وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                
وقال (عليه السلام): إذَا كَانَ في رَجُل خَلَّةٌ رَائِعَةٌ فَانْتَظِرْ أَخَوَاتِهَا.                
وقال (عليه السلام): رُبَّ مَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ.                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): لَيْسَ بَلَدٌ بأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَد، خَيْرُ الْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                
وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                

Search form

إرسال الی صدیق
العلاقة مع الآخر في نهج البلاغة

بسم الله الرحمن الرحيم
 

تمهيد:
يوجد ترابط وثيق بين الـ(أنا) والـ(آخر)، حيث انّ الأنا تشكل هوية الإنسان المادية والمعنوية، كما انّ الآخر المخلوق يكون مرآة للأنا، والسبب في تكوين هذه الهوية على الأغلب، وكذلك عامل رئيسي في تنظيم الحياة الاجتماعية، حتى قيل: «انّ الإنسان مدنيّ بالطبع» بمعنى انّه لا يتمكّن أن يعيش إلّا عبر المجتمع ووجود الآخر.
هذا ما دعانا إلى تنظيم هذه الحلقة من «سلسلة في رحاب نهج البلاغة» حيث نتعرّف على الآخر وكيفية التعامل معه من خلال نهج البلاغة، وما جاء على لسان أميرالمؤمنين عليه السلام.
وسيتمّ في هذه الحلقة تقسيم الآخر إلى خالق ومخلوق، والمخلوق إما أن يكون مجتمعاً متكوناً من عدّة أشخاص، وإما أن يكون فرداً واحداً، وإما أن يكون شيطاناً، وإما أن يكون بيئة.
ثم انّ المجتمع الإنساني إما أن يكون موالياً، أو مخالفاً ومعادياً ومفتتناً، أو متخاذلاً.
أما الفرد الواحد فهو أيضاً إما أن يكون نبياً ووصياً، وإما أن يكون حاكماً، وإما أن يكون محكوماً (رعية)، والحاكم إما أن يكون عادلاً أو ظالماً، والمحكوم إما أن يكون أيضاً موالياً أو مخالفاً، والمخالف إما أن يكون كافراً وذمياً، أو منافقاً، أو عدواً.
وسنتكلّم إن شاء الله تعالى عن هذه التفريعات للآخر كل في مورده.
الخالق :
أ ـ الله تعالى هو المبدأ والمنتهى:
لابدّ وأن تكون العلاقة مع الله تعالى هي الأساس في حياة الإنسان، والمنطلق الوحيد لجميع أعماله، كما قال أميرالمؤمنين عليه السلام في عهده للأشتر: «وأن ينصر سبحانه بقلبه ويده ولسانه فإنّه جلّ اسمه قد تكفّل بنصر من نصره وإعزاز من أعزّه» .
وقال عليه السلام أيضاً: «من أصلح ما بينه وبين ، أصلح ما بينه وبين النّاس، ومن أصلح أمر آخرته أصلح له أمر دنياه» ، وبنفس السياق قال عليه السلام أيضاً: «من أصلح سريرته أصلح علانيته، ومن عمل لدينه كفاه أمر دنياه، ومن أحسن فيما بينه وبين أحسن ما بينه وبين النّاس».
إذن يجب على الإنسان في تعامله مع خالقه، أن يبدأ بإصلاح نفسه ليصبح الخالق هو المبدأ والمنتهى لجميع أعمال الإنسان، وهذا المنطلق هو الذي سيصلح للإنسان باقي أموره الأخروية والدنيوية، كما أشار إليه أميرالمؤمنين عليه السلام.
وبعكسه من يكون منطلقه منطلق الهوى والنفس، فإنّه سيخسر في آخرته ودنياه، وإن توهّم بعض النجاح في أموره الدنيوية التي لا تكون إلّا استدراجاً له وبلاء عليه، كما قال عليه السلام: «لا يترك النّاس شيئاً من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح عليهم ما هو أضرّ منه».
ب ـ معرفة الله تعالى:
لابدّ للإنسان بعد مجيئه إلى الدنيا أن يعرف خالقه، إذ انّ «أوّل الدين معرفته» لكن السؤال الذي يطرح نفسه بجد، انّ الإنسان هل يستطيع أن يعرف كنه الباري تعالى، وهل يتمكن أن يحيط به علماً؟!
ربما تختلف المدارس والمذاهب الكلامية في الأديان المختلفة في الإجابة على هذا السؤال، ونحن لسنا هنا بصدد البحث عن الأقوال والآراء والمناقشات المطروحة في هذا الأمر، وانّما الذي يهمّنا معرفة رأي أهل البيت عليهم السلام في هذه المسألة، إذ انّهم أمناء الله تعالى على وحيه ودينه، وهم أهل الذكر الذين أمرنا بالسؤال عنهم.
