصل يرتقي الى الحسين بن علي اعتُقل والده سنة ٩٧٩ وصودرت أملاكه ولم يُطلق سراحه إلاّ سنة ٩٨٦ . وكان الشريف يطمح الى الخلافة ، وقد تَولّى نقابة الأشراف الطالبيّن وإمارة الحجّ والنظر في أمورالطالبيّن في جميع البلاد . وقد تُوفّي سنة ٤٠٦ هـ / ١٠١٦ م .

٢ – أدبه : ديوان شعر أشهر ما فيه (( الحجازيات)) ؛ و(( نهج البلاغة)) الذي جمعه للإمام علي بن أبي طالب .

٣ – شاعرالفخر: يصدرفخره عن أصل رفيع ، ونفس كريمة أبيّه ، وقلب وثّاب الى المعالي . وفي فخره نفحة ملحميّة ، وترفّع عن كل حقير ودنيء . وتشخيص ، وشكوى وعتاب ، وسخط وتهديد ؛ وشعره الفخريّ رائع الإنسجام ، عميق الفكرة ، بعيد المرمى ، حسن الوقع ، جميل الإيقاع .

٤ – شاعرالغزل : الغزل عند الشريف أماني ، وتحيّات ، وأشواق والتباع ، وخفقات فؤاد بروعه البّيْن ويُقطّعه حسرات .

وهو لفظ ناعم ، وتعبيررقيق ، وانسجام ساحر، ولهجة مزيج من بداوة وحضارة ، وتنميق بعيد عن التعقيد والاسفاف ، وفن رفيع .

٥ – شاعرالرثاء : رثاء الشريف لذويه رصاء لوعة وألم ، ورثاء للملوك والعظماء تأبين ومواقف عِبْرة ، ورثاؤه للحسين كلمة الحزن والتهديد بالانتقام .

٦ – شاعرالمدح : مدح الشريف تكريم وإجلال .

الشريف شاعر العاطفة الحية ، والوجدان الصحيح والأناقة العذبة .

١ – تاريخه :

هو أبو الحسن محمد بن الحسين المعروف بالشريف الرضيّ . ولد في بغداد سنة ٩٧٠ من أصل الشريف يرتقي الى الحسين بن علي بن أبي طالب . وكان والدُه يتولَّى نقابَةَ الأشراف الطالبيّن وإمارة الحجّ بالناس والنظر في المظالم .

وفي سنة ٩٧٩ اعتُقل ذلك الوالد وحُبس في قلعة فارس ، وصُودِرت أملاكه ، وكان الشريف لا يزال صبيًّا ، فحزَّ ذلك الأمرفي نفسه بشدّة ، وفجَّرمن قلبه ينابيعَ الشعرالوجدانيّ الرقيق .

وفي سنة ٩٨٦ أطلق شرف الدولة البُويهيّ سراح والده ، فعادت إلى الشاعرغبطتُه ، وحسنُت علاقتُه بذوي السلطان فراح يمدحُهم ويُرسل إليهم مدائِحَه مكتوبة ، غير مكتسَّب ولا متذلَّل . وكان الشريف يطمح الى الخلافة ويُطمِعه فيها الكاتب المشهورأبواسحاق الصَّابي ، إلاّ أنَّه لم ينلها ، ولكنه نال من الأعمال ما كان لوالده ، وأضافَ إليها بهاءُ الدولة النظرَ في أمورالطالبيَّين بجميع البلاد .

ولما كان متولَّياً إمارة الحجّ شهد مواسم لعيد وفيها النساء الوافدات من جميع البلدان ، فحرَّك المشهد أوتارَ قلبه ،فنظم تلك القصائد الشهيرة في الغزل العفيف وقد عُرفت بالحجازيَّات .

وتوفي الشَّريف الرضيَ سنة ٤٠٦ هـ ، ودفن في داره بخطِّ مسجد الأنباريّين بالكرخ .

٢ - أدبه :

للشريف الرضي مؤلّفات عدة ضاع أكثرها ، وأهمها :

١ – (( كتاب مجازات الآثارالنبویة)) طُبع أولاً في بغداد طبعاً ممسوخاً ، ثم طبع في القاهرة بعناية الأستاذ محمود مصطفى .

٢ – (( كتاب حقائق التأويل في متشابه التنزيل)) : طُبع بالنجف .

