وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                
وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                

Search form

إرسال الی صدیق
تأمّلات في نهج البلاغة (حوار مع الشيخ صالح بن عبدالله الدرويش) – الثاني

آية الله جعفر السبحاني

أين النص الإلهي لعلي في نهج البلاغة

يقول الشيخ:

فبالرغم من مكانة هذا الكتاب عند الشيعة والمكانة الّتي يُعطونها لعلي لكن النهج خال عن التنصيص بالإمامة، فلو كان الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ منصوصاً من جانب الله سبحانه لاستدلّ به الإمام في خطبه ورسائله .

المناقشة:

يبدو أن فضيلة الشيخ لم يمعن النظر في «نهج البلاغة»، أو لم يقرأ منه إلاّ صحائف قليلة، ولو طالع الكتاب برمّته لما تسرّع في هذا الحكم، فإنّ في خطب

الإمام احتجاجاً على إمامته وإمامة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ بالوصاية، ونحن نذكر فقرات من خطبه وكلماته في مواطن مختلفة :

١ ـ [يقول في حق آل النبي: لا يُقاسُ بآل محمد من هذه الأُمّة أحد، ولا يسوَّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين وعماد اليقين. إليهم يَفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة. الآن إذ رجع الحق إلى أهله ونُقل إلى منتقله [١] .

فقوله: «فيهم الوصية» دليل على أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أوصى بخلافتهم وإمامتهم، كما أنّ قوله «فيهم الوراثة» دليل على ميراث المال، وياللأسف فإن الأُمّة ـ لا كلّها ـ تركت كلا الأمرين وراء ظهرها. والدليل على أنّ المراد من الوصاية هو الخلافة، قوله في ذيل الخطبة «الآن إذ رجع الحق إلى أهله ونقل إلى منتقله» فما هو المراد من الحق الّذي كان خارجاً ثم رجع إلى أهله؟ أليس هو الإمامة والخلافة الّتي غُيِّب عنها الإمام طيلة ٢٥ سنة ثم رجعت إليه بعد تلك الفترة؟

٢ ـ أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا، كذبوا بغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم وأعطانا وحرمهم وأدخلنا وأخرجهم، بنا يُستعطى الهدى ويُستجلى العمى. إنّ الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم.[٢]

وأيّة كلمة أوضح من قوله «إن الأئمة من قريش»؟ وبما أن قريشاً كانت ذات بطون، حدّد الإمام البطن الّذي غُرست فيه الإمامة بقوله: (غرسوا في هذا البطن من هاشم) .

وفيه تصريح بأنّ الإمامة لا تصلح إلاّ في قريش من بطن هاشم خاصة، ولم يدّع أحد من بني هاشم الإمامة إلاّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ .

ولمّا كان هذا الكلام صريحاً في التنصيص على الإمامة لم يجد ابن أبي الحديد شارح كتاب نهج البلاغة بدّاً من الإذعان به، حيث قال: وإنْ صحّ أن عليّاً ـ عليه السَّلام ـ قاله، قلتُ كما قال، لأنّه ثبت عندي أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «إنّه مع الحق وإن الحق يدور معه حيثما دار» [٣]  .

٣ ـ فو الله مازلت مدفوعاً عن حقّي مستأثراً عليّ، منذ قبضَ الله نبيَه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى يوم الناس هذا [٤] .

ما هو الحق الّذي استأثره الناس على علي ـ عليه السَّلام ـ منذ أن قبض الله نبيه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى يوم الناس هذا؟ فلو كان المراد من الحق، هو الحق الناتج عن بيعة الناس فلم يكن هناك أيّة بيعة عامّة لعلي يوم ذاك حتّى يكون الإمام ذا حق من تلك الجهة، فيتعيّن أن يكون هو الحق الّذي حبا الله به علياً في غير واحد من المواضع، كحديث يوم الدار، وغزوة خيبر، وغزوة تبوك، وغدير خم إذ نصّبه إماماً بمرأى ومسمع جموع غفيرة من الناس.

