وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.                
وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.                
وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                
وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا.                
وقال (عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِب فِيكَ نُقْصَانُ حَظّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِد فِيكَ ذُلُّ نَفْس.                
وقال (عليه السلام): رُبَّ مَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
العدالة والمجتمع (دراسة في ضوء نهج البلاغة)

عبد الرضا الزبيدي
ما دمنا في موضوع العدل والظلم فقد دوّنت الكثير من كلام الإمام (عليه السلام) في هذا الشأن ، ورأيت أن أطرح رسالته إلى عثمان بن حنيف ، عامله على البصرة ، وقد بلغ سمع الإمام (عليه السلام) أنّه دعي إلى وليمة لجماعة من القوم هناك ، فمضى إليها ، وقد تبدو مسألةً عاديةً للسامع ، لكنّ المسألة العظيمة أنّ ابن حنيف على سدّة الحكم والولاية ، عند علي بن أبي طالب (عليه السلام) فما أعظمها عند علي وما أشدها على سمعه الذي ائتمنه على رعيته .
إنّها دروس العدالة والأخلاق والحقّ وكلّ ما علا من المفاهيم الإنسانية والكلمات ذات العمق والمعنى الحضاري ، ودرس وعبره لا مثيل له في التاريخ أبداً وهو القائل (عليه السلام) في ذلك ( وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ وَ يَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الأَطْعِمَةِ وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ وَلا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ ، أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَ أَكْبَادٌ حَرَّى ، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ :
وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ )  [١] .
فما أعظمه من كلام ، وما أعظمها من موعظة تتلألأ في ظلام حياتنا وتجذب إليها القلوب ولا تزيغ عنها الأبصار ، ما أحكمها من لغة وأروعها من بلاغة ، وأفضلها من صور حيّة للواقع الذي نعيش في ظلامه ، إنّها قطعه صغيرة من ذلك العقد الكبير الذي يهزّ الألباب وتتعلّق به القلوب ويتناغم مع الأنفس .
فوصية أمير المؤمنين (عليه السلام) منهج عظيم في علم الاجتماع وعظه للجميع وغير محددة في زمان أو مكان لكنها كتبت باسم عثمان بن حنيف وقد ابتدأ كلامه (عليه السلام) بـ :

( أَمَّا بَعْدُ ، يَا ابْنَ حُنَيْفٍ ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الأَلْوَانُ وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ ، فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِي‏ءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ ) . [٢]
إنّه عتاب عليّ (عليه السلام) لواليه ، على تلك الاستجابة السريعة دون التبصّر بحقائق الأمور ، إنّها العدالة التي قاتل خصومه بأسسها وقوائمها ، العدالة التي جعلت من عليّ (عليه السلام) نبراساً للأمم ، ومن مبادئه قطب الرحى التي تدور حوله أفئدة طلاب الحقّ والعدال الإنساني . ثمّ يسأل الإمام (عليه السلام) ابن حنيف هل تحريّت عن أساس الموارد لهذه الموائد في مجتمعٍ الفقير فيهم مردود والغني مدعو يفترش البساط الفاخر ؟!
ثمّ يحذّره من أكل الحرام من هذا الطعام الذي لا يعلم طرق كسبه ، هل هو حلال أو حرام ؟! هل سرق من حقّ الناس الذين لا حول لهم ولا قوّة أم من الطرق المشروعة للكسب الحلال ؟! .
ثمّ يذكره بولي أمره كيف يحيا حياته ، وابن حنيف عارفٌ جيداً ، ألم تكن حياة المجتمع وعليّ سواء إن لم يكن اقل منها ؟! ألم يكن قد اكتفى بذلك الثوب البالى ؟! ألم يكن قد قنع بأقراص خبز الشعير والماء والملح ؟!
وقد ذكّر ابن حنيف بهذا الوضع وهذه الصورة التي يعيشها إمامه ، أليس هذا هو عليّ وهذه هي سيرته وحياته إلى أن يقول : ( أَلا إنّكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينونى بورعٍ واجتهاد ، وعفةٍ وسداد . فوالله ما كنزت من دنياكم تِبراً ، ولا ادّخرت من غنائمها وفراً ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً .
بلى كانت في أيدينا فدكٌ من كلّ ما أظلّته السّماء ، فشّحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين .
ونِعم الحكم الله ، وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانّها في غدٍ جدثٌ تنقطع في ظلمته آثارها ، وتغيب أخبارها وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر والمدر ، وسدّ فرجها التراب المتراكم ، إنّها هي نفسي أرُوْضها بالتقوى لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلق ) [٣] .
إنّ الذي يروم بل يهدف إلى بناء مجتمع إنساني متكامل تسوده العدالة والمحبّة والتفاني لا بدّ له أن يستعرض هذه الكلمات العظيمة للإمام ويأخذ ما تستطيع قدرته على نفسه بتطبيقها ، ( ثمّ إنّ ورع الولاة وعفتهم يعين الخليفة على إصلاح شؤون الرعية ) [٤] .
ويوصي طالباً معونة ولاته له في تسديد الأمور على أقل التقدير ، ويذكّر بالموت والقبر وتلك الظلمة الموحشة في أروع تصوير حي لمواقع تلك المرحلة ما بعد الموت ، بعد أن وضّح لهم وكما يعلمون أنّه لم يخزن ذهباً ولا فضة ولا مالاً من غنائمها و( ما كان يهيئ لنفسه طمراً آخر بدل الثوب الذي يبلى ، بل كان ينتظر حتى يبلى ثمّ يعمل الطمر ، والثوب هنا عبارة عن الطمرين فإنّ مجموع الرداء والإزار يعد ثوباً واحداً فيها يكسو البدن لا بأحدهما ) [٥] .