ولما نراجع كلام أمير المؤمنين عليه السلام - وهو سيد العترة – في نهج البلاغة، نرى انّه عليه السلام ينفي استطاعة الإنسان على معرفة كنه الباري تعالى، إذ يقول عليه السلام: «الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن» وقال عليه السلام: «لا تقع الأوهام له على صفة، ولا تعقد القلوب منه على كيفية».
وقال عليه السلام: «هو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته، وحاول الفكر المبرّأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته، وتولّهت القلوب إليه لتجري في كيفية صفاته، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم ذاته، ردعها وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب، متخلّصة إليه سبحانه، فرجعت إذ جبهت معترفة بانّه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته، ولا تخطر ببال اولي الرويات خاطرة من تقدير جلال عزّته... فأشهد انّ من شبّهك بتباين أعضاء خلقك، وتلاحم حقاق مفاصلهم الـمحتجبة لتدبير حكمتك، لم يعقد غيب ضميره على معرفتك، ولم يباشر قلبه اليقين بأنّه لاندّ لك، وكأنّه لم يسمع تبرّؤ التّابعين من المتبوعين إذ يقولون: “تالله إن كنّا لفي ضلالٍ مبينٍ * إذ نسوّيكم بربّ العالمين".
كذب العادلون بك، إذ شبّهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية الـمخلوقين بأوهامهم، وجزّأوك تجزئة الـمجسّمات بخواطرهم، وقدّروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم.
فأشهد أنّ من ساواك بشيء من خلقك فقد عدل بك، والعادل بك كافرٌ بما تنزّلت به محكمات آياتك، ونطقت عنه شواهد حجج بيّناتك، وإنّك أنت الله الّذي لم تتناه في العقول، فتكون في مهبّ فكرها مكيّفاً، ولا في رويّات خواطرها [فتكون] محدوداً مصرّفاً» .
وقال عليه السلام: «فتبارك الله الذي لا تبلغه بعد الهمم، ولا يناله حدس الفطن» .
وقال عليه السلام: «من وصفه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن عدّه فقد أبطل أزله، ومن قال كيف فقد استوصفه، ومن قال أين فقد حيّزه» .
وقال عليه السلام: «الحمد لله الذي انحسرت الأوصاف عن كنه معرفته، وردعت عظمته العقول فلم تجد مساغاً إلى بلوغ غاية ملكوته... لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبّهاً، ولم تقع عليه الأوهام بتقدير فيكون ممثّلاً».
وقال عليه السلام: «لا يدرك بوهم، ولا يقدّر بفهم».
وقال عليه السلام: «لا تناله الأوهام فتقدّره، ولا تتوهّمه الفطن فتصوّره، ولا تدركه الحواس فتحسّه».
بعدما عرفنا عجز الإنسان عن الوصول إلى معرفة كنه الباري، فهل هذا يعني تأييد نظرية تعطيل المعرفة؟! وللإجابة على هذا السؤال نرجع إلى نهج البلاغة مرّة ثانية، ونرى انّ أمير المؤمنين عليه السلام ينفي نظرية التعطيل، ويشير إلى انّ الإنسان يتمكن من المعرفة الإجمالية التي بها يثاب ويعاقب، فقد قال عليه السلام: «لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته».
وهناك بعض الطرق للوصول إلى هذه المعرفة الإجمالية، وردت في نهج البلاغة، وهي كما يلي:
١- الأعلام والآيات الإلهية : قال عليه السلام: «فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود» .
وقال عليه السلام: «وأرانا من ملكوت قدرته، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوّته، ما دلّنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته، وظهرت في البدائع التي أحدثها آثار صنعته، وأعلام حكمته، فصار كلّ ما خلق حجة له ودليلاً عليه، وإن كان خلقاً صامتاً فحجته بالتدبير ناطقة، ودلالته على المبدع قائمة».
وقال عليه السلام: «فلسنا نعلم كنه عظمتك إلّا انّا نعلم انّك حيّ قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، لم ينته إليك نظر، ولم يدركك بصر، أدركت الأبصار، وأحصيت الأعمال، وأخذت بالنواصي والأقدام» .
وقال عليه السلام: «الحمد لله الذي أظهر من آثار سلطانه، وجلال كبريائه، ما حيّر مقل العقول من عجائب قدرته، وردع خطرات هماهم النفوس عن عرفان كنه صفته».
٢- مشاهدة القلوب: روي انّ ذعلب اليماني سأل أمير المؤمنين عليه السلام وقال: هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: «أفأعبد ما لا أرى؟» قال: وكيف تراه؟ قال: «لا تدركه العيون بمشاهدة، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان، قريب من الأشياء غير ملامس، بعيد منها غير مباين، متكلّم بلا روية، مريد بلا همّة، صانع لا بجارحة، لطيف لا يوصف بالخفاء، كبير لا يوصف بالجفاء، بصير لا يوصف بالحاسة، رحيم لا يوصف بالرقة، تعنو الوجوه لعظمته، وتجب القلوب من مخافته».