إنّ الإمام يذكر في هذه الخطبة الّتي أخذنا منها ذلك المقطع، عصيان طلحة والزبير عليه وهو يضرب بالمقبل إلى الحق، المدبرَ عنه، ثم خروجهما يقول: ليس هذا أوّل مرة هُضم فيها حقه، بل هُضمَ منذ أن قبض نبيه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ .

٤ ـ وقد قال قائل: إنّك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب لحريص، فقلت: بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنما طلبت حقاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، فلمّا قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين، هبَّ كأنه بُهت لا يدري ما يجيبني به .

اللهم إني استعينك على قريش ومن أعانهم؟ فإنهم قطعُوا رحمي وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هُوَ لي، ثم قالوا: ألا إنَّ في الحق أن تأخذه، وفي الحقّ أن تتركه  [٥] .

إنّ الإمام يذكر في هذه الخطبة ما جرى في يوم السقيفة، حيث قال له أبو عبيدة بن الجراح: إنك على هذا الأمر لحريص، فأجابه الإمام بقوله: (بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب).

ثم يقول «وإنما طلبت حقاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه وتضربون وجهي دونه»، فما هو الحق الّذي كان الإمام يطلبه وأصحاب السقيفة يحولون بينه وبينه ويضربون وجهه دونه؟! أليس هو التنصيص من الله سبحانه عن طريق نبيه على خلافته وقيادته، وإلاّ لم يكن هناك حق حتّى يطلبه علي ـ عليه السَّلام ـ ، بل كان عليه أن يصبر حتّى يتم أمر البيعة فعندئذ يتبيّن صاحب الحق عن غيره .

هذا غيض من فيض ممّا صرح به الإمام على خلافته وإمامته بالحق الثابت له، ولو أنّ فضيلة الشيخ يتأمّل هذه الفقرات وغيرها لأذعن بأنّ الإمام يعرِّف نفسه وصياً للرسول في أمر الخلافة، وإماماً للمسلمين بعد رحيل الرسول، وكونه ذا حق ثابت وقد حيل بينه وبين حقه ، وها نحن نذكر مقاطع أُخرى على وجه الإيجاز، وربّما سبق ذكره في بعض ما تقدم أيضاً تاركين التفصيل إلى وقت آخر.

قال ابن أبي الحديد: واعلم أنّه قد تواترت الأخبار عنه ـ عليه السَّلام ـ بنحو من هذا القول، نحو قوله: (مازلت مظلوماً منذ قبض الله رسوله حتّى يوم الناس هذا).

وقوله: (اللّهم أخز قريشاً، فإنّها منعتني حقي، وغصبتني أمري).

وقوله: (فجزى قريشاً عنِّي الجوازي، فإنّهم ظلموني حقي، واغتصبوني سلطان ابن أُمّي) .

وقوله، وقد سمع صارخاً ينادي: أنا مظلوم، فقال: (هلمّ فلنصرخ معاً، فإنّي مازلت مظلوماً) .

وقوله: (وانه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى).

وقوله: (أرى تراثي نهبا).

وقوله: (أصغيا بإنائنا، وحَمَلا الناسَ على رقابنا) .

وقوله: (إنّ لنا حقاً إن نُعْطَه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الأبل وإن طال السُّرى ).

وقوله:  (مازلت مستأثراً عليّ، مدفوعاً عمّا أستحقه واستوجبه). [٦]

ولعلّ هذا المقدار يكفي في إقناع الشيخ ومن على طريقته بأنّ الإمام احتجّ على إمامته وخلافته في مواضع مختلفة من النهج .

وهنا نكتة أُخرى وهي أنّ «نهج البلاغة» ليس كتاباً عقائدياً يشرح كل عقيدة ويبرهن عليها، وانّما هو مجموع خطب ورسائل وكلم، انتخبها الرضي من كثير من خطبه ورسائله وكلمه.

وكتاب كهذا لا يمكن أن نتوقع منه أن يلج في كل صغير وكبير ـ وإن كانت الولاية الإلهية لعليّ من مهامّ الأُمور ـ .