مفسدة الهدية
إذا كان التهادي بين الناس محبّذ ، فهو لأولي الأمر رشوة لا غير ...
فقد استعمل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رجلاً من الأزد ، يقال له ابن اللُبيّة ، على الصدقة ، فلمّ قدم ، قال : هذا لكم وهذا أُهدي لي . قال : ( فهلاّ جلس في بيت أبيه أو بيت أمّه ، فينظر يهدى له أم لا ؟! والذي نفسي بيده ، لا يأخذ أحدٌ منه شيئاً إلاّ جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إنْ كان بعيراً له رغا ، أو بقرة لها خوار أو شاةً تيعر ) ، ثمّ رفع بيده رأينا عفرة إبطيه : ( اللّهمّ هل بلّغت ، اللّهمّ هل بلّغت ؟! ثلاثاً) . [٦]
في مسيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) نلتمس مصاديق هذه الرسالة العظمى ؛ لقد جاءه الأشعث بن قيس ـ وهو كبير قومه بملفوفة (وهي نوع من الحلوى) فتعجب الإمام (عليه السلام) من أمرها فقال له بمنتهى الصراحة والوعظ : ( أعن دين الله أتيتني لتخدعني ؟! ، أمختبط أنت ، أم ذو جنّة أم تهجر ؟! ) .
ذاك أخوه عقيل وهذا الآخر من رعاياه ، الأول طلب مالاً ليعينه به على عياله وأسرته المُملقة ، والثاني شخصية اجتماعية ورئيس قوم متمكّن مادياً وله صوت مسموع بين أهله جاء ليرشيه ، ذكّر الأول بنار الله التي سجّرها للظلمة والمنحرفين ، وردّ الآخر على أعقابه بأقسى الكلام وأعظم المواعظ ليبقى يتذكّرها طيلة حياته ، حيث رجع خائباً وباعتقاد تامّ من أنّه لا يستطيع أن يأخذ من إيمان عليّ (عليه السلام) أقل شيء ليس بحلوى مصنوعة بل بدنيا عامرة أهلها .
وهنا لا بد من التذكير بأنّ الأشعث بن قيس هذا هو الذي قاد الفتنة بأولئك النفر الذي فتنوا بخديعة معاوية يوم صفين برفع المصاحف ، وجاء بهم فأحاطوا بأمير المؤمنين (عليه السلام) متوعّداً إنّ لم تكف الحرب وترضى بتحكيم المصاحف لنسلمنّك إلى معاوية !!
تلك الهدية التي أعجبت صانعها غاية الإعجاب حتى التمس بها تقرباً إلى أميره قد صيّرتها طبيعتها ـ كرشوة ـ في عين علي ( معجونة شنئتها كأنّما عجنت بريق حية أو قيئها ) .
إذن قضية العدالة وارتباط مصير المجتمعات بها تعطي الدافع الكبير لتربية الأفراد من خلال نهج عليّ (عليه السلام) الواضح الجلّي الذي هو نهج الإسلام بعينه ، والذي أعطى للإنسانية الصورة المثلى للعمل الصالح ، بل كيف يربِّي الرجل أسرته وأهل بيته ، وإذا كان قائداً أو إماما أو حاكماً كيف يربّي أمته ويوجّهها نحو الإصلاح ؟!
فقد روى أحد أصحاب الإمام علي (عليه السلام) انّه : ( كان علي يمشي في الأسواق وحده وهو خليفة ، يرشد الضّال ، ويعين الضعيف ، ويمرّ بالتجار فيفتح القرآن ويقرأ : ( ِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً ) ، ثمّ يقول : نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر الناس )  [٧].
