وقال (عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِب فِيكَ نُقْصَانُ حَظّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِد فِيكَ ذُلُّ نَفْس.                
وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام) : هَلَكَ فِي رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَال ، وَمُبْغِضٌ قَال .                
وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                
وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                
وقال (عليه السلام): مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ.                

Search form

إرسال الی صدیق
الوعي بالزمن في نهج البلاغة

الدكتور: عبد الحسين العمري

(جامعة ذي قار)

بوابة البحث : 

لعل الشعور بالوعي بالزمان ومحاولة الإفادة من ذلك، إنما تمثل مهمة كبرى من مهمات المعرفة البشرية، ولعلّ محاولة الإفادة هذه، تبنى على معطيات باطنية وظاهرية، أما الباطنية منها فإنها تقوم على أساس استثمار الطاقات الكامنة في العقل الذاتي وحشد الأشكال والأصوات والأحداث في صور مقصودة يجري تركيب بعضها مع بعض بطريقة تـنم عن فعل باطني يستغل المعرفة بشكلها الزماني وعلاقتها باستقراء الزمان في ألما بعد وألما قبل فضلاً عن اللحظة الحاضرة، بما يتيح لها حرية استجلاء الصورة أو مجموعة الصور المتكاملة للأحداث وحينها تصبح المعرفة بشكل يمكّن الفعل الباطني أن يهيمن على استثمار الزمان من خلال الوعي به .

وأما المعطيات الظاهرية، فهي الأخرى تقوم على أساس التماثل بين صورة أو صور الأحداث والأشكال والأصوات في الباطن ومدى المطابقة مع الوجود الواقعي لها، ومن هنا يتم استثمار الزمان ببعديه الموضوعي والواقعي بما يمنح المعرفة الفرصة لتتربع على قاعدة الوعي بالزمان، الذي يعد بكافة أبعاده ـ المُحَسة والواقعية  ـ على رأي أرسطو أنه (مقياس أو وظيفة للحركة)[١]؛ لأنه متعلق بصيرورة الفعل الذي يقوم به الجسد، مما جعله ينعكس في مرحلة من مراحله فيفسَّر على أساس أنه (بعد كلي.. يمكن أن تقاس عليه الخصائص الفيزياوية الأخرى)[٢] بمعنى أن (الزمان يقتضي أن تكون الحركة قابلة للقياس)[٣].

إن الوعي بالزمان حينما يشير إليه أدموند هوسّرل على أن القس أوغسطينوس أو أوغسطين ـ كما يسميه ـ هو أول من عانى صعوباته بغية معرفته[٤]، إذ أن هوسّرل بيّن حقيقة هي يمكننا أن نقول مع أوغسطين (لئن لم أُسأل في الزمان ما هو، علمتُ ما هو، وإن سُئلتُ ما هو، جهلت ما هو)[٥]  بمعنى أن تعريف الزمان لديه لا يمكن البت فيه من غير معرفة الماهية التي يكون عليها الزمان ذاته؛ لأن السؤال عنه يحتاج إلى إجابة تمحيصية تعطي إضاءات تهدي إلى تعريف الزمان الذي يمكن تعريفه بأنه إدراك ذاتي في الأساس، كما يشير عالم الاجتماع الألماني نيكلاس لومان إلى أن أوغسطينوس لم يكن يعرف الزمان تلك المعرفة التي تشير إلى الوضوح الكامل في رؤية التعامل مع الزمان[٦]، في الوقت الذي يذكر فيه لومان أن أوغسطينوس كان يعرف أن (الزمان يأتي من المجهول، المعتم، من الغيبي السابق ويختفي في العتمة)[٧]، وهذا يعطينا الحق في القول أن الوعي بالزمان لا يمكن أن يتأتى لأيٍّ كان؛ لأنه مسألة ذات ضبابية في المفهوم يتعذر على العقل القاصر معرفتها؛ لأنها تشير إلى معنى دقيق بعينه إشارة محددة؛ لأن  الزمان ـ في الواقع ـ وعي للذات؛ إذ أن كل السؤال يكمن في معرفة بأي شروط يصبح الزمان وعياً للذات، ولعل الوعي للذات هنا هو الذي يسهم في تحديد أقسام الزمان التي هي (ألما قبل) و(ألما بعد) وما بينهما الذي ندعوه بالحاضر الذي نعيشه والوعي به يتم من خلال إدراكه من قبلنا مباشرة باللحظة الحاضرة التي لها طبيعة خاصة في إدراكها وحركتها ووجودها لأنها الانفصال بين الماضي والمستقبل فهي كالنقطة الهندسية التي لا طول لها ولا عرض ولا ارتفاع[٨]، ومن هنا يمكن القول بأن للوعي بالزمان مظاهر ثلاثة لتقديره  من قبل العقل البشري .