٣- الرجوع إلى الثقلين: قال عليه السلام: «فانظر أيها السائل فما دلّك القرآن عليه من صفته فائتمّ به، واستضئ بنور هدايته، وما كلّفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه، ولا في سنّة النبي (صلى الله عليه وآله) وأئمة الهدى أثره، فكل علمه إلى الله سبحانه، فانّ ذلك منتهى حق الله عليك. واعلم انّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمّى تركهم التعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخاً، فاقتصر على ذلك، ولا تقدّر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين».
ج ـ الأنس بالله تعالى :
قال تعالى في محكم كتابه الكريم: "والّذين آمنوا أشدّ حبًّا لله" .
انّ أولياء الله تعالى الذين جعلوا الخالق هو المبدأ والمنتهى لجميع أعمالهم، لهم أشد حبّاً وأنساً به تعالى، وهم الذين «صحبوا الدّنيا بأبدانٍ أرواحها معلّقةٌ بالمحلّ الأعلى».
ويشرح أميرالمؤمنين عليه السلام هذا في دعاء ويقول: «اللّهمّ إنّك آنس الآنسين لأوليائك، وأحضرهم بالكفاية للمتوكّلين عليك، تشاهدهم في سرائرهم، وتطّلع عليهم في ضمائرهم، وتعلم مبلغ بصائرهم، فأسرارهم لك مكشوفةٌ، وقلوبهم إليك ملهوفةٌ، إن أوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك، وإن صبّت عليهم المصائب لجأوا إلى الاستجارة بك، علماً بأنّ أزمّة الأمور بيدك، ومصادرها عن قضائك».
وعلى عكسهم المغترّ بالدنيا حيث «يتعلّل بالسّرور في ساعة حزنه، ويفزع إلى السّلوة إن مصيبةٌ نزلت به، ضنّاً بغضارة عيشه، وشحاحةً بلهوه ولعبه».
وهذا الأنس هو السبب في شدّة اشتياق المؤمن إلى لقاء ربه تعالى، وعليه يقول سيد المؤمنين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله): «وإنّي إلى لقاء الله لمشتاقٌ ولحسن ثوابه لمنتظرٌ راجٍ» وكتب عليه السلام إلى معاوية يهدّده بصفوة أصحابه قائلاً: «متسربلين سرابيل الموت أحبّ اللّقاء إليهم لقاء ربّهم».
د ـ الاستعانة بالله تعالى :
انّ الإنسان في علاقته مع خالقه يستعين به ويتوكل عليه، إذ يعلم بعجز نفسه عن أداء واجب حقه تعالى، ولذا قال أميرالمؤمنين عليه السلام: «واستعينوا الله على أداء واجب حقّه، وما لا يحصى من أعداد نعمه وإحسانه»، وأيضاً: «ونستعينه على رعاية حقوقه».
وفي وصيته للإمام الحسن : «وألجئ نفسك في أمورك كلّها إلى إلهك، فإنّك تلجئها إلى كهفٍ حريزٍ ومانعٍ عزيزٍ... فاعتصم بالّذي خلقك ورزقك وسوّاك، وليكن له تعبّدك وإليه رغبتك ومنه شفقتك».
وفي كتاب كتبه عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر يقول فيه: «وأكثر الاستعانة باللّه يكفك ما أهمّك، ويعنك على ما ينزل بك».
وأخيراً يقول عليه السلام في كيفية الاستعانة: « وأستعينه فاقةً إلى كفايته، إنّه لا يضلّ من هداه، ولا يئل من عاداه، ولا يفتقر من كفاه، فإنّه أرجح ما وزن، وأفضل ما خزن».
وقال عليه السلام: «ونستعين به استعانة راجٍ لفضله، مؤمّلٍ لنفعه، واثقٍ بدفعه، معترفٍ له بالطّول، مذعنٍ له بالعمل والقول».
هـ ـ حسن الظن بالله تعالى :
انّ الإنسان في علاقته مع خالقه يحسن الظن به ويرجوه رجاء صادقاً، قال عليه السلام: «لا يصدق إيمان عبدٍ حتّى يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يده».
وقال عليه السلام: «وإن استطعتم أن يشتدّ خوفكم من الله، وأن يحسن ظنّكم به فاجمعوا بينهما، فإنّ العبد إنّما يكون حسن ظنّه بربّه على قدر خوفه من ربّه، وإنّ أحسن النّاس ظنّاً باللّه أشدّهم خوفاً للّه».
وقال عليه السلام في تكذيب من يدعي الرجاء: «يدّعي بزعمه أنّه يرجو الله، كذب والعظيم، ما باله لا يتبيّن رجاؤه في عمله، فكلّ من رجا عرف رجاؤه في عمله، وكلّ رجاءٍ إلا رجاء الله تعالى فإنّه مدخولٌ، وكلّ خوفٍ محقّقٌ إلا خوف الله فإنّه معلولٌ، يرجو الله في الكبير، ويرجو العباد في الصّغير، فيعطي العبد ما لا يعطي الرّبّ، فما بال الله جلّ ثناؤه يقصّر به عمّا يصنع بعباده أتخاف أن تكون في رجائك له كاذباً، أو تكون لا تراه للرّجاء موضعاً، وكذلك إن هو خاف عبداً من عبيده، أعطاه من خوفه ما لا يعطي ربّه، فجعل خوفه من العباد نقداً، وخوفه من خالقه ضماراً ووعداً، وكذلك من عظمت الدّنيا في عينه وكبر موقعها من قلبه، آثرها على الله تعالى، فانقطع إليها وصار عبداً لها».