٣ – (( كتاب تلخيص البيان عن مجازات القرآن)) .

٤ – (( کتاب الخصائص)) .

٥ – (( كتاب أخبارقُضاة بغداد)) .

٦ – (( نهج البلاغة)) : جمعة الشريف ، وقد أتينا على ذكره في دراستنا لعلي بن أبي طالب .

٧ – ديوان كبيرفي الشعرجمعه عدة اُدباء منهم أبو حكيم الخيري . وطبع في بيروت سنة ١٣٠٧ هـ ( ١٨٨٩ م) .

كان شعرالشريف الرضي تغنّياً وآلامه  ، ونشيداً من أناشيد الفخر والعزّة  توحي إليه مواسم الحجّ بموضوعاته (( حجازيّاته )) ، ويوحي إليه العلويّون والطّالبيّون المحرومون بموضوعات (( شيعيّاته)) ويحلّ القضاء بالأصدقاء والأقرباء فيذرف الدموع الصادقة في (( رثائيّاته)) ، ويذكرأمجاده فتُوحي إليه . بموضوعات ((فخريّاته)) ، وهكذا كان شعره أبداً عبارة قلبه ونفسه .

٣ – شاعرالفخر:

١ – عوامل فخره : يتجلّى لنا الشريف الرضي من شعره رجل عزّة وإباء وعزم ، ينظرإلى أصله وإذا هو في دوحة العياء من أكرم فرغ ، وإذا هو مدعّو إلى كل كبيرعظيم ، وإذا نفسه أهل لذلك العظيم ؛ وينظرإلى حاله وإذا هو غيرُ ما دُعِي إليه وخُلِق لأجله ، وإذا في نفسه حربٌ جبّارة ، وثورة سخطٍ ضخمة في وجه الزمان يعادي الأحرار، وفي وجه الناس الذين يقومون في وجه كل عزيز طموح . ويتجلَّى لنا الشريف حزيناً في قرارة نفسه ، متألماُ في أعماق قلبه ، وذلك أنه لا يستطيع القبول بالظلم ، والاستكانة للذّل ، فهو ينتفض انتفاضَةَ النسرالجريح ، وينظرإلى خصومه بعين حادّة يلتمع فيها الشرر، وبقلب جريء لا يخاف سيداً ولا مسوداً ؛ هكذا يتجلّى لنا الشريف من خلال شعره ، فهو نفس كبيرة أبية ، وقلب رقيق شديد الانفعال ، وثَّاب إلى المعالي ، نبَّاض في وجه الظلم ، جريءعلى رقّته ، بطّاش على شدّة انفعاله ، لا يخلو من زهو وكبرياء ، ولكن تلك الكبرياء هي أقرب إلى الأنفة منها إلى الكبرياء

٢ – قيمة فخره :

١ – أراد الشريف أن يقلّد المتنّبي في فخره ،فجاراه في نفحته الملحميَّة ، ونبضاته التوثُّبيَّة ، وترفٌّعه عن كل حقيردنيء، وإنه وإن لم يبلغه في قّوةِ انطلاق شعره،وفي سَكِّه للأبيات سكًّا شديد الوقع ، فقد وجد في شرف أصله وسمّوِ نفسه ، ومواهبة العالية وسجاياه النادرة ، ومقامه الأجتماعي ، مالم يتوفّرلأبي الطيب ، لهذا فقد اتَّسع نطاق فخره ، وازدحمت معانيه ، وتنوّعت أفكاره ، ولم يلجأ إلى الإحالة ليُخفي ضعفاً أو أصلاً حقيراً أومقاماً أجتماعيًّا غيرلائق به . ومن ثم فقد كان فخرالشريف أقرب إلى النفس ، وأدخل في العقل ، وآنس للأذن .

٢ – فخَرالشريف بقومه وفَخَر بنفسه ، أما فخره بقومه فهو فخرالعزّة والإعجاب واللوعة ، فخر من ينظرعلى الدّوحة الكريمة فيتعالى في سمائها ، ويغرق بين أوراقها في شّغَف وَوَلَه ، ثم ينظر إلى ما قُطع من أغضانها ومَن قُتل من آل البيت فتذوب نفسه أسى وينطلّق لسانه شاكياً ، مُهدَّداً ، وإذا شعره شدَة ولين ، ومزيج من قسوةٍ ورقّة .

