وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.                
وقال (عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِب فِيكَ نُقْصَانُ حَظّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِد فِيكَ ذُلُّ نَفْس.                
وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.                
وقال (عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: طَالِبٌ، وَمَطْلُوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا،مَنْ طَلَبَ الاْخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا.                
وقال (عليه السلام) : هَلَكَ فِي رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَال ، وَمُبْغِضٌ قَال .                
وقال (عليه السلام): إِذَا وَصَلَتْ إِليْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلاَ تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ .                
وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا.                

Search form

إرسال الی صدیق
المَعَاني الخلقيَّة في شِعر الشريف الرضي

بقلم: د. محمد التونجي (الأستاذ بجامعة حلب)

بسم الله الرحمن الرحيم

عاداتُ هذا الناسِ ذَمُّ مُفضَّلٍ*****ومَلامُ مِقدامٍ، وعَذْلُ جوادِ

ولقد عَجبتُ، ولا عجيبُ أنَّه ***** كلُّ الورى للفاضلينَ أعادِي

مَفخرةُ العترة المحمدية الطاهرة ، وأحدُ أعلام الشعر في العصرالعباسي امتاز عن غيره أنه عاش شعره كله حرّ العقل إلى أقصى ما يفكر به عاقل.

بثَّ لواعجه، آلامه وآماله في قريضه مذ كان في العاشرة، مُنْطبعاً بطابع العروبة والبداوة الصافي.

كان ديوانه، مذ عملتُ في هذا العصر، سلوتي وقدوتي، ألتقط منه الدرَّ لأزينَ به العقلَ والنحر.

فقد كان، وأيمُ الله ، يعبِّر في وجدانه عن كل كاتب أو شاعر تصدمه الحياة، أو يفجؤه الأصحاب الحسد والعناد. فيعمد إلى قوالب الشعر، ليصبَّ فيها سبائك الذهب الإبريز من الكلام النفيس.

جمع إلى نسبه النبوي ، وشرفهِ العلوي صفحاتٍ زاهية من الأدب، زيَّنت جبين الدهر في كل عصر.

أية صفحات هذه التي تكفي للحديث عن هذا الإنسان؟ بل أيُّ فصل هذا الذي يتسع للحديث عن معانيه الخلقية؟.

وحين اخترتُ هذه الزاوية من نتاج السيد الرضي ظننتُ أنني حظيت بجانب محدود من معانيه الشعرية، إذا بها بحر زخّا لا شاطىء له ولا قرار.

فأعددتُ الهمَّة للعمل مع الأمل ، من غير أن أناقش، مؤمناً بما جرى لأهل براقش.

وأنتم تعلمون أن مطالعة الدواوين شيء، والخوض في دراسة جانب نفسي دقيق شيء آخر.

ولن أتحدث عن أغراض الرضي الشعرية ، فليست غايتي، وإن كانت منيتي لكنني تلمستُ معانيه الخلقية فوجدتها لصيقة جداً بحياته النفسية، وحياته النفسية مرتبطة بأغراضه الشعرية تمام الارتباط. سواء كان ذلك في غزله، ومديحه، وفخره، ورثائه، و...

وجالستُ الديوان عشرين يوماً صباح مساءَ، أتنقل به من قصيدة إلى قصيدة بل من بيت إلى بيت ، في هذا الجو الحلبي الحار. فأنقذتني معانيه، ورفعتني معاليه إلى جواء النسائم الرطبة، فأسلتني عما كنت فيه، وأنستني الحرَّ معانيه.

 وعدتُ إلى كتب الأدب والنقد ، لأرى ما قالوا في هذا الرجل الأبي، فغلى الدم في عروقي، وتضاعفت الحرارة بعد إذ جرضت المرارة.

كيف يهمل النقاد القدماء والمحدثون مثل هذا الشاعر المبتكر النبيه؟ أئذا عدَتْ عليه معاول الحساد، وأشابوا من حياته الوداد، نقلوا أذاهم إلى عقلية المؤرخين والنقاد؟.

ولا حظت أن أقصى من تحدثوا عنه أنه  ذو سؤدد كاظمي، ومجد فاطمي، وكان يسعى إلى الخلافة ، وأضاف على كلام إمامنا علي أو لم يضف ... وسكتوا.

لا يهمل النقاد أحداً إلاّ عن تعامل وعمد.

ألا لأنه تدخل في السياسة ؟ ولكنّهم لم يقصروا في الحديث عن الفاطميين والعباسيين، وعن شعراء الطرفين.

أم لأنه متشيع؟ وكأن حبَّ آل البيت جريمة لا تغتفر. وإذا كان هذا الزعم حقاً فلماذا سكتتْ عنه أقلام من لم يتأثروا بهذا التطرف؟ بل لماذا لم يؤدِّ النقاد حقّه من الدراسة: ربّما كان إهمالهم لأنّه رجل جد ورصانة، والنقاد يهوون التطرف، وإلا لماذا أطالوا الحديث عن زندقة بشار، وتكسُّب أبي تمام، وتنبؤ المتنبي، وإلحاد المعري، ومجون أبي نواس . يا سبحان الله، وهل يُحرم الرجل السويُّ المستقيم من الدراسة، ويحظى من دونه بغير حق؟

وهل نطلب من السيد الرضي، وهو السيد الرضي، أن يتزندق، ويقرع الأبواب ويكرع الأكواب، حتى تُفرج له الفصول، أو تؤلَّف عنه الكتب، تقصر أو تطول ؟ كيف نطالبه بهذا ونعلم أنه الشريف الطاهر العفيف؟

وكم أبدى امتعاضه من إهمال أدباء عصره شعره ، في حين انهم يهتمون بكثير غيره ودونه ! وكم كان يتمنى لشعره ان يظفر من النقاد ببعض ما ظفر به الشعراء ولا يريد أكثر من اهتمامهم بشعرالرفَّاء أوبشعر كشاجم مثلاً، ومع أنه أبدى سخطه هذا فإنه لم يخصَّ ناقداً معيناً، ولم يسمِّ اسماً محدداً حتى لا يطعن بأخلاقه من ذلك قال:

سيُسكتُني يأسي وفي الصدر حاجةُ ***** كما أَنطقَتْني والرجالَ المطامُع

بضائعُ قَولٍ عند غِيري رِبحُها ***** وعندي خُسراناتها والوضائعُ

وإذا أردنا أن ندافع عن النقاد، وندفع عنهم بعض تقصيرهم، قلنا إن لشهرته المذهبية، وارستوقراطيته العربية، والتزامه الجدِّ والوقار، وعفته في غزله، وقلةِ المعضلات اللغوية في شعره، وانشغاله بقضاياه الدينية والمذهبية، سبباً في صرف النقاد عنه. أنا لا أعني، بهذه النعوت، أنه كان صارماً على نفسه صرامته على خصومه، ولا إنه نسي أنه شاب، وللشباب نزعات، فهو نفسه يقول:

وللحلم أوقاتُ، وللجهل مثلُها ***** ولكن أوقاتي إلى الحلمِ أقربُ

وها نحن اليوم نمنحه من مقامه ما غُمط، وندفع عنه ما لُغط . ندرس جوانب حياته الأدبية والشخصية ،ونضع النقاط على حروفها، ونضيء ما استتر من صُلبها.

لكن الحديث عن معانيه الخلقية واسع الجنبات، وعرُ الطلبات.

فديوانه مدرَ لتعليم لأخلاق والشمائل، وحكمه ذاخرة بالفضائل ،لأنه شاعر ذو خصائص ذاتية ندرت عند غيره.

ففيه: البطولة، والرجولة، والإباء، والشمم، والوفاء، والتفاؤل، والصداقة.. الشيء الكثير.

ولو صببتُ جلَّ معرفتي عن أخلاقيات السيد الرضي لا حتضنها  كتاب أتشرف به. ولكنه الوقت الذي يقطع بلا رحمة. فلا تؤاخذوني إن اتَّبعتُ في ورقاتي هذه منهج الاختزال، واكتفيت بعرض شاهد واحد، في حين له عدد من الشواهد على هذا المنوال.

على أنني، لم يبتعد خيال المتنبي عني طوال مطالعتي لديوانه. ولا أعني أنّ السيد نسلَ بعض ما تحلى به من أخلاق، مما كان يدعوالمتنبي له ،لانني واثق من أن الاثنين عانيا شرَّ الحسد، ولقيا من معاصريهما جور المسد. كما أنني واثق من أن الأفكار الوجدانية لا تُسرق وإن تشابهت ما دامت تصدر عن فؤاد مكلوم ، وإحساس مصلوم.

العاطفة البَنَويَّة:

لم نشهد في تاريخ أدبنا العربي شاعراً أولى أبويه احتراماً وتقديراً ببعض ما أولاه السيد لهما.

فنحن نعلم أن أباه سُجن وهو في العاشرة من عمره (وأخوه السيد المرتضى في الرابعة عشرة).

ولم يحرفه حرمانه في طفولته كما يحصل للكثير من الأطفال المحرومين. بل دلَّ حرمانه هذا على ذكاء وقاد أثبته الموقف العنيف الذي وقفه ، فقد ثارت ثائرته على الجريمينَ بحق أبيه، وعبر عن ذلك بقصيدة عربية الأورمة ، دلت معانيها على أن لصاحبها شأناَّ أيَّ شأن.

ولم يتوقف عن مدحه مُنذئذٍ:

أحبُّكمُ ما دمتُ أعزى إليكمُ ***** وما دام لي فيكمْ مُرادُ ومَطلَبُ

واستمر على مدحه وتقديم واجب الولاء له. ولم يَقْدم عيدٌ على الامة الإسلامية إلا وللسيد الرضي قصيدة لأبيه، يقدَّمها له على طبق من الطاعة والاحترام. حتى إن قصائده في أبيه نوَّفت على أربعين قصيدة..

وكانت هذه القصائد جميعاً تتسم بالمعاني السامية من الخلق والطاعة وصفات الملوك، وتتوشح بالحزن، والتفجع، وذم الزمان، ولوم أصحاب العدوان.

ومما قال فيه معبراً عن عاطفته الصادقة:

إذا قلتُ فيكَ الشعرَ جوَّدَ مادحُ ***** وأكثرَ وصَّافٌ، وإعرقَ مُطْنبُ

وغيرك لا أَطريهِ إلا تكلُّفاً ***** وغيرُ حَنيني عند غيركَ مُصْحِبُ [١]

ولم تهمله أمٌّه السيدة فاطمة في سني غربة أبيه عنهم، بل رعته خير رعاية، وهيأت له أفضل الظروف لُتحسن تعليمه وتربيته.

فباعت حليها وأملاكها صابرة على الفقر. ولم يهمل هذا الفتى أمه الجليلة ،فعبَّر لها عن عملها بشكره وشعره، فكان قدوة الأبناء نحو والديهم:

لو كانَ مثلكِ كلُّ أمّ بَرَّةٍ *****غَنِيَ البَنونَ بها عنِ الأباءِ

كيفَ السُّلوُّ، وكلُّ مَوقع لحظةٍ ***** أثرُ لفضلك خالدُ بإزائي

وقد وجَّهته هذه العناية من أمه نحو معان خلقية سامية، وأخلاق فاضلة سامية طوال حياته.

أخلاق الفارس العربي:

نشأ السيد الرضي نشأة عربية صميميَّة ، فتحلى بصفات الرجل البدوي الصارم. فلم نره – يحب الفتى ربيب المدن لأنه يغدو ناعم الجلد، أشبه بالعذراء المترفة.

وما هذا الفتى اللين سوى:

مُضمخ الجيدِ نَؤوِم الضُّحى***** كأنَّه العذراءُ ذات الوشاحْ

إذا رداحُ الرّوعُ عنّت له ***** فرَّ إلى ضَمِّ الكَعابِ الرَّداحْ

والترفَ داء الأمم، والمترفون من الفتيان لا يصلحون للحرب ، ولا يقارعون الخطوب. ورجالُ الحروب الأشاوس أمثال قوله:

وأَشعثِ المَفْرِقِ ذي همَّةٍ ***** طوَّحَهُ الهَمّ بَعيداً فَطاحْ

لما رأَي الَّصبرَ مُضراً بهِ ***** راحَ، ومَن لم يُطقِ الذُّلَّ راحْ

دّفعاً بصدرِ السَّيفِ لمَّا رأى***** ألاّ يَرُدٌ الضيمَ دَفعاً بِراحْ

وقد تمثل السيد الرضي بمعاني أخلاق الفارس العربي طوال حياته، فحثَّ على الإقدام، لأن القعود عجز:

وإنّ قُعودي أرقُبُ اليومَ أوغداً ***** لعجزُ فما الإبطاءُ بالنَّهضان

سأتركُ في سَمعِ الزَّمان دَويَّها ***** بقَرعَنيْ ضِرابٍ صادقٍ وطعانِ

فإنْ أسرِ فالعلياءُ همِّي، وإن أَقِمْ ***** فإني على بِكْرِ المكارمِ باني

والذي يحيا حياة الدعة، ويكتفي منها بشرب الكأس، لا خير فيه، ولا مستقبل له:

لاحظَّ في المجدِ لمَن لم يَزلْ ***** في حيِّزِ الإبريقِ والكاسِ

ومناهُ في الخيل والسلاح وليس في البيض الملاح:

وماليَ عند البيضِ يا قلبِ حاجة ***** وعند القنا والخيلِ والليلِ مَطلبُ

أَحَبُّ خليليَّ الصَّفيَّين صارمُ ***** وأطيبُ دارَيَّ الخِباءُ المطنَّبُ

ولم تكن روح الفروسية عنده وحده من آل البيت، فكلهم فرسان، وأخلاقهم أخلاق فرسان.

وأولهم الإمام علي كرم الله وجهه، صاحب الجولات والصولات.

وثانيهم سيد الشهداء الحسين بن علي، الذي فضَّل الشهادة على قبول الضيم، وأنعمْ بها من أخلاق:

آلُ النبيِّ، ومَن تَقـ ***** لبَ في حُجورِهُمُ الكتابُ

خُلقتْ لهم سُمرُ القَنا ***** والبيضُ والخيلُ العِرابُ

وأحسب أن هذه الأخلاق العربية والشمائل البدوية هي التي مكَّنته من قدرته على تألُّفِ رؤساء القبائل وإخماد جذوة ثورتهم بما عجزت عنه السيوف اليمانية.

الحث على المجد:

قاده التحلي بأخلاق الفارس العربي إلى التحلي بالعزيمة ، والهمة ، وارتقاء أعلى أسباب المجد:

إذا هممتُ ففتِّشْ عن شَبا هممي***** تجدْهُ في مُهَجاتِ الأنجمِ الشُّهبِ

وإنْ عزمْتُ فعزمي يستحيل قذىً***** تَدمى مسالكه في أعين النُّوبِ

وكم من مرةٍ عبَّر عن ضيق ذرعه من الخوّار الخوّاف الراضي بالذل:

إذا قلَّ عزم المرءِ قلَّ انتصارُه ***** وأقلع عنه الضَّيمُ دامي المخالبِ

وما بلغ المزْمى البعيد سوى امرىء ***** يَروح ويغدوعِرضَةً للجواذبِ

وما جرَّ ذلَّا مثلُ نفسٍ جَزوعةٍ ***** ولا عاقَ عَزْمأ مثلُ خَوفِ العواقبِ

وكثيراً ما نراه يربط طلب المجد بالجود:

وكلُّ فتىً لا يطلبُ المجد أعزلٌ ***** وكلٌّ عزيز لا يَجودُ ذَليلُ

كما يربط الجبنَ بالبخل:

سأبذل دونَ العزِّ أكرمَ مُهجةٍ ***** إذا قامت الحربُ العَوانُ على رِجْلِ

وما ذاكَ أنَّ النفس غيرُ نفيسةٍ ***** ولكنْ رأيتُ الجُبْنَ ضَرباً من البُخلِ

لكن العزم يخور أحياناً ، وأخلاق الفرسان الأشاوس تنهار أمام ضربات الزمان العاتي والعدوالمناوىء:

ولَولا صولةُ الأيام دوني***** هَجمتُ على العُلا من كلِّ بابِ

فيصبّر نفسه فلعلّ الفرج يؤوب ، وما يمنع الفارس يذوب:

أقول إذا امتلأتْ  أسىً لنفسي:***** أيا نفس اصبري أبداً وطيبي

أرأيتم مثل هذه الأخلاق؟ أليست الشجاعة أخلاقاً ، أليس الكرم أخلاقاً؟ ثم هذا الجبن والخور والبخل... أليست اخلاقاً لا يرضى ان يتحلى بها كريم المحتد عظيم المنبت مثل السيد الرضي؟.

الفخر والشكوى:

الفخر شعر وجداني يندفع مع دم الشاعر عالياً، تباهياً بأصالة المحتد، ودفاعاً عن النفس الابية، وتحصيناً للسمعة الأدبية، وثباتاً أمام الخصم العنيد الذي يسعى جهده للنيل من الشمائل والحط  من الفضائل.

والسيد الرضي لا يفخر بما ليس فيه، بل إن مجرد ذكر نسب أجداده فخر لا يعلوه فخر. وإذا كان الفخر نوعاً من الأخلاق المتعالية لدى الناس عامة، وإذا كان الشعراء كثيراً ما يغالون ويتبجّحون، فإن أخلاق السيد الرضي تأبى عليه أن يتباهى بما ليس فيه، وما فخره هذا الا دفاع عن أناس كرروا هجومهم عليه، وحاولوا النيل منه.

وقد اعتمد على ارستقراطيته العربية التي تجري في دمه، وعلى منزلته ومنزلة بيته في المجتمع الإسلامي، ثم على الصفات العربية التليدة [٢] في تعداد مفاخره:

أولئك قَومي لم يُغمزوا ***** بهجنةِ أمّ ولا لؤم أبْ

ومَن قال: إنّ جميعَ الفخارِ***** لغير ذوائب قومي كذَبْ

ولا يظننَّ امرؤ أن السيد يستخدم فخره للتعالي على الناس ، والنيل من كراماتهم، فما هذه شيمه. ولو لم يعدِّدْها بنفسه لقمنا نحن بذلك.

فقد نمتْ هذه المباهاة لديه في حياته المبكرة، مذ كان ابنَ عشر، حين أذلّوه بسجنهم أباه، فرفع عقيرته، واستبان جريرته، وبيَّن للسجان من هذا المكبَّل بالأغلال. مذ كان ابن عشرة يفخر، وقبل أن يعرف أحداً من الشعراء الذين اشتهروا بالفخر، فقال:

المجدُ يعلمُ أن المجدَ من أربي***** ولوتماديتُ في غيّ وفي لَعِب

إنِّي لمن معشرٍ إنْ جُمعوا لعُلى***** تفرَّقوا عن نبيّ أو وَصيّ نَبِي

وحين شبَّ ووعى الحياة رأى نفسه في خضمّ من الغبن لكثرة الحساد حواليه. وهكذا ارتبط فخره بشكواه.

