وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                
وقال (عليه السلام) : مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا .                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِب فِيكَ نُقْصَانُ حَظّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِد فِيكَ ذُلُّ نَفْس.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
المحظورات والمحسنات اللغوية التركيبية في نهج البلاغة

الأستاذ الدكتور : هادي نهر
جامعة جندارا - المملكة الاردنية الهاشمية

وجود هذا العالم قائم منذ أنّ وعى الإنسان إنسانيته في اللغة، بها تمكّن أنّ يحدّد علاقاته بسياقات الحياة كلّها، سياقه وخالق الحياة، وسياقه والأشياء، وسياقه والزمان والمكان والأحداث، وسياق الإنسان والإنسان، فكلّ شيء صار ماهية قائمة في اللغة، ماهية الكون، والحياة، والناس، والعلاقات، والخير والشرّ، والحبّ والبغضاء، فلم يكن الواقع الإنساني ليحضر بكلّ خصائصه الفريدة: العليا والدُنيا إلاّ ((عبر شبكة لغوية)) ، صارت وعاءً لكلّ شيء، قادرة على أنّ يُسمّى بها الإنسان عالمه الزاخر بالمدلولات، والماهيات، والرؤى والأفكار، والمشاعر، وأنّ يتّصل بنفسه، وبغيره عبر الممارسة اللغوية، فكأنّ الإنسان لسان وكأنّ اللغة هي الإنسان فيها من فكره، ووعيه، وحسّه، وذوقه، وثقافته وغير ذلك من الصفات الإنسانية التي تشيء اللغة بها، وتتكفّل بالإفصاح عنها، والانفتاح عليها، وما المحظورات والمحسنات اللغوية إلاّ مظهر من مظاهر الالتقاء بين الإنسان وممارسته اللغة ممارسة أمينة تفصح عن دواخل الإنسان مستقصياً إياها بتعمّق في استطالاتها المتنوعة، وتجاربها لمعيشة، ودلالاتها الكامنة.
فالمحظورات مجموعات من الألفاظ الحقيقية، أو المجازية التي يحظر استعمالها في سياقات تواصلية معينة، لأسباب اجتماعية، أو أخلاقية، أو ثقافية، أو ذوقية، أو نفسية، أو لغير ذلك. ومعنى هذا أنّ هذه الألفاظ ممّا تنفر من سماعها الطباع السليمة، لكونها سوقية جارحة للذوق، تنبئ عن دلالات مكشوفة، مستهجنة ممّا يدعو إلى إيجاد معادل لفظي محسّن ومقبول بديل عما يُحظر استعماله يُسمّى (المحسن اللفظي).
((فالمحظورات هي الممنوعات،والمحسّنات،هي المقبولات من الكلام))،وقد تعدّدت المسميات والمصطلحات التي أطلقت على هذه المحظورات فقيل إنّها: الكلام الحرام، واللفظ الخسيس، والكلمات المفضوحة، أو المستهجنة، وما يُستقبح ذكره، والكناية، والتعريض، والتورية، والرمز، والإشارة، والمحسن اللفظي، والإشارة، والتلطف، والتنزه، واللائق وغير اللائق من الألفاظ، وغيرها من لمسميات التي عُرفت عند العلماء والباحثين العرب قدماء ومحدثين.
وهي (taboo) التابوهات بمعنى المحظور اللغوي أو اللامساس ومقابله: (euphemism) بمعنى: حسن التعبير، أو تعبير رقيق، أو تورية عند غير العرب.
ولابد من النظر في هذه المحظورات اللغوية من خلال زاويتين:
الأولى: جمعية، إذ يحاكي الفرد مجتمعه في شروط التواصل المعهودة وأدبياتها.
والثانية: فردية، تصدر عن المتكلّم، وتعود إليه ممثلةً ثقافته، ووعيه، وذوقه، ومكانته، وهذه السمات الفردية لا تتأتى لكلّ إنسان، وإنّما هي وقف على ذوي الفطنة، والذكاء، وأصحاب البيان، والبدهية ممّن يصحّ فيهم قوله تعالى: [ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا] [من سورة الفرقان: ٧٢]، [ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ] [من سورة المؤمنون: ٣].
لقد أولى علماؤنا القدامى هذه الظاهرة عنايتهم فقد لفت إليها (المبرد) (ت٢٨٥هـ) النظر في كتابه (الكامل) في معرض حديثه عن الكناية، إذ أرى أنّ من أحسن الكنايات ((الرغبة عن اللفظ الخسيس المفحش إلى ما يدلّ على معناه من غيره))
وأقام (ابن دريد) (ت ٣٢١هـ) كتابه (الملاحن) على هذه المحظورات.
وقد تطرّق الجاحظ (ت ٢٥٥هـ) إلى أسباب الحظر: كالفأل، والطيرة، والتأدّب، والتلطف، واستقباح اللفظ، وسلوك العرب في ألفاظ الوحش، ووضّح أثر الإسلام في بضبط الألفاظ العقدية.
والكناية عند ابن فارس (ت ٣٩٢هـ) لها بابان: احدهما: أنّ يكنى عن الشيء فيذكر بغير اسمه تحسيناً للفظ، أو إكراماً للمذكور.
ووضح الثعالبي (ت ٤٣٠هـ) كتاباً مستقلاً في المحظورات التي يُستهجن ذكرها، ويستقبح نشرها، فتحسّن بألفاظ ((مقبولة تؤدّي المعنى وتفصح عن المغزى، وتحسّن القبيح، وتلطّف الكثيف)).
وقد وسّع الجرجاني، أبو العباس أحمد (ت ٤٨٢هـ) في كتابه (المنتخب من كنايات الأدباء وإشارات البلغاء) أبواب الكنايات والتعريضات، وادخل فيها كلّ ما تكني عنه العرب محظوراً لفظه أو غير محظور، فالغرض من الكناية كما هو معروف ليس تحسين القبيح من الألفاظ بل تهذيب المعنى باللفظ الرشيق واللطيف .