وأما فخره بنفسه فهو إلى العلياء ، وتحديق بالمجد والإباء ، واعجاب بشجاعةِ القلب ، وفيض الشاهريَّة ، وانطلاق الآمال .

٣ – وإنك لتشعر، في كلام الشاعر، برفعةٍ ترفعك إلى أجوائها ، وبجوًّ ملحميٍّ يحاول الشاعرأن يُضخّم عناصرالقوة فيه بالتشخيص والتمثيل وتشديد اللفظ والقافية ؛ وإنّك لتشعرأيضاً أن في نفس الرجل انصهاراً مُولماً يرسل بين بين سطورالفخر آهات الشّكوى والعتاب كما يرسل زمجرات السخط والتهديد ، وإنك تشعرعلى كل حال بانسجام رائع ، وعذوبة أخَّاذة ، وعمق في التفكير، وبعد في اللمح ، وتعجبك من الشريف صراحته وجرأته كما يعجبك إنجازه وابتعاد عن التفصيل و الإسهاب .

ويوقعك اختيارالشَّريف لألفاظه وحسن تركيبه لأبياته ،فهي بدويَّة حضريَّة ، مركَّبة تركيباً حسن الوقع ، رائع الإيقاع . قال مفاخراً بَعَلَوِيَّته :

مَا مُقامي عَلى الهّوانِ ، وَعِنْدي ***** مِقْوَلٌ صَارِمٌ ، وَأَنْفٌ حَمِيٌّ !

وَإبَاءٌ مُحَلَّقٌ بي عَنِ الضَّيْم ، ***** كَمَا رَاغَ طَائِرٌ وَحْشيٌّ [١] 

أَيٌّ عُذْرٍ لُه إلى المَجْدِ ، إنْ ذُلَّ ***** غُلَامٌ في غِمْدِهِ المَشْرفيُّ ؟

أَلْبسُ الذُّلَّ في دِيَارِ الأَعادي ***** وَبِمِصْرَ الخَليفَةُ العَلَويٌّ

مَنْ أبوهُ أَبي ، وَمَوْلَاهُ مَوْلايَ ***** إذَا ضَامَني الْبَعيدُ ألمقَصيٌّ [٢]

لَفَّ عِرْقي بعِرْقِهِ سَيَّدُ النَّاسِ ***** جميعاً مُحَمَّدٌ ، وَعَليُّ

٤ – شاعرالغزل :

يُطالعك الشريف الرضيّ في غَزَله رجلَ إحساسِ مرهف ينثرعلى طريق الحج فلذَ قلبه وكبده . لقد فتحت مواسم الحجّ عيني نفسه وإذا هي خلجات وجدان، ورفرفة أجنحة ، وإذا هي حبّ عميق تهيجه النظرة ، وتلهيه الذكرى ، وتذهب به الآفاق الواسعة حداءً مع القوافل ، وأصداءً في المحافل ، وإذا الحبّ عنده ذوبان على جمر ونار، ونظرات مبسوطة على كل طريق ، وقلب دفّاق الجراح ، وعفاف يرافق النظرات ويلملم الَعَبرات ، وإذا المحبوبة عنده بان وظباء ، وإذا هي رام وسَفَّاك ، وهي على رميها وسفكِها ، نعيم في نعيم ، والعذاب منها عذوبة ، والمرارة حلاوة .

حَكَتْ لِحاظُكِمِا في الرّيم مِنْ مُلَحِ ***** يَوْمَ اللَّقَاءِ ، وكِانَ الفَضْلُ للحَاكي

كأنَّ طَرْفَك يَوْمَ الْجَزْعِ يُخْبِرُنا ***** بَما طَوى عَنْكِ مِنْ أسماءٍ قَتْلاكِ [٣]

أنْتِ النَّعيمُ لِقَلبي والعَذابُ لَهُ **** فَمَا أمَرَّكِ في قَلْبي وأحْلاكِ

عِنْدي رَسائِلُ شَوْقٍ لَستُ أذكُرُها ***** لَولا الرَّقيبُ لَقَدْ بَلَّغْتُهَا فَاكِ

والغزل عند الشريف أماني وتحيَّات ، والتياع وأشواق ، وإرسال العبرات والنظرات ، وخفقات فؤاد يروعه البين ويُقَطِّعه حسرات ، وأسئلة ومناداة ، وكلّ شيء ما عدا الفظاظة والقباحة والقاذورات .

