وقال (عليه السلام): مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.                
وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
تأمّلات في نهج البلاغة (حوار مع الشيخ صالح بن عبدالله الدرويش) – الأول

آية الله جعفر السبحاني

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خليقته محمد وآله الطاهرين ومن اتبعهم ووالاهم بإحسان إلى يوم الدين.

أمّا بعد; فإن الحوار عبارة عن تبادل الكلام بين شخصين أو أكثر، إما لغاية إظهار الحق وإبطال الباطل، أو لإثبات قوله، وإبطال قول صاحبه.

فالأوّل هو الجدال بالحق الذي دعا إليه الكتاب العزيز بقوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَأَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَأَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [١] .

والثاني هو الجدال المنهي عنه في غير واحد من الأحاديث والآثار، ويطلق عليه (المراء).

وقد كان الحوار شعار الأنبياء، وواقع رسالتهم في التبليغ والدعوة إلى الله، ومارسه المسلمون وأصحاب الفكر والنظر منهم ـ خلا بعض الحنابلة كالبربهاويّ ومن تبعه  [٢]  ـ قروناً متطاولة، وكان شعار الجميع قوله سبحانه: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [٣] .

وقد عرض القرآن الكريم جانباً من مناظرات الأنبياء وحواراتهم، كما تكفّلت كتب الحديث والتاريخ بعرض جانب آخر منها، ورائدنا في ممارسة هذا الأسلوب الحضاري هو النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي نقل لنا التاريخ حواره مع نصارى نجران وخروجه منه ظافراً، وغير ذلك من الحوارات . [٤]

وممّا لفتَ نظري في هذه الأيّام، هو اطلاعي على كتاب «تأمّلات في نهج البلاغة»، تصدّرته مقدمة لأحد علماء الحنابلة، يدعو فيها إلى تحكيم لغة الحوار، ويتمنى شيوعها في الأوساط الإسلامية بعد غيابها في هذه الأيّام، ويؤكد أن الكتاب الّذي هو بصدد التقديم له أُلِّف على هذا الغرار.

فشكرت الله سبحانه على هذه النعمة، بالتزام جانب المرونة من أحد علماء الحنابلة، وكلِّي أمل أن يكون هذا خطوة على طريق الانفتاح على الآخرين، والتخفيف من سوْرة العنف السائدة في كتاباتهم وأقوالهم وأفعالهم.

وقد وضعتُ هذا المؤلّف لمناقشة ما ورد في الكتاب الآنف الذكر من موضوعات، مستعيناً باللغة الهادئة والحوار البنّاء .

فأقدم كتابي هذا إلى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش ومؤلف الكتاب ـ لو كانا شخصين ـ راجيا إمعان النظر فيما طرحتُ فيه من أفكار، فإن أصبتُ في أنظاري فذلك من فضل ربي وإن أخطأت فالرجاء إرشادي إليه، وقد قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : أَحبُّ أخواني من أهدى إليّ عيوبي.

نقطتان جديرتان بالاهتمام في المقدّمة

تمهيد:

اشار فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش في تقديمه للرسالة إلى توحيد الكلمة ووحدة الصف تجاه الاعداء لقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً).

وقد استوقفني في مقدمته نقطتان جديرتان بالاهتمام نركِّز عليهما على وجه الاختصار:

الأُولى: الواقع المأساوي للأُمّة الإسلامية من حيث ضعفها وانقساماتها وكثرة ما يحيط بها من فتن وبلايا، وفي الوقت نفسه أسباب الضعف كثيرة من أهمها: كثرة الاختلافات في الأُمّة، فنجد الانقسامات في السنّة والشيعة. ومع هذه الاختلافات قلّ الساعي للإصلاح وجمع الكلمة ووحدة الصف.

الثانية: انّ الأُمّة الإسلامية تفتقد لغة الحوار والخطاب ونحن بأمسّ الحاجة إلى هذا الأُسلوب، والرسالة الّتي بين يدي القارئ أُلّفت بلغة الحوار والطرح، وقد حرص المؤلّف على الاختصار وسهولة العبارة .

هاتان النقطتان تمثّلان خلاصة ما جاء في مقدّمة فضيلة الشيخ .

