وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.                
وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                
وقال (عليه السلام): خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ .                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): لَيْسَ بَلَدٌ بأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَد، خَيْرُ الْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ.                

Search form

إرسال الی صدیق
الطباق والمقابلة في خطب الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة (دراسة بلاغية – دلالية) – الأول

م. رضاته حسين صالح

بسم الله الرحمن الرحيم
 

المقدمة:
ان القيمة الأساسية للنص في خطب الإمام علي (ع) ماثلة في حضور الإبداع النصي في النشاط الفكري والكلامي له في المستويين الشفهي والتحريري وتلك ميزة نادرة يتفرد بها الأمام علي بصورة ملموسة وهي مزية تجعله يشكل مدرسة متميزة من جميع كتاب النصوص المبرزين ذلك لان أولئك الكتاب مثلهم مثل الرسامين والنحاتين الذين يصنعون نماذجهم بعد طول تأمل وتخطيط وممارسة وصولا الى المحطة الفنية النهائية على صعيد العمل ولكن الإمام علي كان بعفويته الثقافية يباشر عمله الإبداعي الفوري فيأتي النص المرتجل مثل النص المكتوب آية في الإتقان والروعة.
ان جريان خطبه على هذا النحو الباهر في طوله وقصره هو دليل على الفعالية الخارقة لعقل مبدع موهوب هو السيد المؤكد في عالم العقول ولا يمكن ان تتوفر تلك الخصوصية لقوة النص في المخاطبة الارتجالية وفي الكتابة لشخص آخر غير الإمام علي الذي انطوت شخصيته على علوم وفنون وقدرات عظيمة تتلاقح فيما بينها بجدلية خصبة.
من اجل ذلك كان نهج البلاغة وما يزال يفتح أبواباً كثيرة للدراسة فهو ارض خصبة للدارسين وذلك لسعة مادته وتنوع مواضيعه وقد كثرت الدراسات والفت الشروح العديدة ومع هذا فهناك جوانب كثيرة بحاجة الى الدراسة والتتبع من اجل ذلك وجدت نفسي من خلال تتبعي لكتاب نهج البلاغة اني أمام مظاهرة بحاجة الى الدراسة تمثلت في ظاهرة الطباق والمقابلة وهما فنان بارزان ومتداخلان في خطب الإمام علي يستحقان الدراسة من وجهة نظر بلاغته دلالية اقتضت طبيعة البحث ان يكون على مبحثين سبقا بمقدمة وتمهيد خصص المبحث الأول لدراسة أنواع الطباق والمقابلة الواردة في خطب نهج البلاغة مع دراسة بعض النصوص اما المبحث الثاني فتتبع ذيلك الفنين ودراستهما دراسة بلاغية دلالية في نماذج من خطب الإمام علي تلاهما خاتمة بالنتائج التي توصلنا اليها ثم فهرس بالمصادر والمراجع المعتمدة وقد اقتصرت دراستنا على خطب الإمام علي (ع) لان تتبع النماذج كلها في نهج البلاغة تحتاج الى دراسة مفصلة قد تصل الى رسالة جامعية وهذا ما نتركه للباحثين لمن يروم هذه الدراسة.

التمهيد:
الطباق والمقابلة فنان بارزان من فنون البديع يقعان تحت طائلة المحسنات المعنوية فالطباق عد الفن الثالث من فنون البديع عند ابن المعتز في بديعه [١] . وظل ملمحا بارزاً متميزا على الرغم من كثرة فنون البديع من جهة وتداخله مع علم البيان في كثير من مؤلفات النقاد والبلاغيين من جهة اخرى  [٢] .
فالمعنى الإصطلاحي للطباق هو الجمع بين المتضادين والمتقابلين في المعنى [٣] . وهذان المتضادان او المتقابلان قد يكونا اسمين او فعلين او حرفين [٤].
أما المقابلة فقد اختلفت الآراء فيها فمنهم من عدها من أنواع الطباق وهي داخله ضمنه ومنهم من اعتبر ذلك غير صحيح فقد تكلم عليها قدامه وهي من انواع المعاني [٥] . وادخلها جماعة في المطابقة كابن الاثير الذي قال: ((اعلم إنّ الأليق من حيث المعنى ان يسمى هذا النوع بالمقابلة)) [٦] .
والقزويني الذي قال ((ودخل في المطابقة ما يخص باسم المقابلة وهو أن يؤتى بمعنيين متوافقين او معان متوافقة ثم بما يقابلها او يقابلها على الترتيب)) [٧].

