وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ .                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِب فِيكَ نُقْصَانُ حَظّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِد فِيكَ ذُلُّ نَفْس.                
وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                

Search form

إرسال الی صدیق
العلوم في نهج البلاغة (علم الإجتماع)

علم الإجتماع

الإمام علي عليه السلام ـ من خطبة له يصف فيها العرب قبل بعثة النبي ـ :

إنّ الله بعث محمّداً نذيراً للعالمين ، وأميناً على التنزيل . وأنتم معشر العرب على شرّ دين وفي شرّ دار . منيخون بين حجارة خُشن وحيّات صمّ ، تشربون الكَدِر وتأكلون الجشب [١] ، وتسفكون دماءكم وتقطعون أرحامكم . الأصنام فيكم منصوبة والآثام بكم معصوبة [٢]  .

عنه ـ من خطبة له يصف فيها الناس قبل بعثة النبي ـ :

وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، أرسله بالدين المشهور ، والعلم المأثور والكتاب المسطور ، والنور الساطع والضياء اللاّمع ، والأمر الصادع ، إزاحةً للشبهات ، واحتجاجاً بالبيّنات ، وتحذيراً بالآيات ، وتخويفاً بالمَثُلات ، والناس في فِتن انجذم [٣] فيها حبل الدِّين وتزعزعت سواري اليقين ، واختلف النجر وتشتّت الأمر ، وضاق المخرج ، وعَمِي المصدر ، فالهدى خامل والعمى شامل . عُصي الرحمن ، ونُصر الشيطان ، وخُذل الإيمان ، فانهارت دعائمه ، وتنكَّرت معالمه ، ودرست سبله ، وعفت شُركه .

أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه ، ووردوا مناهله . بهم سارت أعلامه ، وقام لواؤه في فِتن داستهم بأخفافها ، ووطئتهم بأظلافها وقامت على سنابكها . فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون في خير دار وشرّ جيران . نومهم سهود وكُحلهم دموع . بأرض عالِمها مُلجم وجاهلها مُكرم [٤] .

أصناف الناس

الإمام علي ـ من خطبة له يصف زمانه بالجور ، ويقسم الناس فيه خمسة أصناف ، ثمّ يزهّد في الدنيا ـ :

أيّها الناس ، إنّا قد أصبحنا في دهر عنود ، وزمن كنود ، يُعدّ فيه المحسن مسيئاً ، ويزداد الظالم فيه عُتوّاً ، لا ننتفع بما علمنا ، ولا نسأل عمّا جهلنا ، ولا نتخوّف قارعة حتى تحلّ بنا . والناس على أربعة أصناف :

منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلاّ مهانةُ نفسه وكلالة حدّه ونضيض وفره .

ومنهم المُصلت لسيفه ، والمعلن بشرّه ، والمجلب بخيله ورجله ، قد أشرط نفسه وأوبق دينه لحطام ينتهزه أو مِقنب [٥] يقوده أو منبر يَفرعه . ولبئس المَتجَر أن ترى الدنيا لنفسك ثمناً وممّا لك عند الله عوضاً !

ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا ، قد طامن من شخصه وقارب من خطوه وشمّر من ثوبه وزخرف من نفسه للأمانة ، واتّخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية .

ومنهم من أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه وانقطاع سببه ، فقَصرته الحال عن حاله فتحلّى بإسم القناعة وتزيّن بلباس أهل الزهادة ، وليس من ذلك في مَراح ولا مَغدًى .

وبقي رجال غضّ أبصارَهم ذكرُ المرجع ، وأراق دموعَهم خوفُ المحشر ، فهم بين شريد نادٍّ ، وخائف مقموع ، وساكت مكعوم ، وداع مخلص ، وثكلان موجع ، قد أخملتهم التقيّة وشملتهم الذلّة ، فهم في بحر اُجاج ، أفواههم ضامزة [٦] ، وقلوبهم قرحة ، قد وعَظوا حتى ملّوا وقُهِروا حتى ذلّوا ، وقُتِلوا حتى قلّوا .

فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حُثالة القَرظ [٧] ، وقُراضة الجَلم  [٨] ، واتّعظوا بمن كان قبلكم ، قبل أن يَتّعظ بكم مَن بعدكم ، وارفُضوها ذميمة ، فإنّها قد رفضت مَن كان أشغف بها منكم [٩] .

نهج البلاغة :

من كلام له لكميل بن زياد النخعي ، قال كميل بن زياد : أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فأخرجني إلى الجبّان [١٠] ، فلما أصحر تنفس الصعداء ثمّ قال :

يا كميل بن زياد ، إنّ هذه القلوب أوعية فخيرُها أوعاها ، فاحفظ عنّي ما أقول لك : الناس ثلاثة : فعالم ربّانيّ ، ومُتعلِّم على سبيل نجاة ، وهمج رَعاع أتباع كلّ ناعق ، يميلون مع كلّ ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجَؤوا إلى ركن وثيق .

يا كميلُ ، العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق ، وصنيع المال يزول بزواله .

يا كميل بن زياد ، معرفة العلم دِين يُدان به ، به يكسب الإنسان الطاعة في حياته ، وجميل الاُحدوثة بعد وفاته . والعلم حاكم والمال محكوم عليه .

يا كميل ، هلك خُزّان الأموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر : أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة . ها ، إنّ ههنا لعلماً جمّاً ـ وأشار بيده إلى صدره ـ لو أصبتُ له حملة ! بلي أصبتُ لَقِناً [١١]  غير مأمون عليه ، مستعملاً آلة الدِّين للدنيا ، ومستظهراً بنعم الله على عباده ، وبحُججه على أوليائه ، أو منقاداً لِحَملة الحقّ ، لا بصيرة له في أحنائه [١٢] ، ينقدح الشكّ في قلبه لأوّل عارض من شُبهة .

ألا لا ذا ولا ذاك ! أو منهوماً باللذّة ، سلس القياد للشهوة ، أو مُغرماً بالجمع والادِّخار ، ليسا من رُعاة الدين في شىء ، أقرب شىء شَبهاً بهما الأنعام السائمة ! كذلك يموت العلم بموت حامليه .

اللهمّ بلى ! لا تَخلُو الأرضُ من قائم لله بحُجّة ، إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً ; لئلاّ تبطل حُجج الله وبيّناته . وكم ذا ؟ وأين أولئك ؟ أولئك ـ والله ـ الأقلّون عدداً ، والأعظمون عند الله قدراً . يحفظ الله بهم حُججه وبيّناته حتى يُودعوها نُظراءَهم ، ويَزرعوها في قلوب أشباههم . هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة ، وباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استعوره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلِّ الأعلى . اُولئك خُلفاء الله في أرضه والدُّعاة إلى دينه . آهِ آهِ شوقاً إلى رؤيتهم ! انصرف يا كميل إذا شئت [١٣] .

أوصاف المنافقين

الإمام علي ـ من خطبة له يصف فيها المنافقين ـ :

اُحذّركم أهلَ النفاق فإنّهم الضالّون المضلّون ، والزالّون المزلّون ، يتلوَّنون ألواناً ، ويفتنّون افتناناً ، ويعمدونكم بكلّ عماد ، ويرصدونكم بكلّ مرصاد . قلوبهم دوّية ، وصِفاحهم نقيّة . يمشون الخفاء ، ويدبّون الضرّاء . وصفهم دواء ، وقولهم شفاء ، وفعلهم الداء العياء . حسدة الرخاء ، ومؤكّدو البلاء ، ومُقْنطو الرجاء . لهم بكلّ طريق صريع ، وإلى كلّ قلب شفيع ، ولكلّ شجو دموع . يتقارضون الثناء ، ويتراقبون الجزاء : إن سألوا ألحفوا ، وإن عَذلوا كشفوا ، وإن حكموا أسرفوا . قد أعدّوا لكلّ حقّ باطلاً ، ولكلّ قائم مائلاً ، ولكلّ حىٍّ قاتلاً ، ولكلّ باب مفتاحاً ، ولكلّ ليل مصباحاً . يتوصّلون إلى الطمع باليأس ليُقيموا به أسواقهم ، ويُنفقوا به أعلاقهم [١٤] , يقولون فيُشبّهون ، ويصفون فيُموّهون . قد هوّنوا الطريق ، وأضلعوا المضيق [١٥]  فهم لُمَةُ الشيطان ، وحُمَة [١٦] النيران : أُولَـٰئـِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [١٧] , [١٨] .

