وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ .                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام) : مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا .                
وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.                

Search form

إرسال الی صدیق
تألُّق سياسي ـ إنساني فريد في كلامه عليه السلام – الثاني

الحكم الإسلامي : توحّد المبادئ بالممارسة
في رسائل الإمام أبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السّلام.. تَبرُز مظاهر عديدة. وهي ـ إلى كثرتها ـ مظاهر نفيسة متفرّدة في تاريخ الإنسان.
منها: هذا المزج الرائع والتواشج الأصيل بين الممارسة السياسية والقيم الإلهية الرفيعة، وبين قيادة الحكم والالتزام بالحق التزاماً مطلقاً في كل الظروف.
إنّ من مزايا الإنسان الصادق الأصيل أن لا تغيّره المناصب، بل إنّه لَيسعى لتأصيل ممارسة الحكم عن طريق ترسيخ القيم الإلهية في الواقع العملي اليومي.
هذه المزاوجَة ـ بل قُل: هذا التوحُّد ـ ممّا نقرأه في رسائل الإمام عليّ صلوات الله عليه إلى ولاته والمسؤولين في دولته؛ فإنّ الحكم ـ في الرؤية العلَوية المُبصرة ـ لا قيمة له إلاّ في أن يقيم حقّاً ويدحض باطلاً.
مثلاً ـ أيها الأصدقاء ـ هذا أفق من آفاق رسالته إلى مالك الأشتر لمّا بعثه إلى مصر والياً.. نقرأ معاً: « وإنْ عَقَدتَ بينَك وبين عدوّك عقدة، أو ألبستَه منك ذِمّة.. فَحُطْ عهدَك بالوفاء، وارعَ ذمّتَك بالأمانة، واجعَلْ نفسَك جُنّةً دون ما أعطيت؛ فإنّه ليس من فرائض الله شيءٌ الناسُ أشدُّ عليه اجتماعاً ـ مع تفرّق أهوائهم وتشتّت آرائهم ـ مِن تعظيم الوفاء بالعهود. وقد لَزِم ذلك المشركون ـ فيما بينهم دون المسلمين ـ لِما استَوبَلوا ( أي: كرهوا ) من عواقب الغدر. فلا تَغدِرَنّ بذمّتك، ولا تَخيسَنَّ ( أي: لا تَخُنْ ) بعهدك، ولا تَختِلَنَّ عدوَّك ».
هذا ـ أيها الأصدقاء ـ أفق متميز شريف. وثَمّةَ أفق آخر نُطالعه في رسالته عليه السّلام إلى مالك أيضاً.. كتب فيه:
« ألزِم الحقَّ مَن لَزِمَه من القريب والبعيد، وكُن في ذلك صابراً مُحتَسِباً، واقعاً ذلك من قرابتك وخاصّتك حيث وقع، وابتَغِ عاقبتَه فيما يَثقُل عليك منه؛ فإنّ مغبّةَ ذلك محمودة ».
إنّه لأفق رائع نفيس.. وصعب في الوقت نفسه على كثير من النفوس. أن يغدو الحق معيار التصرّف والتعامل، ويغدو الحكَم الفصل فيما يطرأ من الحوادث والأمور.. حتّى وإنْ تضرّر منه الأقارب والأصدقاء. والتلبّس بهذه الحالة يحتاج من الصدق وقوة الإيمان وثبات الموقف ما لا خفاء فيه. وهي من ضمن التعليمات العلوية الكريمة الراقية التي يوجّهها الإمام عليه السّلام إلى مَن يعيّنه في مواقع قيادة المسلمين.
وأكثر من هذا.. أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام يوصي الجماهير بطاعة الوالي الذي ينصبه في بلدانهم ما دام ملتزماً بمبادئ الحق والصدق، فإذا زاغ وانحرف فلا طاعة له.. حتّى وإنْ كان من طراز مالك الأشتر ومن عياره.
كتب الإمام عليه السّلام إلى أهل مصر لمّا ولّى عليهم الأشتر:«أمّا بعد.. فقد بَعَثتُ إليكم عبداً من عِباد الله، لا ينام أيامَ الخوف ولا يَنكِل عن الأعداء ساعاتِ الرَّوع. أشدّ على الفُجّار من حريق النار..وهو مالك بن الحارث أخو مَذحج، فاسمعوا له وأطيعوا أمرَه فيما طابَقَ الحق ».