و ـ العمل الصالح :
انّ من أهم صفات المتقين وأولياء الله تعالى هو الاهتمام بالعمل، وعدم تضييع الفرصة، قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصف المتقين: «استقربوا الأجل فبادروا العمل» وقال عليه السلام أيضاً في خطبة المتقين: «يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل» وذلك لعلمهم بانّه «لن يفوز بالخير إلّا عامله، ولا يجزى جزاء الشر إلّا فاعله».
ولابد للمتقي أن يراعي في مقام العمل عدّة أمور:
أولاً: المبادرة وعدم إضاعة الفرصة، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «واتقوا الله عباد الله، وبادروا آجالكم بأعمالكم، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم».
وذلك لانّ الإنسان لا يدري متى يوفق مرّة ثانية للعمل، فقد يحول بينه وبين العمل إما الموت أو المرض أو الغفلة أو الشيخوخة وحلول الضعف، لذا قال عليه السلام: «وبادروا بالأعمال عمراً ناكساً، أو مرضاً حابساً، أو موتاً خالساً».
وقال عليه السلام: «فليعمل العامل منكم في أيّام مهله قبل إرهاق أجله، وفي فراغه قبل أوان شغله، وفي متنفّسه قبل أن يؤخذ بكظمه، وليمهّد لنفسه وقدمه، وليتزوّد من دار ظعنه لدار اقامته».
وقال عليه السلام: «فاعملوا وأنتم في نفس البقاء، والصحف منشورة، والتوبة مبسوطة، والمدبر يدعى، والمسيء يرجى، قبل أن يخمد العمل، وينقطع المهل، وتنقضي المدّة، وتسدّ أبواب التوبة، وتصعد الملائكة».
فالمتقى سبّاق إلى العمل الصالح، فتراه إما ساكت فكور، واما ناطق نصوح، وإما دائب في الخيرات إذ انّه يعلم «انّ الدنيا دار بلية لم يفرغ صاحبها قط فيها ساعة إلّا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة».
وثانياً: التدبر في العمل قبل الأقدم عليه، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «والناظر بالقلب، العامل بالبصر، يكون مبتدأ عمله أن يعلم أعمله عليه أم له؟! فان كان له مضى فيه، وإن كان عليه وقف عنده، فانّ العامل بغير علم كالسائر على غير طريق، فلا يزيده بعده عن الطريق الواضح إلّا بعداً من حاجته، والعامل بالعلم كالسائر على الطريق الواضح، فلينظر ناظر أسائر هو أم راجع».
وثالثاً: الإحساس بالتقصير، قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصف المتقين: «لا يرضون من أعمالهم القليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إن زكّى أحد منهم خاف ممّا يقال له فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم منّي بنفسي، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنّون، واغفر لي ما لا يعلمون... يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل».
ورابعاً: مطابقة السرّ والعلن، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «احذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه ويكرهه لعامة المسلمين، واحذر كل عمل يعمل به في السرّ ويستحي منه في العلانية، واحذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره واعتذر منه».
وكتب عليه السلام إلى بعض عمّاله: «وآمره ألّا يعمل بشيء من طاعة الله فيما ظهر فيخالف إلى غيره فيما أسرّ، ومن لم يختلف سرّه وعلانيته وفعله ومقالته، فقد أدّى الأمانة، وأخلص العبادة».
وخامساً: مداراة النفس، وذلك انّ مجاهدة النفس – سعة وضيقاً – يتبع مدى معرفة الإنسان، فكلّما كانت المعرفة أوسع كان الجهاد للنفس أشد، كما فعل أمير المؤمنين عليه السلام مع نفسه الشريفة حيث قال: «وأيم الله يميناً استثني فيها بمشيئة الله عزّوجل، لأروضنّ نفسي رياضة تهشّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوماً، وتقنع بالملح مأدوماً، ولأدعنّ مقلتي كعين ماءٍ نضب معينها، مستفرغة دموعها».
أما نحن ما دام لم نصل إلى تلك المرتبة، فعلينا أن نخادع النفس ونأخذها شيئاً فشيئاً دون أن نقهرها رأساً وفي بداية الأمر، وهذا ما أكّد عليه أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: «وخادع نفسك في العبادة، وأرفق بها ولا تقهرها، وخذ عفوها ونشاطها، إلّا ما كان مكتوباً عليك من الفريضة، فانّه لابد من قضائها وتعاهدها عند محلّها».