كان علي (عليه السلام) هكذا في حياته ونهجه ، فهو الصورة الناصعة لرجل الإسلام الأول ، فقد كان القائد والخليفة الذي آثر الناس على نفسه ولم تزلزل أقدامه أكداس التبر ورونق السلطان ، طبّق الحقّ والعدالة على نفسه أولاً ثمّ سار إلى مجتمعه واعظاً وناصحاً ومُدلاًّ على طريق الحقّ لكسب رضا الله الذي هو فوق كلّ شيء .
فلا خلاف ـ إذن ـ في أنّ التربية تبدأ بالنفس الأولى وهو القائد المعني لما تعكسه تلك الصورة من آثار إيجابية عظيمة على نفوس المجتمع أجمع ، وبناء الأخلاق لدى الأفراد تنمّي قيم العدالة لديهم ليكون سريان ذلك جارٍ على الأسرة ثمّ المجتمع الأوسع وبالتالي تصبح الطهارة عامّة فلا نجس ولا خبث ، فالمجتمع السليم تُصان مفاهيمه بفعل حجم وسعة القيم الأخلاقية المطبّقة على سلوك الناس ومفاهيمهم ، وما يبرز من خلقٍ سيء أو ظلم فاحش سيرفضه المجتمع ويدحضه ، بل سيقف بكلّ وعي وصلابة بوجه كلّ انحراف ، وبالتالي لا مجال للدسّ والعبث وصانعي الخلل الاجتماعي ، لأنّ الحقّ وسيرة الناس العادلة لا تسمح بذلك الانحراف .
ولو قسّمنا العدالة إلى قسمين : العدالة الخلقية ، والعدالة الاجتماعية .
فلا ريب أنّ العدالة الخلقية أساس العدالة الاجتماعية ، إذ لو لم يتصف الأفراد فكيف يمكن للمجتمع أن يتصف بها ؟ أليس المجتمع مجموعة من الأفراد ؟ وعليه فانتظار العدالة الاجتماعية مع عدم تنمية الإيمان والأخلاق والتقوى وخشية الله في الأفراد ، وهمٌ من الأوهام ، ومن هنا تنشأ مشاكل المجتمعات البشرية المتمثّلة في تسليط الجبّارين ، والتمييز وانعدام العدالة ، فلا بدّ ـ أولاً ـ من بناء الإنسان وتربية أفراد عدول ، ثمّ تسليمهم زمام أمور المجتمع بأيديهم ، وبذلك يمكن أن نأمل تحكيم العدل واستقرار العدالة الاجتماعية ، وهو بالضبط ما عكسه كلام الإمام عليّ (عليه السلام) ، فقد قال بشأن الظلم وانعدام العدالة الذي هو من أعظم الكوارث الاجتماعية : ( بئس الزّاد إلى المعاد العدوان على العباد ) . [٨]
فالإمام (عليه السلام) يحذّر كلّ التحذير هنا من تلك الميول الشيطانية لأنّ هدفه (عليه السلام) حفظ المجتمع في هذه الدنيا من الظلم والجور ، وبعد فالإمام (عليه السلام) بحكم المسؤولية الإلهية وإمامة الأمة تحتم عليه مسؤوليته إمام الله إبراز وإظهار الطرق السليمة والمستقيمة للمسلمين ؛ لئلا يسقطوا في حبائل الشيطان وبالتالي خسرانهم في الدنيا والآخرة .

----------------------------------------------------------------
[١] . نهج البلاغة ـ شرح محمد عبده ـ ج٣ ـ ص٧٠ .
[٢] . نهج البلاغة ـ شرح محمّد عبده ـ ج٣ ، ص٧٠ .
[٣] . نفس المصدر السابق ص٧٠ .
[٤] . نفس المصدر السابق ص٧٠ .
[٥] . نفس المصدر السابق ص٧١ .
[٦] . صحيح البخاري ، تحقيق الدكتور مصطفى البغا ـ ج٢ ص٩١٧ حديث ٢٤٥٧ ـ كتاب الهبة ـ باب ١٦ .
[٧] . علي إمام المتّقين ، ج٢ ص٢٣٨ .
[٨] . رهبر ـ محمّد تقي ـ دروس أساسية من نهج البلاغة ـ ص ١٨٦ .

منقول من كتاب في الفكر الاجتماعي عند الإمام علي ( عليه السلام )

****************************