أول هذه المظاهر هو الوعي بزمان الحاضر اليومي من حيث هو يمثل المركز في بنية التعامل مع الزمان ـ كما رأينا قبل قليل ـ الذي يعني إدراك للفترة أو الفترات  الزمنية التي تمر بنا ولا نحس بها .

وثاني المظاهر يتعلق بإدراك ديمومة الزمان التي تتلخص في تقدير وقوع الأحداث من حيث وجودها في وعينا بالزمان وعلاقة ذلك بالجسم البشري من خلال الإحساس الحرارة والبرودة ـ مثلاً ـ وتأثيرهما على قوة تقدير المدة الزمانية التي تكون مشابهة لتأثيرها على سرعة التفاعل الكيميائي البسيط[٩]، مما يعني أن الانطباع الذي يكوّنه العقل البشري عن طول أية مدة زمانية يتوقف في جزء منه على قوة نشاطه في أثناء تلك المدة .

أما ثالث مظاهر الوعي بالزمان فهو يعني الوعي بامتداد الوعي خلال الزمان في الماضي والمستقبل عن طريق الذاكرة والتوقع، الذي يكون عن طريق نمو تقديرنا للزمان عبر المراحل الزمانية التي يمر بها عمر الإنسان، وهي التي تترجم ذلك الإحساس بالزمان ومراحله ونسبة تفاعلنا معه عبر حاجتنا إلى استغلاله، وكيفية توظيف تلك المدد الزمانية في الاستذكار والتوقع للمستقبل وفق رؤية تتناسب وحجم الوعي بالزمان في ماضيه وحاضره ومستقبله، وهذه الرؤية هي التي يمكن التعويل عليها في الوعي بالزمان في نهج البلاغة؛ لأننا من خلال البحث سيتبين لنا أن الوعي بالزمان في نهج البلاغة ليس وعياً قائماً على التذكر لمدد زمنية مرت  بعد الولادة أو الخروج من رحم الأم وأصبحت بمثابة العمق الزماني للوعي به لدى الإمام علي (علیه السلام)، إنما تقوم على عمق زماني ووعي بذلك العمق الزماني من سرد أحداث ووقائع  بتفاصيل تكاد تقترب من المستحيل في تذكرها لأي إنسان مرت عليه وقائع وأحداث عايشها خلال سني حياته إلا بما تستطيع أن تجود به الذاكرة التي تصبح مشوشة كلما استنفد العمر أيامه فكيف بأحداث لم يشهدها برؤية عينية تتناسب ووجوده المادي على وجه الأرض، لذلك نجد أن هذا الأمر غير موجود إلا في نهج البلاغة، إذ أننا ـ من خلال استعراض الإمام (علیه السلام) لحركة الزمان والوعي به ـ نجد أن تفصيل ذلك يجب أن يكون بطريقة تتجاوز المألوف إلى البحث في الإمكانيات الذاتية للعقلية العلوية التي أثبتت أنها تنتمي إلى غير المألوف عبر ممارساتها اليومية تطبيقياً، ولابد من تفصيل ذلك على نقاط لبيان فكرة البحث من خلال تناول تقسيمات الزمان التي ذكرناها آنفاً.

١ـ الوعي بالزمن (ألما قبل) :