وقصائده المزيج بين الفخر والشكوى كثيرة جداً في ديوانه برزت فيها كل معانيه الخلقية والامه وأتراحه.

وهو حين يفخر بنفسه يقول:

أنا النُّضارُ الذي يُضن بهِ ***** لو قلَّبْتني يمينُ مُنْتقِد

وحين يخاطب الخليفة القادر بالله العباسي يخاطبه مخاطبة الند للند مع أدب جم:

عَطفاً أميرَ المؤمنينَ فإننا ***** في دَومةِ العلياءِ لا نتفرَّقُ

ما بَيننَا يومَ الفَخارِ تفاوتُ ***** أبدأ، كلانا في المعالي مٌعْرقُ

إلا الخلافة ميَّزتك فإنني***** أنا عاطلُ منها وأنتَ مُطوَّقُ

وحين يفخر بنفسه وبأورمته يقول:

قَومي الألى إمَّا جَرَوا لغاية*****بذلوا  بطاءَ الغايِ أو سِراعَها

همُ الملاجي والمناجي والحِمى***** إذا المنايا وَقعتْ وقاعها

همُ المعاذُ والمَلاذُ والذُّرى***** إذا السُّيولُ رَكِبت تلاعَها

همُ المُقيلونَ المُنيلون، إذا ***** ما اللَّزبة اللزبباءُ ألقتْ باعَها

فأخلاقة السامية تمنعه من أن يحطَّ من قدر الآخرين ليرفع من قدره ، كما فعل جرير وخصومه، ويكتفي بتعداد مآثرهم، لم يعرضه عليها أحد ولم يُنسب إليه التعالي في غير موضعه.

والحساد يكرهون الشاعر على التفاخر بشعره كذلك. فهم يثيرونه ويغيظ فيحتدُّ ويشتدُ. وهو يعدُّ نفسه فوق الشعر، وهو سلاحه، وحين يهب الله حقَّه يعزف عن قول الشعر الذي هو دونه:

أعابُ بشعري، والذي أنا قائلٌ ***** يُقلقِلُ جنبي عائبُ من مَعيبهِ

وما قولي الأشعار إلا ذريعةً ***** إلى أملٍ قد آنَ قَوْد جَنيبهِ

وإني، إذا ما بلَّغ الله مُنْيتي***** ضَمِنتُ له هجرَ القَريضِ [٣] وحوبهِ

الأحزان والعداوات:

لابد أن في الرضي أشياء تثير الضغائن، وتلهب افئدة الحساد، وتوغر صدور صغار النفوس، ولو كان إنسانا عادياً لما هاجوا عليه، ولا زاحموه في ساعات راحته.وهل يحرق إلا العودُ الطيب؟ وهل يؤسر إلا البلبل الغريَّد: فلو لم يجدوا فيه ما يمتنع عليهم لما اهتموا به ولا أوسعوه غيظاً وحسداً.

ونحن نشكر هؤلاء الحساد وكل حاسد لأنهم ألهبوا النفس والفؤاد، ودفعوه إلى قرض القصائد الجياد. أترون؟ حتى الحسّاد لهم دور كبير في خصب خيال الفنان وتوسيع آفاقه:

قد قلتُ للباغي علي، ودونه ***** من فضل أحلامي ذُرى وذوائبُ

إحْذر مُباغضةَ الرجاِل، فإنها ***** تُدمي ، وتقدُرُ [٤] أن يقول العائب

ومع أنه اغتاظ كثيراً، ومع أنه قابل عنفهم بعنف أشد، فإن اخلاقه (وهي من نبل آل البيت) كانت تمنعه من ذكر اسم أحدهم. فهو يهاجمهم ويقارعهم، وكأنهم أشباح، أو هم ضمائر غائبة مجهولة.

وانتهت حياته ولم نعرف اسم أحد من هؤلاء المغتابين. لكن اخلاقه كذلك تمنعه من قبول الإهانة، فيدافع عن نفسه، ويبرِّئها من التهم التي لصقت به:

رمّوني بالعيوب مُلفقاتٍ ***** وقد علموا بأنِّي لا أُعابٌ

وإني لا تُدنِّسني المخازي ***** وإني لا يُروِّعُني السِّبابٌ

ولمَّا لم يُلاقوا فيَّ عَيباً ***** كسوني من عيوبهم وعابوا

وما أشد ألم البريء حين تُنسبِ إليه أشياء لم يتَّصف بها ! فأعلن أنه مستعد لفقء عينه على أن يكون فيه ما عابوا عليه:

رموني بما لو أنَّ عيني رمَتْ بهِ ***** جناني ، على عزِّي لها، لَفَقأتُها

وهو دائماً يذكر هؤلاء الحساد والمغتابين في مديحه لأبيه، ويقسوعليهم من غير أن نعرف من هم:

تَحرِّقُ منكَ قلوبُ العُدا ***** ةِ غَيظاً، وأنتَ ضحوكُ قطوبُ

زعانفٌ يستصْرخون العُلى***** وما اسْتلبَ العزَّ إلا نجيبُ

ولو لم يكن إيذاؤهم قاسياً لما ذكرهم في مطلع رثائه لأمِّه. ومن أسفٍ أن بعض الغادرين هم من أهله الأدنين. فمن هم؟ ولماذا يغدرون بمثل هذا الإنسان العلم؟

تجاذبُني يدُ الأيام نَفسي***** ويوشك أن يكون لها الغِلابُ

وتَغدُرُ بي الأقاربُ والأداني***** فلا عَجبُ إذا غَدَرَ الصِّحابُ

ونحن نريد أن نعرف أسباب الهجوم، أو بعضها على الأقل. ولا شك أن لطموحه سبباً في ضيق الصدور، ولنسبه الشريف دوراً في حربه، ولتقلده النقابة خمس مرات أساساً كبيراً، وقد أعلن ذلك صراحة، فقال:

قَلقَ العدوٌّ، وقد حظيتُ برتبةٍ ***** تعلوعن النُّظراءِ والأمثالِ

لو كنتُ اقنعُ بالنِّقابةِ وحدها ***** لغضضْتُ، حين بَلغتُها، آمالي

وتنبه إلى كثرة حساده وخصومه، فرأى أن من الحكمة مداراتهم خوفاً من عواقب اللجاجة في تهييج الضغائن:

تجافَ عن الأعداءِ بُقيا فربَّما ***** كُفِيتَ، ولم تَعقُرْ بنابٍ ولا ظٌفرِ

ولا تَبْرِ منهمْ كلَّ عُودٍ تخافُهُ ***** فإنَّ الأعادي يَنْبُتون مع الدَّهر

ومع أنهم اجترؤوا على شتمه وتجريحه فإنه كان يتجمَّل ويتحلم صوناً لنفسه ومع ذلك فإنه لم يذكر اسم أحد من مزعجيه. ولم تستطع هذه المضايقات أن تجعل منه إنساناً كالحطيئة وجرير، بل حوّلته إلى رجل حليم ودود، يعطف على المنكوبين من الناس، ويشاركهم اتراحهم ، تقديراً لهم، ويعلم أنه ما كل امرىء يستطيع الصمود أما هجوم الخصوم.

وكم كان يتبَّرم من الهجاء ،وكم كان يؤلمه أن يكرهوه بالردّ عليهم، لأن عفة لسانه وأخلاقه، تمنعانه من أن يقارعهم ويصارعهم:

وإني إذا أبدى العدو سفاهةً ***** حَبَستُ عن العَوراءِ فضلَ لسانيا

وكنت إذا التاتَ الصديقُ ***** وإنْ يوماً رائحاً كنتُ غاديا

الصداقة والصديق:

نستدل من شعره ومن حياته الخاصة على أنه كان نعم الصديث للصديق، ونعم الأخ في ساعات الضيق. ولا جرم أن الإنسان يحتاج إلى الإنسان ليواسيه ويحادثه، ويعامله ويؤازره. ولعل المرء في آناء الضيق أحوج الى الصديق من أوقات السرور.

وقد تحلّى الرضي بأحلى الصفات التي يتمناها المرء لأخيه ، وتخلَّق بأكمل الشمائل التي تتمثل في آل البيت، فمن البديهي أن يعدّ اكثر الشعراء الذين أفاضوا (وأجادوا) في الحديث عن الصداقة والعداوة وسمات كل جانب.

ولعل أجمل صفة يتحلى بها السيد الرضي أنه كان يتمسك بأهداب الصديق المخلص، لا يفرط به ، ويتمنى أن يظل رفيقه مدى حياته:

سألقاكَ بالعَهدِ عندَ المشيبِ ***** وها أنا في حليةِ الأمردِ

وإني إذا لم أجدْ ناصراً ***** وجدْتك أنصرَ لي من يدي

وأخلاقه السامية جعلته فتى يصاحب الأعجاز والعظام من القوم.

فقد رثى أبا منصور المرزبان الشيرازي لصداقة وطيدة كانت بينهما ومكاتبات مات هذا الصديق عن عمر يناهز السادسة والثمانين، في حين أن الرضي كان عمره أربعاً وعشرين سنة، وأحب الطائع وصادقه مخلصاً. وقصائده فيه بعد خلعه أثبتُ من قصائده في أيام خلافته.

وقد كان حاضراً في مجلسه يوم نكبته لكنه لم يستطع أن يدفع عنه الضيم، فتألم كثيراَ، وعبر عن ذلك بقول:

فاتني منكَ انتصارُ بيميني ***** فتلافيتُ انتصاراً بمقالي

وكم كان يسعد إذا زاره صحبه في منزله، وأنسوا في مجلسه. وتشرق أساريره بوجودهم، فيتصور المسامرة مع المخلصين أشبه بالكؤوس لدى الشاربين، ولما كان المقام مقام مودة وصداقة سمح لنفسه بأن يذكر اسماءهم، ولو كان المقام مقام اغتياب أو هجاء لما فعل:

نُظمنا نِظامَ العِقْدِ وُدِّاً وأُلفةً ***** وكان لنا البَنِّي سِلْكَ نظام

أخي وابن عمِّي وابنُ حمْدٍ فإنهُ ****** تباريعُ قلبي خالياً [٥] وغرامي

تعالوا نُولّ اللائمينَ تصامُماً ***** ونَعْصِ على الأيامِ كلَّ مَلامِ

وهو يفخر بأصدقائه كثيراً، ويفخر بأنه صديق ينجذب إليه الأحباب، ويأنسو بحديثه.

على أنَّني تُحفة للصديق***** يروحُ بنجوايَ أو يَغتدي

وإني ليأنَسُ بي الزائرون***** أنيسَ النواظر بالإثمدِ

وودُّه الشديد يحدوه لأن يدعوالله تعالى بأن يديم صحبة أصدقائه، ولا يفرق بينهم:

فلا دَخلَ البُعدُ ما بَينَنا ***** ولا فكَّ منّا يداً عن يدِ

وإن قصَّر صديقه معه عاتبه معاتبةً هي غاية في الأدب، وصفح عن إساءته لحرصه على هذا الكنز الإنساني الثمين، لكن العتاب أحياناً لا ينجح والصفح لا يجدي.

ونحن نعلم أن خطر انقلاب الصديق إلى خصيم، والأخ الى عدو شديدُ. فقد ابتلي بأصحاب لم يجد معهم دواء الصفح، وأحسب لو أن رجلاً غيره لسقاهم دواء الصفح.

ويبدو أن ذنوب أصدقائه الجائرين لا تُغتفر. وما أبشع أن يبتلى المرء بمحنة إنسان «أو أخ» انقلب إلى خصم! لذا نرى اكثر شعره في الصداقة  ذا صبغة شاكية، وعاطفه حزينة.

فقد كان يتمنى أن يدوم اخلاص صديقه له ، لكنه خاب أمله، فأقسم الا يمد يده إلى أحد.

وأنظر إلى هذه القطعة التي  تعبر عن الدقة الوجدانية التي تنزُّ ألماً حارقاً.