مبادئ اختلاف الناس

الإمام علي ـ وقد ذكر عنده اختلاف الناس ـ :

إنّما فرّق بينهم مبادئ طينهم ، وذلك أنّهم كانوا فلقةً من سَبخ أرض وعذبها ، وحَزن تربة وسهلها ، فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون ، وعلى قدر اختلافها يتفاوتون .

فتامّ الرواء  [١٩]  ناقص العقل ، ومادّ القامة قصير الهمّة ، وزاكي العمل قبيح المنظر ، وقريب القَعر بعيد السبر [٢٠] ، ومعروف الضريبة [٢١] منكر الجَليبة [٢٢] ، وتائه القلب متفرّق اللبِّ ، وطليق اللسان حديد الجَنان [٢٣] .

عنه : إنّما أنتم إخوان على دين الله ، ما فرّق بينكم إلاّ خبث السرائر ، وسوء الضمائر . فلا تَوازرون ولا تَناصحون ، ولا تباذلون ولا توادّون [٢٤] .

عنه : لو سكت الجاهل ما اختلف الناس [٢٥] .

النوادر

الإمام علي : الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم [٢٦] .

عنه : خَوضُ الناس في الشَّىء مقدِّمة الكائن [٢٧] .

عنه : الناس كالشَّجر ; شرابه واحدٌ وثمرهُ مختلفٌ [٢٨] .

نهج البلاغة : قال في صفة الغوغاء : . . . هم الذين إذا اجتمعوا ضرّوا ، وإذا تفرّقوا نفعوا ، فقيل : قد عرفنا مضرّة اجتماعهم فما منفعة افتراقهم ؟ فقال : يرجع أصحاب المهن إلى مهنتهم ، فينتفع الناس بهم ; كرجوع البنّاء إلى بنائه ، والنسّاج إلى منسجه ، والخبّاز إلى مخبزه [٢٩] .