إحترام الإنسان
كان الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام حاكم الدولة الإسلاميّة التي مركزها الكوفة. وكان له ولاة وموظّفون نَصَبهم في الأقاليم المختلفة، كما كان له جُباة يَجبُون الفرائض المالية التي افترضها الله سبحانه في أموال الناس.
وكانت ظروف الدولة ـ المحاطة بمكائد أعداء الحق وبمؤامراتهم وحروبهم المشؤومة ـ ظروفاً عسيرة، تقتضي المزيدَ من الموارد المالية لأداء النفقات ومعالجة الظروف الطارئة.. بَيْد أنّ هذه الحاجة القائمة يجب ألاّ تتخطّى ـ في الرؤية العلَوية ـ الحسَّ الإنساني الإسلامي في التعامل مع دافعي الضرائب الشرعية في المدن والقرى النائية.
كتب الإمام عليه السّلام رسالة إلى مَن يستعملهم على الصدقات ( أي: الزكاة )، أوضح لهم فيها أدبَ التعاطي مع الناس في أخذ الزكوات وجباية الحقوق المالية. وهو أدب رائع عظيم يقف أمامه الإنسان المعاصر حائراً؛ لأنّه أدب يكشف عن « توازن » فذّ بين الحقوق والواجبات، ممّا يجعل السياسة المالية للإمام عليه السّلام سياسة أخلاقية متعادلة، هي الفريدة بين سياسات المذاهب الاقتصادية في العالم أجمع.
نقرأ هنا ـ أيها الأصدقاء ـ بعضاً من آفاق هذه الرسالة المدهشة:
« إنطلِقْ على تقوى الله وحده لا شريك له، ولا تَروعَنّ مسلماً، ولا تجتازَنّ عليه كارهاً، ولا تأخُذنّ منه أكثرَ من حقّ الله في ماله. فإذا قَدِمتَ على الحيّ ( أي: المحلّة ) فانزِلْ بمائهم، مِن غير أن تُخالط أبياتَهم.
ثمّ امضِ إليهم بالسَّكينة والوَقار.. حتّى تقومَ بينهم: فسَلِّمْ عليهم، ولا تُخدِجْ ( أي: ولا تَنقُصْ ) بالتحية اليهم.
ثمّ تقول: عبادَ الله، أرسلني إليكم وليُّ الله وخليفتُه لآخُذَ منكم حقَّ الله في أموالكم.. فهل لله في أموالكم مِن حقٍّ فتُؤدّوه إلى وليّه ؟ فإنْ قال قائل: لا، فلا تُراجِعه. وإنْ أنعَمَ لك مُنعِم ( أي: قال لك: نعم ) فانطلِقْ معه، مِن غير أن تُخيفَه أو تُوعِدَه أو تَعسِفه أو تُرهقه، فخُذ ما أعطاك من ذهب أو فضة.
فإنْ كان له ماشية أو إبل.. فلا تَدخُلْها إلاّ بإذنه؛ فإنّ أكثرها ماله. فإذا أتيتَها فلا تَدخُل عليها دخولَ متسلّط عليه، ولا عنيفٍ به ».
هذا ـ يا أصدقاءنا ـ جانب من رسالة الإمام أبي الحسن عليه السّلام، تضمّنت هذه الوصايا الإنسانيّة الكريمة في سياسة استيفاء الحقوق وجباية الأموال. وهي ـ كما ترى ـ وصايا في غاية السموّ الإنساني، وفيها من احترام الإنسان وتكريمه ما تَفتقده التجاربُ السياسية المالية الأخرى في العالم كلّه.

المراقبة.. والمحاسبة
من خصائص سياسة الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه: أنّه لا يُساوِم في الحق مقدار ذرّة، ولا يتساهل في العدل حتّى مع أخصّ الناس عنده وأقربهم لديه. إنّ ما يهتمّ به عليه السّلام الاهتمام الدائم الدقيق هو: إقامة الحق وتحقيق دولة العدل الواقعي ولو كلّفه ذلك ما كلّفه؛ إذ ما قيمة نظام حكم لا يقيم حقّاً ولا يدفع باطلاً ؟!
إن هذه السياسة العلَوية المتألّهة تريد أن ترتفع بالواقع اليومي للمسلمين إلى مستوىً متألّق من القيم الرفيعة المنقذة، وتعارض أشدّ المعارضة أن تُستَجَرّ هذه القيم من موقعها الكريم ليُنزَل بها إلى الأوضاع القائمة.. فتُستخدَم حينئذٍ للتبرير، في حين يجب أن تُستخدم في الأصل للتنوير.
وهذه السياسة التوحيدية ذات البصيرة الثاقبة تقاوم بشكل واضح « الذَرائعيّة » و « البراجماتيّة » التبريرية بكل صورها. وهي تريد للإنسان ـ حاكماً ومحكوماً ـ أن يرتقي إلى أفق المبادئ السامية التي تبني الحياةَ البناء الصالح الذي ينقل الإنسان والمجتمع إلى التعاطي الصادق مع الحق والخير والمساواة.
مثل هذا المعنى نقرأه ـ أيها الأصدقاء ـ في رسالة بَعَث بها الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام إلى المنذر بن الجارود عامِله على ( إصطَخْر )، وقد بلغه أنّه فرّط في مسؤولياته، وقدّم مصلحته الشخصية على مصالح الأمة والدولة، فكتب إليه رسالة شديدة اللهجة، عنّفه فيها على سوء تصرّفه، واستدعاه للمُثول لديه، ثمّ عَزله عن منصبه وعاقَبه.
جاء في هذه الرسالة: «.. فإذا أنت ـ فيما رُقيَ إليّ عنك ـ لا تَدَع الانقياد لهواك وإنْ أزرىَ ذلك بدينك، ولا تُصغي إلى الناصح وإن أخلصّ النُّصحَ لك؛ بَلَغني أنّك تَدَع عملَك كثيراً وتَخرج لاهياً مُتنزِّهاً متصيّداً، وأنّك قد بسطتَ يدَك في مال الله لمن أتاك مِن أعرابِ قومك، كأنّه تُراثك عن أبيك وأمّك!
وإنّي أُقسم بالله: لئن كان ذلك حقّاً لَجمَلُ أهلِك وشِسْعُ نَعلِك خيرٌ منك، وأنّ اللعب واللهو لا يرضاهما الله، وخيانة المسلمين وتضييع أعمالهم ممّا يُسخِط ربَّك. ومَن كان كذلك فليس بأهلٍ لأنْ يُسَدَّ به الثغر، ويُحيى به الفَيء، ويُؤتَمنَ على مال المسلمين.. فأقبِلْ حين يصلُ كتابي هذا إليك ».
قال البَلاذُري: فقَدِم المنذر، فشكاه قوم ورَفعوا عليه أنّه أخذ ثلاثينَ ألفاً، فسأله عنها الإمام فأنكر، فاستَحلفَه فلم يَحلف.. فحبَسَه.