ولكن ابن حجة الحموي قال ((وهو غير صحيح فإن المقابلة اعم من المطابقة وهي التنظير بين شيئين فأكثر بين ما يخالف وما يوافق وقولنا وما يوافق صارت المقابلة اعم من المطابقة)) [٨] .
ونظرا لهذا الاختلاف بين العلماء فإننا سنتناول الطباق والمقابلة في خطب الإمام علي بصورة متداخلة نظرا لورودها على هذا النحو في خطبه وسنبدأ بالمبحث الأول.

المبحث الأول:
أنواع الطباق والمقابلة في خطب الإمام علي:
أ- أنواع الطباق في خطب الإمام علي:
ورد الطباق في خطب الإمام متداخلا ومتجاورا مع المقابلة في اغلب الخطب وقد ورد على نوعين:
١- طباق السلب الذي يكون بين اللفظ ومنفيه في عدد قليل من النصوص منها قوله يخاطب أصحابه بعد توانيهم وتقاعسهم عن رد اعتداءات جند معاوية عندما بلغة ان خيلا وردت الأنبار لمعاوية فقتلوا عاملا له يقال له حسان بن حسان فخطابه فيه تبرم وضجر ولوم على أصحابه لتوانيهم عن طلب حقهم فقال لهم: ((فيا عجبا عجبا والله يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا يرمى يغار عليكم ولا تغيرون وتغزون ولا تغزون ويعطى الله وترضون))  [٩].

فهنا ثنائية تقابلية تضادية هو تقابل بين مشهدين ومعنيين رافقه تقابل من معنيين مضادين للسابقين اجتماع هؤلاء القوم على الباطل وتفرقكم عن الحق وبالتضاد السلبي بين الفعل ومنفيه يغار عليكم ولا تغيرون وتغزون ولا تغزون جاء بهذه المقابلة والتضاد لتفعيل المضمون الدلالي لقوله.
وقال في موضع آخر مخاطبا قومه ملقيا عليهم باللوم: ((استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا واسمعتكم فلم تسمعوا ودعوتكم سراً وجهراً فلم تستجيبوا))  [١٠].

والمطابقة أوضح من ان يفتش عنها فقد استخدم طباق الإيجاب تارة وطباق السلب تارة أخرى.
ومن خطبة له في الوعظ والإرشاد قال ((فإن الدنيا لم تخلق لكم دار مقام بل خلقت لكم مجازا لتزودوا منها الأعمـال الى دار القرار)) [١١] . اتحد الطباقان السلب والإيجاب في النص فالدنيا ممر والآخرة مقر ، لم تخلق وخلقت.
وقال في موضع آخر من كلام طويل ((وأقدموا على الله مظلومين ولا تقدموا عليه ظالمين)) [١٢] .
كلام موجز حمل في طياته معنى غزيرا ساقه عن طريق استخدام طباق السلب بالفعل ومنفيه وبصيغة الأمر والنهي وكلاهما أسلوب إنشائي خرج للنصح والإرشاد / اقدموا ولا تقدموا.
ومن خطبة له يصف فيها المتقين قال: ((صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة تجارة مربحة يسرها لهم ربهم ارادتهم الدنيا ولم يريدوها)) [١٣] . والمعنى واضح رغم قصر العبارة حيث ان الدنيا بملذاتها قريبة منهم وبإمكانهم التمتع بها ولكنهم أبوها وفضلوا الآخرة ونعيمها عليها وتلك صفة المتقين.
وهناك طباق سلب في مواضع أخرى وهي قليلة إذا ما قيست بطباق الإيجاب والمقابلة [١٤].
٢- طباق الإيجاب: اما النوع الآخر من الطباق الوارد في خطب الإمام فهو طباق الإيجاب الذي يقوم على اللفظ وضده في المعنى وذلك كثير منه قوله في صفة خلق ادم عليه السلام قال: ((ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها وعذبها وسبخها نزبة سنها بالماء حتى خلصت ولاطها بالبلة حتى أزيت فجبل منها صورة ذات احناء ووصول وأعضاء وفصول)) [١٥] .