والغزل عنده لفظٌ ناعم ، وتعبيرٌرقيق ، وانسجامٌ ساحر،ولهجة بدويّة متنقِّلة على أكتاف الحضارة ، في روعة خلابة ، ولين يطأ الأفئدة ويستلب الألباب . وقد دُعيت غزليات الشريف ((بالحجازيّات)) لأنّ أكثرها قيل في مواسم الحجّ أو ذكراها .

من أشهرحجازيّاته قصيدته الميميّة التي روى فيها قصّته مع حبيبته في ليلة غرامية عفيفة ، وفي أسلوب حافل بالسلاسة والعذوبة والموسيقى ، جمع فيه أروع ما في البادية وأطيب ما في الحاضرة من أصباغ ، وصور، وألحان ، قال في مطلعها :

يَا لَيلّةَ السّفْحِ ، هَلّا عُدْتِ ثَانِيةً ، ***** سَقى زَمَانَكِ هَطَالٌ مِنَ الدَيمِ ! [٤]

مَاضٍ منَ العَيْشِ ، لَوْ يُفْدّى ، بَذَلْتُ لَهُ ***** كَرائِمَ المّالِ مِنْ خَيْلٍ وّمِنْ نَعَمِ [٥]

رُدّوا عَليَّ لَياليَّ الَتي سَلَفَتْ ، ***** لم أنْسَهُنَّ ، وَلا بِالعَهْدِ مِنْ قِدَمِ

أقُولُ للّائِم المُهْدي مَلامَتَهُ :  ***** ذُق الهَوَى وإنِ اسْطَعْتَ المَلام لُم

وَظَبْيَةٍ مِنْ ظِبَاءِ الإنْسِ عَاطِلَةٍ ***** تَسْتَوقِفُ العَينَ بينَ الخَمصِ والهَضَم [٦]

لَوّ انّها بِفناءِ الَبيْتِ سَانِحَةٌ ***** لَصِدْتُهَا واْبتدَعتُ الصّيْدَ في الحّرَم [٧]

١ – في القصيدة ثلاثة أقسام : قسم جعله الشاعر زفرةً وحسرة على زمان انقضى وحاجةٍ سنحت لها الفرصة فلم تُقْضَ ؛ وقسم جعله ضمّةً على السفح ظاهرها مُريب ، وباطنها عفاف عجيب ؛ وقسم طواه الشاعرعلى لهفة واشتياق وإعلان للإخلاص والوفاء .

والشريف الرضيّ في هذا التقسيم وهذا الترابط الفكريّ والعاطفي شاعرعبَّاسيّ النزعة ، يُخضع انطلاقه الشعريّ لعمل العقل المنظّم من غير أن يكون هنالك قيدٌ عقليّ . أضف إلى ذلك أنّ المطلع ، وإن اصطبغ بالصبغة القديمة ، وأنّ البيت الشعريّ المتناغم الأجزاء ، وأنّ التأني في اختياراللّفظة الشعريّة الموسيقيّة قرارها ، كلّ ذلك من عمل الفنّ العباسي الراقي .

أضِف إلى ذلك أنّ النَغَمَ الحالِمَ في الأبيات ، وعشق اللفظة ، والعبارة للعبارة ، وان تعمّد الأسلوب الجاهليّ في التصوير، وتزيينه بزينة الصّنعة البديعيّة ، كل ذلك رُقيّ حضاريّ ، وجمال مدروس وموجّه .

وممّا لا شكّ فيه أن الشاعر قد نجح في خلق الجّو الحجازي البدوي ، وفي اصطناع اللهجة الجاهليّة التي ليّنتها الروح العبّاسية وسهّلتها ؛ وقد انتمى في شعره هذا الى مدرسة عنترة وجميل ، فكان عذريَّ العاطفة ، أبيّ الموقف ، يعلن أن الحبّ إخلاص ووفاء ، وأن الحياة حبّ يذوب في المحبوب ويجعله محورالوجود .

٢ – وهذه القصيدة من النوع الوجدانيّ الصافي ، فالشاعرهو الشاعر وموضوع  الشعر، وهو المعبّر والمعبَّرعنه . أنّه الحسرة التي تُسْفَح على رمال السّفْح ، والآهة الجريحة التي تتنقّل على غوارب الزّمان ، والدّمعة الحرّى التي تُذرف في مأساة الزّوال ، والقبلة الوالهة التي تذوب على نارالحبيب ، واللحن الدّامي الذي يردّد اُنشودة الحبّ حداءً يصل حاضرالزمان بماضيه .