وإذا كانت المجتمعات البدائية قد غلب عليها فكرة المقدّس والخوف من الأرواح الشريرة، والقوى الطبيعية، وعبادة الطواطم، وأحاطت لذلك الألفاظ الدالة على هذه الأشياء بشيء من التقديس والاحترام، فلم تنطقها بأسمائها وإنّما بالكناية عنها، فإنّ المجمعات المتحضّرة جعلت من المحظورات اللغوية سلوكاً أخلاقياً ينبع من العادات الاجتماعية النبيلة التي زادها الدين الإسلامي في لغتنا لعربية رقيّاً وصيانة عن كلّ لفظ خسيس أو قبيح، وكانت المحسنات اللفظية قيمة تواصلية فاعلة في إخراج الناطقين بالعربية من حرج القول والتعبير عمّا يستقذر أو يستحيا من ذكره صريحاً، إلى اللفظ الرشيق، والكناية النبيلة التي كان فشوها يصيّرها إلى حدّ الحقيقة، أو الدال الأول ((فينقلبون إلى كناية أخرى فإذا اتسعت أيضاً رأوا فيها من القبح مثل ما كنّوا عنه من أجله، وعلى هذا كثرت الكنايات، وليس غرضهم تكثيرها)).
وهذا تجوّز عن المجاز بالمجاز، بمعنى ((أنّ تجعل المجاز المأخوذ عن الحقيقة بمثابة الحقيقة بالنسبة إلى مجاز آخر، فتتجوّز بالمجاز الأول عن الثاني لعلاقة بينهما)).
وفي القرآن الكريم كثير من أساليب التلطف، وكريم العبارات، ونبيل الألفاظ وحسن التعبير من نحو: الرفث، والملامسة، والتماس، والإفضاء، والحرث، كنايات عن العملية الجنسية.
والإعراض عن المحظور اللغوي ليس وقاراً متصنّعاً، وإنما هو حاجة لربط المقام بالسياق في أحوال تواصلية معلومة، ولذلك نجد أنّ بعض الألفاظ المحظورة لا يقبح ذكرها في كلّ سياق، فعلى الرغم من أنّ القرآن الكريم يلزمنا بأدب القول، والابتعاد عن سوء الكلمة، إذ يقول تعالى: [ وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ] [من سورة الإسراء: ٥٣] وأنّه تعالى [ لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ] [من سورة النساء: ١٤٨]، [ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ] [من سورة ق: ١٨] وأنّه تعالى ينهى عن التنابز بالألقاب [ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ] [من سورة الحجرات: ١١].
لأنّه الأعلم بأنّ هذا التنابز محظور على الصعيدين الديني والاجتماعي، أقول: فعلى الرغم من هذا وردت في القرآن ألفاظ تُعدّ من المحظورات صريحة بلفظها كما هو في ألفاظ من نحو: النكاح، والحيض، والجنون، والعمى، والعرج، وذلك وفقاً للسياق الذي تجري فيه اللغة، أو بياناً لحكم شرعي، أو جرياً على عادة العرب في التصريح ببعض الكلمات المحظورة في سياق لا يستدعي تلطفاً، بل يستدعي مباشرة الدال كما هو بلفظه ((وهذا يعني أنّ الابتذال في الألفاظ، وما تدلّ عليه ليس وصفاً ذاتياً، ولا عرضاً لازماً، بل هو لاحق من اللواحق المتعلقة بالاستعمال في زمان دون زمان، وصقع دون صقع)).
ومعنى هذا أيضاً أنّ الحظر يخضع لاعتبارات أخلاقية ذوقية نفسية ((فلأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه، وأهل الصلاح يتحاشون عنها بل يكنون عنها، ويدلّون عليها بالرموز، فيذكرون ما يقاربها وينطق بها)).
((فالألفاظ لا تقبح لذاتها، بل اتفاق الجماعة اللغوية على عدّها قبيحة، أو حسنة هو ما يكسبها هذا الوصف فمدار الأمر على العرف)).
فالعوامل الاجتماعية والبيئية والتربوية والأعراف والتقاليد هي التي تلزم مستخدمي اللغة بستر الألفاظ الفاحشة وإخفائها ((وكلّ ما يخفى يستحيا منه فلا ينبغي أنّ تذكر ألفاظه الصريحة فإنّه فحش)) ، ولذلك سعى المجتمع العربي دائماً إلى تكنية الزوجة والأخت والبنت، وهي أمور ليست قبيحة في ذاتها، بيد أنّ العرف العام ولأسباب معينة دأبوا على تكنية أسمائهنّ، ((يقول أبو عبيدة: يقال لامرأة الرجل: فراشه وإزاره، ومحلّ إزاره ... ويقال: هي أم الحيّ، وأم العيال، وهي جنة فلان، وطلته، وربضه، وعرسه، وبيته)).
وإذا كانت اللغة اللاتينية – مثلاً – لا تستحي من التعبير عن العورات والأمور المستهجنة والأعمال الواجب سترها بعبارات مكشوفة لا أنّ تسميها بأسمائها الصريحة()، نجد اليوم كثيراً من اللغات التي أخذت عن هذه اللاتينية القديمة يميل أصحابها إلى حظر ذكر بعض الألفاظ واستبدالها بما هو محسّن ومقبول ولطيف، فيعدل عن ذكر لفظة (الموت) (death)، والفعل يموت (todie) إلى عبارات من نحو:
Being taken away, to pass away, to go west depart this life
أمّا الفرنسية فتستعمل بدلاً من لفظة (الموت) (le dispatu) بمعنى الفقيد أو الراحل، وتتجنب ذكر الفعل (baiser) بمعنى: يقبّل، وتستعمل الفعل المحسّن (embrasse) بمعنى: يحتضن، وغير ذلك كثير()، وهو أكثر ما يكون في اللغة العربية، إذ أننا حين ننظر هذه الظاهرة في سياق الثقافة العربية نجد حرصاً شديداً من المجتمع العربي منذ القديم على ضبط ألفاظه، وصيانتها من كلّ لفظ خسيس، وقد خصّ الله تبارك وتعالى العرب بلغة راقية في بيانها، وبحسّ مرهف وبذوق سليم، وخُلق حميد دعا إليه الدين الحنيف وحاول تكريسه في حيوات العرب أفعالهم وأقوالهم، ولذلك انطوت اللغة العربية على مئات بل آلاف الألفاظ المحسّنة التي تخرج بالناطقين بالعربية عن حرج التعبير، أو الاستحياء في القول، وتنزيه ألسنتهم من أنّ تجري بها ألفاظ لها دلالات صريحة ومكشوفة تثير حياءً، وتحرج قائلاً ومستمعاً.