وقال عليه السلام: «انّ للقلوب شهوة وإقبالاً وإدباراً، فأتوها من قبل شهوتها وإقبالها، فانّ القلب إذا أكره عمي».
وسادساً: الإخلاص ونبذ الرياء، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «اعملوا في غير رياء ولا سمعة، فانّه من يعمل لغير الله يكله الله إلى من عمل له» وكتب عليه السلام: في وصيته للإمام الحسن عليه السلام: «وأخلص في المسألة لربك، فانّ بيده العطاء والحرمان».
وكان في عهده عليه السلام للأشتر: «وليكن في خاصة ما تخلص لله به دينك: إقامة فرائضه التي هي له خاصة، فأعط لله من بدنك في ليلك ونهارك، ووفّ ما تقربت به إلى الله من ذلك كاملاً غير مثلوم ولا منقوص، بالغاً من بدنك ما بلغ».
ولأهميّة هذا الأمر ومحوريّته كان عليه السلام يدعو الله تعالى قائلاً: «اللهم انّي أعوذ بك أن تحسن في لامعة العيون علانيتي، وتقبح فيما ابطن لك سريرتي، محافظاً على رياء الناس من نفسي بجميع ما أنت مطّلع عليه منّي، فابدي للناس حسن ظاهري، وأفضي إليك بسوء عملي، تقرّباً إلى عبادك، وتباعداً من مرضاتك».
وسابعاً: النية الصالحة عند الحرمان من العمل، وذلك لانّ المتقي ربما لا يوفّق لأداء بعض الأعمال لظروف تحيط به إما زمنية أو اجتماعية او لتداخل الأعمال وما شاكل، فهنا يأتي دور النية الصالحة لتقوم مقام العمل، وليفوز المتقي بثواب ما حرم من أدائه، قال عليه السلام: «انّ الله سبحانه يدخل بصدق النية والسريرة الصالحة من يشاء من عباده الجنة» وقد قال له بعض أصحابه: وددت انّ أخي فلاناً كان شاهداً ليرى ما نصرك الله به على أعدائك، فقال عليه السلام: أهوى أخيك معنا؟ قال: نعم، قال: فقد شهدنا، ولقد شهدنا في عسكرنا هذا قوم في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، سيرعف بهم الزمان، ويقوى بهم الإيمان».
وقال عليه السلام: «من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربّه عزوجل، وحق رسوله وأهل بيته، مات شهيداً ووقع أجره على الله، واستوجب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته لسيفه».
هذه أهم النقاط التي يراعيها المتقي في مقام العمل، وهو يعلم انّه «لا يقلّ عمل مع التقوى، وكيف يقلّ ما يتقبّل».
ز ـ الطاعة والعبودية :
انّ الله تعالى بفضله وكرمه جعل حقوقاً متبادلة بينه وبين عباده مع غنائه عنهم واحتياجهم إليه، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً: «ولكنّه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلاً منه، وتوسّعاً بما هو من المزيد أهله».
فالمتقي يكدح في طاعة الله تعالى لعلمه بانّه: «لا يخدع الله عن جنّته، ولا تنال مرضاته الّا بطاعته» وهو يعلم أيضاً انّه: «ليس أحد وإن اشتد على رضى الله حرصه، وطال في العمل اجتهاده، ببالغ حقيقة ما الله سبحانه أهله من الطاعة له».
وهذا ما كان يؤكّده أمير المؤمنين عليه السلام دائماً ويقول: «فاجعلوا طاعة الله شعاراً دون دثاركم، ودخيلاً دون شعاركم، ولطيفاً بين أضلاعكم، وأميراً فوق أموركم، ومنهلاً لحين وردكم، وشفيعاً لدرك طلبتكم، وجنّة ليوم فزعكم، ومصابيح لبطون قبوركم، وسكناً لطول وحشتكم، ونفساً لكرب مواطنكم، فانّ طاعة الله حرز من متالف مكتنفة، ومخاوف متوقعة، وأوار نيران موقدة... فاتقوا الله الذي نفعكم بموعظته، ووعظكم برسالته، وامتنّ عليكم بنعمته، فعبّدوا أنفسكم لعبادته، واخرجوا إليه من حق طاعته».
وأخيراً يجمع هذا كله قولهعليه السلام: «اتق الله بطاعته، وأطع الله بتقواه».
ح ـ التقوى :
قال الله تعالى في محكم كتابه: "يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون".
تبيّن لنا هذه الآية الكريمة انّ الإنسان في علاقته مع خالقه لابدّ وأن يتقيه حق التقى، إذ أنّها «لم تزل عارضة نفسها على الأمم الماضين والغابرين لحاجتهم إليها غداً، إذا أعاد الله ما أبدأ وأخذ ما أعطى، فما أقلّ من حملها حق حملها».
وقال عليه السلام أيضاً: «وأوصاكم بالتّقوى، وجعلها منتهى رضاه وحاجته من خلقه».
وقال عليه السلام أيضاً: «لا تقدم ولا تحجم إلّا على تقوى الله وطاعته تظفر بالنجح والنهج القويم».