وهو ما يمكن أن نحصره في جملة واحدة تختصر المعنى كله حينما نقول بأنه فهم قائم على أساس الوعي المدرك لحركة الزمان المنصرم، ويتلخص هذا الفهم باستذكار الأحداث والوقائع والأصوات التي مرت عبر ما مضى، من خلال استيعابها في الذهن بناء على حركيته الواعية التي تتساوق فيها تلك الأحداث والأصوات والوقائع كلٌّ يقترن بالمناسب له بعيداً عن الانفصال غير المنضبط في حركته، مرهوناً بحركة الوعي الباطني بالزمان،التي تدخل ضمن القصدية التي تنطلق من وعي بـ(ألما قبل)، لا على سبيل الحدس المتخيل بل على أساس الفهم والذكر اليقيني الذي لا يخرج عن أبعاد الغاية المرجوة من خلال عرض تلك الأحداث والوقائع والأصوات  بصورة مفصلة أو مجملة وحسب الحاجة إلى ذلك، يتجلى ذلك واضحاً من خلال استعراضنا لخطبته الأولى في نهج البلاغة بجميع فقراتها إذ يقول في أثنائها مدركاً للوعي بالزمان في كلامه عن ابتداء خلق السماء والأرض مستعملاً أداة العطف (ثم)  في بدء كل فقرة من فقرات الخطبة والأدوات الأخرى (الفاء، الواو) بين فقرات الكلام، كلاً حسب أهميته في التتابع الزماني بين فقرات الخطبة للدلالة على التعامل مع الزمان من خلال (التسلسل في سردٍ لأحداث الخلق يشير إلى حالة المشاهدة أو الإخبار الحقيقية)[١٠]، وهذا هو الوعي بالزمان الذي نشير إليه  في كل تفصيلاته غير المعروفة للمتلقي، وكل أداة من أدوات العطف هذه قد أوكل إليها مهمة في الوعي لا تفارقها فيقول :

(... أنشأ الخلق إنشاءً، وابتدأه ابتداءً... (إلى أن يقول) ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء، وشق الأرجاء، وسكائك الهواء .....) وهنا يكون الوعي بالزمان من خلال  رؤية التعقيب في قضية الخلق باستعمال الأداة (ثم) التي تعني الفسحة الزمنية في الخلق لا على أساس التراخي من قبل البارئ عز وجل، بل من خلال تراتبية الإيجاد لهذه المخلوقات، وكأنه حينما يذكر الأداة (ثم) في بدء كل فقرة كقوله (....ثم أنشأ سبحانه ريحاً اعتقم مهبها، وأدام مربّها، وأعصف مجراها، وأبعد منشأها....) والفقرات التي سنستعرضها التي تبدأ بالأداة (ثم)، إنما يشيراسعمالها إلى بداية خلق جديد آخر غير الذي ذكره في الفقرة السابقة أو الذي سيذكره في الفقرة اللاحقة، مما يبين أن الوعي بالزمان ضمن المدارك المتوافرة، أي أن الزمن مسيطر عليه من خلال الرؤية التي تتحكم بتراتبية ذكر المخلوقات، ولنأخذ فقرة أخرى من فقرات الخطبة فيقول فيها (....ثم زيّـنها بزينة الكواكب، وضياء الثواقب، وأجرى فيها سراجاً منيراً، في فلك دائر، وسقف سائر، ورقيم مائر ....) وينتقل إلى فقرة أخرى بعد كلام فيأتي بالأداة (ثم) فيقول(... ثم فتق مابين السموات العلا، فملأهن أطواراً من ملائكته، منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافّون لا يتزايلون، ومسبّحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا فترة الأبدان، ولا غفلة النسيان....) وبعد كلام يأتي بالأداة (ثم) كذلك فيقول (.... ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها، وعذبها وسبخها، تربة سنها بالماء حتى خلصت، و لاطها بالبلة حتى لزبت، فجبل منها صورة ذات أحناءٍ ووصولٍ، وأعضاءٍ وفصولٍ، أجمدها حتى استمسكت، وأصلدها حتى صلصلت، لوقت معدود، وأجل معلوم ....) بعدها ينتقل مباشرة إلى فقرة جديدة تدل على أن مديات الخلق تأخذ زماناً لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، مبيناً أن الروح لم تنفخ في تلك الصورة التي تحدث عنها في الفقرة السابقة مباشرة، إنما تركت الصورة  زمناً حتى نفخ فيها الروح، فيقول (ثم نفخ فيها من روحه فتمثلت إنساناً ذا أذهان يجيلها، وفكر يتصرف بها، وجوارح يختدمها، وأدوات يقلّبها، ومعرفة يفرّق بها بين الحق والباطل .....) وبهذا فهي تحولت إلى إنسان حقيقي يحمل صفته الحقيقية بمجرد النفخ فيها، وبعد تفصيل في الكلام يأتي بالأداة (ثم) في بداية فقرة جديدة فيقول (... ثم أسكن آدم داراً أرغد فيها عيشته، وآمن فيها محلّته ....) وبعد كلام قصير يأتي بالأداة (ثم) في قوله(.. ثم بسط الله سبحانه له (آدم) في توبته، ولقّاه كلمة رحمته ووعده المردّ إلى جنته ...) وبعد كلام يطول في تفصيل ما يريد، يأتي بالأداة (ثم) في قوله (...ثم اختار سبحانه لمحمد صلى الله عليه لقاءه، ورضي له ما عنده، وأكرمه عن دار الدنيا، ورغب به عن مقام البلوى، فقبضه إليه كريماً، وخلف فيكم ما خلفت الأنبياء في أممها ـ إذ لم يتركوهم هملاً بغير طريق واضح...).