والإمام علي بن أبي طالب  إمام البيان، وله صدر المقام، وهو القدوة في مقام الفصاحة والبلاغة ((وعليه يعوّل تنزيه اللفظ، وتشريف المعنى)) ، فهو النموذج والمثل الأعلى بعد رسوله الله  في التأدب وصفاء العقيدة، وأعلم الناس بآداب اللسان، وحسن التعبير، وطيب الكلام، فقد تربّى في بيت النبوة، ونهل من أخلاق الرسول الكريم  ومن بيانه وعلمه وأفعاله، فكان كبيراً وعظيماً عند أعدائه قبل أصحابه ((كان أديباً بليغاً له نهج من الأدب والبلاغة يقتدي به المقتدون، وقسط من الذوق مطبوع يحمده المتذوقون، وأن تطاولت بينه وبينهم السنون، فهو الحكيم الأديب، والخطيب المبين، والمنشئ الذي يتّصل إنشاؤه بالعربية ما اتصلت آيات الناثرين والناظمين)).
ولم يكن الإمام  في بيانه ولغته متكلّفاً، أو متصنعاً بل كان يصدر عن فكر عميق، وأدب جمّ، وتذوق حسن، وتعبير أصيل بليغ، وهو حتّى مع الذين عادوه وحاربوه وأشهروا سيوفهم بوجهه الكريم، واعتدوا على محارم الإسلام، وضوابطه، وقيمه كان يصدر عن مكارم الأخلاق، وعن سلوك قويم ونفس أبيّة، ولسان لا يجهر بالسوء، ولا ينطق عن الهوى، التمس  دائماً العقل في القول والعمل، وكان في جداله مع الخصوم صيحة عقل ورجاحة رأي، وبيان لسان متنزّه عن كلّ ما يخدش الحياء، ويهتك الأعراض والحرمات كما كان الأمر عند من عادوه في أفعالهم الرديئة، وأقوالهم المتهتكة، ومجالسهم الخليعة، وبين كبرائهم، وأهل محارمهم، إذ كان لا يصدهم عن أنّ تتلوث نفوسهم وأفعالهم وأقوالهم بكل شيء قبيح وردئ وازع من إيمان أو أخلاق أو أدب أو أعراف، فتلوثت نفوسهم مثلما تلوّثت أفعالهم وألفاظهم بكل مذموم ومكروه ومستقبح من غير أنّ يصدهم عن ذلك ((وازع الحشمة لما أخذتهم به عوائد السوء في التظاهر بالفواحش قولاً وفعلاً)) ، ولذلك روي عن هؤلاء الأعداء من الأقوال ما يجلّ اللسان عن ذكرها.
لقد كان الإمام علي  كأخيه وصاحبه وحبيبه رسول الله  الذي عرف عنه أنّه كان  ((يتخير في خطابه، ويختار لأمته أحسن الألفاظ، وأجملها وألطفها، وأبعدها من ألفاظ الجفاء والغلظة والفحش، فلم يكن فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا فظاً)) ، ((وكان يكره أنّ يستعمل اللفظ الشريف المصون في حقِّ من ليس كذلك، وأنّ يستعمل اللفظ المهين المكروه في حقِّ من ليس من أهله)).
وكان في الإمام  هذا الوصف الشمولي الذي عليه رسول الله  فلا انفصال بين عظمة الفعل وجلال العقل، ونقاء الضمير، وشرف الكلمة المصونة، واللسان المبين.
والمحظور اللغوي في كلام الإمام  ليس مجرد ألفاظ أسماء، أو كنى، أو ألقاب يحظر استعمالها، ويكره جريانها على اللسان لما يثيره هذا الاستعمال من الحرج، أو التطير، أو الفأل، ممّا يمكن توزيعه على حقول فهرسية مفرداتية دلالية كما يفعل أكثر الباحثين في ميدان المحظورات اللغوية والمحسنات اللفظية ممن لا يتعدى أعمالهم حدود صنع الفهارس المعجمية القائمة على ترادف الألفاظ المحظورة، أو القائمة على تقابلات لفظية بين الكلمة المحظورة ومحسّنها، فهناك – عندهم – حقل للألفاظ الاجتماعية المحظورة، وحقل للألفاظ الجنسية، وآخر لألفاظ المصائب والشدائد والأوصاف وألفاظ الحاجات الضرورية الحيوية للأسنان كالغائط والبراز، والخلاء، والريح، والطهارة، والأذى، والخبث، والجماع، وغيرها كثير ممّا تكفّل بإيراده وبيانه بعض الفضلاء من القدماء والمحدثين.
أقول إن المحظور اللغوي والمحسن اللفظي الذي أولاه البحث اهتمامه لا يقف عند حدود الألفاظ مفردات، أو عبارات بل تعداه إلى النظر في طبية الجمل والتراكيب وكيفية جريانها على انساق تركيبية معينة تحدّد دلالاتها ومعانيها الدقيقة، وما ينطوي خلف نظمها، وحركة عناصرها المكونة لها من مقاصد تواصلية، تأثيرية، وأسلوبية، ودلالية فالعملية التواصلية بين الباث والمتلقي لا تقف عند حدود الكلمات المفردة، إذ لم يعد للكلمة المعينة معنى قارّاً خارج حدود التركيب، وخارج حدود السياق الذي ترد فيه تلك الكلمة، لأنّ هذا التركيب الذي يجري وفقاً لسياق معين هو الذي يفجرّ إمكانات اللغة، ويحكم اتصالها بحقل دلالي معين دون غيره، وهذا الحقل الدلالي هو الوجود الحقيقي للكلمة – أية كلمة – فالقضية عند المبدعين وعظماء البيان اللغوي قضية لغة وعي، وليس وعي لغة، وبلغة الوعي هذه تصبح آفاق الدلالة أكثر رحابة، وتأثيراً، وفعلاً في أسماع المتلقين وضمائرهم وعقولهم، وتتفجر الكلمة عن معنى ممتدٍ أجبرها على قوله – دون غيره – مبدع النص الذي تسلح بالفكر، والثقافة، وضروب البيان والفصاحة، وعرف أسرار اللغة التي يستعملها وسيلة للإبداع والتأثير في الآخرين، وإن كانت بعض مفرداتها جزلة فخمة في فصاحتها ممتدة في دلالاتها.