أمسى عليَّ معَ الزمانِ أخُ ***** قدْ كنتُ آمُلُ يومَهُ لغدِ

منَ، كان أحنىَ، عندَنا نائبةٍ ***** من والدي، وأبرَّ من ولدي

لم يُثمرِ الظنُّ الجميلُ بهِ ***** فقَدي منَ الظنِّ الجميلِ قَدِ

لو كانَ ما بَيني وبينكُمُ ***** بَيني وبينَ الذئبِ والأسدِ

لأويتُ من هذا إلى حَرمٍ ***** ولجأتُ من هذا إلى عضدِ

ولأصبحا في الرَّوع مِن عَدَدي***** كَرَمأ وفي اللأواءِ من عُدَدي

ولما نعا عنِّي، إذا جَعلتْ ***** نوب الزمان تهيض من جَلَدي

أو كان ما قدِّمت من مِقَةٍ ***** سبباً إلى البغضاء لم يزد

فلأجعلنَّ عُقوبتي أبداً ***** أنْ لا أمدَّ يداً إلى أحد

فتكون أوَّلَ زَلَّةِ سَبَقَتْ ***** منّي وآخرها إلى الأبدِ

وهكذا عاش الرضي مع صحبه غير رضي، بل عاش في دهره غريباً عن الصحب الأقربين وعن الناس الأبعدين، يصبر على أذاهم، حتى أخوه المرتضى لاك عرضه وأعلك قرضه:

كفَى حَزَنأ أنِّي صديقُ***** وماليَ من بين الأنامِ صديقُ

فكيفَ أريغُ الأبعدينَ لخلْةٍ ***** وهذا قريب غادر وشقيقُ

وكم يؤلمه أن يرى صديقاً يظهر له الود، ويتصنع معه الوجد. وهو في الحقيقة مغتاب، يكشف سره، ويفضح أمره:

وإذا الحليمُ رمَى بسرِّ صديقهِ ***** عمْداً، فأولى بالوَدادِ الأحمقُ

مَن كان يغتابُ الرجالَ وهمَّ أنْ ***** يبلوالأصادقَ فالصديقُ المُطرقُ

وهكذا تحوَّل تفاؤله إلى تشاؤم ، وسروره إلى معاناة من لؤم الخلائق ومع ذلك ظل مخلصاً الإخلاص كله، يمنح كل قلبه لمن يبدي له بعض المودة. وإذا شعر بحرارة صداقة أحدهم أشاد به وأثنى عليه. وإن أحسَّ بعداوة من أحدهم أظهر غيظه، وكتم اسمه.

ومن أفضل ما عُرف عن أخلاقه العالية أنه كان شديد الود مع الأصدقاء محَّبأ لأهل القلم من الزملاء، لا يعبأ بدين صديقه ولا بمذهبه، ما دام مخلصاً معه وهذا الطائع الذي يخالفه في مذهبه، وهذا الصابيء الذي لا ينتمي إلى دينه خير شاهد على ذلك.

وفاء الرضي:

ومحبته لأصدقائه أثبتت وفاءه لهم. بل لقد ضُرب المثل في وفائه في وقت كان لأمان في بغداد معدوماً، والاستقرار مفقوداً. والأوضاع السياسية المضطربة تضطر الكثيرين غالباً إلى اهمال كلمة «وفاء» من معاجم حياتهم ، حفاظاً على أرواحهم.

أما الرضي فلم يكن ذلك الإنسان الذي يخاف الأحداث لأنه اعتادها. وينسى آلامه حين يكتشف محبة صديق له، فيفديه بروحه ، ويشيد بأخلاقه في شعره.

فهذا ابن ليلى، اعرابيّ من الصحراء، لقي من مراثي ما يتمناه كل إنسان.

وهو إن بكى صديقه لا يكتفي بقصيدة واحدة، فالوجد عنده لا يسلى . فتراه يتحين الفرص النادرة ليستعيد ذكرى صديق سلبته إياه المنون، ويشيد بمآثره ويبكيه بقلب شاك حنون.

ولعل أغرب صور الوفاء لديه بكاؤه النساء كبكائه الرجال. وهذا خروج عن تقاليد العرب. فما اعتاد العربي أن يبكي غير معشوقته أو حليلته.

أما الشريف فإنه بكى النساء، وعزّى اصحابه بنسائهم وأمهاتهم، وهذا  نادر عند العرب ، وإن كان يدل على اخلاق سامية. ومشاركته الوجدانية هذه ربما رجعت إلى تقديره لأمه السيدة فاطمة، فهي التي علمته قيمة المرأة إذا غاب الرجل.

وهو يؤمن بالوفاء، ويراه ضرورة لازمة للمرء. لكنه يؤمن كذلك بأن الوفاء لا يكون صافياً دائماً، وقد ينقلب إلى غدر، وليس عجيباً أن يتطبع المرء ببعض طباع الزمان:

فلئن وفيتَ فما الوفاءُ ببدعةٍ ***** إنَّ الوفاءَ لذي الصفاء شعارٌ

ولئن غَدرتَ ولا عجيبُ أنَّه ***** بعضُ الزمانِ ببعضه غدّارُ

ووفاؤه النادر قاده إلى تلافي الفتن بين الطوائف الإسلامية (ولا سيما فتنة سنة ٣٨٠)، وإلى تعزيته بعض أهله وعدداً من الأمراء بأعزائهم، وإلى انتهاز الفرص المفرحة ليهنىء فيها ذويه ومعارفه.

وقد دفعه وفاؤه كذلك إلى رثاء المسلم وغيرالمسلم، والشيعي وغير الشيعي، والعربي وغير العربي، الأقربين والأبعدين، الصغار والشيب. وهذا الرثاء يدل على مشاركة وجدانية ومعان خلقية صادقة نادرة.

واعترافه بالجميل نوع من  الوفاء ، نوع من الشمائل الحميدة ، فكم يشعر بالغبطة تلفُّ جوانحه حين يقدم له أحدهم خدمةً ما، فانظر إليه ولسانه يلهج بالشكر:

لأشكرنَّك ما ناحت مطوقةُ ***** وإنْ عَجَزْتُ عن الحقِّ الذي وَجبَا

فما التفت إلى نعماءَ سابغةٍ ***** إلا رأيتُك فيها الأصل والسَّببا

ومدحه للخليفة عمر بن عبد العزيز ألا يعدُّ اعترافاً بالجميل الذي قام به نحو آل البيت ؟ ويدل هذا أيضاً على أدب جمَّ لدى الرضي.