مَما سَاعَفَتْني اللَّيَالي بَعْدَ بَينِهِم ***** إلَا بَكَيْتُ لَيَالينَا بِذي سَلَم

وَلَا اسْتَجَدَّ فُؤادي في الزّمان هَوى ***** إلّا ذَكَرْتُ هَوَى أيامِنَا القُدُم

٣ – والجدير بالذكر أنّ لنفسية الشاعر الأبيّة العزيزة ، ولطموحه الذي لا يعرف الحدود ، وأثراً شديداً في شعره ، كما أنَّ للبيئة التي عاش فيها يداً في توجيه تلك العبقرية العّظيمة :

كانّ الشريف الرضي متولّياً إمارة الحجّ ، فأتاحت له أعماله أن يتصدّى للجمال وأن يتصدّى له الجمال ؛ وراقه الجمال العربيّ الأصيل ، عاطلاً من كل حِلية ، يسرح على الرمال كالظَّباء ، ويلتفّ بذراعية على السَّفح في نشوة روحيّة بعيدة عن كلّ تبذّل .

وقد حملته إمارة الحجّ على تتبّع أسراب الظَّباء البشريّة ، وعلى التفكيرفي إباحة فناء البيت الحرام لصيده :

وَظَبْيَةٍ مِنْ ظِباءِ الأنْس عِاطِلَةٍ ***** تِسْتَوْقفُ العَينَ بينَ الخَمْصِ والهَضَم

لّو أنَّها بِفناءِ البّيْتِ سَانِحَةٌ ***** لَصِدْتُها ، ابْتدَعْتُ الصَّيدَ في الحَرَم

وكان الشريف من أسرة عريقة في المجد والشّهامة ، وكان إلى ذلك ذا نفسيّة مفطورة على الرّفعة والإباء فلم يستطع في حبّه إلاّ أن يكون عذريَّا :

بِتْنَا ضَجيِعَين في ثَوْبَي هَوى وتُقًى ***** يَلُفّنا الشَّوقٌ مِنْ فَرْع إلّى قدم

وَ بَيننَا عِفَّةٌ بِايَعْتها بِيَدي ***** عَلى الوّفاءِ بها ، وَالرَّعْي لِلذَّمَم

وكانت البيئة الصحراوية تُضفي على خيال الشاعر من الصّفاءِ ، وتبثّه من الحلم ما يَنْسَفِحُ على الرّبوع ألقاً بَهيًّا ، وطيباً ذكيًّا ، ورونقاً رضيُّا :

يَشي بِنَا الطَّيبُ أَحيْاناً ، وآوَنًة ***** یٍضيئُنا البَرْقُ مُجْتازاً عَلى إضَم [٨]

يُولَّعُ الطلَّ بُردَينَا،وقد نَسَمَتْ ***** رُوَيحَةُ الفَجْرِ بَينَ الضَّالِ والسلّم [٩]

وكانت البيئة البدويّة ،ومُوحيات الشعرالعربي القديم ، تهبّ في أبيات الشريف هبوباً حجازياًّ حافلاً بالذكريات الندّية ، وريحاً طيّبة تنثرعلى الكثيب ((فصولّ الريْط واللّمَم)) ، وأنفاساً حرّى يعمرها الحبّ والجوى :

يّاحَبَذا لَمَة بالرَّمْلِ ثَانيِةٌ ، ***** وَوَقْفَةٌ بِبُيُوتِ الحَيَّ مِنْ أمَم [١٠]

وَحَبَّذَا نَهْلَةٌ مِنْ فِيكِ بَارِدَةٌ ، ***** يُعْدي على حَرَّ قلبي بَردُها بفمي

٤ – والشّريف الرضيّ صناع حاذق يخلق الإطارالحجازيّ خلقاً ، ويبتدع الصّور البدويّة ابتداعاً ، ويُلقيكَ في حُلم جميل تُدهْديك فيه ألفاظ وعبارات نحتها الذّوقٌ نحتاً ، وصقلتها الصّناعة صقلاً ، فباتت كالسّحرالحلال ، يغزو الأذن غزواً رفيقاً ويجري إلى القلب جّرْياً ، وينسابُ في الشّرايين انسيابَ الخمرة في العظام ، وإذا أنتَ في هذه الغمرة الجماليّة فاقدٌ زِمامَ أمرك ، سارح في البوادي بين الضّال والسلّم ، تقتفي آثارالظَّباء على الرّمال ، وتتلّوى مع الريح بين الكثبان ، وكأنّ العالم غيرالعالم ، وكأنّ الحياة حُلُمٌ من حياة .