ماذا نتعلّم ؟
تَضمّنَت رسالةُ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام إلى ولده الإمام الحسن عليه السّلام معانيَ كثيرة ذات شأن كبير.
صحيحٌ أن المخاطَب بها ولده عليه السّلام.. بَيْد أن مضامينها تُخاطبنا نحن كذلك، كما تُخاطبُ الناسَ على امتداد الأزمنة وعلى تنوّع الأمكنة.
في هذا الفصل من الرسالة العلَوية الشفيقة المبصِّرة: توجيهٌ لنا نحو الفعل الايجابي المسؤول.. لبناء الحياة الاجتماعية والسياسية على الخير والعدل والمعروف، ولمقاومة الظلم والتعدّي والانحراف.
وهذا الفعل المتقدِّم يقتضي منّا ـ أيها الأصدقاء ـ التوفّر على المعرفة الصالحة، والاستمساك بالحق، والصبر في الشدائد والثبات. ويظلّ الالتجاء إلى الله تعالى والاعتصام به.. هو المحور الأساس في هذه الرسالة، كما في كل رسائل أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام.
نقرأ معاً في هذه الرسالة:
« وأمُرْ بالمعروف تكن مِن أهله، وأنكِر المنكرَ بيدك ولسانك، وبايِنْ مَن فَعَله بِجُهدِك، وجاهِد في الله حقَّ جهاده، ولا تأخُذك في الله لَومَةُ لائم. وخُضِ الغَمَراتِ إلى الحق حيث كان، وتَفقّه في الدِّين، وعَوِّدْ نفسَك الصبرَ على المكروه، ونِعمَ الخُلق: التصبّر في الحقّ ».
إنّها إذَن الوصيّة بإشاعة المعروف والخير وإزالة المنكر والشر، والاستمساك بالحق على الرغم من اعتراض المعترضين، بل إنّه خَوض الغمرات والمصاعب من أجل الحق وما يترتّب عليه من ضرورة التحمّل والمقاومة والاستمرار.
وتواصل الرسالة العلَوية هذا التوجيه نحو المعاني الإنسانية العالية، مُفردةً الإخلاص والتوكل والثقة بالله تعالى بشأنٍ خاص:
« وألجئ نفسَك في أموركَ لربّك؛ فإنّ بيده العطاء والحِرمان. وأكثِر الاستخارة، وتفهّم وصيّتي، ولا تَذهبَنَ عنكَ صَفحاً؛ فإنّ خير القول اما نفع ».
وأخيراً.. هذا توجيه رفيع مُبصِّر في الصلة بين ما نتعلّم، وما يخدم إنسانيتنا حقّاً فيما نتعلّم.. ذلك أننا في أثناء عملية التعلّم ينبغي أن نميّز بين ما هو تعرّف من أجل التعرّف، وما هو تعرّف من أجل إغناء حياتنا الروحية والعقلية والإنسانية؛ فإنّ العلم غير النافع ما هو إلاّ حمل زائد تنوء به ظهورنا، وربما عوّقَ علينا المسير: « واعلَمْ أنّه لا خير في علم لا ينفع، ولا يُنتَفع بعلمٍ لا يحقّ تعلّمه ».