يقول الإمام  في خطبته المعروفة بالشقشقية : ((أمّا والله لقد تقمَّصها فلان، وإنه ليعلمُ أنّ محلّي منها محلَّ القُطب من الرّحى، ينحدر عنّي السّيل، ولا يرقى ليّ الطير، فسدلتُ دونها ثوباً، وطويتُ عنها كشحاً، وطفِقْتُ أرتاءي بين أنْ أصولَ بيدٍ جذّاءَ، أو اصبر على خطيةٍ عمياءَ، يهرمُ فيها الكبير، ويشيبُ فيها الصغير، ويكدحُ فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه، فرأيت أنّ الصبرَ على هاتا أحجىٍ، فصبرتُ وفي العين قذىً، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهباً حتّى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده، ثمّ (تمثّل بقول الأعشى):

شتانَ ما يومي على كُورها ***** ويومُ حيّانَ أخِي جابرِ

فيا عجباً بينا هو يستقبلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشدَّ ما تشطّرا ضرعيها.....)).
فإذا أنعمنا النظر في هذه الخطبة البليغة وقفنا على الآتي:
أولاً: أنّ هذه الخطبة تمثّل حديثاً في (الخلافة)، التي وعى الإمام  ماهيتها وأمورها، وألمّ إلماماً كافياً بالإشكاليات التي مرّت بها، وبالمنطق الذي هيمن على مسيرتها، والخلافة بعد هذا ليست قضية سياسية أو اجتماعية، أو عسكرية، أو اقتصادية فحسب، بل إنّها قضية الوجود الإسلامي كله، وعلى أيّ صعيد كان، ولخطورتها هذه كان حديث الإمام فيها أسرع، لأنّ ((الحاجة إلى القول والعمل أكثر من الحاجة إلى ترك العمل والسكوت عن جميع القول... بل قد علمنا أنّ عامة الكلام أفضل من عامة السكوت .... وكيف يكون الصمت انفع، والإيثار له فضل ونفعه لا يكاد يجاوز رأس صاحبه، ونفع الكلام يعمّ ويخصّ...)).
ولذا كان واجباً على الإمام  أنّ يتكلم، وأنّ يمارس على الناس سلطة القول، وهو الخطيب البارع، والبليغ المفلق والفارس الشجاع، والقائد الملهم الذي يمتلك زمام السيادة والرئاسة والشرف الرفيع وصاحب السجايا الحميدة، والأفعال الخالدة أنّ يسوق إليه القلوب، والأسماع، ليبصرها ويوجهها بأمر خطير من أمورها، ومعنى هذا أنّ كلام الإمام بوصفه نصاً لغوياً متّسقاً موضوعه مع سياقه كله: زمانه ومكانه، ومتلقيه قائماً على علاقات حميمة بين المرسل بوصفه نجماً ساطعاً من نجوم الإسلام، وبين المخاطبين بوصفهم أعرف الناس بهذا الإمام الذي يخاطبهم، ومن المعروف أنّ إحكام العلاقة بين المتكلم والمتلقي سيفرض بنية خاصة للخطاب لغةً وأسلوباً ودلالة ومضموناً، والمخاطبين – عادة – ((لا يعتمدون في فهم النص على مجرد ما يقدمه لهم من معرفة ومعلومات، بل يعتمدون – وربما بدرجة أكبر – على ما تختزنه ذاكرتهم من معلومات ومعارف وخبرات ... حيث تلتقي هذه المعرفة والمعرفة التي يقدمها النص، فيكون المحتوى المدرك ناتجاً عن هاتين المعرفتين، معرفة العالم ومعرفة النص)).
ثانياً: ولو أنعمنا النظر في النص بوصفه كتلة لغوية محكمة البناء والنسج لوقفنا على تفاعل الوحدات النصية فيه من حيث صدروها وكينونتها، بحيث يمكن لنا تحديد الجوانب المحورية التي تتفاعل في الوحدات النصية، وكيفية ترابط هذه الوحدات وتعالقها المنطقي لاسيما أنّ صاحب النص  يكون قد وضع في ذهنه إطاراً محدداً يدير كلامه فيه ((قبل أنّ يقوم بتعليق دلالات الألفاظ، وضمّ بعضها إلى بعض، وترتيبها بحسب معاني النحو)).
ونحن لا نريد في هذا البحث إلاّ الجري وراء استكشاف المحظور والمحسن من القول على مستوى التراكيب التي جاءت على لسان الإمام، وقد ألفينا في النص جملة من الظواهر التي تؤكد كيف أنّ الإمام  قادر على أنّ يقبض على أفكاره فيسوقها بلغة قادرة على تفريغ دلالاتها الممتدة بكل تلطف وأدب، وتبصر، وهي على ما فيها من التلطف وحسن التعبير فاعلة، ومؤثرة، وصالحة للكشف عن الحقائق، وإدانة الزيف والباطل، واختراقهما بكل حذق، ودراية، وتعقّل، ومن ذلك نألف الآتي:
    إنّ التراكيب اللغوية التي وردت في خطبة الإمام  كما هو شأنها دائماً تراكيب محكمة لا يشوبها لبس، ولا غموض، وإنْ بدتْ بعض مفرداتها لنا جزلة فخمة فصيحة ممتدة الدلالة.
إنّ كلمة (فُلان) مثلاً خارج إطار التركيب لا تعني سوى ((كناية عن العلم المذكر العاقل، مؤنثة: فلانه ممنوعاً من الصرف ... وقد تزاد (آل) في أوله، فيكنى بالفُلان والفلانة من غير الآدميين)) ، ولكنها إذا تعالقت مع غيرها في تركيب جارٍ في سياق معين، دلّت إمّا على صيانة الاسم المكنى عنه بها من الابتذال، وإمّا للإشارة إلى الإعراض عن ذكر اسم صاحبها صريحاً، تنزّها، أو صيانة له.