ونحن بدورنا نؤيّد موقفه في كلتا النقطتين، ونأسف للوضع المزري للمسلمين وواقعهم المتخلّف، وقلّة المصلحين على هذا الصعيد. هذا من جهة، ومن جهة أُخرى نبارك له موقفه الداعي إلى فتح باب الحوار. ومع هذا فلنا مع سماحته وقفة قصيرة في هذا المقام .

على هامش المقدّمة:

١ ـ إن ظاهر كلام الشيخ انّه من دعاة الوحدة وبتعبير آخر من دعاة التقريب بين المسلمين وتضييق الشقة بينهم. وهذا الموقف الّذي يتّخذه فضيلة الشيخ يناقض بالتمام موقف إمام مدرسة الوهابيّة: محمد بن عبد الوهاب (١١١٥ ـ ١٢٠٦ هـ) في كتابه «كشف الشبهات»، فإنّه ـ سامحه الله ـ قد كفّر فيه المسلمين قاطبة إلاّ من التفّ حوله من الأعراب الذين شاركوا معه في سفك دماء الأبرياء ونهب أموال القبائل المجاورة ، ففضيلة الشيخ إذن بين أحد أمرين :

إمّا أن يرفع راية الإصلاح والتقريب بين المسلمين عملا بقوله سبحانه: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا)ويرفض نهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب بضرس قاطع، وإمّا أن يتّخذه قدوة وسيفاً بتّاراً على رقاب المخالفين من الشيعة والسنّة، ليخلو الميدان لأتباعه، ويكافح كلّ دعوة ترفع لواء التقريب بين المذاهب .

٢ ـ ما ذكره فضيلة الشيخ من غياب لغة الحوار أمر لا غبار عليه، ولكن الذي أُلْفِتُ إليه نظره السامي هو أنَّ الشيعة قد فتحت هذا الباب على مصراعيه وآية ذلك كتاب «المراجعات» الّذي يمثّل حواراً بنّاءً بين علمين كبيرين من أعلام الأُمّة. أحدهما من الشيعة والآخر من السنّة ـ رحمهما الله ـ .

وقد ترك الحوار نتائج بنّاءة اعترف بها كلّ من طالع الكتاب وعرف صدق نوايا المتحاورين وحرصهما على جمع الكلمة، لكن الرقابة حالت دون انتشار هذا النوع من الكتب في الأوساط السنّية لاسيّما في المملكة العربية السعودية، ومع ذلك فهل تبقى فائدة للحوار؟!

ومهما يكن من أمر فنحن نزولاً عند رغبة الشيخ نذكر مضامين الكتاب بأوجز العبارات ونناقشها بلغة هادئة. نبتدئ بكلام الشيخ ثم نعقبه بكلامنا .

والرسالة وإن لم تكن بقلم الشيخ بحسب الظاهر، ولكن التقديم لها حاك عن تأييده الضمني للأفكار والمضامين المطروحة فيها، فكأنّ الشيخ نطق بها بلسان الحال لا بلسان المقال، ولأجل ذلك اتّخذناه طرفاً للحوار، والله من وراء القصد .

أوهام حول (نهج البلاغة)

يقول الشيخ:

قال بعض علماء أهل السنّة عن «نهج البلاغة»: «... ألَّفه لهم الشريف الرضي وأعانه عليه أخوه المرتضى، وطريقتهما في تأليفه أن يعمدا إلى الخطبة القصيرة المأثورة عن أمير المؤمنين فيزيدان عليها... وانّ الصحيح من كلام أمير المؤمنين في نهج البلاغة قد يبلغ عشره أو نصف عشره، والباقي من كلام الرضي والمرتضى  [٥] .

وقيل أيضاً: إنّ الّذي ألّفه هو الشريف المرتضى المتوفّى سنة (٤٣٦ هـ ).

فبالرغم من هذه الشقة البعيدة من السنين بينهما  وبين علي ـ عليه السَّلام ـ إلاّ أنّهما يرويان عنه مباشرة بدون إسناد.

وقد انتهج مثل ذلك، صاحب الكتاب المسمّى «مستدرك نهج البلاغة»؟! فكيف لهذا المعاصر (١) أيضاً أن يروي عن علي ـ عليه السَّلام ـ الّذي عاش في القرن الأوّل الهجري وهو قد عاش في القرن الرابع عشر بدون ذكر المصادر أو الاسناد؟! وما يدرينا لعلّه بعد سنين أو قرون من يأتي ويروي عن علي ـ عليه السَّلام ـ وبالطريقة نفسها [٦] .