قام النص في كلام طويل له (عليه السلام) على هذه المقدمة المبينة لاختلاف الأجزاء التي جبل منها الإنسان وأشار الى انه مركب من طباع مختلفة .
وفيه استعداد للخير والشر والحسن والقبيح عبر عن هذا المعنى بهذه المفردات التضــادية: (حزن الأرض وسهلها) (عذبها وسبخها) [١٦].
ومن خطبة له عند خروجه لقتال أهل البصرة في وقعة الجمل قال: ((فلأنقبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه)) [١٧]. فالطباق بين الحق والباطل كأنه جعل الباطل كشيء قد اشتمل على الحق واحتوى عليه وصار الحق في طية كالشيء الكامن المستتر فيه فاقسم لينقبن ذلك الباطل الى ان يخرج الحق من جنبه وهذا من باب الاستعارة أيضا [١٨] .
ومن خطبة له في الوعظ والإرشاد والنصح قال ((وما بين أحدكم وبين الجنة او النار إلاّ الموت ان ينزل به)) [١٩]. وبأسلوب القصر الدال على التوكيد باستخدام ما وأداة الحصر الملغاة (إلا) جاء الطباق بين الجنة والنار لتأكيد عاقبة الإنسان بعد الحياة حيث انه ((ليس بين الواحد وبين الجنة إلا نزول الموت به ان كان قد اعد لها عدتها ولا بينه وبين النار إلا نزول الموت به ان كان قد عمل بعمل أهلها فما بعد هذه الحــياة إلا الحياة الأخرى وهي اما شقاء او نعيم)) [٢٠] .
ومن خطبة له عليه السلام بعد حرب الجمل في ذم النساء وقد اراد شرار النساء قال: ((فاتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر ولا تطيــعوهن في المعروف حتى إلا يطمعن في المنكر)) [٢١] .

ابتدأ النص بالأمر وانتهى بالنهي وهما أسلوب إنشائي اعتمد فيه على فن من فنون البديع وهو الطباق بين (خيارهن – شرارهن) و (المعروف والمنكر) فهو لا يريد ان يترك المعروف لمجرد أمرهن به فإن في ترك المعروف مخالفة السنة الصالحة خصوصا إن كان المعروف من الواجبات بل يريد أن لا يكون فعل المعروف صادرا من مجرد إطاعتهن فإذا فعلت معروفا فافعله لأنه معروف ولا تفعله امتثالا لأمر المرأة  [٢٢].
وقال من موضع آخر ((الم اعمل فيكم بالثقل الأكبر واترك فيكم الثقل الأصغر وركزت فيكم راية الإيمان ووقفتكم على حدود الحلال والحرام)) [٢٣] .
وأمير المؤمنين قد عمل بالثقل الأكبر وهو القران الكريم ويترك الثقل الأصغر وهو ولداه وقد وقف الناس على حدود الحلال والحرام والطباق واضح بين الأكبر والأصغر والحلال والحرام [٢٤].
وقال من خطبة له تعرف بالأشباح بعد أن حمد الله قال: ((الحمد لله الذي لا يضره المنع والجمود ولا يكديه الإعطاء والجود اذ كل معط منتقص سواه وكل مانع مذموم ما خلاه)) [٢٥] .
تصدر النصان جملتين منفيتين لا يفره ولا يكديه حيث لا يزيده ما عنده من البخل والجمود ولا يفقره ولا ينفذ خزائنه الإعطاء وذلك لان هذا المعنى مما يخص به البشر لأنهم يتحركون بالسؤال فيكونون بما سألهم السائل أجود منهم بما لم يسالهم اياه اما البارئ فليس جوده على هذا المنهاج لان جوده عام في جميع الأحوال [٢٦] .
وقال في الخطبة ذاتها ((قدر الأرزاق فكثرها وقللها وقسمها على الضيق والسعة فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها ثم قرن بسعتها عقابيل هاقتها وسلامتها طوارق آفاتها وبفرح أفراحها غصص انزاحها وخلق الآجال فأطالها وقصرها وقدمها وأخرّها)) [٢٧] .