رفض الإمام ـ عليه السَّلام ـ لبيعته

يقول الشيخ:

ففي نهج البلاغة خطبة لعلي حينما دعوه إلى البيعة بعد مقتل عثمان ـ رضى الله عنه ـ قال فيها: (دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول... إلى أن قال: وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلِّي أسمَعُكم وأطوعُكم لمن ولّيتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً). [٧]

فلله العجب إذ لو كان أمر الإمامة أو الخلافة كما يصوّرها الشيعة بأنها نص إلهي في علي ـ عليه السَّلام ـ وأبنائه الأحد عشر من بعده،... كيف يستطيع علي ـ عليه السَّلام ـ أن يقول دعوني والتمسوا غيري؟ هل يتّهم الشيعة الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ بعصيان الله؟ أين حبهم لعلي؟

إنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ هنا يقرر أن الخلافة يجوز أن تكون له أو لغيره، ويقول نفسه عن نفسه: أكون مقتدِياً خيرلي من أن أكون أماماً، فهو لا يرى الأمر كما يراه الشيعة [٨] .

المناقشة:

كان على فضيلة الشيخ أن يتأمّل مورد صدور الكلام من الإمام، وانّه في أيّ موقف رفض بيعة القوم وقال: «دعوني والتمسوا غيري». وأي خلافة رفضها، وقال في حقها ما قال؟

إنّ الذين أرادوه على البيعة هم الذين بايعوا الخلفاء السابقين، وكان عثمان منهم، وقد منع حقّ كثير منهم في العطاء، فلمّا قُتِل قالوا لعلي ـ عليه السَّلام ـ : نبايعك على أن تَسير فينا

بسيرة أبي بكر وعمر لأنّهما لا يستأثران بالمال لأنفسهما ولا لأهلهما فطلبوا من علي ـ عليه السَّلام ـ البيعة على أن يسير بسيرتهما، فاستعفاهم وسألهم أن يطلبوا غيره ممّن يسير بسيرتهما، ثم ذكر عدم قبوله في ذيل كلامه وهو «إنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وان الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت» مشيراً إلى أنّ الشبهة قد استولت على العقول والقلوب، وجهل أكثر الناس محجّة الحق، ففي مثل هذه الظروف لا أقدر ان أسير فيكم بسيرة الرسول في أصحابه مستقلاًّ بالتدبير، لفساد أحوالكم، وتعذر صلاحكم.

وقد صدق الخُبْر الخَبَر، فلمّا قام الإمام بالأمر وقسّم الأموال بينهم بالعدل، نكثت طائفة، ومرقت أُخرى، وقسط آخرون  [٩] .

فالذي رفضه الإمام هو الخلافة الّتي يتقمّصها الإمام عن طريق البيعة، وأمّا الخلافة الالهية الّتي ألبسها الله سبحانه إيّاه يوم الغدير وغيره فلم تكن مطروحة لدى البائعين والإمام، حتّى يستقيلها أو يقبلها.

فالخلافة الّتي ينحلها الناس عن طريق البيعة، فالإمام وغيره أمامها سواء، وفي حقها قال: دعوني والتمسوا غيري. وأمّا الخلافة الإلهية الّتي تدّعيها الشيعة بفضل النصوص الكثيرة فهي غنية عن البيعة، غير خاضعة لإقبال الناس وإدبارهم. وليست الناس أمامها سواء، بل تختص بمن خصه سبحانه بها، وليس لمن خصَّه بها رفضها ولا استقالتها. والإمامة بهذا المعنى لم تكن مطروحة حين الحوار حتّى يرفضها الإمام .

وليس هذا أول كلام للامام وآخره حول رفضه بيعة القوم وإنّ أصرّوا عليه وتداكّوا عليه تداكّ الإبل على حياضها يوم وِرْدها، يقول:

(وبسطتم يدي فكففُتها، ومددتموها فقبضُتها ثم تداكّكتم عليّ تداكّ الابل الهِيْم على حياضها يوم وِردها، حتّى انقطعت النعل، وسقط الرداء، ووطُئ الضعيف وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إيّاي أن ابتهج بها الصغير، وهدج إليها الكبير، وتحامل نحوها العليل، وحسرت إليها الكعاب). [١٠]

قال ابن أبي الحديد في شرح مفردات الخطبة:

التداك: الازدحام الشديد، والإبل الهيم: العطاش. وهدج اليها الكبير: مشى مشياً ضعيفاً مرتعشاً، والمضارع يهدج، بالكسر. وتحامل نحوها العليل: تكلّف المشي على مشقّة . وحسرت إليها الكعاب: كشفت عن وجهها حرصاً على حضور البيعة، والكعاب: الجارية الّتي نهد ثديها، كعُب تكعُب (بالضم). قوله: «حتّى انقطع النعل وسقط الرداء» شبيه بقوله في الخطبة الشقشقية: «حتّى لقد وطئ الحسنان وشُقَّ عِطفاي»  [١١] .