وبعد هذه الفقرة من كلامه لم يعد يذكر الأداة (ثم) في باقي الخطبة، وهذا يجعلنا نقول إن تلك المدد الزمانية التي تتباعد فيما بينها قد انتهى أثرها في الواقع الذي بدا للناظر شيئاً مألوفاً، فانتفت بذلك الحاجة إلى استعمال تلك الأداة،  فهو يستعمل حرف العطف (الواو) للدلالة على المصاحبة الإيجادية أو الحدثية ـ إن صح التعبيرـ فيما بين الأحداث التي جرت .

ما فيما يخص الأداتين اللتين استعملهما الإمام في أثناء فقرات الخطبة وهما (الواو والفاء) فإننا نلحظ أن استعماله لهما كان بين فقرات الكلام، و(الواو) أكثر استعمالاً من (الفاء)، والاثنان أكثر استعمالاً من (ثم)، مما يدلنا على أن لكل أداة ارتباط بالزمان الذي تدل عليه  كما عبّر الشاعر أبو العلاء المعري بقوله[١١]:

إذا مات ابنها صرخت بجهلٍ ***** وماذا يستفيد من الصــراخ

ستتبعه كفاءِ العطف ليسـت ***** بمهلٍ  أو كثمَّ على التراخي

وهذا يعني أن الإمام كان يمتلك وعياً بالزمان تمكّن من خلاله أن يبين عن طريق استعمالاته اللغوية تلك التراتبية الزمانية في خلق الموجودات، أولاً، والمدد الزمانية التي تحتاجها في عملية الخلق، ثانياً، والذهاب إلى تفصيلات الخلق بوعي بالزمان لا يمكن أن يخطئ في ترتيبه الزمني التتابعي الذي يدل على ذلك الوعي بالزمان من خلال الإتيان بتفصيلات تمارس (الواو) فيها دورها، بوصفها أداة تدل على استرسال لفظي يؤشر إلى استرسال إيجاد مصاحب أو حدثي من قبل الخالق عز وجل في ترتيب المخلوقات ذات العلاقة بالمخلوق الأول الذي تبدأ فيه الفقرة، فيقول:

(....أحال الأشياء لأوقاتها، ولاءم بين مختلفاتها، وغرّز غرائزها، وألزمها أشباحها )، ففي الجملة الأولى (أحال الأشياء لأوقاتها) إشارة مؤكدة إلى أهمية الزمان في الترتيب الوجودي فكل حدث مرتبط بزمان،  وحين لا يحتاج إلى أية أداة لكي ينتظم الوعي بالزمان من خلالها يأتي بالجملة التي تكمل المعنى (.. عالماً بها قبل ابتدائها، محيطاً بحدودها وانتهائها، عارفاً بقرائنها وأحنائها...)، وتكثر الجمل التي يستعمل فيها الواو كثرة لافتة للنظر؛ مما يدل بشكل لا يقبل الإنكار على أن تفرعات الخلق والوجود هي أكثر من أن تحصى في كلام؛ لأن الخلق مستمر متجدد في كل لحظة وبذلك يخرجنا الإمام (علیه السلام) من دائرة حصر المخلوقات إلى دائرة التجدد والانتشار في الخلق .

أما فيما يخص الأداة (الفاء) فإن استعمالها يشير إلى أن الزمان متقارب حد التتابع الملحوظ في الخلق، ولعل إشارة المعري السابقة من الدقة بمكان؛ إذ أننا نجد في الخطبة ما يثبت ذلك كما في قوله:             

(....... فـأجرى فيها ماءً متلاطماً تياره، متراكماً زخّاره، حمله على متن الريح العاصفة، والزعزع القاصفة، فـأمرها بردّه، وسلطها على شدّه، وقرنها إلى حدّه، الهواء من تحتها فتيق، والماء من فوقها دفيق.......).