غير أنه يصرِّح صادقاً ببغضه لبني أمية:

يا بنَ عبد العزيز! لوبكتِ العَيـ*****ـنُ فتىً من بني أميةٍ لبكيتك

غيرَ أني أقولُ إنكَ قد طِبـ*****ـتَ، وإنْ لم يطبْ ولم يزكُ بيتُكْ

وعجيبُ أني قَلَيتُ بني مر*****وان  طرّا، وأني ما قَلَيتُكْ

مدائحه وأخلاقه:

ارتبطت فكرة المديح عند العرب بذلِّ التكسب. ولهذا لم نجد أميراً يمدح تكسباً لعدم احتياجه الى المال.

وقد امتاز السيد الرضي بكبرياء عالية تأبى عليه الاستعطاء ولا يعني ذلك أنه لم يمدح، لأن ثلث ديوانه في المديح. إلا أن اخلاقه النبيلة كانت ترفض مبدأ التكسب أصلاً، لأنه كثيراً ما صرَّح بأنه فوق مستوى الشعراء(من الناحية النفسية).

وما مدائحه إلا صورة لصدقاته، ينظمها ويهديها إلى أصدقائه ليكسب بها ودَّهم لا ليبتزَّ أموالهم.

وكم ذكرنا انه مدح الطائع خليفة ومدحه خليعاً.

ورثاؤه لهم نوع من الوفاء كذلك.

وقصة ألف الدينار، التي وصلت إليه من الوزير البويهي ورفضه أن يتسلمها، برهان على عفته، والصورة المثلى لاخلاقه في مدائحه ما قاله للطائع.

أريد الكرامة لا المكرمات ***** ونيلَ العُلا لا العطايا الجِساما

لكنه يقبل الهدية، ويوافق على الهبة التي تردَ إليه على إخلاصه في عمله وأداء واجباته، شريطة الا يكون لها علاقة ما بشعره.

أدب الغزل:

حافظ السيد الرضي على تعاليم دينه تماماً، واعتبرها أساساً في التخلّق بها. فلم يُعهد عنه تقصير، أو تهافت على الملذات، أو إقبال على شرب الخمرة، وهو إن وصفها فبناءً على طلب. كما كان شديداً على شاربي النبيذ ، مع أنه عراقي، وقد أحسن ابن أبي حديد إذ قال عنه: «كان عفيفاً، شريف النفس، عالي الهمة، ملتزما بالدين وقوانينه. ولم يقبل من أحد صلة ولا جائزة، حتى إنه ردَّ صلات أبيه وناهيك بذلك شرف نفس وشدة ظلف...» [٦] .

وهو إذا شاهد مجالس الأنس اعرض عنها، وإن سمع الألحان صمَّ أذنيه قال:

وأعرض عن كأسِ النديم كأنها ***** وميض غمام غائر المُزْنِ خُلَّبُ

وقورُ فلا الألحانُ تأسِرُ عزْمَتي***** ولا تمكُرُ الصهباءُ بي حينَ أشربُ

ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها ***** ولا أنطقُ العوراء والقلبُ مُغضَبُ

وهو يأمر بالمعروف، ويتحلى به، يزجر الناس ويعفُّ:

وفطمتكم بالزَّجرِ عن عاداتِكم ***** ورَددْت مُنكَرَكمْ إلى المعروفِ

عَفُّ السَّريرةِ لم تُلطَّ لريبةٍ ***** يوماً عليَّ مغالقي وسجوفي

ومن معانيه الخلقية في مقام الغزل، أنه كان يُغضي حياءً، ويتخيَّر الألفاظ المهذبة، ويغازل بأدبٍ جم، لعفّته،وتدينه ، وخوفاً من تصيد خصومه لسقطاته.

أنا لا أقول إن قلبه قُدَّ من صخرأصمّ، ولا أدعو إلى ما ليس فيه، ولا أدَّعي نقِاء شعره من الغزل. لكنني أجزم أنه كان حييّاَ عفيفاً، لا يقولُ إلا ما هو مباح لشاعر سيد، ولا ينشد إلا ما هو مسموح به لشاعر شريف ، فهو يبتعد عن اللقاءات المشبوهة، وإن لقي محبوبته صرَّح بأنه عفيف القول، عفيف الفعل:

وظبيةٍ من ظباءِ الإنسِ عاطلةٍ ***** تستوقفُ العَينَ بينَ الخمصِ والهَضَمِ

ربتنا ضجيعين في ثوبَيْ هويً وتُقىً ***** على الوفاءِ بها والرّعيُ للذِّممِ

فقمتُ أنفضُ بُرداً ما تَعلَّقَهُ ***** غيرُ العفافِ وراءَ الغَيبِ والكَرمِ

ثمَّ أنْثنينا وقد رابتْ ظواهرُنا ***** وفي بواطننا بُعْدُ عنِ التُّهمِ

ما أسمى هذه العفة ! وما أروعها اخلاقاً عربية، وذمة إسلامية لفتى يصطرع فيه الجوى والأدب ومع ذلك فهو يتحاشى هذه اللقاءات مهما عفَّت، ويتهرب من المحبوبات ما أمكنه، وقلبه الفتيُّ مفعم بالوجد:

أقِلُّ سلامي إن رأيتُكِ خيفةً ***** وأُعرِضُ كيما لا يقالُ مُريبُ

وأطرقُ والعينانِ يُومِضُ لحظُها ***** إليكِ، وما بينَ الضلوعِ وجيبُ

وما ألطف صورته العفيفة حين يصور نفسه ضجيع محبوبته، والسيف مائل بينهما. بالله راقبوا معي هذه الأخلاق النبيلة، والصورة الجميلة الجديدة في قوله:

تُضاجِعني الحسناءُ والسيفُ دونَها ***** ضجيعانِ لي والسيفٌ أدناهما منِّي

إذا دنت البيضاء مني لحاجةٍ ***** أبى الأبيضُ الماضي فأبعدها عنِّي

حكمه الأخلاقية:

يحرص الرضي كل الحرص على تقديم النصح ما وسعه ذلك، ويحهد في أن يكون معلم أخلاق في كل فعل وقول. ولا نكاد نجد قصيدة في ديوانه إلا وهي مزينة ببعض! الحكم والنصائح التي تنمُّ على خلق سويّ وعزم أبي دأبه مساعدة الناس قولاً وعملاً.