وفلان: كناية عن أبي بكر  والإمام  لم يذكر الاسم بلفظه، تنزّهاً عن أنّ يثير ذلك مشاعر السامعين، وأكثرهم أدرى بما آلت إليه أمور الخلافة، وقد يكون صيانة لاسم أبي بكر  من أنّ يجري على لسانه  وهو مكظوم النفس بسبب حق مغصوب يأبى الإمام التصريح به مروءة منه، ومودة، وسماحة، وطلباً لوحدة الصف، وإصلاح ذات البين في أمة بدأ الشرخ والتصدع بسري في بنيانها، ولما يمض على ذلك البنيان شوط طويل.
وقد كرّر الإمام ذكر كلمة فلان في سياق آخر من خطبته، تأدباً أيضاً، وإعراضاً عن مباشرة الآخرين بأسمائهم، إذ يقول: ((حتّى مضى الأول لسبيله فأولى بها إلى فلان بعده)) وفلان هنا هو (عمر بن الخطاب)  ثاني الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم.
    ثمّ لنتأمل كلمة (الأول) كم فيها من الأدب والاحترام لخطيب يفصح عن أشياء خطيرة وقد أبت سماحته إلاّ أنّ يتبسط بالقول، ويلتمس له ألفاظاً لا تثير حرجاً، ولا تباشر ولا تحفز أحداً إلى سخط أو نفور.
    ومن أبرز محاور هذه الخطبة تناولها قضية (الخلافة) التي لم يأت  على ذكرها بلفظها، إعراضاً عنها واحتقاراً لها، فكان أنّ استعمل الإحالة الضميرية عليها، وهذا الاستعمال أو الإحالة نوع من الخطر اللغوي، وذلك بعدم ذكر الشيء بلفظه، وإنما يذكر على هيئة ضمير بعائد أو غير عائد ((وربما كنى عن الشيء ولم يجرِ ذكره)).
إن الإحالة الضميرية في هذه الخطبة قد استحوذت على تراكيبها من أول جملة فيها، وتوزّعت على أنواع الضمائر المعهودة في العربية كلها تقريباً، إلاّ أنّ بعضها متكاثر في النص بصورة أكثر بروزاً وتكراراً من غيرها، ومنها: الضمير الوجودي، وأعني به ضمير المتكلّم العائد على الإمام ، وضمير المفردة الغائبة، وضمير المفرد الغائب وقد شكّل الضمير الوجودي المتحرّك داخل النص من أول سطر من سطوره بؤرة مركزية، وتتابع هذا الضمير بلفظه من غير تحوّل إلى صيغ أخرى تعود على مرجعيات أخرى إحالة واضحة ومباشرة تتنامى سمواً في التعبير عن شخصه .
 مضى لسبيله
 يستقبلها / عقدها
 بعد وفاته
في حياته
محلّي
ينحدر (عنّي) السيل
لا يرقى (إليَّ) الطير
طويتُ عنه كشحاً
سدلتُ / طفقتُ / فرأيتُ/ وصبرتُ
تُراثي
إن هذا الضمير الإحالي الذي ينتظم ويبرز بصورة متعددة يظل في المعنى مسنداً إليه قادراً على تنظيم المعطى الدلالي المراد في كلّ مرة على وفق وجهة نظره الخاصة  التي هي المعلم الأول والأخير في سرد الموضوع الذي يتحدث فيه كله، ويعمل هذا الضمير الوجودي بطريقة حوارية يؤدي فيها الوعي فعله تنويعاً وتقليباً عبر المشاهد، والأحداث، والشخصيات المقابلة.
أقول: إذا كانت هذه الضمائر تتنامى وتتماهى معبرة عنه  فأنها في المقابل قد أحالت على مخاطب غائب تنزّهاً من ذكر الأسماء والأشياء بألفاظها مظهرة، فكنى عنها إعراضاً وتحرّجاً من أنّ تجري على لسانه ، في سياق حديثه منقطع عن أيّ اسم ظاهر، على الرغم من أنّ السياق غلظة وغضب أفرزته في نفس الإمام حقوق مهضومة، وأفعال انتهازية ظالمة، أفصح عنها بإحالات ضميرية عملت على تماسك النص وتحكّم الروابط بين شخوصه وأحداثه وإن كانت متضادة ومتناقضة، وأنّ تضفي على النص سمة الإيجاز الذي امتدت دلالاته واتسعت، وعدم ذكر الأشياء والأسماء بألفاظها الصريحة إمّا تعظيماً لشأنها، أو تحقيراً لها لكونها لا تستحق أنّ تذكر أو تفسّر:
تقمّصها
الخلافة
سدلتُ عنها، طويتُ عنها
أدلى بها
يستقبلها
عقدها، صيّرها، جعلها
ضرعيها
وهذه الإحالات الضميرية التي تلمح إلى غائب قريب، أو بعيد – لا فرق -= لاسيما أنّه لا يستحق الذكر بلفظه، أو الإحالة إليه، لكونه مشهوداً معهوداً في الأذهان، مكتسباً وجوده عند المتلقين، وقد عملت هذه الضمائر على تنوّع الحوار الداخلي للنّص، وإبراز أبعاد المونولوج، وتحديد أوجه الصراع، وتضارب القوى، وتباين الرؤى والمفاهيم، وأشياء الحال، وشخوصه، وشخصياته، وامتداد انساق النص وتسلسله.
إن الخلافة وقد أعرض الإمام  عن ذكرها بلفظها، بل كنى عنها بضمير غائب تقليلاً من شأنها عنده، فهو صاحب آخرة لا دنيا قد صارت مستدخلة في أذهان المتلقين، فاستعمل  إحالة قبلية أخرى مستبدلاً الضمير باسم الإشارة، والإشارة أبعد في الدلالة من الضمير، ولكي يحكم  القول في أذهان المخاطبين جاء باسم الإشارة مسبوقاً بهاء التنبيه للدلالة على القريب، ولم يلحقها بحرف الخطاب (الكاف) إمعاناً في استقباح أمرها، يقول : ((فرأيتُ أنّ الصبر على (هاتا) احجى فصيرتُ)).