توجيه للشباب
في الوصية النفيسة التي كتبها الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام لولده الحسن عليه السّلام.. أشياء كثيرة قيّمة.
لقد كتب الإمام عليه السّلام هذه الرسالة الوصية بعد انصرافه من واقعة صِفّين ( سنة ٣٧ هـ )، وكان صلوات الله عليه في حدود الستّين من عمره القدسي.. أي قبل ارتحاله إلى الرفيق الأعلى ـ شهيداً في محراب صلاة الفجر ـ بوقت قصير.
والرسالة ـ أيها الأصدقاء ـ مفعمة بالمحبة والشفقة والتعليم. وهي تتضمن عُصاراتٍ صافيةً وخُلاصات أصيلة من حكمة الحياة التي عرَفَها الإمام أبو الحسن معرفةَ الرائي الذي لا يغيب عنه من أمورها شيء.
إنّ بصيرة الإمام المتألّهة قد تَغَلغَلت في صميم الحياة وفي جوهرها العميق.. فإذا هي كشفٌ ساطع ورؤية ثاقبة تتخطّى الأزمنة، لتكون حاضرةً شاخصة تميّز الحقائق من القشور، وتفصل النافع عن الضارّ.
من هذه الرؤية النفّاذة.. جاءت مضامين رسالة أمير المؤمنين هاديةً مُبصِّرة.

يقول فيها سلام الله عليه: « أي بُنَيّ.. إني وإن لم أكن عُمِّرتُ عُمرَ مَن كان قَبلي، فقد نظرتُ في أعمالِهم، وفكّرتُ في أخبارِهم، وسِرتُ في آثارِهم.. حتّى عُدتُ كأحدهم؛ بل كأني ـ بما انتهى إليّ مِن أمورهم ـ قد عَمرتُ مع أوّلهِم إلى آخِرِهم، فعرفتُ صَفوَ ذلك مِن كَدَرِه، ونفعَه مِن ضَرَرِه؛ فاستَخلصتُ لكَ مِن كلِّ أمرٍ جليلَه، وتَوَخَّيتُ لك جميلَه، وصرفتُ عنك مجهولَه ».
ويواصل الإمام عليه السّلام خطابه الناصع المربّي الموّاج بالشفقة الحانية الحكيمة.. فيكتب في هذه الرسالة العظيمة:
« ورأيتُ ـ حيث عَناني مِن أمرِك ما يَعني الوالدَ الشفيق، وأجمعتُ عليه مِن أدبك ـ أن يكون ذلك وأنتَ مُقبِلُ العُمر ومُقَتبِلُ الدهر، ذو نيّةٍ سليمة ونفسٍ صافية؛ وأن أبتدئكَ بتعليمِ كتابِ الله عزّوجلّ وتأويلهِ وشرائعِ الإسلام وأحكامه، وحلالهِ وحرامهِ... ورجوتُ أن يوفّقَكَ اللهُ فيه لرشدِك، وأن يَهديَك لقصدِك، فعَهِدتُ إليك وصيّتي هذه »
إنّه إذَن التأكيد في توجيه الشباب على سلامة وطهارة القصد، وعلى التوفّر على العناية بكتاب الله وشرائع دينه.. ممّا هو ضروري لبلوغ الإنسان رُشدَه المعنوي، وكماله الروحي والعقلي.

انفتاح القائد على الجماهير
الاتصال المباشر بين القائد والجماهير.. أحد سمات الرؤية السياسية المتميّزة التي اشتملت عليها تعليمات الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام في رسائله التي كان يبعث بها إلى ولاته والقادة العسكريين وعمّاله في الأقاليم.
إنّ اتصال القائد المباشر بالجماهير ـ إضافة إلى ما يحمل من معاني التواضع والمحبة ـ إنّما ينطلق من رؤية انسانية رَحبة تستوعب الآخرين، وتقدّر المعنى الإنسانيّ الكامن فيهم. ثمّ إنّ هذا التواصل يجعل الوالي أو القائد أو الأمير على بيّنة من قضايا دونما وسيط أو سائط، وعلى معرفة بشؤون الجماهير الذين يقودهم.. إضافة إلى أنه يبني جسوراً من التفاهم والتآزر بينهم وبينه.
والاحتجاب عن الجماهير بالحرس والجنود المدجَّجين بالسلاح يقيم حاجزاً ذميماً بين عامّة الناس ومَن تصدّى لرعاية شؤونهم والسهر على مصالحهم.. ممّا يوقع القائد بالجهل بالواقع الذي عليه أن يقوده ويوجّهه، فيقع ـ مِن ثَمّ ـ بالحيف والظلم واختلال المعايير. وهذا ينأى عن الرؤية التوحيدية المتألّهة التي تتعامل بواقعية منوَّرة بنور الحق.
كتب الإمام أبو الحسن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في رسالته للأشتر: « اجعلْ لذوي الحاجات منك قسماً تفرّغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلساً عامّاً.. فتتواضعَ فيه لله الذي خلقك، وتُقعِدَ عنهم جُندك وأعوانَك من أحراسِك وشرَطِك، حتّى يكلّمك متكلّمُهم غير مُتَتَعتَع؛ فإنّي سمعتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وآله يقول في غير مَوطِن: لن تُقدَّس أمةٌ لا يُؤخَذ للضعيف فيها حقُّه من القويّ غيرَ مُتَتَعتع ».
ويؤكّد الإمام عليه السّلام على مباشرة الحاكم الأمورَ بنفسه، ويحذّر من الاحتجاب عن الجماهير: « ثمّ أمورٌ من أمورك لابدّ لك من مباشرتها، منها: إجابةُ عمّالك بما يعيا به كتّابُك. ومنها: إصدارُ حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تُحرَجُ به صدورُ أعوانك... فلا تُطَوِّلنَّ احتجابَك عن رعيّتك؛ فإنّ احتجاب الولاة عن الرعيّة شُعبة من الضِّيق، وقلةُ علم بالأمور. والاحتجاب منهم يقطع عنهم علمَ ما احتَجبوا دونَه..فيَصغُرُ عندهمُ الكبير،ويَعظُمُ الصغير،ويَقبُحُ الحَسَن، ويَحسُن القبيح ».
هذا المعنى القيادي الرفيع ممّا نقرأه ـ أيّها الأصدقاء ـ في رسالة الإمام عليّ عليه السّلام إلى قُثَم بن العباس عاملِه على مكة.