أقول: إنّ الذين جاءوا لمبايعة علي من الصحابة والتابعين، إنّما حاولوا أن يبايعوه كما بايعوا الخلفاء الماضين، فالخليفة في هذا المقام يستمد شرعية خلافته من بيعة الناس، وهي التي وقف منها الإمام موقفاً رافضاً لعدم رغبته فيها ، وعلماً منه بأنّ المبايعين لا يطيقون عدله وقضاءه.

وأين ذلك من الإمامة الإلهية الثابتة له بتنصيص النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في غير واحد من المواقف؟! فإنّ المبايعين في تلك الظروف العصيبة لم يكن لهم همّ سوى تنصيب الخليفة من دون نظر إلى الإمامة المنصوصة لعلي ـ عليه السَّلام ـ . حتّى يستقيلها الإمام أو يقبلها.

وفي الختام نودّ الإشارة إلى نكتة، وهي أنّ البيعة الّتي تمّت لعلي ـ عليه السَّلام ـ على النحو الّذي وصفها الإمام ـ عليه السَّلام ـ كانت ظاهرة استثنائية لم يكن لها مثيل في من سبقه من الخلفاء، ومع ذلك نرى أنّه لمّا استتب الأمر للإمام ـ عليه السَّلام ـ ظهرت بوادر التمّرد والعصيان عليه، والتي شغلت باله ـ عليه السَّلام ـ منذ تولِّيه منصب الخلافة وحتّى استشهاده ـ عليه السَّلام ـ .

ثم إنّ الإمام في نهاية الأمر يبيّن وجه قبوله لبيعة هؤلاء (مع عدم رغبته في الخلافة) في خطبة أُخرى، حيث يقول :

أما والّذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز [١٢] .

وهذه الفقرات تعرب عن وجه قبول الخلافة ومبايعة الناس، كما تعرب عن مكانة الحكم عند الإمام ـ عليه السَّلام ـ .

استدلال آخر بكلام علي ـ عليه السَّلام ـ :

قال فضيلة الشيخ: ورد في نهج البلاغة قول علي ـ عليه السَّلام ـ وهو يذكر أمر الخلافة والإمامة: رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا لله أمره...فنظرت في أمري، فإذا طاعتي سبقت بيعتي وإذا الميثاق في عنقي لغيري» [١٣] .

المناقشة:

إنّ فضيلة الشيخ ـ سامحه الله ـ لم ينقل كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ على ما هو عليه، وحذف منه جُملاً لها مدخلية تامة في فهم مراده، ووضع مكانها عدة نقاط، فكلام الإمام في النهج على النحو التالي:

(رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا لله أمره، أتراني أكذب على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وأنا أوّل من صدّقه، فلا أكون أوّلَ من كذب عليه).

(فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لغيري).

ولكل من الفقرتين موضوع خاص. فالموضوع في الفقرة الأُولى يتعلّق بالتنبّؤ عن المستقبل والإخبار عن الملاحم التي تعلّمها من رسول الله .

في حين يتعلّق الموضوع في الفقرة الثانية، بالخلافة.

وفضيلة الشيخ ـ عفا الله عنه ـ ، أقتطع جزءاً من الفقرة الأُولى ـ أعني قوله: «رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا لله أمره» ـ وضمّه للفقرة الثانية حتى يتمّ استدلاله على ما يرتئيه.

غافلاً عن أنّ التنقيب ورائه والله من وراء القصد.