ويقول في مكان آخر من الخطبة ذاتها(.... فـأمرها بتصفيق الماء الزخار.... فـمخضته مخض السقاء، وعصفت به  عصفها بالفضاء .... فـرفعه في هواء منفتق، وجوٍّ منفهق، فسوّى منه سبع سموات ....).

واللافت للنظر، أن الإمام (علیه السلام) لم يستعمل الأداة (ثم) في القطعة التي يتحدث فيها عن الملائكة ماعدا مرة واحدة في بدء القطعة  استعملها للإشارة إلى ذلك الخلق الجديد الذي سيملأ به السموات العلا، بل اقتصر فيها فقط على حرف (الواو) مما يعني أن خلق الملائكة تم دفعة واحدة دون أن يكون في كلامه عن خلقهم أية إشارة  تدل على أن خلقهم قد تم على دفعات، وقد جاء بالأداة (الفاء) مرة واحدة لبيان الحال التي بدأ بها إيجاد الملائكة في فتوق ما بين السموات العلا، وهو ما نراه في قوله:

(ثم فتق ما بين السموات العلا، فملأهن أطواراً من ملائكته، منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا فترة الأبدان، ولا غفلة النسيان ........ لا يتوهمون ربهم بالتصوير، ولا يُجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدونه بالأماكن، ولا يشيرون إليه بالنظائر ..) مبيناً الحال التي عليها هؤلاء الملائكة من حيث عبادتهم وطبيعتها وتوجهم إلى البارئ عز و جل .

٢ ـ الوعي بالزمان (الحاضر) :

إذا كان الزمان عند بعض الباحثين ذهنياً لا موضوعياً فهذا يعني أن (الذهن هو الذي يرتب العلاقات بين أقسام الزمان الثلاثة، الماضي والحاضر والمستقبل، بوساطة ثلاث وظائف، هي التوقع والانتباه والذاكرة)[١٢]، مما يعني أن الذهن سيكون بمقدوره تقدير اللحظة الحاضرة التي هي ستكون جسراً واصلاً بين الزمان الماضي (ألما قبل) والزمان المستقبل (ألما بعد)، ليس على سبيل التتابع البسيط بين الحوادث والأشياء بل هو نظام يجب أن يوضع  بين تلك الحوادث والأشياء لكي يكون هناك إدراك لانسيابية الزمان من خلال ما تقدمه اللحظة الحاضرة من نسبية الحركة وبيان السببية والنتائج المنظورة وغير المنظورة من خلال تدافع حركة الزمان، وفي نهج البلاغة كانت اللحظة الحاضرة بمثابة المنتج الطبيعي لتلك الحركة الزمانية أو هي التي يمكن للقدرة العقلية من خلالها أن ترى الترتيب في اتجاهين (ألما قبل ـ ألما بعد) ما يعني أنها ستكون تلك النقطة الهندسية التي لا طول لها ولا ارتفاع ولا عرض ـ كما أشرنا آنفاًـ يقول الإمام علي (علیه السلام) في إحدى كلماته:

(على ذلك نسلت القرون، ومضت الدهور، وسلفت الآباء، وخلقت الأبناء،إلى أن بعث الله سبحانه محمداً صلى الله عليه فنجاز عدته، وتمام نبوته، مأخوذاً على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته، كريماً ميلاده، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة واهواء منتشرة، وطرائق متشتتة، بين مشبه لله في خلقه، أو ملحد في اسمه، أو مشير إلى غيره، فهداه به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة ...).