كتب الإمام صلوات الله عليه: « لا يكن لك إلى الناس سفيرٌ إلاّ لسانَك، ولا حاجَب إلاّ وجهَك. ولا تَحجُبَنّ ذا حاجةٍ عن لقائك بها؛ فإنّها إن ذِيدَت عن أبوابِكَ في أوّلِ وِردِها لم تُحمَدْ فيما بعدُ على قضائها ».

في الاستراتيجيّة العسكرية
هذه رسالة من زعيم دولة إلى قائدِ طليعةٍ مهمة من جيشه توجّهت تلقاء قوّات العدو. إنها رسالة من أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام إلى زياد بن النَّضر حين أنفذه على مقدّمته إلى صِفّين.
الرسالة إذن بطبيعتها رسالة عسكرية تتضمن تعليمات قتالية تهمّ قائد هذه الطليعة. وهي تعليمات عسكرية دقيقة نابعة من القيم العظيمة الفذّة التي يتعامل بها الإمام عليه السّلام.
من هذه التعليمات العلَوية القيّمة: التوجيه في كيفيّة حركة الجيش إلى مواقعه، وفي زمان هذه الحركة.
ومنها: التأكيد على حيويّة الجانب الاستخباري للقوات قبل المعركة، والاستعداد الدقيق للمواجهة، واتخاذ المواقع المحصّنة لحماية ظهور المقاتلين، ثمّ الحراسة الليلية تحسّباً للمداهمة والمباغتة مِن قِبل العدو. وفي هذه الرسالة أيضاً: تأكيد على الممارسة الميدانية للقائد وإشرافه على الأمور.
وآخر تعليمات الإمام عليه السّلام في هذه الرسالة العسكرية: التحذير من التسرّع ببدء لقتال، ذلك أنّ الحرب ـ في رؤية أمير المؤمنين عليه السّلام ـ لابدّ أن تكون آخر وسيلة يُضطَرّ إليها بعد أن تعجز الوسائل الممكنة لتحقيق السلام.
والآن.. ماذا تقول رسالة الإمام عليه السّلام ؟
نقرأ فيها: « إعلَم أن مقدمة القوم عيونُهم، وعيون المقدمة طلائعهم؛ فإذا أنت خرجتَ من بلادك ودنوتَ من عدوّك فلا تَسأم من توجيه الطلائع في كل ناحية... حتّى لا يُغِيرَكُم عدوّكم، ويكون لكم كمين.
ولا تُسيِّر الكتائب والقبائل ـ من لَدُن الصباح إلى المساء ـ إلاّ تعبيةً ( أي: على استعداد كامل )؛ فإنْ دَهَمكم أمر أو غَشِيَكمُ مكروه.. كنتم قد تقدّمتم في التعبية ».
وعن اختيار المواضع والتحصينات..

نقرأ في رسالة الإمام: « وإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم.. فليكن معسكركم في أقبال الأشراف ( أي: المرتفعات )، أو في سِفاح الجبال، أو أثناء الأنهار ( أي: منعطفاتها ).. كيما تكونَ لكم رِدءً ودونكم مَردّاً. ولتكن مُقاتَلتُكم من وجه واحد واثنين ».
وماذا غير هذا في رسالة الإمام العسكرية ؟

نواصل القراءة: « واجعلوا رُقَباءكم في صَياصي الجبال ( أي: أعاليها )، وبأعلى الأشراف، وبمناكب الأنهار.. لئلاّ يأتيَكم عدوٌّ من مكانِ مخافةٍ أو أمن .
وإذا نزلتم فانزلوا جميعاً، وإذا رحلتم فارحلوا جميعاً. وإذا غشيكم الليل فنزلتم فحُفُّوا عسكركم بالرماح والتَّرَسة، واجعلوا رُماتكم يَلُونَ تَرَسَتكم، كيلا تُصابَ لكم غَرّة، ولا تُلقى لكم غفلة ».