المناقشة:

إنّ كلام الشيخ يدور على محاور ثلاثة:

الأوّل: انّ الشريف الرضي هو الذي أبدع نهج البلاغة وأعانه عليه أخوه المرتضى، بل قيل إنّ المؤلّف هو الشريف المرتضى.

الثاني: كيف يروي الشريف الرضي عن علي ـ عليه السَّلام ـ مباشرة بلا اسناد مع وجود شقة بعيدة بينه وبين علي؟!

الثالث: قد انتهج مؤلّف «مستدرك نهج البلاغة» ذلك المنهج وهو من أبناء القرن الرابع عشر .

وها نحن نأخذ بمناقشة المحاور واحداً بعد الآخر .[٧]

إنّ الشريف الرضي هو الجامع لا المنشئ.

إنّ نهج البلاغة اسم وضعه الشريف الرضي لكتاب جمع فيه المختار من كلام الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في جميع فنونه، وجعله يدور على أقطاب ثلاثة:

الخطب والمواعظ، والعهود والرسائل، والحكم والآداب. وقد بيّن ذلك الرضي نفسه في مقدّمة الكتاب وقال: «علماً بأنّ ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وثواقب الكلم الدينية والدنيوية ما لا يوجد مجتمعاً في كلام ولا مجموع الأطراف في كتاب. [٨]

ولم يشكّ أحد من أعلام الفكر وجهابذة العلم أنّ الرضي هو الجامع لكلمات أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ .

وليس الشريف الرضي (قدس سره)أوّل وآخر من جمع كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في المحاور الثلاثة، بل سبقته أُمّة كبيرة في ذلك المضمار، كما لحقته أُمّة أُخرى.

هذا هو المسعودي (المتوفّى ٣٤٦ هـ) يقول: والّذي حفظ الناس من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة ونيف وثمانون خطبة [٩] .

ولأجل إيقاف القارئ على العناية البالغة بجمع كلام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ قبل صدور نهج البلاغة، نورد ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ أسماء مَن تصدّوا لذلك، وهم:

١ ـ خطب علي ; لأبي إسحاق إبراهيم بن الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي المفسر من رجال القرن الثامن [١٠]  .

٢ ـ كتاب الخطب ; لأبي إسحاق إبراهيم بن سليمان بن عبد الله بن خالد النهمي ـ نسبة الى منهم، بطن من همدان ـ الكوفي الخزاز، وله مقتل أمير المؤمنين من رجال القرن الثاني [١١] .

٣ ـ كتاب رسائل علي وحروبه; لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي الكوفي (المتوفّى ٢٨٣ هـ)، وله كتاب كلام علي في الشورى، وله كتاب بيعة أمير المؤمنين، وله كتاب مقتل أمير المؤمنين (ذكرها الطوسي) [١٢]  .

٤ ـ خطب أمير المؤمنين ; لأبي يعقوب إسماعيل بن مهران بن محمد السكوني الكوفي، المتوفّى بعد سنة ١٤٨ هـ (ذكره النجاشي والطوسي) [١٣] .

٥ ـ خطب أمير المؤمنين على المنابر في الجُمَع والأعياد وغيرها; لزيد بن وهب الجهني الكوفي، المتوفّى سنة ٩٦ هـ . (ذكرها الطوسي) [١٤]  .

٦ ـ خطب أمير المؤمنين ; لأبي الخير صالح بن أبي حمّاد الرازي، المتوفّى بعد سنة ٢١٤ هـ ، من أصحاب الإمام العسكري ـ عليه السَّلام ـ . (ذكره النجاشي) [١٥] .

٧ ـ خطب عليّ; لأبي أحمد عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي الأزدي البصري المتوفّى سنة ٣٣٢ هـ ، وله كتاب شعر علي، وله كتاب ذكر كلام عليّ في الملاحم، وله كتاب قول علي في الشورى، وله كتاب ما كان بين علي وعثمان من الكلام، وله كتاب الأدب عن عليّ، وكتب أُخرى فيها آثار الإمام ـ عليه السَّلام ـ : رسائل علي، ومواعظ علي، وخطب عليّ. (ذكرها النجاشي) [١٦]  .

٨ـ خطب أمير المؤمنين ; لأبي بشر (أبي محمد) مسعدة بن صدقة العبدي الكوفي، الراوي عن الإمام الكاظم ـ عليه السَّلام ـ ، المتوفّى سنة ١٨٣ هـ . (ذكره النجاشي) [١٧]  .