يبدو البحث في الدوائر الزمانية الصغرى التي تؤلف الدائرة الزمانية الكبرى في حركة الكون أمراً غير مألوف على خلفية اتساع تلك الدائرة بما تحتويه من حركة دائبة في هذا الكون الفسيح، وعليه يكون التنقيب في مكونات الأحداث من الصعوبة بمكان على المتلقي لكلمات الإمام علي (علیه السلام)؛ لأنها تسدل ستاراً سميكاً على دائرة الأحداث التي يرى في النظر في تفصيلاتها شيئاً غير ذي بال؛ لأجل الوصول إلى اللحظة الحاضرة، فيقول (على ذلك نسلت القرون، ومضت الدهور، وسلفت الآباء، وخلفت الأبناء، إلى أن بعث الله سبحانه محمداً صلى الله عليه ......) فهو يختزل حركة الأحداث في دائرة صغيرة من الألفاظ المؤدية للمعنى بما يتوافق مع حركة الزمان والوعي به من قِـبـَلـِه؛ إذ يمثل هذا المنظور استجابة ضمنية للفهم القاصر عن إدراك تلك التشعبات الزمانية في حركة الأحداث، فجاء نسق الجمل على هذا المنوال؛ لكي يصل إلى إحدى الدوائر الكبرى في حركة الأحداث وهي الرسالة المحمدية، بل لعلها تكون الدائرة الأكبر في الوعي بحركة الزمان مشيراً إلى تسبيب تلك الحركة الزمانية والغاية من ذلك (...لإنجاز عدته، وإتمام نبوته...) وهذا الإنجاز والإتمام إنما تتحدد صورته (بنحو طبيعي في صورة ـ لغة وفي صورة ـ فكر، فما يكونه الماضي في الزمن، يكونه المعنى في اللغة، وتكونه الفكرة في الفكر)[١٣] هذا إذا فهمنا أن (المعنى كماضٍ للغة هو شكل وجودها القبلي)[١٤] كما في قوله عليه السلام (....مأخوذاً على النبيين ميثاقُه، مشهورةً سماتُه، كريماً ميلادُه ...) لينتقل بعدها إلى ربط اللحظة الحاضرة زمانياً من حيث حركة الحدث فيقول (....وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة، وأهواء منتشرة، وطرائق متشتتة، بين مشبّهٍ لله بخلقه، أو ملحدٍ في اسمه، أو مشيرٍ إلى غيره...)، والحديث عن مفصل زماني بحد ذاته لا يتم بمعزل عن حركة التدافع الحدثي زمانياً؛ لأن الترابط بين هذه الأحداث موجود، فـ(التعبير الحركي يربط تماماً، بتكوّن معين، بين اللغة والطبيعة)[١٥] من خلال الوعي بالزمان وحركته في الماضي والحاضر والمستقبل، وهذا يعني (أن ارتقاب مجرى الزمان مكتوب في الذاكرة ولا تظهر قبليته إلا لاحقاً كضرورة منطقية)[١٦]؛ ليضفي على الحدث الزماني مصداق التآلف بين الحدث والشكل الزماني، وحينها يكون الوعي به جزءً من حركة الذهن البشري الخلاق.

٣ ـ الوعي بالزمان (ألما بعد) :

هل يمكن أن نعد الحديث عن المستقبل في نهج البلاغة من قبيل الزمن الحدسي الذي يمكن أن يعتوره الانكسار أو التغير أو الانهيار؛؟ لأن الحديث عن معنى الماضي ومعنى  المستقبل  يختلف عن الحديث عن المعاني الأخرى التي قد تقترن بالتصور الحسي كالحديث عن الحاضر المنظور الذي يبدو أنه معيش بتفصيلاته،!  لكن النظر إلى المستقبل ـ مثلاً ـ هو من صميم الإحساس البشري بالزمان، والوعي به إشكالية ذهنية وفكرية واعتقادية في الوقت ذاته؛ لأن الطبيعة البشرية تتطلع إلى مشارف الغد تحسباً واستبشاراً وتفاؤلاً؛ لأن الهدف في الحياة البشرية هو دائماً المستقبل والغاية من ذلك كسبه والهيمنة عليه؛ إذ إن الإمام (علیه السلام) لم يكن غافلاً عن تملك تلك اللحظة التي يشير فيها إلى أهمية النظر إلى المستقبل البعيد فضلاً عن القريب، فيقول عن طبيعة الرسالة المحمدية وأثرها على المسيرة البشرية (...وخلّف فيكم ما خلّفت الأنبياء في أممها؛ إذ لم يتركوهم هملاً بغير طريق واضح، ولا علم قائم ـ كتاب ربكم ـ مبيناً حلاله وحرامه، وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه، وخاصه وعامه، وعبره وامثاله، ومرسله ومحدوده، ومحكمه ومتشابهه، مفسراً جمله، ومبيناً غوامضه، بين مأخوذ ميثاق علمه، وموسع على العباد في جهله، وبين مثبت في الكتاب فرضه، ومعلوم في السنة نسخه، وواجب في السنة أخذه، ومرخص في الكتاب تركه، وبين واجب لوقته، وزائل في مستقبله، ومباين بين محارمه، من كبير أوعد عليه نيرانه، أو صغير أرصد له غفرانه، وبين مقبول في أدناه، وموسع في أقصاه).

