وقال (عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: طَالِبٌ، وَمَطْلُوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا،مَنْ طَلَبَ الاْخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا.                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ .                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِب فِيكَ نُقْصَانُ حَظّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِد فِيكَ ذُلُّ نَفْس.                
وقال (عليه السلام):مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا.                
وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                

Search form

إرسال الی صدیق
المقصد والمقصد المتعدي في نهج البلاغة

علي حسين الخباز

يأخذ العمل الابداعي سمات الفضاء التواصلي عبر العديد من المقاصد النصية. والمقصد: هو أحد المصطلحات الحديثة، والتي تعني الاتجاه، وهدفه الحقيقي تحديد قطب الفعل الخطابي. وقد ربط بعض النقاد تلك المقاصد بعملية التجنيس، ربطا غير مقنع، على اساس ان التجنيس يوضح هوية الوضع التواصلي (المقصد) أي بمعنى اوضح ان جنس الكتابة: (قصة، شعر، رواية، خطابة) يوضح نوعية المقصد، وهذه من بدع المنظرين، الذين ذهبوا الى ايجاد نوعية النشاط الكتابي الى جاد وغير جاد، دون ان يضعوا في اعتباراتهم ان انعدام الحواجز بين الاجناس يوسع الدائرة التأثيرية.. ويسمى المقصد عند بعض اهل النقد بالوظيفة، كقول علي عليه السلام: (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ المَنَايَا) وتنتضل: أي تترامى فيه المنايا..
ويأتي بمعنى الاستخدام، وحدد على عدة طرق مختلفة، منها ما يأتي خطابا مباشرا لمقصد محدد معروف موجه، كقوله عليه السلام لولده محمد بن الحنفية حين اعطاه راية يوم الجمل: (تَزُولُ الْجِبَالُ ولا تَزُلْ، عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ، أَعِرِ الله جُمْجُمَتَكَ، تِدْ فِي الأَرْضِ قَدَمَكَ، ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ، وغُضَّ بَصَرَكَ، واعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ الله سُبْحَانَهُ ) وأعر: تعني ابذل لله- تد: ثبت، وارم بصرك: أي احط بجميع تحركاتهم، وغض النظر عما يخيفك منهم: أي لا يهولنك منهم هائل.. ومنها ما يأتي خطابا غير محدد كقوله عليه السلام: (عِبَادَ الله إِنَّكُمْ ومَا تَأْمُلُونَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا أَثوِيَاءُ مُؤَجَّلونَ، ومَدِينُونَ مُقتَضَوْنَ، أَجَلٌ مَنقُوصٌ وعَمَلٌ مَحْفُوظٌ فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّعٌ ورُبَّ كَادِحٍ خَاسِرٌ) أثوياء: ضيوف، دائب: مداوم في العمل، والكادح: الساعي لنفسه بجهد ومشقة، والمراد من يقصر سعيه على جمع حطام الدنيا..
ولم يكن الخطاب في نهج البلاغة خطابا سطحيا مباشرا، بل كانت خطبا ورسائل ووصايا رؤيوية ادراكية، جعل مبدعها عليه السلام المقاصد بما يلائم اهداف النشأة الابداعية. فثمة مقصد موجه الى جهة محددة، بطريقة تتواءم مع الظرف العام لواقع التجربة، مثلا المديح كقوله عليه السلام: (وَنَاظِرُ قلبِ اللبِيبِ بِهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ ويَعْرِفُ غَوْرَهُ ونَجْدَهُ) ناظر القلب: استعارة من ناظر العين، وهي النقطة السوداء منها والمراد بصيرة القلب.. والغور: ما انخفض من الارض، والنجد: ما ارتفع منها، أي يدرك باطن امره وظاهره..
وكذلك في الهجاء كما في قوله عليه السلام: (أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَة والْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَة الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ والغَائِبَة عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ وأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الأَسَدِ..) وأظأركم: تعني أعطفكم..
ويسمى ايضا من وجهة نظر اخرى بالمقصد التعبيري. ولو تأملنا سمات اللاتحديد مثلا لنجد ان اهداف الخطاب الموجه الى مقصد غير محدد، يعني ان هذا الخطاب تجاوز الرؤى المرحلية، وتجاوز المتلقي المرحلي الى مقاصد متعدية، الى متلقٍ مؤجل، ومثل هذا المقصد ينفتح على زمكانية (زمن- مكان) متحررة مثل قوله عليه السلام: (أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكتِسَابِ الإِخْوَانِ وأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ).

فهذه الموعظة لا تقف عند حدود الموجه المخاطب، وانما تتعداه الى قارئ ربما سيقرأ الموعظة بعد قرن او عشرة قرون... وهكذا وصلتنا لنكون نحن المقصد المتعدي، بل من يأتي بعدنا سيحمل نفس العنوان.. اذن هناك مرسل ومتلقي. وبالمقابل هناك شخص ثالث له مقصد متعدي.
وهذه العملية يعنونها بعض النقاد (المجموعة التواصلية الطبيعية) حيث هناك اكثر من شخص ثالث يتعداه القصد كقوله عليه السلام، حين قال له أحد أصحابه: وددت ان اخي فلانا كان شاهدنا، ليرى ما نصرك الله به على اعدائك، فسأله عن هوى اخيه، فقال: معنا فقال له: (فَقَدْ شَهِدَنَا، ولَقَدْ شَهِدَنَا فِي عَسْكَرِنَا هَذَا أَقوَامٌ فِي أَصْلابِ الرِّجَالِ وأَرْحَامِ النِّسَاءِ سَيَرْعَفُ بِهِمُ الزَّمَانُ ويَقوَى بِهِمُ الإِيمَانُ ) اي يجود بهم الزمان.
والبعض يرى ان السيرة الذاتية مثلا لا تحتاج الى مقصد متعدٍ، لكونها من المقاصد الانعكاسية، وكأن السير الذاتية عاجزة عن توصيل المعنى عبر مقصد متعدٍ. وقائد الامة يعني الامة بكل معانيها، وما حياته حياة فرد بسيط، بل تشكل السيرة في نهج البلاغة، تاريخ أمة حمل الامام اوجاعها، مثل قوله عليه السلام: (فَيَا عَجَباً لِلدَّهْرِ إِذ صِرْتُ يُقرَنُ بِي مَنْ لَمْ يَسْعَ بِقَدَمِي ولَمْ تَكُنْ لَهُ كَسَابِقَتِي الَّتِي لا يُدلِي أَحَدٌ بِمِثلِهَا..( .
وهناك عدة مقاصد اخرى، مثل المقاصد التي تسمى الغير تعبيرية، تشيد على الهدف التواصلي. ومن المقاصد تأكيدات، ومنها توجيهات. وينقسم المقصد الى اسماء تأكيدية، وثمة مقاصد تقابلية كالافعال، التي تحمل سمات اسمائها كـ(الصلاة..) او المقاصد الاعلانية تلك المرتبطة بالنتائج كـ(السحر) والمقاصد الوعدية كـ(القسم) فكل عمل ابداعي له اهداف اخلاقية، فهو بطبيعته يقترح تغيير تصرفات مستقبلية .

****************************