ترادفت الطباقات في هذا النص بين (كثرها – قللها) (الضيق والسعة) (ميسورها ومعسورها) (غنيها وفقيرها) (سعتها – فاقتها) (أطالها وقصّرها) (قدّمها وأخرّها) ومن كثرة هذه الطباقات نجد انسيابية لغوية من خلال هذه الألفاظ فهو لم يات بها عبثا او فرضا بقدر ما هو استدعاء سلس عفوي لوظيفة بنائية.
وقال في ذم إبليس وتحذير الناس من إتباعه: ((ولا تطيعوا الأدعياء الذين شربتم بصفوكم كدرهم وخلطتم بصحنكم مرضهم وادخلتم في حقكم باطلهم وهم أساس الفسوق وأحلامها العقوق)) [٢٨] .

ان هذه المفردات الطباقية (صفوكم – كدرهم) (صحتكم – مرضهم) (حقكم – باطلكم) ساهمت في إكمال الصورة البيانية المراد التعبير عنها فهولاء الاخسّاء المنتسبون الى الأشراف والأشراف المنتسبون الى الأخيار خلطوا صافي أخلاقكم يكدر نفاقهم وسلامة أخلاقكم مرض أخلاقهم.
وقال في وصف الخالق ((ولا يشغله غضب من رحمة ولا تولهه رحمة من عقاب ولا يجنه البطون عن الظهور ولا يقطعه الظهور عن البطون قرب فتأى وعلا فدنا وظهر فبطن وبطن فعلى ودان ولم يدن)) .
نرى إنّ الطباقات متتالية لا يوجد فاصل بينها لان الفاعل واحد وهو الله تعالى وهذا ما أراد الإمام بيانه فالطباق بين (غضب ورحمة) (ورحمة وعقاب) (البطون والظهور) (قرب – نأى) (علا – دنا) (ظهر – بطن) (بطن – علم) وختم النص بطباق السلب (دان – ولم يدن) [٢٩] .
وقال في موضع آخر ((فمنهم الغرق الوبق ومنهم الناجب على بطون الأمواج تحفزه الرياح بأذيالها وتحمله على أهوالها فما غرق فليس بمستدرك دماتها منها فالى مهلك)) [٣٠] .
فالذي غرق لم يدركه احد فليس بمستدرك والناجي ونجاته مؤقتة لان مصيره الهلاك ما دامت الدنيا بهذا الشكل فينبغي الاستعداد والحذر منها وجاء بالتشبيه للدنيا وعدم استقرارها بأهلها بميدان السفلية من تشبيه بليغ حذفت فيه أداة التشبيه [٣١].
ومن خطبة له في الوعظ والإرشاد كلام موجز صوره واضحة ((لمن اخذ بالتقوى عزبت عنه الشدائد بعد دنوها واحلولت له الأمور بعد مرارتها وانفرجت عنه الامواج بعد تراكمها واسهلت له الصعاب بعد أنصابها وهطلت عليه الكرامة بعد نضوبها ووبلت عليه البركة بعد ارذاذها)) [٣٢] . توالت الطباقات التي رصفت مفرداتها في جمل فعلية وعطفت بعضها على بعض في سجع واحد أضفى روعة ومهابة على النص.
نجد أن الغالب على الطباق الوارد هو طباق الإيجاب وقليلا ما ورد طباق السلب ولم يات هذا الفن بمعزل عن الفنون البديعية الأخرى بل جاء متداخلا معها تارة ومجاورا لها تارة أخرى للفنون البديعية والبيانية لتكتمل الصورة الفنية.