إذا تبين ذلك، نقول: إنّ كلام الإمام يدور حول محورين:

الأوّل: انّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ كان يتنبّأ بالملاحم التي سمعها من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولمّا تفرّس في قوم من عسكره انّهم يتّهمونه فيما يخبرهم به عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ من أخبار الملاحم والغائبات، أجابهم بقوله: (رضينا عن الله قضاءه ـ إلى قوله: فلا أكون أوّل من كذب عليه) .

فليس لقوله: «رضينا عن الله» أي صلة بالخلافة، وإلاّ انقطعت الصلة بينه وبين قوله: (أتراني أكذب على رسول الله، والله لأنا أوّل من صدّقه...).

الثاني: انّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ كان يصف حاله بعد رحيل الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، حيث إن الغالبية نسيت أو تناست وصية رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في حق علي وإمامته وخلافته في غير واحد من مواقفه ومع ذلك فقد أوصاه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وعهد إليه أن لا ينازع في أمر الخلافة مع القوم طلباً للمصلحة، فالإمام يحكي هذه الحقيقة بقوله:

(فإذا طاعتي سبقت بيعتي» أي وجوب طاعة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ووجوب امتثالي أمرهُ، سابق على بيعتي للقوم، فلا سبيل لي إلى الامتناع من البيعة، لأنّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أمرني بها).

(وإذا الميثاق في عنقي لغيري)، أي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أخذ عليّ الميثاق بترك الشقاق والمنازعة، فلم يحلّ لي أن أتعدّى أمره أو أُخالف نهيه [١٤] .

وأين هذا الكلام من نفي الوصاية الإلهية؟! بل هو دليل على أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ أمسك ولم ينازع لأجل مصلحة عامّة بعد رحيل الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فلو قام على أخذ حقّه لكانت المصيبة عليه أعظم من ذهاب الحق الّذي كان له.

وها نحن نأتي بكلمة للإمام ـ عليه السَّلام ـ يصف فيها حاله بعد السقيفة وانه مع اعتقاده بخلافته وإمامته صبر وأمسك يده لمصالح عالية.

١ ـ يقول في خطبة: فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي فضننت بهم عن الموت، واغضيتُ عن القذى، وشربتُ على الشجى، وصبرت على أخذ الكظم، وعلى أمرَّ من طعم العلقم. [١٥]

وطلع الفجر :

إنّ القضاء البات في موضوع يقتضي جمع كل ما يمتّ بصلة إلى الموضوع من أقوال المتكلّم، وعند ذاك يتّخذ الباحث موقفاً حاسماً، ويُدلي برأيه القاطع حسب شهادة القرائن بعضها على بعض.

وأمّا القضاء بملاحظة بعض ما يرجع إلى الموضوع وتناسي غيره فهو ليس قضاء صحيحاً .

إنّ فضيلة الشيخ ورد من الطريق الثاني حيث أخذ ببعض الكلم ولم يرفع إبهام البعض بالبعض الآخر. وكان عليه أن يرجع في الموضوع إلى الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية، فإنّ الإمام بيّن فيها موقفه من خلافة الخلفاء، وقد قال ابن الخشاب في حق هذه الخطبة: إنّي وقفت عليها في كتب صنفت قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الادب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي .

وقال ابن أبي الحديد: قد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديّين من المعتزلة، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة، ووجدت أيضاً كثيراً منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلّمي الإمامية، وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب «الإنصاف» وكان أبوجعفر من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضي (رحمه الله) موجوداً [١٦] .

وها هو الإمام يبيّن موقفه من خلافة الخلفاء ويقول:

(أما واللهِ لقد تقمّصها ابن أبي قحافةَ، وإنّهُ ليعلم أنَّ محلّي منها محلُّ القُطبِ من الرّحى، ينحدِرُ عنّي السّيلُ، ولا يرقى إليّ الطيرُ، فسدلتُ دونها ثوباً، وطويتُ عنها كشحاً، وطفقتُ أرتئي بين أنْ أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياءَ، يهرمُ فيها الكبيرُ، ويشيبُ فيها الصّغيرُ، ويكدحُ فيها مؤمنٌ حتّى يلقى ربّهُ، فرأيتُ أنَّ الصّبر على هاتا أحجى، فصبرتُ وفي العينِ قذىً، وفي الحلقِ شجاً أرى تُراثي نهباً. حتّى مضى الأوّل لسبيلهِ، فأدلى بها إلى ابن الخطّابِ بعدهُ (ثمَّ تمثَّل بقول الأعشى) :