ولكي يكشف الإمام  عن مكمن الأسى، وتغلغله في نفسه الشريفة، وعن الأماكن الدقيقة التي توطّن فيها عبر صنفين من الناس، الأول: يمثله ، وقد سمت فيه روح المجد، والعمل، والبذل، والإيثار، واستبطنت في دواخله عوامل الرفض الواعي.
والثاني: يمثل النماذج الخائرة التي لم تتعود الفعل الكبير، فعاشت على الدعة واللذائذ، والخلود إلى كلّ دنيوي هشّ وسهل، أقول: لكي يكشف الإمام  هذه المفارقة المتقابلة تقابلاً حاداً، ولكي يؤكد أنّ الصبر لا يحتاج إلى ثرثرة، اختصر المحنة بدلالتها السياسية والشرعية بوصفها باتت معضلة وجودية تمسُّ مصير الأمة كلها، تجعله حزيناً، دائم الحزن، وثائراً لا يرفع رايات الحداد، بل رايات الفعل المتسامي، أقول اختصر الإمام  المحنة بأسهل تعبير يفهمه الناس، فكان أنّ تمثل بقول الأعشى:

شتانَ ما يومي على كُورها ***** ويومُ حيّانَ أخِي جابرِ                

وحين تكون المفارقة بين الأحوال على هذا النحو من التناقض والتقابل يصبح حزن الإنسان حزناً كونياً، حزن معرفة، وتبصّر محكوم بأدب جمّ لا يلامس النازفين بما لا يُحمد.
ولكي يؤكد الإمام  علو قدره، وسمو مكانته، فهو القريب من مهبط الوحي، وما يصل إلى الآخرين غيض من فيض النبوة، ومع هذا المقام العالي، والمكانة الشريفة السامية لم يقل ما يخدش أحداً بل اكتفى بتمثيل سموه  بقوله:

ينحدر عنّي السيل ***** والسيل لا ينحدر إلاّ من علوّ
لا يرقى إليّ الطير***** ومكان الطير الفضاء العالي

فكل تمثيل يخلق دلالاته، وكأنّ المعاني يتوالد بعضها من بعض بأبهى قول وأزكى لفظ. وبعد أنّ يفصح الإمام عن نفسه بلغة مترفعة، يوازن في تماهيات خفية مستورة لكنها في دلالاتها ومضامينها قد بدت أكثر انكشافاً من الكلام الصريح والمباشر في تحديدها لماهية المعركة الأزلية بين الإنسان الإنسان، والإنسان الوحش، بين الإنسان المتسامي والآخر الطافي على سطح الحياة، بين الإنسان الحق والرضا، والفعل الكريم، وبين الإنسان الباطل والمتخرص، والمتشكك، بين الهمم العليا والمكانة العليا، وصغائر النفوس ووهن الأفعال، والتهالك على مقاصد التراب، وبهرج الحياة الفانية، يقول الإمام : ((فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشدَّ ما تشّطر ضرعيها، فصيّرها في حوزة خشناء، يغلُظُ كلامها، ويخشُنُ مسُّها، ويكثر العثار فيها، فصاحبُها كراكب الصعبة إنْ اشنق لها خَرَم، وإن أسلس لها تقحّم فمنّي الناسُ لعمرُ الله بخبط وشماس وتلوّن واعتراض، فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة، حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهمُ، فيالله وللشورى! متى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم حتّى صرتُ أقرنُ إلى هذه النظائر، لكنّي أسففتُ إذ أسَفُّو، وطرتُ إذا طاروا..)).
إنّ في هذا الكلام – وهو يدور في فلك ما يُسمى بـ (المجال) (Field)، وأعني به الموضوع الأساس للخطاب، وطبيعة العلاقات القائمة بين شخوصه وأطرافه – ضرب من النسيج اللغوي التركيبي الذي يمثل أعلى مراتب السمو اللغوي، والمفردات النبيلة، والمجازات التي بعدت عن كلّ تركيب أو عبارة سوقية، لم تباشر الدلالة التي يحاول النص قولها، فما أعمق وأدل في التعبير من المجاز الذي سمي به الإمام الضرع ضرعين، فالمضير في (ضرعيها) عائد على الخلافة وهذا المنصب الخطير لا يمكن أنّ يكون محلّ مساومة، فإمّا أنّ يناله صاحبه بالحق كاملاً تاماً من غير أنّ يترك لآخر سهماً منه، فالخلافة ليست غنيمة يتقاسمها المتهافتون عليها، إنّها تكليف خطير، ومهمة شاقة؛ لأنّها تمسّ مصير الأمة كلها، فإن نالها صاحبها ناقصة لم يستطع أنّ يدير ركابها بحق وعزم، وعطاء مادامت قد خضعت للقسمة بين من لا يهمهم إلاّ الغنيمة منها، وحين تنقسم الخلافة على حصص يفسد كلّ شيء فيها وتمسي جروحها وقروحها وويلاتها على أبناء الأمة قاسية ومدمّرة لأنّ عثرات من اقتسموا ضروعها ستبدو مكشوفة على كثرتها ظاهرها وباطنها، ويصير صاحبها كراكب دابة لا يحسن قيادتها ولا ترتضيه هي فوق ظهرها، فإمّا أنّ تطيح به أرضاً، وإمّا أنّ يمضي بها هو إلى الهلكة!.
إن دراسة نص إبداعي كالنص الذي نحن بصدده في معزل عن سياقاته التداولية النفسية والاجتماعية جناية على النص نفسه، وعلى مبدعه ((فالنص ليس بنية لغوية مجردة، بل هو بنية لغوية مقامية)) ، تواصلية.