وقال عليه السلام: «إنّ تقوى الله مفتاح سدادٍ، وذخيرة معادٍ، وعتقٌ من كلّ ملكةٍ، ونجاةٌ من كلّ هلكةٍ، بها ينجح الطّالب، وينجو الهارب، وتنال الرّغائب».
وقال عليه السلام: «إنّ تقوى الله دواء داء قلوبكم، وبصر عمى أفئدتكم، وشفاء مرض أجسادكم، وصلاح فساد صدوركم، وطهور دنس أنفسكم، وجلاء عشا أبصاركم، و أمن فزع جأشكم، وضياء سواد ظلمتكم».
وأخيراً قال عليه السلام: «اتّق الله الّذي لابدّ لك من لقائه، ولا منتهى لك دونه»، ومن أراد المزيد عن التقوى فليرجع إلى كتاب «التقوى في نهج البلاغة» من هذه السلسلة.
ط ـ الدعاء :
انّ الإنسان في علاقته مع خالقه لا يستغني عن دعائه، وعرض حوائجه عليه، وفي ذلك يقول عليه السلام في وصيته للإمام الحسن عليه السلام: «واعلم أنّ الّذي بيده خزائن السّماوات والأرض قد أذن لك في الدّعاء، وتكفّل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التّوبة، ولم يعاجلك بالنّقمة، ولم يعيّرك بالإنابة، ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى، ولم يشدّد عليك في قبول الإنابة، ولم يناقشك بالجريمة، ولم يؤيسك من الرّحمة بل جعل نزوعك عن الذّنب حسنةً، وحسب سيّئتك واحدةً وحسب حسنتك عشراً، وفتح لك باب المتاب، وباب الاستعتاب فإذا ناديته سمع نداك، وإذا ناجيته علم نجواك فأفضيت إليه بحاجتك، وأبثثته ذات نفسك، وشكوت إليه همومك، واستكشفته كروبك، واستعنته على أمورك، وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره من زيادة الأعمار، وصحّة الأبدان وسعة الأرزاق، ثمّ جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته فمتى شئت استفتحت بالدّعاء أبواب نعمته، واستمطرت شآبيب رحمته فلا يقنّطنّك إبطاء إجابته فإنّ العطيّة على قدر النّيّة، وربّما أخّرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السّائل، وأجزل لعطاء الآمل وربّما سألت الشّي‏ء فلا تؤتاه، وأوتيت خيراً منه عاجلاً أو آجلاً أو صرف عنك لما هو خيرٌ لك فلربّ أمرٍ قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله فالمال لا يبقى لك، ولا تبقى له».
ي ـ الإيمان والإسلام :
لابدّ للإنسان الذي يريد النجاة، أن يؤمن بخالقه ويتخذ الدين الذي ارتضاه له، وذلك لأنّ “من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين".
وبهذا الصدد يقول أميرالؤمنين عليه السلام: «إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى الله سبحانه وتعالى الإيمان به وبرسوله» ، وقال عليه السلام: «لا شرف أعلى من الإسلام».
وقال عليه السلام: «الحمد لله الذي شرع الإسلام فسهّل شرائعه لمن ورده، وأعزّ أركانه على من غالبه، فجعله أمناً لمن عقله، وسلماً لمن دخله، وبرهاناً لمن تكلّم به، وشاهداً لمن خاصم به، ونوراً لمن استضاء به، وفهماً لمن عقل، ولبّاً لمن تدبّر، وآية لمن توسّم، وتبصرة لمن عزم، وعبرة لمن اتّعظ، ونجاة لمن صدّق، وثقة لمن توكّل، وراحة لمن فوّض، وجنّةً لمن صبر.
فهو أبلج المناهج، واضح الولائج، مشرف المنار، مشرق الجوادّ، مضيء المصابيح، كريم المضمار، رفيع الغاية، جامع الحلبة، متنافس السّبقة، شريف الفرسان. التّصديق منهاجه، والصّالحات مناره، والموت غايته، والدّنيا مضماره، والقيامة حلبته، والجنّة سبقته».
وقال عليه السلام: «انّ الله خصّكم بالإسلام واستخلصكم له، وذلك لانّه اسم سلامة، وجماع كرامة، اصطفى الله تعالى منهجه، وبيّن حججه، من ظاهر علم، وباطن حكم، لا تفنى غرائبه، ولا تنقضي عجائبه، فيه مرابيع النعم، ومصابيح الظلم، لا تفتح الخيرات إلّا بمفاتيحه، ولا تكشف الظلمات إلّا بمصابيحه، قد أحمى حماه، وأرعى مرعاه، وفيه شفاء المشتفي، وكفاية المكتفي».
وقال عليه السلام: «فمن يبتغ غير الإسلام ديناً تتحقق شقوته، وتنفصم عروته، وتعظم كبوته، ويكن مآبه إلى الحزن الطويل، والعذاب الوبيل».