فهو إن خاطب صديقاً خاطبه بلهجة النَّصيح، وإن مدح أحدا أجزل له الموعظ والحكمة.

والحث على الكرم العربي من ابرز نصائحه ويعلن ان البخل  ذل، والكرم عز:

أَبُثُّكَ أن المالَ عارٌ على الفتى ***** وما المالُ إلاّ عِفَةُ وقُنوعُ

ويطيل الحديث عن الكرم والمال، ثم يبين جشع الناس نحوه، ونظرتهم المادية إلى الرجل الغني والرجل الفقير، وهي حقيقة ما زالت معترفاً بها، وأحسب أن الزمان سيثبت ديمومتها:

قد عزَّ من ضَنَّت يداه بوجههِ ***** إنَّ الذليلَ من الرجالِ الطالبُ

إنْ كان فقر فالقريبُ مُباعدٌ ***** أوكان فالبعيد مُقارِبُ

وأرى الغنيَّ مطاعناً بثرائه ***** أعداءهُ، والمالُ قِرْنٌ غالبُ

وينصح المرء بالإقدام وعدم التواني:

سابِقْ فليسَ تُنالُ أَغـ*****راضُ المنى إلا سِباقاَ

ويحضه على عدم الخلود إلى الراحة، وعدم الإقبال على الراح لأنهما ذل للإنسان:

الراح والراحةُ ذلُّ الفتى ***** والعزُّ في شٌرب ضَريبِ [٧] اللقاحْ

في حيث لا حُكمُ لغير القَنا ***** ولا مطاعُ غير داعي الكِفاحْ

وعلى حساب قيمة الزمن:

خذِ الوقت والعلمْ بأنَّ اللبيبَ ***** يأخذُ من يومهِ للغَدِ

وهو إذا نصحهم بالإقدام ، والبحث عن المجد، فإنه ينصحهم بضرورة التحلي بالقناعة، لأنها خير كنز:

إني لأعجبُ من رجالٍ أمسكوا ***** بحبائل الدُّنيا، وُهنَّ رِثاثُ

كنزوا الكنوز، وأغفلوا شهواتِهمْ ***** فالأرض تشبعُ والبطونُ غِراثُ

أتُراهُم لم يعلموا أنَّ التُّقى***** أزوادُنا، وديارنا الأجداثُ؟

وأغلب حكمه الخلقية تتمثل في التفاؤل، والإقدام ، والكرم ، وترك بهرجة الدنيا الفانية وهي كلها نتيجة تجارب ونتائج ومعاناة، يرويها من إحساسه بالآلام التي تصدمه في الحياة:

عاداتُ هذا الناس ذَمُّ مفضِّلٍ***** ومَلامُ مِقدامٍ، وعذْلُ جوادِ

ولقد عجِبتُ ،ولا عجيبُ أنَّه ***** كلُّ الورى للفاضلين أعادي

وينصحهم بالوفاء بالوعد، وبأداء العهد. فالعربي إذا وعد وفى. وعلى المرء ألا يعد إلا بما هو قادر على أدائه، حتى لا يُتهم بالتقصير:

إياك أنْ تسخر بوَعـ*****ـدٍ ليسَ عزمُك أن تَفي بِه

فالصدق يحسُنُ بالفتى***** ولاكِذْبُ يُحسَبُ من عُيوبِه

وإذا قَدرْتَ على الوفا ***** ءِ، فعدِّ عن غَدرٍ وذِيبه

ومع أنه أكثر الشعراء ضيقاً من بياض شعره، وقد داهمه بُعيدَ العشرين، فإنه استطاع أن يقدم بعض العظات عن طريق الشيب، ولا سيما في مجال العفّة.

إذا ما امرؤٌ لم يكسه الشيبُ عفَّةً ***** فما الشيبُ إلا سُبَّةً للأشائِب

خاتمة المطاف:

طوبى لك الجنة أيهذا الشاعر الشريف العفيف، «ذوالفضائل الشائعة والمكارم الذائعة. كانت له هيبة وجلالة، وفيه ورع وعفة وتقشّف ومراعاة للأهل والعشيرة» [٨].

طوبى لك الجنة، يا من عانى من جور مجتمعه ما عانى، ولقي من صحبه ما لم يلقه مُعاند، وناضل في سبيل الشرف أنبل نضال. كان مدرسة خلقية، وروضة مذهبية، تحرص الحرص كلَّه على نصح البشرية، والسير بها في مسالك الخير والعفة والسعادة.

ولقد تعمدت ان اقصر موضوعي في الحديث عن أخلاقه من وراء شعره لا من وراء من كتبوا عنه، حتى لا أنساق مع الذين كتبوا عنه عشاقاً ومريدين. وما دريتُ أنني وقعت في حبه، وكدت أسير في دربه. فقد، والله كنتُ أتصوره في مخيلتي معلماً ناجحاً، وواعظاً مرشداً، وأخلاقياً ممتازاً.

ولم يكن ما ذكرته جلَّ ما رصدته، ولا ما حصدته فيض توجيهاته. فديوانه من الدواوين العباسية النقية، التي كان اصحابها يسهرون بأنفسهم على تدوينها وتنقيحها وحذف الشارد.وإسقاط المتهافت منها. بهذا البحث جزء من تصوراتي وبعض من مقتطفاتي، فإن أجدتُ فمنه، وإن قصَّرت فمن ضعف تذوقي.

رحمك الله أيها الإنسان العنيد، ذوعزيمة  تفل الحديد. ولو حلَّ بغيرك بعض ما حل بك لتشاءم، ولبلغت السكين الوريد.

وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً

----------------------------------------------------------------------
[١] . مصحب: ذليل. منقاد .
[٢] . الذريعة: ٩/٢٢٢ .
[٣] . الحوب: الإثم، الجنيب: الفرس تقوده إلى جنب فرسك في السباق، الذريعة: الوسيلة.
[٤] . تقدر: تجعله مقدوراً.
[٥] . البتيّ: با ئع البت، وهو الطيلسان من خز ونحوه، أو نسبة إلى «البت» قرية في العراق قرب راذان. التباريح: التوهج.
[٦] . شرح نهج البلاغة: ١/٣٣.
[٧] . الضريب: ما حلب بعضه فوق بعض من عدة لقاح.
[٨] . ابن عنبة ، عمدة الطالب: ٢٠٦.

مقتبس من مجلة العرفان العدد ٧٣٦

****************************