أنواع المقابلة بحسب المعنى في خطب الإمام علي:
تكون المقابلة من حيث عدد المتقابلات بين معنيين أو بين معان ثلاثة أو بين أربعة معان أو بين خمسة معان او بين سته معان [٣٣] وقد وردت في خطب الإمام عليه السلام على النحو الآتي:
١-المقابلة بين معنيين فمن ذلك قوله: ((الا واني لم ار كالجنة نام طالبها ولا كالنار نام هاربها)) [٣٤] . الأمر الذي أشار اليه الحديث النبوي الشريف ((ما رأيت مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها)) [٣٥] . هو تقابل بين مشهدين ومعنيين متناقضين لتكتمل الصورة لان التقابل ((طريقة من طرق التصوير))  [٣٦]. يقول من أعجب العجائب من يؤمن بالجنة كيف يطلبها وينام ومن أعجب العجائب من يؤمن بالنار كيف لا يهرب منها وينام أي لا ينبـغي ان ينـام طالب هذه ولا الهارب من هذه [٣٧] .
وفي خطبة له يصف فيها المتقين قال: ((وكان ليلهم من دنياهم نهارا تخشعا واستغفارا وكان نهارهم ليلا توحشا وانقطاعا)) [٣٨] . المقابلة واضحة حيث شبه ليلهم بالنهار لأنهم ايقاض لأداء العبادة واستغفار الرب ونهارهم كأنه ليل توحشا وانقطاعا ولا يريد بذلك الجفوة والنفرة من الناس بل أراد عدم الاستئناس بشؤون الدنيا والركون اليها.
وقال في ذم إبليس وتحذير الناس من سلوك طريقته قال: ((فان الله سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أبديكم إلا لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) [٣٩] .
فانه لعن من مضى لأنهم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صورتان متقابلتان متضادتان بجملتين اسميتين للدلالة على الثبوت.
٢- النوع الثاني من المقابلة هي مقابلة ثلاثة معان من ذلك قوله ((فمن عمل في أيام أمله قبل حضور اجله نفعه عمله ولم يضره اجله ومن قصر في أيام أمله قبل حضور اجله فقد سر عمله وضره اجله))  [٤٠].