إن تداعي الكلمة في النص الإبداعي لا يمكن أنّ يتمّ بمعزل عن السياق الذي تتخذه الكلمة من هذا السياق، بل أننا ننظر إلى الترادف (synonymy) نفسه في هذا الإطار نفسه حتّى إذا كان هذا الترادف حقيقياً، وهكذا يمكن تفسير الاستعارات والمجازات حيث تنجز داخل التركيب، وستكون الضمائر على ما فيها من إيجاز على مستوى البنية اللغوية، وعلى ما في بعضها من خلوّ من أية مرجعية، تتحرك داخل النص مفصحة عن دلالات جدّ متسعة لا سيما إذا تهيأ لها مبدع كالإمام يجعل منها أبرز عناصر السرد القادرة على تمثل الشخوص التي تدلّ عليها في باطنها وظاهرها وإلا فمن هذا الذي (مضى لسبيله) في قوله  ((حتّى إذا مضى لسبيله، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم!)) ومن هم الجماعة؟
ولماذا لم يأت الإمام على ذكرهم بأسمائهم؟
وأية دلالة متسعة، ومهذبة لكلمة (زعم) التي فيها معنى: الظنّ، وهو أكذب الحديث، زيادة على أنّها لا تستعمل إلاّ في ما كان فيه معنى الارتياب، والباطل، والاعتقاد الذي يخالطه الشك وعدم الإصابة.
وأيّ وصف متخيّر، وحسن، ولطيف أطلقه الإمام  على أفراد تلك (الجماعة) إذ قال: ((متى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم حتّى صرتُ أُقرن إلى هذه النظائر)) أيّ: لهذه الزمرة المشابه بعضهم بعضاً!
ولم يقل  "أقرن إلى هذه المجموعة التي أنا لست منها، فهو أسمى  من أنّ يكون جارحاً ومعرضاً" بأحد وإن كان  غير متفق معه!، فهو ولحرصه على وحدة الأمة واعتصامها يصبر ويصبر ويتنزل عن مكانه العالي والسامي دائماً، فيكون من الآخرين حيث يكونون، وإن كان لا يرضيه  دنوهم حيث يدنون، وتطيرهم حيث يتطيّرون، ولكنّ لكل حال للكبار موقفاً يتوقف عليه مستقبل أمة بأكملها، وبحاجة إلى مزيد من الصبر الكبير على من يتقاسمون ضرع الخلافة، ويفهمون من الشورى ما ليس منها، ويستندون إلى ضغائنهم التي تلبست نفوسهم عبر ماضٍ لهم مع الإمام متقابل تقابلاً حاداً، مثلما تتقابل الحياة والموت، والحب والكراهية، وصفاء البصيرة وغشاوتها، وبذلك يقول الإمام : ((فصغى رجلُ منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هَنٍ وَهَنٍ، إلى أنّ قام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثليه ومُعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع)).
ما أكثر جفاء القوم وغلظتهم وفظاظة بعضهم في مقابل الفعل الشريف واللفظ المصون على لسان الإمام في حقِّ بعض من لا يعرف الحق.
صغى رجل منهم لضغنه: والرجل: سعد بن أبي وقاص الذي يعلم الإمام أنّ جمرة الحقد تتقد في صدره عليه، لكونه أعني: (سعداً) أٌمة هي: حمنة بنت سفيان بن أمية، وكان الإمام قد أخذ من رقاب صناديدهم الكافرة بسيفه ما أخذ فمكثت في قلوب الأحياء منهم أحقاد دفينة يعرف حجمها الحقيقي الإمام .
ومال الآخر لصهره: والآخر هذا (عبد الرحمن بن عوف) وكان صهراً لعثمان بن عفان .
ثمّ يبلغ الإمام القمّة، فلم يكن من عادته  متفحشاً في القول كما هي عادة مناوئيه بل كان  نزيه القول طاهر الفعل واللسان، أقول: يبلغ الإمام القمة حين يختصر الحال، وما آلت إليه أمور الناس على يد من لا يريد الإمام أنّ يبسط القول في ذكر ما فعلوه ويفعلوه، ولم يرد  أنّ يشنّع عليهم، أو يأخذ بتعداد مثالبهم، أو يمس شيئاً من أعراضهم، ولم يرد أنّ يؤثر في أذهان المخاطبين، فيشعل في نفوسهم غضباً، أو يثير فيهم ترهيباً، فاعرض  عن الكثير الكثير من الانحدار والانحطاط، والشطط، والتلوّث الذي صار عليه بعض من رؤوس القوم، فاختصر المسافات على الناس والتاريخ ليطلق عبارة: ((مع هَنٍ وهنٍ)) معبراً فيها عن تسمية الأحداث والأفعال بما يترفع اللسان عن ذكره، وما يجلّ الإمام  أنّ يجريه على لسانه العفيف. هكذا جرت أمور الأمة التي تقاذفت مصيرها أهواء الطامعين والطامحين إلى ما لا يستحقونه، أو يقدرون عليه، إلى أنّ ترسو الخلافة حيث الخليفة عثمان  الذي استقبل هذه المسؤولية العظمى كما يستقبل الإنسان جائزة على غير انتظار، ويكفيه من هذه الجائزة أنّها منطلق للرخاء، والتفرّد، والاستئثار بكل شيء من غير نظر لحال الآخرين.
ولكي نؤكد – على عجالة – أنّ الألفاظ والتراكيب المحسنة، ودقة الإمام  في اختيار مثل هذه الألفاظ والتراكيب إنّما هي انعكاس لخلقه الكريم، وقيمه السامية، وتنزهه عن اللفظ الفاحش، والعبارة الخشنة، والتركيب ذي الدلالة المباشرة غير المتسامية، وهي أيضاً مجموعة من النكت البلاغية الدقيقة التي لا تتضح للمتلقي والقارئ لنهج البلاغة إلاّ بالتأمل والنظر، والبحث عمّا وراء الكلمات والتراكيب من دلالات متسعة وممتدة، وفي الوقت الذي لا يمنع فيه من استعمال الإنسان ألفاظاً محظورة بلفظها الصريح والمباشر كما هو الحال في الحديث عن الأحكام الشرعية أو القضائية أو الطبية، نجد أنّ صيانة اللسان عن اللفظ القبيح، والمعنى الخسيس سلوكاً إسلامياً راقياً، وعلامة على ارتقاء ثقافي وفكري وبياني وأخلاقي وسلوكي للمتحدث أو المبدع.