وقال عليه السلام: «ثم انّ هذا الإسلام دين الله الذي اصطفاه لنفسه، واصطنعه على عينه، وأصفاه خيرة خلقه، وأقام دعائمه على محبّته، وأذلّ الأديان بعزّه، ووضع الملل برفعه، وأهان أعداءه بكرامته، وخذل محادّيه بنصره، وهدم أركان الضّلالة بركنه، وسقى من عطش من حياضه، وأتاق الحياض بمواتحه.
ثمّ جعله لا انفصام لعروته، ولا فكّ لحلقته، ولا انهدام لأساسه، ولا زوال لدعائمه، ولا انقلاع لشجرته، ولا انقطاع لمدّته، ولا عفاء لشرائعه، ولا جذّ لفروعه، ولا ضنك لطرقه، و لا وعوثة لسهولته، و لا سواد لوضحه، ولا عوج لانتصابه، ولا عصل في عوده، ولا وعث لفجّه ، ولا انطفاء لمصابيحه، ولا مرارة لحلاوته».
ثم بيّن عليه السلام انّ النطق بالشهادتين بداية التمسك بهذا الدين، حيث قال عليه السلام: «وأشهد أن لا إله إلّا الله، شهادة ممتحناً إخلاصها، ومعتقداً مصاصها، نتمسّك بها أبداً ما أبقانا، وندّخرها لأهاويل ما يلقانا، فانّها عزيمة الإيمان، وفاتحة الإحسان، ومرضاة الرحمن، ومدحرة الشيطان، وأشهد انّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالدين المشهور...».
وقال عليه السلام: «ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وانّ محمداً عبده ورسوله، شهادتين تصعدان القول وترفعان العمل، لا يخف ميزان توضعان فيه، ولا يثقل ميزان ترفعان منه».
ويشرح عليه السلام كيفية الإيمان ويقول: «ونؤمن به إيمان من عاين الغيوب، ووقف على الموعود، إيماناً نفى اخلاصه الشرك، ويقينه الشك».
وقال عليه السلام: «نؤمن به إيمان من رجاه موقناً، وأناب إليه مؤمناً، وخنع له مذعناً، وأخلص له موحّداً، وعظّمه ممجداً، ولاذ به راغباً مجتهداً».
وبما «انّ الإيمان يبدو لمضة في القلب، كلّما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة».
بدأ عليه السلام بذكر حقيقة الإيمان والإسلام وما لابدّ أن يتصف المؤمن به، فقال: «فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلّا بالحق».
وقال عليه السلام: «الإيمان على أربع دعائم: على الصّبر، واليقين، والعدل، والجهاد:
فالصّبر منها على أربع شعب: على الشّوق، والشّفق، والزّهد، والتّرقّب: فمن اشتاق إلى الجنّة سلا عن الشّهوات، ومن أشفق من النّار اجتنب الـمحرّمات، ومن زهد في الدّنيا استهان بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات.
واليقين منها على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأوّل الحكمة، وموعظة العبرة، وسنّة الأوّلين: فمن تبصّر في الفطنة تبيّنت له الحكمة، ومن تبيّنت له الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنّما كان في الأوّلين.
والعدل منها على أربع شعب: على غائص الفهم، وغور العلم، وزهرة الحكم، ورساخة الحلم: فمن فهم علم غور العلم، ومن علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم، ومن حلم لم يفرّط في أمره وعاش في النّاس حميداً.
والجهاد منها على أربع شعب: على الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، والصّدق في المواطن، وشنآن الفاسقين: فمن أمر بالمعروف شدّ ظهور المؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم أنوف المنافقين، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شنئ الفاسقين وغضب لله غضب الله له وأرضاه يوم القيامة».
وقال عليه السلام: «الإسلام هو التسليم، والتسيلم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل».
وقال عليه السلام: «الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان».
وقال عليه السلام: «لا يصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد الله سبحانه أوثق منه بما في يده».
وقال عليه السلام: «علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك، وألّا يكون في حديثك فضل عن عملك، وأن تتقي الله في حديث غيرك».
وقال عليه السلام: «فبالإيمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يستدلّ على الإيمان، وبالإيمان يعمر العلم...».
وأخيراً بيّن عليه السلام انّ درجات الإيمان متفاوتة وقال: «فمن الإيمان ما يكون ثابتاً مستقراً في القلوب، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم، فإذا كانت لكم براءة من أحد فقفوه حتى يحضره الموت، فعند ذلك يقع حدّ البراءة».

الشيطان :
قال تعالى في محكم كتابه الكريم: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشّيطان إنّه لكم عدوٌّ مبينٌ} .
وقال تعالى: {ومن يتّخذ الشّيطان وليًّا من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً} .
بعد التدبر في هاتين الآيتين وغيرهما من الآيات التي تذكر الشيطان وعداوته للإنسان، كان لزاماً علينا الاهتمام بهذا الجانب ورسم خطة عمل في كيفية التعامل مع هذا العدوّ للتخلّص من وساوسه، إذ انّه حلف بعزة الله أن يغوينا باجمعنا: {قال فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين} .