إن الحديث عن مرتكزات الرسالة الإسلامية على ضوء حركة الزمن والوعي به، إنما يحتاج إلى رؤية تستشرف تلك الحركة الزمانية وطبيعتها، كما أن الوعي بالزمن يستلزم وجود نظرة شمولية تبين مفردات تلك الرسالة على وفق قراءة عميقة لمقتضيات المصلحة الإسلامية العليا وما تتطلبه الحياة البشرية في مجمل حركتها وفي تفصيلاتها بما يجعلها تتساوق ومقتضيات الرسالة بعيداً عن التعامل الفوقي أو التجزيئي لما تتضمنه الرسالة الإسلامية من تفرعات تكاد تغيب عن كثير من العاملين في هذا المجال، إلا أن الإمام (علیه السلام) من خلال وعيه بحركة الزمان وفهمه العميق لمقتضيات الرسالة واستشرافه لتلك الحركة الزمانية بين أن النبي محمداً (صلى الله عليه وآله) لم يترك الناس هملاً من دون أن يبين لهم ما يجب عليهم اتباعه والتقيد بتعاليمه، فقال(..إذ لم يتركوهم هملاً بغير طريق واضح، وعلم قائم ـ كتاب ربكم ـ مبيناً حلاله وحرامه ...........)

في تفصيل دقيق لكل مفصليات الرسالة الإسلامية وهو تفصيل الحاذق العليم الذي لم تغب عنه شاردة أو واردة منها مما يعني أن الإحالة في ذلك كله ستكون إليه؛ لأنه الذي حفظ كل شيء حسب قوله  في إحدى خطبه (...وليس كل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كان يسأله، ويستفهمه ..... وكان لا يمر بي من ذلك شيء إلا سألته عنه وحفظته ..)[١٧]، مما يعني أن تلك التفصيلات التي تحدث عنها في الخطبة موضوعة البحث، إنما تسعى إلى بيان الحاجة المستقبلية إلى من يبين تلك المفردات التفصيلية في الرسالة المحمدية، وهذا الأمر قطعاً غير موجود عند كل من أراد التصدي لتلك المسؤولية الكبرى والخطيرة في الوقت ذاته، إنه أراد أن يشير ـ من وجهة نظرنا ـ إلى ضرورة البحث عن فئة تمتلك القابليات الكاملة والاستعدادات الفطرية في فهم الكتاب الكريم وبيان ما يستوجب بيانه للناس، وهو بذلك يضع يده على الجادة الحق في رسم الطريقة المثلى للتعامل بوعي مع حركة الزمن الذي ستفتح من خلال حركته آفاق جديدة في معالجة المشكلات التي تستحدث كما في قوله (..وبين واجب لوقته، وزائل في مستقبله ..)، أو بيان (... واجب في السنة أخذه  ومرخص في الكتاب تركه..)، أو الذي أثبت فرضه في الكتاب لكن السنّة نسخته .

إن الإمام علي (علیه السلام) في تعامله مع المستقبل من خلال الوعي بالزمن في نهج البلاغة، لا يمكن أن يكون خارج نطاق المفهوم العلمي والمنهجي؛ لأن ذلك يمثل حالة هروبية نحو اللامعلوم، بل كان يتم على وفق منظور حقيقي يتعامل مع الأحداث على أنها كائنة لا محالة، وإن كان ذلك يدل على شئ إنما يدل على يقينية الفهم والتعامل مع الواقع المستقبلي على  أساس الرؤية الحقيقية التي تقرأ المستقبل من خلال الوعي بحركة الزمن . 

الخلاصة

يعد الوعي بالزمن في نهج البلاغة من القضايا التي شغلت حيزاً لا بأس به من خطب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام)، على أساس أن حركة الكون هي زمانية في بعدها الفعلي الحقيقي الذي يستلزم فهمه، فهم طبيعة تلك الحركة . ومحاولة الإمساك به قائمة من قبل العلماء والباحثين والمنظرين، إلا أن ذلك كان وسيبقى حدسياً خاضعاً للانكسار والتغير الجزئي او الكلي، إلا أننا نجد في نهج البلاغة أن الإمام يتعامل مع الزمن وحركته بوعي ينم عن استيعاب كامل لحركة الأحداث، سواء أكان ذلك في الزمن الماضي (ألما قبل) أو الحاضر أو المستقبل (ألما بعد )، ما يجعل الباحث يقف متأملاً في تلك القدرة على التعاطي مع حركة الأحداث من حيث هي أحداث ماضية ضاربة في عمق الزمن غير المنظور، بل والمنسي تاريخياً بالإضافة إلى التعاطي مع حركة الأحداث الحاضرة، وباليقين ذاته مع حركة الأحداث المستقبلية، والرؤية الشمولية التي تحيط بكل تلك الحركة وبوعي كامل بالزمن في كل أبعاده، وقد وجد البحث أن الإمام في تعامله مع الزمن بوعي غير معهود على المستوى البشري العام، إنما يشير إلى  ما يتملكه الإمام من قدرات وطاقات وإمكانيات تصنف فوق العادة، ناهيك  عن الأهمية الكبرى التي يمثلها الإمام (علیه السلام) في التاريخ البشري لا الإسلامي فقط، كما أنه ينبئ عن قدرة مذهلة تتعامل مع الحركة الزمانية من خلال النظر إلى الأحداث بشكل عمودي وأفقي  وكأنها تحصل تفصيلياً  يومياً .