وللتأكيد على أنّ الإمام  كان كأخيه رسول الله  يلتمس لكلامه الألفاظ اللطيفة، والشريفة، والمعبرة عن النفس الصافية النقية الطاهرة، والخلق الكريم، والمنبت النبوي المتسامي، بعيداً عن سقط القول، والمعنى القبيح، واللفظ الذي يخدش الحياء، نسوق أطرافاً من كلامه  داعين الباحثين في النظر في هذه الظاهرة اللغوية في نهج البلاغة، متفحصين إياها بالتحليل والدرس، باحثين عمّا وراءها من متكلم امتلك زمام العربية في أعمق ضروبها البلاغية والبيانية، وهو بعد هذا يصدر في كلامه عن تربية مثلى، ونفس عليا ولسان مبين يلتمس دائماً الألفاظ المهذبة متحولاً عن كلّ لفظ محظور، يقبح ذكره إلى المجاز حيناً، وإلى الكناية حيناً آخر، وإلى الإحالة الضميرية، أو الإشارية ثالثة، وإلى إيجاد اللفظ المحسّن البديل، تجنّباً من ذكر اللفظ الصريح، وإلى غير ذلك من طرق حظر الألفاظ وتحسينها، ودوننا هذه التراكيب على سبيل التمثيل والبيان إذ احتوى نهج البلاغة ضروباً وأنماطاً كثيرة للمحسنات اللفظية التركيبية لا تتّسع إليها مساحة هذا البحث المتواضع:
    ((وانتم معاشرُ أخفّاءُ الهام)).
إشارة إلى أهل النهروان، وقد كنّى بهذا التركيب عن (قلة العقل) وقد كني  عن هلة العقل بعبارة ألطف وأجمل هي (سبات العقل) في قوله : ((نعوذ بالله من سبات العقل)) ، أيّ ذهابه وقلّته.
    (أيها الناس إنّ أخوف ما أخافُ عليكم اثنتان: اتِّباع الهوى، وطول الأمل)).
وما أجمل عبارته  (طول الأمل) كناية عن التسويف والتقاعس وطلب الدعة والراحة.
    ((وصار دين أحدكم لعقة على لسانه)).
تعبيراً عن ركون القلب، ورياء الإيمان والفكر، والنفاق.
    ((فكأنّ كلّ امرئ منكم  بلغ من الأرض منزل وحدته)).
ومنزل الوحدة المقصود هو (القبر)، وهو ممّا يحظر لفظه في بعض السياقات لما يثيره من خوف وتشاؤم.
    ((يفضي كإفضاء الديكة)).
والإفضاء المباشرة، قال تعالى: ﱹ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﱸ [من سورة النساء: ٢١].
    ((ولكنّ الله كريم يكنّي عما شاء)).
والعرب تكني عن النكاح بالإفضاء، والمباشرة، والملامسة، والإتيان والإيقاع، والوطء، والدخول وغير ذلك من الألفاظ التي لا يحظر لفظها.
    ((لا أبا لغيركم)).
وهو ممّا يقال في التقريع، دعاء عليهم بفقد الآباء، أو كناية عن الجهل به، فتلطف الإمام  بتوجيه الدعاء والذم لغيرهم.
    ((تركهم في طرق متشعبة)).
تعبيراً عن الخلاف والتشتت والانقسام.
    ((وما كنتُ إلاّ كقارب وَرَدَ، وطالب وَجَدَ)).
وطلب الورد: هو المؤمن المستقبل الموتَ رغبة في لقاء الله تعالى وليس هو كباره ما يقبل عليه منه.
    ((فأنت محقوق أنّ تخالف نفسك)) .
ومخالفة النفس: قهر شهواتها وما تصوب إليه من ملذّات زائله لأنّ (الهوى شريك العناء) .
    ((لا تكن خازناً لغيرك)).
والخازن لغيره: هو الشحيح البخيل، المتهافت على جمع المال، الحريص على ماديات الحياة، وقد وصفه  بالجمود في قوله: ((وعند جموده على البذل)).
وكنى  عن الحياة الدنيا بقوله إنّها ((منزل قُلعة)) ، أيّ زائله يرحل عنها الجميع.
    ويفنى فيها كلّ شيء، والموت المحيط بنا ينعى لنا الحياة إذ يقول : ((نعت لك نفسها)). والضمير عائد على الحياة الدنيا.
    ((والدنيا تخبر بحالها عن فنانها)).
    ويقول : ((وحفظ ما في يديك أحبُّ اليّ من طلب ما في يد غيركم)) ، دعوة منه  لترك سؤال الآخرين، لأنّ ذلك عنوان للمذلّة، والضعف.
    ومن ((بضائع الموتى))، عنده  الاتكالية والعيش على الآمال دون فعل.
    ((جاذب الشيطان قيادك)) ، دعوة للإعراض عن التحايل والشيطنة، ويقول : ((نازع الشيطان قيادك)) ، ولم يقل  لا تخون الأمانة، وإنما قال: ((أخزيتَ أمانتك)) ، أيّ: خنتها.
    ويكني عن الفجور بقوله: ((وهذه الأمة قد فنكت وشغرت)) ، والمرأة إذا فنكت صارت ماجنةً، فشغرت: أيّ لم يعد هناك من يحميها، وإذا فنكت الأمة: هزلت ولم تقدر على العزم والبقاء.
    ويكني عن: الغضب، وعصمة اللسان بقوله ناصحاً: ((أملك حميّة انفك... واحترس من كلّ ذلك بكفِّ البادرة)). وحماية الأنف: دلالة على الآباء ورفض الضيم، وما كان كذلك ملك نفسه عند الغضب، والبادرة: ما يبدر من اللسان عند الغضب من السباب والشتم وغيرهما من قبيح الأقوال.
    ويقول منبّهاً الناس ((ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقصت)) ، دلالة على الاحتلال والعدوان واستيلاء الأعداء على أجزاء من البلاد، ولذا يوصي  بعدم التردد في مواجهة الباطل بقوله: ((فأعقل عقلك)) ، أيّ: قيده بالعزيمة ولا تدع الخوف أو التردد يذهب به مذاهب الضعف.
    وأخيراً فإنّ الإمام  لا ينسى أنّ يُلقي تحيته المباركة وهي تحية الإسلام، فيذكرها في ختام خطبه ورسائله فإن وجد من لا يستحق هذه التحية، فلا يعرض عن ذكرها  بل يذكرها بصيغة أجمل وألطف فيقول: ((والسلام لأهله)) ، وهذا التركيب في سياقه الزماني والمكاني مشحون بأكثر من دلالة.

****************************