٩ ـ خطب وكتب أمير المؤمنين عليّ ـ عليه السَّلام ـ ; لأبي المفضل نصر بن مزاحم المنقري الكوفي العطار، المتوفّى سنة ٢١٢ هـ ، (ذكره النجاشي)  [١٨] .

١٠ ـ خطب عليّ ـ عليه السَّلام ـ ; لأبي منذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، المتوفّى سنة ٢٠٦ هـ ، كان والده محمد من أصحاب الإمام الباقر والصادق ـ عليهما السَّلام ـ ، وله تفسير القرآن، توفّي سنة ١٤٦ هـ ، وجدّه السائب، وأخوه عبيد وعبد الرحمان، وأبوهم بشر شهد الجمل وصفين مع أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ . (ذكره النجاشي) [١٩] .

وقد أنصف الأستاذ علي العرشي الحنفي في «استناد نهج البلاغة» بقوله: «ليس بخاف على أبناء العلم والمولعين به أنّ معظم محتويات نهج البلاغة توجد في كتب المتقدّمين ولو لم يذكرها الشريف الرضي، ولو لم يعر بغداد ما عراها من الدمار على يد التتر، ولو بقيت خزانة الكتب الثمينة التي أحرقها الجهلاء لعثرنا على مرجع كلّ مقولة مندرجة في نهج البلاغة» [٢٠] .

وأمّا ما أُلّف بعد نهج البلاغة في خطب الإمام ـ عليه السَّلام ـ ورسائله وكلمه، فحدّث عنه ولا حرج. ولسنا في حاجة إلى ذكر أسمائهم وكتبهم، فقد تكفّلت بعض المصادر بإيراد ذلك، فراجعها [٢١] .

وقد اشتهر من بين هذه الكتب كتاب نهج البلاغة، لأنّ جامعه كان صائغاً يعرف الذهب الخالص من غيره.

نعم، من أوائل من بذر بذرة التشكيك في «نهج البلاغة» وفيمن جمعه هو ابن خلكان (٦٠٨ ـ ٦٨١ هـ)، حيث قال عند ترجمة السيد المرتضى :

وقد اختلف الناس في كتاب (نهج البلاغة) المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب ـ رضى الله عنه ـ هل هو جَمْعه أم جمع أخيه الرضي؟ وقد قيل: إنّه ليس من كلام علي، وإنّما الذي جمعه ونسبه اليه هو الذي وضعه، والله أعلم [٢٢] .

أقول: (إنْ يَتَّبِعونَ إلاّ الظَّنَّ وإنْ هُمْ إلاّ يَخْرُصُونَ) إنّ ابن خلّكان قد تبع الظن وبذر بذرة التشكيك ولم يأت على ذلك بأي دليل، وأعجب من ذلك أنه نقل اختلاف الناس فيمن هوالجامع أو المؤلّف هل هو السيد المرتضى أو الرضي؟ مع أنّه لم يختلف اثنان إلى عصر ابن خلكان في أنّ الجامع هو الرضي وقد صرح به في غير واحد من آثاره [٢٣] .

ابن خلّكان ونزعته الأُموية:

إنّ من يحمل نزعة أموية ويكون مْغرَماً بشعر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، لا يستضيء بنور نهج البلاغة، بل تحمله نزعاته إلى بذر الشك فيه، كيف وهو يصف نفسه بأنّه أوّل من جمع شعر يزيد بن معاوية واعتنى به وهو صغير الحجم في ثلاثة كراريس؟! ثم قال: وكنت حفظت جميع ديوان يزيد لشدة غرامي به سنة ٦٣٣ هـ بمدينة دمشق وعرفت صحيحه من المنسوب إليه .

وكان ابن خلّكان مستهزءاً بالقيم الأخلاقية، حيث ابتلي في أواخر أيامه بحب أحد أولاد الملوك، وهو مسعود بن الملك المظفر، حتى أنّ الغلام زاره في بعض الأيام فبسط له ابن خلكان الطرحة [٢٤] وقال له: ما عندي أعزّ من هذا تطأ عليه ولمّا فشى أمرهما، وعلم به أهله، منعوه من الركوب إليه، فقال ابن خلكان في ذلك أشعاراً ذكر بعضها ابن شاكر في (فوات الوفيات) وقد شغفه حبّه، وتيّمه هواه حتى امتنع من النوم فكان يدور الليل كلّه، ويكرر قول ابن سكرة الهاشمي:

أنا والله هالك ***** آيس من سلامتي

أو أرى القامة التي ***** قد أقامت قيامتي

إلى أن يصبح على هذه الحال، ويروى أنّه مات وهو ينشدهما، وكان ذلك آخر ما نطق به  [٢٥] .