التخفُّف من الأثقال
من فصول رسالة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام إلى ولده الحسن وكلِّ مَن بَلَغَته هذه الرسالة.. فصلٌ يؤكّد التبصير بالمستقبل.
والمستقبل ـ في الرؤية العلَوية النفّاذة ـ لا يتقيّد يا أصدقاءنا بمحدودية عمر الإنسان في الزمن الأرضي.. بل هو المستقبل الواقعي الممتدّ الذي سوف يمكث في الإنسان إلى الأبد، بعد عبور بوّابة الموت. إنّه المستقبل الأُخروي والعَيش المُقبِل في الحياة الآخرة.
إنّ الشَّفَقة العلَوية تُعلّمنا كيف نستعدّ لِما أمامَنا من طريق طويل شاقّ، وتعلّمنا كيف نَتخفّف هنا من الأثقال لنعبر بعدئذ مُسرعين.
ومن صور التخفّف أيها الأصدقاء: أن نجد هنا مَن يحمل عنّا الأثقال. وإنّ الإحسان الدائب إلى الضعفاء والمحرومين هو في الواقع تخفيفٌ عنا وإسراع بنا في الطريق.
ويكشف الإمام عليه السّلام كشفاً واقعيّاً ناصحاً عن مُفترَق طريقَي المستقبَل: طريق السعادة والرخاء، وطريق العَنَت والشقاء.. وعلى المرء أن يختار.
وفرصته الاختيار هذه محدودة بحدود أيام عمرنا القصير على الأرض، فليس بعدها من فرصةٍ للاختيار.
والإمام ـ بشفقته الغامرة ـ يدعو إلى الاختيار السليم قبل فوات الأوان.
تقول الرسالة العلَوية الهادية: « واعلَم أنّ أمامك طريقاً ذا مسافة بعيدة ومشقّة شديدة، وأنّه لا غِنىً بك فيه عن حُسن الارتياد وقَدر بلاغك من الزاد، مع خِفّة الظَّهر؛ فلا تَحمِلَنّ على ظهرك فوق طاقتك فيكون ثِقلُ ذلك وَبالاً عليك. وإذا وَجدتَ مِن أهل الفاقة مَن يَحملُ لك زادَك إلى يوم القيامة فيُوافيك به غداً حيث تحتاج إليه.. فاغتَنِمْه وحَمِّلْه إياه، وأكثِرْ من تزويده وأنت قادرٌ عليه، فلعلّك تطلبه فلا تجده. واعتَنِمْ مَن استَقرضَك في حالِ غِناك، ليجعلَ قضاءه لك في يوم عُسرتك ».
ويكشف الإمام عليه السّلام بعدئذ عن تفاوت مستقبل الناس، فإذا هم بين خفيف مُسرع في اجتياز العَقَبة وبين ثقيل مُبطئ. ثمّ يحثّنا ـ رحمةً بنا ـ على التهيّؤ والاستعداد المناسب قبل إغلاق مَلفّات أعمالنا في الدنيا. يقول عليه السّلام:
« واعلَمْ أنّ أمامك عَقَبةً كَؤوداً: المُخِفُّ فيها أحسنُ حالاً من المُثقل، والمبطئُ عليها أقبحُ أمراً من المسرع. وأن مَهبطها بك لا محالة.. إمّا على جَنّةٍ أو على نار، فارتَدْ لنفسك قبل نزولك، ووطِّئ المنزل قبل حلولك؛ فليس بعد الموت مُستَعتَب، ولا إلى الدنيا مُنصرَف ».