وله طرق مختلفة في الإغواء قال عنها أميرالمؤمنين عليه السلام : «الشّيطان موكّلٌ به، يزيّن له المعصية ليركبها، ويمنّيه التّوبة ليسوّفها» .
وقال عليه السلام : «إنّ الشّيطان يسنّي لكم طرقه، ويريد أن يحلّ دينكم عقدةً عقدةً، ويعطيكم بالجماعة الفرقة، وبالفرقة الفتنة» .
وهكذا يستمر الشيطان مع الإنسان حتى يدخله في حزبه، ويكون كمن قال عنهم أميرالمؤمنين عليه السلام : «أطاعوا الشّيطان فسلكوا مسالكه، ووردوا مناهله، بهم سارت أعلامه، وقام لواؤه» .
وقال عليه السلام في وصف حزب الشيطان: «اتّخذوا الشّيطان لأمرهم ملاكاً، واتّخذهم له أشراكاً، فباض وفرّخ في صدورهم، ودبّ ودرج في حجورهم، فنظر بأعينهم، ونطق بألسنتهم، فركب بهم الزّلل، وزيّن لهم الخطل» .
وقال عليه السلام : «دعاهم ربّهم فنفروا وولّوا، ودعاهم الشّيطان فاستجابوا وأقبلوا» .
ثم انّ وظيفة الإنسان في تعامله مع هكذا عدو الحذر وعدم الاصغاء إليه، قال عليه السلام : «فاحذروا عباد الله عدوّ الله أن يعديكم بدائه، وأن يستفزّكم بندائه وأن يجلب عليكم بخيله ورجله، فلعمري لقد فوّق لكم سهم الوعيد، وأغرق إليكم بالنّزع الشّديد، ورماكم من مكانٍ قريبٍ، فقال ربّ بما أغويتني لأزيّننّ لهم في الأرض ولأغوينّهم أجمعين» .
وقال عليه السلام : «أوصيكم بتقوى الله الّذي أعذر بما أنذر، واحتجّ بما نهج، وحذّركم عدوّاً نفذ في الصّدور خفيّاً، ونفث في الآذان نجيّاً فأضلّ وأردى، ووعد فمنّى، وزيّن سيّئات الجرائم، وهوّن موبقات العظائم، حتّى إذا استدرج قرينته، واستغلق رهينته، أنكر ما زيّن، واستعظم ما هوّن، وحذّر ما أمّن» .
كما يأمرنا عليه السلام بالاعتبار من حال إبليس وعدم الاغترار والاعتداد بالنفس بسبب إتيان الصالحات والخيرات والمبرات، ويقول: «فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس، إذ أحبط عمله الطّويل، وجهده الجهيد، وكان قد عبد الله ستّة آلاف سنةٍ لا يدرى أمن سني الدّنيا أم من سني الآخرة، عن كبر ساعةٍ واحدةٍ، فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته، كلا ما كان الله سبحانه ليدخل الجنّة بشراً بأمرٍ أخرج به منها ملكاً، إنّ حكمه في أهل السّماء وأهل الأرض لواحدٌ، وما بين الله وبين أحدٍ من خلقه هوادةٌ في إباحة حمًى حرّمه على العالمين» .
البيئة :
هل الإنسان مسؤول أمام البيئة التي يعيش فيها، وهل سوف يسئل عن كيفية سلوكه وتعامله مع بيئته التي يسكن فيها؟!
لو نظرنا إلى الأمر من منظار الدين لقلنا نعم انّ الإنسان كما يلزم عليه رعاية ضوابط في سلوكه مع مجتمعه ومع الآخرين، كذلك يلزم عليه رعاية ضوابط في سلوكه وتعامله مع البيئة، وفي ذلك يقول أميرالمؤمنين عليه السلام : «اتّقوا الله في عباده، وبلاده فإنّكم مسئولون حتّى عن البقاع والبهائم» .
ولذا كتب عليه السلام في عهده للأشتر: «وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأنّ ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارةٍ أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً» .
وكان عليه السلام يكتب إلى من يستعمله على الصدقات بالنسبة إلى البهائم التي تؤخذ زكاة: «فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه ألا يحول بين ناقةٍ وبين فصيلها، ولا يمصر لبنها فيضرّ ذلك بولدها، ولا يجهدنّها ركوباً وليعدل بين صواحباتها في ذلك وبينها، وليرفّه على اللاغب وليستأن بالنّقب والظّالع ، وليوردها ما تمرّ به من الغدر، ولا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جوادّ الطّرق، وليروّحها في السّاعات، وليمهلها عند النّطاف والأعشاب» .
كما انّ البيئة آية من آيات الله تعالى تدلّ على وجوده وصفاته كما مضى ذلك.
إلى هنا ننهي الكلام عن العلاقة مع الآخر في ظلّ نهج البلاغة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

من سلسلة في رحاب نهج البلاغة - إعداد مكتبة الروضة الحيدرية

****************************