قل لنا يا صاحب الفضيلة أي الرجلين أحقّ بالاتّباع؟ هل هذا الرجل الذي تعرّفنا عليه عن كثب، أو السيد الرضي الذي يعرّفه الثعالبي في اليتيمة بقوله: هو اليوم أبدع أبناء الزَّمان، وأنجب سادة العراق، يتحلّى مع محتده الشريف، ومفخره المنيف، بأدب ظاهر، وفضل باهر وحظٍّ من جميع المحاسن وافر [٢٦] .

ويعرّفه ابن الجوزي بقوله: كان الرَّضي نقيب الطالبيِّين ببغداد حفظ القرآن في مدَّة يسيرة بعد أن جاوز ثلاثين سنة وعرف من الفقه والفرائض طرفاً قويّاً وكان عالماً فاضلاً وشاعراً مترسِّلاً، عفيفاً عالي الهمَّة متديِّناً. [٢٧]

إلى غير ذلك من كلمات الثناء التي يضيق المقام بنقل قليل منها.

أضف إلى ذلك انّه لو كانت هذه الخطب والرسائل والكلم من منشآت الرضي فلماذا نسبها إلى الإمام أمير المؤمنين، بل كان الأولى أن ينسبها إلى نفسه فيما يصلح أن يكون راجعاً إليه كخطبه في التوحيد والأخلاق والسياسة والآداب.

ليس في النهج دخيل

إنّ كلام صاحب الفضيلة ربّما يعرب أن في «نهج البلاغة» دخيلاً، حيث نقل عن عبد العزيز الدهلوي أن الصحيح من كلام أمير المؤمنين قد يبلغ عشره أو نصف عشره والباقي من كلام الرضيّ والمرتضى.

قد عرفت أنّ ابن خلّكان نسب الجميع إلى الشريفين، وهذا القائل نسب ماوراء العشر أو نصف العشر إليهما.

أقول: إنّ الدسّ في الخطب البليغة الّتي هي في أقصى مراتب الفصاحة والمحتوية على كنوز علوم الحكمة والمعرفة ليس كالدسّ والإدخال في الحديث والرواية، ولا يتمكنّ من هذا الأمر كلّ من عرف اللغة العربية ومارس الأدب والشعر.

ثمّ إن هذا الدسّ إمّا أن يكون من الشريفين أو من غيرهما، وكلا الاحتمالين باطلان جدّاً، أمّا الأوّل، فيكفي في ذلك ما ذكره ابن الخشّاب، في ردّ من زعم أن إحدى الخطب منحولة، فقال: لا والله وإنّي لأعلم أنّها كلامه (الإمام)، كما أعلم أنّك مصدِّق. قال: فقلت له: إنّ كثيراً من

الناس يقولون إنّها من كلام الرضيّ (رحمه الله) فقال: أنّى للرضيّ ولغير الرضيّ هذا النفس وهذا الاسلوب؟! قد وقفنا على رسائل الرضيّ، وعرفنا طريقته وفنّه في الكلام المنثور، وما يقع مع هذا الكلام في خلّ ولا خمر [٢٨] .

وأفاض ابن أبي الحديد في بيان هذا المعنى، فقال: لا يخلو إمّا أن يكون كلّ نهج البلاغة مصنوعاً منحولاً أو بعضه، والأوّل باطل بالضرورة لأنّا نعلم بالتواتر صحة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ... والثاني يدلّ على ما قلناه، لأنّ من قد أنس بالكلام والخطابة، وشدا طرفاً من علم البيان، وصار له ذوق في هذا الباب لابد أن يفرّق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الفصيح والأفصح، وبين الأصيل والمولّد، وإذا وقف على كرّاس واحد يتضمّن كلاماً لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط، فلابدّ أن يفرّق بين الكلامين ويميّز بين الطريقتين... وأنت إذا تأملتَ نهج البلاغة وجدته ماءً واحداً ونَفَساً واحداً وأسلوباً واحداً، كالجسم البسيط الّذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهية . [٢٩]

وأمّا الثاني أي أن يكون الدّسّ من جانب غيرهما، فهو من المحالات العاديّة، إذ لا نعرف في التاريخ شيعياً قبل زمن الشريف أو في عصره بلغ في الفصاحة والبلاغة شأواً يقتدر به أن يساجل أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في فصاحته، ويأتي بمثل كلامه ويُدخله فيه، ولو كان في الشيعة أو في الصوفية من لديه هذه القدرة لاشتهر أمره وعُرِف خبره ولعدّ من أعاظم الخطباء وأكابر الحكماء.