العزّة العلَوية
هذه ـ يا أصدقاءنا ـ رسالة من أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام كتبها إلى أخيه عقيل بن أبي طالب، جواباً عن رسالة وصلت إليه من عقيل.
موضوع رسالة الإمام عليه السّلام: الموقف العسكري من المنحرفين المُحِلِّين الذين أعلنوا العصيان المسلّح للحاكم الإسلاميّ المعصوم. وهو عصيان له جذور قديمة من الشِّقاق والتمرّد على الحق.. تمتدّ إلى أيام الرسالة الأولى، وإلى الموقف القُرَشي الجاهلي المعادي لرسول الله صلّى الله عليه وآله وللرسالة الإلهية.
إنّه الموقف الذي حَمَلته المصالح الجاهلية الأثيمة على الفعل الإيذائي المستمر لخليفة رسول الله صلّى الله عليه وآله وأخيه صاحب الإمامة الإلهية والقيادة الربانية: علي أمير المؤمنين عليه السّلام.
ها هو عليه السّلام يوضّح لعقيل ـ بِلَوعةٍ مؤلمة ـ موقفه التوحيدي الصارم القوي، وموقف الخصوم المحاربين. وفي عبارات الرسالة نقرأ ما تَموجُ به الروحُ العلَوية العظيمة من عزّةٍ رفيعة، وإباءٍ شامخ، ودفاع عن الحق مستميت. كتب الإمام أبو الحسن عليه السّلام لأخيه عقيل مذكِّراً بحقّه الشرعي في إمامة جماهير المسلمين، وهو الحق الذي وصل إليه من أخيه رسول الله صلّى الله عليه وآله بالنص الواضح الصريح:
«.. فَدَع عنك قريشاً وتَركاضَهُم في الضلال، وتَجوالَهُم في الشِّقاق، وجِماحَهُم في التِّيه.. فإنهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قَبلي، فَجَزَتْ قريشاً عنّي الجَوازي! فقد قَطعوا رَحِمي، وسَلَبوني سلطانَ ابنِ أمّي ».
ثمّ تدخل رسالةُ الإمام عليه السّلام في صُلب الموقف، وتحدّده تحديداً دقيقاً كلُّه بصيرة وإقدام. وهو موقف يقوم على تطبيق الرؤية الشرعيّة مهما كانت التكاليف، ومهما تجمّعت وتألّبت عليه عليه السّلام زُمَر الأعداء حتّى تَدَعه وحيداً مستفرداً:
« وأمّا ما سألتَ عنه من رأيي في القتال.. فإنّ رأيي: قتالُ المُحلِّين حتّى ألقَى الله. لا يَزيدني كثرةُ الناس من حولي عزّة، ولا تَفرّقُهم عنّي وحشة. ولا تَحسَبنَّ ابنَ أبيك ـ ولو أسلَمه الناسُ ـ مُتضرِّعاً مُتخشِّعاً، ولا مُقِرّاً للضيم واهناً، ولا سَلِس الزِّمام للقائد، ولا وَطئَ الظهر للراكب المُقتَعِد.. لكنه كما قال أخو بني سُلَيم: فإنْ تسأليني: كيف أنتَ ؟ فـإنّني صَبورٌ على رَيبِ الزمانِ صَليبُ يَعِـزُّ علَيّ أن تُـرى بي كآبـةٌ فيَشـمَتَ عادٍ أو يُسـاءَ حبيبُ »

القائد المظلوم.. دائماً
هذا ـ أيها الأصدقاء ـ فصل من رسالة بعث بها أمير المؤمنين عليه السّلام إلى أحد المسؤولين في دولته. وكان هذا المسؤول قد شَغَب على عدالة الحكم العلَوي مع الشاغبين، ووجدها فرصةً مُواتية.. فاختلَسَ من بيت مال المسلمين ما اختلس، في ظروف نَشِط الخصوم خلالها في إلقاء المكائد والمؤامرات وافتعال الأزمات.
كان موقفاً مؤلماً ذلك الذي اجترحه هذا المسؤول من الخيانة والخذلان. وكانت رسالة الإمام إليه حاسمة حازمة تخترق خفايا نفسه وتبصّره بحقيقة فِعله. ثمّ تَدعوه أيضاً إلى مراجعة نفسه وتصحيح موقفه، وإرجاع الأموال إلى أهلها من الضعفاء والمحرومين.
وتذكّره هذه الرسالة أيضاً بالحساب الأُخروي، وتحذّره كذلك العقاب الرسمي الذي سيناله فيما لو أُلقي القبض عليه.
الرسالة حارّة صادقة ناطق باللوعة، فوّارة بالغَيرة على الإسلام والمسلمين.. إلى جوار ما فيها من دعوة إلى تعديل الموقف وإلى التصحيح.
نقرأ في الرسالة: «.. فسبحان الله! أمَا تؤمن بالمعاد ؟! أوَ ما تخاف نقاشَ الحساب؟! أيّها المعدود عندنا من أُولي الألباب، كيف تَسيغُ شراباً وطعاماً وأنت تَعلُم أنك تأكل حراماً، وتشرب حراماً، وتَبتاعُ الإماء، وتنكح النساء.. من اموال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين.. ؟!
« فاتَّقِ الله، واردُدْ إلى هؤلاء القوم أموالهم.. فإنّك إن لم تفعل ثمّ أمكنني اللهُ منك لأُعذِرنَّ إلى الله فيك، ولأضربنّك بسيفي الذي ما ضربتُ به أحداً إلاّ دَخَل النار ».
وتبصّره الرسالة بما ينبغي له من الاقتداء بموقف الإمام القُدوة والأُسوة.. ثمّ تضعه أمام المستقبل الأُخروي في تصويرٍ حيّ شاخص مؤثّر:
« وأُقسِم بالله ربِّ العالمين، ما يَسُرّني أنّ ما أخذتَه من أموالهم حلالٌ لي أتركُه ميراثاً لمن بعدي؛ فضَحِّ رُوَيداً ( أي: انتَظِرْ قليلاً )، فكأنك قد بَلغتَ المَدى، ودُفِنتَ تحت الثرى، وعُرِضتْ عليك أعمالُك بالمحلّ الذي يُنادي الظالمُ فيه بالحسرة، ويتمنّى المُضَيِّعُ فيه الرحعة.. ولاتَ حينَ مَناص! ».
وهذه الرسالة ـ أيها الاصدقاء ـ هي نموذج من نماذج تصوّر الظلم الكثير والكبير الذي وقع على الإمام أمير المؤمنين.. من خصومه وأعدائه أهل الشقاق والنفاق، ومن الذين كانوا في صفّه أيضاً، على اختلافٍ بينهم في نوع الظلم ولون التجاوز.
إنّ هذا الظلم الذي يقع على رجل واحد بهذا التنوع وهذه الكثرة ظلم نادر في التاريخ، بل إنّه لم يقع من الظلم على أحد كما وقع على أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام.