---------------------------------------------------------------
[١] . الجشب : الغليظ الخشِنُ من الطعام ، وقيل غير المأدوم ، وكلّ بشع الطَّعم جَشْبٌ (النهاية : ١ / ٢٧٢) .
[٢] . نهج البلاغة : الخطبة ٢٦ ، الغارات : ١ / ٣٠٣ عن جندب نحوه ، بحار الأنوار : ١٨ / ٢٢٦ / ٦٨ .
[٣] . الجَذْم : القَطع (النهاية : ١ / ٢٥١) .
[٤] . نهج البلاغة : الخطبة ٢ ، بحار الأنوار : ١٨ / ٢١٧ / ٤٩ .
[٥] . المِقنَب بالكسر : جَماعة الخيل والفُرسان (النهاية : ٤ / ١١١)  .
[٦] . الضامِز : المُمسك (النهاية : ٣ / ١٠٠).
[٧] . القَرَظ : وَرقَ السَّلَم (النهاية : ٤ / ٤٣) .
[٨] . الجَلَم : الذي يُجَزُّ به الشَّعَر والصُّوف (النهاية : ١ / ٢٩٠) .
[٩] . نهج البلاغة : الخطبة ٣٢ ، بحار الأنوار : ٧٨ / ٤ / ٥٤ ; مطالب السؤول : ٣٢ .
[١٠] . الجَبّان في الأصل : الصحراء ، وأهل الكوفة يسمّون المقابر جبّانة ، وبالكوفة محالّ تسمّى بهذا الاسم (معجم البلدان : ٢ / ٩٩) .
[١١] . أي فَهِمٌ حَسَنُ التَّلَقُّن لِمَا يَسْمَعُه (النهاية : ٤ / ٢٦٦) .
[١٢] . الحِنْوُ : واحد الأحناء ، وهي الجَوانِب (لسان العرب : ١٤ / ٢٠٦) .
[١٣] . نهج البلاغة : الحكمة ١٤٧ ، الإرشاد : ١ / ٢٢٧ ، الأمالي للمفيد : ٢٤٧ / ٣ ، كمال الدين : ٢٩٠ / ٢ ، الخصال : ١٨٦ / ٢٥٧ ، خصائص الأئمّة (ع) : ١٠٥ ، تحف العقول : ١٦٩ ، الأمالي للطوسي : ٢٠ / ٢٣ ، الغارات : ١ / ١٤٩ ; حلية الأولياء : ١ / ٧٩ ، تاريخ بغداد : ٦ / ٣٧٩ / ٣٤١٣و فيه إلى "آلة الدِّين للدنيا" ، المعيار والموازنة : ٧٩ ، كنز العمّال : ١٠ / ٢٦٢ / ٢٩٣٩١ .
[١٤] . الأعلاق : جمع العِلْق ; وهو النفِيس من كلّ شىء (تاج العروس : ١٣ / ٣٥٠) .
[١٥] . أي : يجعلونها معوجّة يصعب تجاوزها ، فيهلكون (صبحي الصالح) .
[١٦] . الحُمَةُ : السَّمُّ ، ويُطلق على إبرة العَقرب للمجاورة لأنّ السَّمّ منها يَخرج (النهاية : ١ / ٤٤٦) .
[١٧] . المجادلة : ١٩ .
[١٨] . نهج البلاغة : الخطبة ١٩٤ ، بحار الأنوار : ٧٢ / ١٧٧ / ٦ وراجع عيون الحكم والمواعظ : ١٠٥ / ٢٣٥٨ وص ٢٣٤ / ٤٤٩٢ وص ٥٥٤ / ١٠٢٠٩ .
[١٩] . الرُّواء : المنظَر الحسَن (النهاية : ٢ / ٢٨٠) .
[٢٠] . السَّبْر : التجرِبَة واستِخراج كُنْهِ الأمر ، وسَبَره : حَزَره وخَبَرَه (لسان العرب : ٤ / ٣٤٠) .
[٢١] . الضريبة : الطَبيعة والسَجيّة (النهاية : ٣ / ٨٠) .
[٢٢] . قال المجلسي : الجليبة ما يجلبه الإنسان ويتكلّفه ; أي خلقه حسن يتكلّف فعل القبيح (بحار الأنوار : ٥ / ٢٥٤) .
[٢٣] . نهج البلاغة : الخطبة ٢٣٤ عن مالك بن دحية ، بحار الأنوار : ٥ / ٢٥٤ / ٥٠ .
[٢٤] . نهج البلاغة : الخطبة ١١٣ .
[٢٥] . كشف الغمّة : ٣ / ١٣٩ ، بحار الأنوار : ٧٨ / ٨١ / ٧٥ ; الفصول المهمّة : ٢٧١ .
[٢٦] . المائة كلمة : ١٩ / ٣ ، المناقب للخوارزمي : ٣٧٥ / ٣٩٥ ، شرح نهج البلاغة : ١٩ / ٢٠٩ ، ينابيع المودّة : ٢ / ٤١٢ / ٩٠ ; خصائص الأئمّة (ع) : ١١٥ ، عيون الحكم والمواعظ : ٦٦ / ١٦٧٤
[٢٧] . غرر الحكم : ٥٠٦٧ ، عيون الحكم والمواعظ : ٢٤٢ / ٤٦١٢ .
[٢٨] . غرر الحكم : ٢٠٩٧ ، عيون الحكم والمواعظ : ٦٤ / ١٦٤٩ ; جواهر المطالب : ٢ / ١٤٥ / ٤٠ .
[٢٩] . نهج البلاغة : الحكمة ١٩٩ ، خصائص الأئمّة (ع) : ١١٣ ، بحار الأنوار : ٧٠ / ١١ / ١٣ .
****************************