مصادر نهج البلاغة

إن الشريف الرضي ذكر الخطب والرسائل والكلم القصار مجرّدة عن المصادر والأسانيد، وذلك للغرض الّذي كان يتوّخاه وهو أن يخرج للناس جانباً من كلام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ الّذي يتضمن من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وجواهر العربية وثواقب الكلم الدينية والدنيويّة ما لا يوجد مجتمعاً في كلام ولا مجموع الاطراف في كتاب [٣٠] .

ومع ذلك فإن جميع ما نقله الشريف الرضيّ، موجود في الكتب المؤلفة قبل الرضيّ، فالمصادر الّتي يجد الباحث مجموع النهج فيها، موجودة الآن ومتوفّرة، وهي على أقسام:

١ ـ ما ألّفت قبل سنة أربعمائة الّتي هي عام صدور نهج البلاغة .

٢ ـ ما ألِّفت بعد زمن الشريف ولكن روت كلام الإمام بأسانيد متصلة لم تمرّ في طريقها على الرضي ولا على كتابه .

٣ ـ كتب صدرت بعد الرضيّ ولكنها نقلت كلام الإمام بصورة تختلف عمّا في النهج.

وقد وفّق الله سبحانه العالم المتتبع الموفق السيد عبد الزهراء لاستخراج عامّة مصادر نهج البلاغة من تلك المصادر المتوفّرة وقد بلغ عددها حسب ما ذكره إلى ١١٤ مضافاً إلى ما ذكره الرضيّ من المصادر، ومع هذا فهل يصحّ لباحث أن يشكّ في نهج البلاغة ؟ [٣١]

وليس يصحّ في الافهام شيء ***** إذا احتاج النهار إلى دليل

المحور الثاني: كيف يروي الشريف عن علي ـ عليه السَّلام ـ مباشرة؟

هذا هو المحور الثاني من كلام فضيلة الشيخ وهو أنه يتعجب من رواية الرضيّ الّذي ولد عام ٣٥٩ هـ وتوفّي عام ٤٠٦ هـ عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ الّذي توفّي عام ٤٠ هـ ؟

إنّ كتاب «نهج البلاغة» وما أدراك ما نهج البلاغة ـ دونه أكثر المصادر شأناً واستعرضته الافكار ونخبة الآراء ـ ، وقد أظهره الشريف في عصر ازدهرت فيه الآداب، ونبغ النوابغ، وأنتج للأُمّة العربية أعظم ثروة علمية. فهو كان على يقين من صدور هذه الخطب عن إمام الفصاحة والبلاغة، وكانت المصادر الدالة على صدورها عن الإمام ـ عليه السَّلام ـ متوفّرة، فلأجل ذلك لم يكن يشك فيها ذو مسكة، فلأجل ذلك حذف المصادر وأتى بلبّ اللباب، فلو لم يكن على يقين منه وثقة به، لما حذف الأسانيد والمصادر.

وممّا يؤيد ذلك أنه يذكر لخصوص بعض الخطب والكتب والكلم القصار مصدرها، وذلك فيما لم تثبت عنده نسبته إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ بخلاف غيره فانّه كان على ثقة منه ويقين، فلم يكن محتاجاً إلى ذكر مصدر له، تكون العهدة عليه في النقل والنسبة، وكان هذا إحدى السنن الدارجة بين القدماء في التأليف.

وها نحن نذكر بعض المصادر الّتي أشار إليها الرضي في ذيل بعض الخطب والرسائل والكلم:

١ ـ كتاب البيان والتبيين لعمرو بن بحر الجاحظ.

٢ ـ كتاب المقتضب للمبرد في باب اللفظ بالحروف.

٣ ـ كتاب المغازي لسعيد بن يحيى الأموي.

٤ ـ كتاب الجمل للواقدي.