العدل.. أولاً وأخيراً
الرؤية التوحيدية المتفرّدة التي يمارسها الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام.. هي رؤية عُلوية نقية متكاملة.. نابعة من عمق بصيرته ورسوخ يقينه، ومن ارتقائه المتوحّد إلى أعلى قمم الإنسانيّة الممكنة في عالَم الوجود.
إنه عليه السّلام ـ بوصفه قائداً للمسلمين وإماماً للموحدين ـ يهمّه من الصميم شأنُ الإنسان الذي طالما عانى من الظلم والهوان والتمييز، ويهمّه شأن الإنسان المحروم المكبوت الذي صنّفته رؤية الجائرين والمستكبرين إنساناً من الدرجة الثانية أو الثالثة.
من هنا ـ أيّها الأصدقاء ـ نجد موضوع إقامة العدل الاجتماعي موضوعاً بارزاً في رسائل أمير الحق وإمام الإنسانية الكبير.. موضوعاً جوهرياً لا مجال فيه للمهادنة والتساهل مهما كانت التكاليف والتَّبِعات.
دَعْونا إذن ـ يا أصدقاءنا ـ نقرأ عباراتٍ من رسائل الإمام عليه السّلام.. نَتَملاّها ونستوعبها، لعلّنا نتلبّس بشيء من هذا العدل العلَوي العظيم.
يقول صلوات الله في رسالته إلى ابن عبّاس: «.. فقد قَدِم علَيّ رسولُك، وذكرتَ ما رأيتَ وبَلَغك عن أهل البصرة بعد انصرافي. وسأخبرك عن القوم: هم بين مُقيم لرغبة يرجوها، أو عقوبة يخشاها؛ فأرغِبْ راغِبَهُم بالعدل عليه والإنصاف له والإحسان إليه ».
وهذه قطعة من رسالة أمير المؤمنين عليه السّلام إلى مالك الأشتر لمّا ولاّه مصر: « وليكن أحبَّ الأمور إليك: أوسطها في الحق، وأعَمُّها في العدل، وأجمَعُها لرضى الرعيّة... وإنّ أفضل قرّة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، وظهور مودّة الرعيّة ».
وهذا العدل يشكّل عنصراً أساسياً في رسالة الإمام إلى الأسود بن قُطبة قائد الجيش في منطقة حُلوان: « أمّا بعد.. فإنّ الوالي إذا اختلف هواه مَنَعَه ذلك كثيراً من العدل؛ فليكن أمرُ الناس عندك في الحق سواء؛ فإنّه ليس في الجَور عِوَض عن العدل ».
هذه الروية القيّمة في ابتغاء العدالة الاجتماعية.. حاضرة في خطاب الإمام لمحمد بن أبي بكر في ضمن رسالته إليه.. فماذا كتب له الإمام عليه السّلام ؟
« هذا ما عَهِد عبدُ الله عليٌّ أمير المؤمنين إلى محمّد بن أبي بكر حين ولاّه مصر: أمَرَه بتقوى الله، والطاعةِ له في السرّ والعلانية، وخوفِ الله في الغيب والمشهد، وباللين للمسلم، وبالغِلظة على الفاجر، وبالعدل على أهل الذمّة، وبإنصاف المظلوم، وبالشدة على الظالم، وبالعفو عن الناس، وبالإحسان ما استطاع ».
وفي نصٍّ آخر.. قال عليه السّلام لمحمد بن أبي بكر: «.. فاخفِضْ لهم جناحَك، وألِنْ لهم جانبَك، وأبسُطْ لهم وجهَك، وآسِ بينهم في اللحظة والنظرة.. حتّى لا يَطمعَ العُظَماءُ في حَيفِك لهم، ولا ييأسَ الضُّعَفاءُ من عدلك عليهم... ».

انتهى .

منقول من  موقع شبكة الإمام الرضا عليه السلام (مشهد المقدسة)

****************************