فبجمل قصيرة متوازنة قابل بين ثلاثة أضداد هي (عمل – قصر) (نفعه عمله - خسر عمله) (ولم يضره – وضره) وهو طـباق سلب بين الفعل ومنفيه.
وقوله في باب الوعظ والإرشاد ((فليعمل العامل منكم في ايام مهله قبل إرهاق اجله وفي فراغه قبل أوان شغله وفي متنفسه قبل أن يؤخذ بكظمه)) [٤١] . فالتقابل واضح بين ايام مهله / ارهاق اجله وان لم لكن بضد اللفظ ولكنهما بضد المعنى وفراغه وشغله ومتنفسه وكظمه ((والأخذ بالكظم كناية عن التضييف عند مدراكة الأجل)) [٤٢] .
ومن خطبة له في ذكر المكاييل والموازين قال فيها ((لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له والناهين عن المنكر العاملين به)) [٤٣] فعدل عن الأسلوب الاستفهامي الإنكاري الى أسلوب إنشائي اعتمد فنين من فنون البديع هما الموازنة والطباق متحققان بالنسق الواضح من التركيبين ومن الألفاظ ((الآمرين – الناهين) (المعروف – المنكر) (التاركين له – العاملين به) والمشتركة بعامل واحد وهو لعن العائد الى الله جل وعلا ((ومن قوله عليه السلام ظاهر الذم بالقول لعن)) [٤٤] .
وقال في موضع اخر ((دعاهم ربهم فنفروا وولوا ودعاهم الشيطان فاستجابوا واقبلوا)) . فالمقابلة واضحة بين ((دعوة ربهم ودعوة الشيطان)) (نفروا واستجابوا وولوا واقبلوا)) [٤٥] .
وتتجلى المقابلة بشكل واضح في قوله ((وكل نبات لاغنى به عن الماء ، والمياه مختلفه فما طاب سقيه طاب غرسه وحلت ثمرته وما خبث سقيه خبث غرسه وامرت ثمرته)) [٤٦].
وقال واعظا لقومه مذكرا الناس بنفسه: ((أيها الناس إني والله ما احثكم على طاعة إلا واسبقكم اليها ولا أنهاكم عن معصية إلا واتناهى قبلكم عنها)) [٤٧].
ابتدا قوله عليه السلام بالنداء لتنبيه السامعين الى ما يقول ثم تلا ذلك التوكيد بعده أساليب منها ان والقسم ، والقصر بما + إلا ليؤكد ما يطرحه من عظم صفاته وجلال خلقه ليكون قدوه حسنه لهم فهو لا يحثهم على طاعة الا وهو سابقهم اليها ولا ينهاهم عن منكر الا وهو قد تناهى قبلهم عنه عبر عن هذه الفكرة متخذا من المقابلة وسيلة للتعبير حيث قابل بين ثلاثة أمور هي (احثكم – انهاكم) (طاعة ومعصية (اسبقكم ، اتناهى).
٣- النوع الثالث ما كانت فيه المقابلة بين أربعه معان منها قوله: ((وان من ابغض الرجال الى الله لعبدا وكله الله الى نفسه جائرا عن قصد السبيل سائرا بغير دليل ان دعي الى حرث الدنيا عمل وان دعي الى حرث الآخرة كسل كان ما عمل له واجب عليه وكان ماونى فيه ساقط عنه))  [٤٨].

صورتان مختلفان عبر عنهما بالمقابلة ((لان في مقابلة الأضداد يبرز المعنى وقد قيل والضد يظهر حسنه الضد)) [٤٩].

فقد قابل بين أربعة معان هي (حرث الدنيا / حرث الآخرة /) (عمل – كسل) (ما عمل – ماونى) (واجب عليه / ساقط عنه) وهي جمل جاءت عفو الخاطر أظهرت قدرة فائقة على تمييز الأشياء وبيانها تعتقل المعاني وتحسبها وتحرم الكلام من رونق السلامة والسهولة))  [٥٠].
لم الحظ فيها تتبعه من خطب الإمام عليه السلام مقابلة خمسة معان مع خمسه معان أخرى ويبدو ان الغالب على ما ورد من المقابلة هي مقابلة معنيين ثم تلتها مقابلة ثلاثة معان واقلها ما كانت أربعة معان بل هي نادرة جدا ((ولذا فاننا لا نملك الا ان نعجب باولئك الذين يقدرون على التصرف بمفردات اللغة والإتيان بها متناظرة متقابلة على هذا النحو الانتقائي الذي يفي بالقصد وينبي عن حسن جمالي راق)) [٥١] .