------------------------------------------------------------
[١] . نقلاً عن: فكرة الزمان عبر التاريخ ٣٧ .
[٢] . المصدر نفسه ٣٧.
[٣] . المصدر نفسه ٣٨ .
[٤] . ينظر: دروس في فينومينولوجيا الوعي الباطني بالزمن ـ المقدمة ـ ٧ .
[٥] . المصدر نفسه ـ المقدمة ـ ٧ .
[٦] . ينظر: مدخل إلى نظرية الأنساق ٢٤٤ .
[٧] . المصدر نفسه ٢٤٤ .
[٨] . ينظر: الزمن النوعي وإشكاليات النوع السردي ١٨ .
[٩] . ينظر: فكرة الزمان عبر التاريخ ١٤٤ ـ ١٤٦ .
[١٠] . الخطاب في نهج البلاغة بنيته وأنماطه ومستوياته ـ دراسة تحليلية ـ ٦٥.
[١١] . ديوان لزوم ما لا يلزم ١/٢٤٩ـ٢٥٠.
[١٢] . الزمان في الفكر الديني والفلسفي القديم١٤٣ـ١٤٤.
[١٣] . الصورة ـ الزمن ١٣٣.
[١٤] . المصدر نفسه .
[١٥] . الكلمات والأشياء ١٠٤.
[١٦] . جدلية الزمن ٣٩.
[١٧] . شرح نهج البلاغة ١١/٣٣ .

المصادر والمراجع

 - جدلية الزمن، جاستون باشلار، ترجمة خليل أحمد خليل،المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع،الجزائر ط٢، ١٩٨٨.

- الخطاب في نهج البلاغة ـ بنيته وأنماطه ومستوياته ـ دراسة تحليلية،د. عبدالحسين العمري، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان ط١،٢٠١٠.

- دروس في فينومينولوجيا الوعي الباطني بالزمن،ادموند هوسرل، ترجمة لطفي خيرالله، منشورات الجمل، ط١ بيروت ـ بغداد ٢٠٠٩ .

-  ديوان لزوم ما لا يلزم، أبو العلاء المعري، حرره وشرح أغراضه د.  كامل اليازجي، دار الجيل، بيروت، لبنان ٢٠٠١ .

-  الزمان في الفكر الديني والفلسفي القديم، حسام الدين الآلوسي،المؤسسة العربية للدراست والنشر، بيروت، لبنان ١٩٨٠ .

-  الزمن النوعي وإشكاليات النوع السردي، د. هيثم الحاج علي، مؤسسة الانتشار العربي بيروت ـ لبنان ط١ ٢٠٠٨ .

-  شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد،تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم،  دار الكتاب العربي، بغداد ـ العراق ط١، ١٤٢٦هـ ـ ٢٠٠٥م.

-  الصورة ـ الزمن جيل دولوز، ترجمة حسن عودة، منشورات وزارة الثقافة، دمشق ـ سوريا ١٩٩٩ .

-  فكرة الزمان عبر التاريخ، ولسون كولن،  عالم المعرفة ع ١٥٩ الكويت ١٩٩٦.

-  الكلمات والأشياء ن ميشيل فوكو، ترجمة مجموعة مترجمين، مركز الإنماء القومي، بيروت ـ لبنان ١٩٨٩ ـ١٩٩٠ .

-  مدخل إلى نظرية الأنساق، نيكلاس لومان، ترجمة يوسف فهمي حجازي، منشورات الجمل،كولونياـ ألمانيا، بغداد ط١، ٢٠١٠ .

****************************