ألا تلمس الفنّ الرفيع في صوغ البيت التالي صياغة ينزلقُ معها العَجُزُ انزلاقاً ، وكأني بالكلمات تذوب الواحدة منها في الأخرى ، في سهولة وعذوبة وروعة :

أقُولُ لِلّائمي المُهْدي مَلَامَتَهُ : ***** (( ذُوق الهَوَى ، وإنِ اسْطَعْتَ المَلامَ لُم ))

ألا تلمس فنيّة الابتداع في فنيّة الصياغة، في فنيّة الموسيقى اللفظيّة في البيت التالي :

لّوْ أنَّهَا بِفناء البَيْتِ سّانحَةٌ ***** لَصِدْتُها وَأبتّدعْتُ الصَّيْدَ في الحّرّم

ألا تلممس فنيّة التَّضمين، وفنيّة اختيارالوزن للفظة في قوله :

قدِرْتُ مِنْها بلا رُقْبَى وّلا حّذّرٍ***** عَلى الذي نَامَ عَنْ لَيلي وَلَمْ أنَم

ألا تلمس فنيّة والمطابقة والاستعارة ، وبلاغة التصويرفي قوله :

بِتْنَا ضَجِيعَيْنِ في ثَوبَي هَوَّى وَتُقىً ***** يَلُفُّنا الشًّوْقُ مِنْ فَرْعٍ إلى قدّم

    وأمْسّتِ الرّيحُ كَالغَيْرى تُجاذِبُنا *****عّلى الكَثيبِ فُضُولَ الرّبْطِ واللّمَم [١١]

     يشي بِنَا الطّيبُ أحياناً ، وآوَنَةً ***** يُضيئُنا الّبرْقُ مُجْتازاً على إضم

٥ – وفي هذه الغمرة من الجمال والاندفاق عليه تروعك كلاسيكيّة الشريف الرضّي التي تُغلّب الشرف على الهوى ، والعقل على العاطفة :

فَقُمتُ أنْفُضُ بُرْداً مَا تَعَلَّقَهُ ***** غيُرالعَفَافِ ، وَرَاءَ الغَيْبِ والكرم

وتروعك هذه العذريّة السخيّة التي تجودُ بالدم في سبيل المحبوب ، والتي تتعلّق الحبيب بكل ما في النفس من قوى ، وتجعل من ذكراه أنشودة حياة :

مَا سَاعَفَتْني اللَّيالي بَعْدَ بَينِهِم ***** إلًّا بَكَيْتُ لَيالِينَا بِذي سَلم

 وّلا اسْتجَدَّ فُؤادي في الزّمانِ هَوَّى ***** إلّا ذَكَرْتُ هوّى أيّامِنّا القُدُم

لا تَطْلُبَنَّ لي الأبْدالَ بَعْدَهُمُ ***** فَإنَّ قَلْبيَ لّا يَرْضى بِغَيْرِهِم

٥ – شاعر الرثاء

١- رّثى الشريف وأكثرمنّ الرّثاء ، وقد وجد في طبيعته الغنيَّة بالعاطفة صدًى لكلّ ألم من آلام البشر، وترجيعاً لكل زفرةٍ من زفراتهم ، ووجد في نفسه الحزينة ينبوعاً فيَّاضاً منه اللوعة ويرسلها اشتراكاً في كلّ لوعة وفي كل تفجُّع ، ويغترف منه النظرة العميقة في حقيقة الحياة ويرسلها عبرةً وعظة ، ووجد في عينه الجذوة الملتهبة التي قبض عليها وأرسلها فلذاً من نار تذيب القلوب وتفتتح عالم النفوس .

٢ – رثى الشريف والدته وأصدقاءه ورثى الحسين بن عليّ ، ورثى عدداً من الملوك والعظماء . رثاء الشريف للمتوفَّيْن من ذويه وأصدقائه حافل باللوعة ، والألم والتّشاؤم .إنّه كلمة الوجدان الجريح ، والعاطفة الحيّة ، وترجيع الذكرى والأسف الموجع .