---------------------------------------------------------------------------------
[١] . احصى ابن البديع فنون البديع وجعلها ثمانية عشر فنا محسنا وجعلها ابن ابي الاصبع (مئة واثنين وعشرين) محسنا في كتابه التحبير. ينظر البديع طبعة كراتشكوفسكي لندن ٩٣٥ وينظر تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر.
[٢] . ادخل ابن المعتز بعض الصور البيانية من استعارة وكناية في دائرة البديع وادخل ابن أبي الاصبع المصري بعض ابواب المعاني كالإطناب والتكرار والإيجاز في هذا الفن – ينظر البديع ٣٥ وينظر تحرير التحبير ٧٢ وينظر معجم المصطلحات البلاغية وتطورها د. احمد مطلوب مادة طباق وينظر البلاغة تطور وتاريخ د. شوقي ضيق ٣٥٩.
[٣] . ينظر معجم المصطلحات البلاغية وتطورها ج٣ مادة طباق.
[٤] . ينظر المصدر نفسه.
[٥] . نقد الشعر قدامة بن جعفر ١٥٢.
[٦] . الجامع الكبير في صناعة المنظم في الكلام والمنثور ابن الاثير ٢١٢.
[٧] . الايضاح في علوم البلاغة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني ٢٩١.
[٨] . خزانة الادب وغاية الارب / ابو بكر علي بن حجة الحموي ٥٧.
[٩] . نهج البلاغة شرح محمد عبده ١/٦٩.
[١٠] . المصدر نفسه ١/١٨٨.
[١١] . المصدر نفسه ٢/١٥.
[١٢] . المصدر نفسه ٢/٣٩.
[١٣] . المصدر نفسه ٢/١٦١.
[١٤] . ينظر المصدر نفسه ١/٨٣ – ١٨٨-١٨٩ و ٢/٥٤ ٥٥/٩٨ /١٠١ / ١٢٣ /١٥٧ وهذا كل ما ورد من طباق السلب في الخطب.
[١٥] . المصدرنفسه ١/٢٠.
[١٦] . المصدر نفسه.
[١٧] . المصدر نفسه ١/٨١.
[١٨] . شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ٢/١٤٨.
[١٩] . نهج البلاغة ١/١١٠.
[٢٠] . المصدر نفسه ١/١١١.
[٢١] . المصدر نفسه ١/١٢٩.
[٢٢] . المصدر نفسه.
[٢٣] . المصدر نفسه ١/١٥٤.
[٢٤] . المصدر نفسه.
[٢٥] . المصدر نفسه ١/١٦٠.
[٢٦] . شرح نهج البلاغة ٦/٣١٧.
[٢٧] . نهج البلاغة ١/١٧٧.
[٢٨] . المصدر نفسه ٢/١٤٣.
[٢٩] . المصدر نفسه ٢/١٦٩.
[٣٠] . المصدر نفسه ٢/١٧٠-١٧١.
[٣١] . الاقتباس والتضمين في نهج البلاغة / رسالة دكتوره ، كاظم عبد فريح.
[٣٢] . نهج البلاغة ٢/١٧٤.
[٣٣] . ينظر الايضاح في علوم البلاغة ٢٩١-٢٩٢.
[٣٤] . نهج البلاغة ١/٧١-٧٢.
[٣٥] . الجامع الصغير جلال الدين السيوطي وجاء بتقديم طالبها على واردها في الروايات ينظر المعجم الاوسط ٢/١٧٧ ابراهيم مصطفى وزملاؤه.
[٣٦] . ينظر التصوير الفني في القران الكريم سيد قطب ٤/٧٣-٧٥ وبحار الانوار محمد باقر المجلسي ٧٤/٢٩٣ وكنز العمال المتقي الهندي ١٦/٢٠٣.
[٣٧] . ينظر شرح نهج البلاغة ٢/٧٥.
[٣٨] . نهج البلاغة ٢/١٣٢.
[٣٩] . المصدر نفسه ٢/١٥٦.
[٤٠] . المصدر نفسه ١/٧١.
[٤١] . المصدر نفسه ١/١٤٩.
[٤٢] . المصدر نفسه.
[٤٣] . المصدر نفسه ٢/١٢.
[٤٤] . شرح نهج البلاغة ٢/١٧.
[٤٥] . نهج البلاغة ٢/٢٨.
[٤٦] . المصدر نفسه ٢/٤٥.
[٤٧] . المصدر نفسه ٢/٩٠.
[٤٨] . المصدر نفسه ١/١٩٨.
[٤٩] . بحوث بلاغية د. احمد مغلوب ١٣٨.
[٥٠] . البلاغة الواضحة لبيان المعاني والبدبع علي الحازم مصطفى امير ٢٨٥.
[٥١] . الكافي في علوم البلاغة العربية / الكتاب الثاني د. عيسى علي العاكوب ٥٧١.

يتبع .......

****************************