٥ ـ كتاب المقامات في مناقب أمير المؤمنين لأبي جعفر الاسكافي.

٦ ـ تاريخ ابن جرير الطبري.

٧ ـ حكاية أبي جعفر محمد بن علي الباقر ـ عليهما السَّلام ـ .

٨ ـ رواية اليماني عن ابن قتيبة .

٩ ـ ما وجد بخط هشام بن الكلبي.

١٠ ـ خبر ضرار بن حمزة الضبابي.

١١ ـ رواية أبي جحفة .

١٢ ـ حكاية ثعلب.

 

٣ ـ مؤلّف مستدرك نهج البلاغة يروي عن علي ـ عليه السَّلام ـ مباشرة

هذا هو المحور الثالث في كلام الشيخ، يتعجّب من عمل الشيخ هادي كاشف الغطاء الّذي يروي عن علي مباشرة، ولكن التعجب في غير محلّه لأنّه ألّفه على منوال نهج البلاغة مرتبّاً كتابه على الأبواب الثلاثة. ففضيلة الشيخ يتعجّب كيف يروي المؤلّف الّذي عاش في القرن الرابع عشر عن الإمام الّذي عاش في القرن الأوّل؟! ولكن الشيخ لم يقرأ مقدّمة الكتاب ولو قرأها لما تفوّه بذلك!! فإنه صرّح في مقدّمة كتابه أنّه ألّف هذا الكتاب ناهجاً منهج السيد الشريف، جرياً على سنته، لأنّه ـ كما يقول ـ قدوتي في هذا المشروع الجليل وأُسوتي في هذا العمل الصالح... الخ.

-----------------------------------------------------
[١] . النحل: ١٢٥ .
[٢] . راجع كتاب السنة: ٧١، للبربهاويّ .
[٣] . الأنبياء: ٢٤ .
[٤] . انظر حواره مع الأنصار في غزوة حنين .
[٥] . مختصر التحفة الاثني عشرية: شاه عبد العزيز الدهلوي: ٥٨ .
[٦] . هو الهادي بن عباس كاشف الغطاء (١٢٨٩ ـ ١٣٦١ هـ) .
[٧] . تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: ٩ .
[٨] . نهج البلاغة، المقدّمة .
[٩] . مروج الذهب: ٢ / ٤٣١ .
[١٠] . رجال النجاشي: ١٥، الفهرست: ٣٥ .
[١١] . رجال النجاشي: ١٨، الفهرست: ٣٨ .
[١٢] . الفهرست: ٣٦ .
[١٣] . رجال النجاشي: ٢٦; الفهرست: ٤٦ و ٥٢ .
[١٤] . الفهرست: ١٣٠ .
[١٥] . رجال النجاشي: ١٩٨ .
[١٦] . رجال النجاشي: ٢٤٠ ـ ٢٤٢ .
[١٧] . رجال النجاشي: ٤١٥ .
[١٨] . رجال النجاشي: ٤٢٨ .
[١٩] . رجال النجاشي: ٤٣٤ ـ ٤٣٥; وفهرست ابن النديم: ١٤٠٦ .
[٢٠] . استناد نهج البلاغة: ٢٠ .
[٢١] . ارشاد المؤمنين إلى معرفة نهج البلاغة المبين: ١ / ٢١٥ ـ ٢١٦، ومصادر نهج البلاغة وأسانيده: ١ / ٥١ ـ ٦٥ .
[٢٢] . وفيات الاعيان: ٣ / ٣ .
[٢٣] . لاحظ المجازات النبوية: ٤٠ وحقائق التأويل: ١٦٧. وكلاهما من تأليفات الرضي.
[٢٤] . الطرحة هي الطيلسان وهو كساء أخضر يلبسه القضاة والمشايخ يوم ذاك.
[٢٥] . فوات الوفيات: ١ / ١٠١ و ١٠٢ .
[٢٦] . ديوان الشريف الرضي: ٢ / ٤٢ .
[٢٧] . المنتظم: ١٥ / ١١٥ برقم ٣٠٦٥ .
[٢٨] . شرح نهج البلاغة: ١ / ٢٠٥ .
[٢٩] . شرح نهج البلاغة: ١٠ / ١٢٨ .
[٣٠] . مقدمة نهج البلاغة .
[٣١] . مصادر نهج البلاغة: ٢٩ ـ  ٤١ .

يتبع ......

****************************