ورثاؤه الرسّمي للملوك والعظماء تأبين ، وتذكير بالمآسي ، ومواقف عبرة وموعظة ، ورثاؤُه للحسين كلمة الحزن العميق ، الدَّويّ البعيد الصّدى ، والتهديد بالانتقام ، والتلويح بحق آل البیت في الخلافة .

ولم يكن الشريف في جملة رثائه إلّا رجل العاطفة النبيلة الصادقة ، ورجل النظرة العميقة والجريئة الى حقيقة الحياة ، ورجل الحكمة التي غذاها العقل المثقّف والمفكّر، ورجل الصَّلاح الذي تحطّ آماله في رحمة الله وحكمته .

٦ – شاعرالمدح :

مدح الشريف بعض الملوك كالطائع والقادر، ومدح أباه ، وكان مدحه إجلالاً وتكريماً لا وسيلة من وسائل الكسب .

وقد حاولّ أن يقلَّدَ المتنّبي في هذا الباب كما حاول أن يستهلّ قصائده فيه بالحِكَم أو الفخرأو ما إلى ذلك .

وهكذا كان شعرالشريف الرّضي شعرالعاطفة الحية ، وكلمة الوجدان ، كما كان على كلّ حال شعرالنفس الكبيرة التي لم تعرف إلّا الأجواء الرفيعة محطاًّ للأنظار ومرتعاً للآمال .

وكان أسلوب الشريف في شعره مزيجاً من بداوة وحضارة ، أراد فيه أن يصبغ الحياة العبّاسية بطلاء الصفاء البدوي ، وأن يقول لمة الحضارة المعقّدة في حُلم البوادي الحجازيّة ، وأن يوشّي شعره بالتنميق المركّب في غير إسفاف ولا ركاكة ، ولا إيغال ، وأن يبعث في كل شيء روح الوجدان البعيد الآفاق ؛ وهكذا كان الشاعرالفذّ الذي يستهويك شعره ، ويعذب في نفسك ذكره .

المصادر المراجع

- الشيخ محمد رضا آل كاشف الغطاء : الشريف الرضي – بغداد ١٣٦٠ هـ .

- ع . محفوظ : الشريف الرضي – بيروت ١٩٤٥ .

-  مارون عبّود : الرؤوس – بيروت ١٩٤٦ ص ٢٧٨ – ٢٩٠ .

- عبدالرحمن شكري : الشريف الرضي وخصائص شعره – الرسالة ٧ ص ٥ ، ٥١ .

- زكي مبارك : عبقرية الشريف الرضي – بغداد ١٩٣٨ .

- محمد يحيى الدين عبد الحميد : شرح ديوان الشريف الرضي – وفي المقدمة حياة الشريف الرضي نقلاً عن أمّهات الكتب القديمة – القاهرة ١٩٤٩ .

- خليل يعقوب الخوري : شعر الشريف الرضي – المقتطف ٣٤ : ١٢٨ .

------------------------------------------------------------------------
[١] . راغ : نفر.
[٢] . أبوه : أي جده الرسول . مولاه : أي الإمام علي .
[٣] . الجَزْع : موضع بالحجاز قرب الطائف .
[٤] . السفح : اسفل الجبل ؛ واسم موضع – الديم ج ديمة ، وهي هنا بمعنى المطر جملة .
[٥] . النعم : الأبل والغنم .
[٦] . عاطلة : خالية من الحلى – خمص البطن : ضموره – الهضم : لطف الخصر. وضمورالبطن .
[٧] . فناء البيت : أي ساحة البيت الحرام .
[٨] . إضم : وادٍ في المدينة المنّورة .
[٩] . وِلّعه يُولَعه : جعل فيه لمع بياض – الطلّ : المطرالخفيف – رُويحة : تصغيرريح ، دلالة على رقّتها – الضّال والسلّم : نوعان من الشجر.
[١٠] . اللمّة : اللقاء – من أمم : من قرب .
[١١] . الفضول : الأطراف – الرَّبْط " الثوب الرقيق – اللمَّم : الشعّرالمجاوز شحمة الأذن .

مقتبس من کتاب تاریخ الأدب العربي – حنا الفاخوري

****************************