شتّان ما يومي على كورها ***** ويومُ حيّان أخي جابر

فياعجباً بينا هو يستقيلها في حياتهِ! إذ عقدها لآخر بعدَ وفاتهِ، لشدَّ ما تشطّرا ضرعيها، فصيّرها في حوزة خشناءَ، يَغلُظُ كَلْمُها ويخشُنُ مسُّها، ويكثرُ العثارُ فيها، والاعتذارُ منها، فصاحبها كراكبِ الصعبةِ، إنْ أشنق لها خرمَ، وإنْ أسلسَ لها تقحَّم، فُمني النّاس ـ لعمرُ اللهِ ـ بخبط وشماس، وتلوّن واعتراض، فصبرتُ على طولِ المدَّةِ، وشدَّةِ المحنةِ.

حتّى إذا مضى لسبيلهِ، جعلها في جماعة زعمَ أنّي أحدهم، فياللهِ وللشورى، متى اعترض الريبُ فيّ مع الأوّل منهم؟ حتّى صرِتُ أقرنُ إلى هذهِ النظائر، لكنّي أسففتُ إذ أسفّوا، وطرتُ إذ طاروا، فصغى رجلٌ منهم لضغنهِ، ومالَ الآخرُ لصهرهِ، مع هن وهن.

إلى أن قام ثالثُ القومِ نافجاً حضنيهِ، بينَ نثيلهِ ومعتلفهِ، وقام معهُ بنو أبيهِ يخضمون مال اللهِ خَضْمَةَ الإبلِ نبتة الربيع، إلى أنِ انتكث عليه فتلهُ، وأجهز عليه عملُهُ، وكَبت به بطنتهُ.

فما راعني إلاّ والناس كعُرْف الضَّبُع إليّ، ينثالون عليّ من كل جانب، حتّى لقد وُطئ الحسنان، وشُقّ عطفاي... [١٧]

اُفيصح ـ بعد هذا التصريح... انّ موقف الإمام بالنسبة إلى الخلفاء موقف المادح الّذي لا يرى في حياتهم وخلافتهم ما يؤخذ عليهم؟!

ثناء الإمام ـ عليه السَّلام ـ على الخلفاء

يقول الشيخ :

ورد في النهج انّ عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ لما استشار عليّاً عند انطلاقه لقتال فارس، وقد جمعوا للقتال، أجابه: «إنّ هذا الأمر لم يكن نصَره ولا خذلانه بكثرة ولا قلّة وهو دين الله تعالى الّذي أظهره... والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع، فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب» [١٨]  .

المناقشة:

إنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ قد كشف النقاب عن موقفه في التعامل مع الخلفاء كافة في كلامه الآتي، وذلك لأنّه شهد ـ بعد إقصائه عن الحكم واستتباب الأمر للخليفة الأوّل ـ استفحال المؤامرات الداخلية والخارجية ضد الإسلام وأهله، فأحسّ انّ وظيفته في هذا الموقف العصيب هي نصرة الإسلام والمسلمين، والتعاون مع الخلفاء بُغية تحقيق مصالح الإسلام العليا، والقضاء على المؤامرات الّتي استهدفته، فهذا هو الحافز الّذي دعا بالإمام إلى التعاون مع الخلفاء.

إنّ المسألة الّتي حازت على اهتمام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في كلامه المتقدّم، هي مسألة الإسلام الكبرى، وما دام الخليفة الثاني أو أي شخص آخر يقود هذا الركب فالإمام ـ عليه السَّلام ـ يبذل له النصح والمشورة، وهذه الحقيقة جاءت في كتاب الإمام إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لمّا ولاّه إمارتها، فقال:

فو الله ما كان يُلقى في روعي ولا يخطر ببالي انّ العرب تُزعج هذا الأمر من بعده ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ عن أهل بيته ولا انّهم مُنحُّوه عنّي من بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعةَ الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فخشيتُ إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم الّتي إنّما هي متاعُ أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب، فنهضتُ في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدين وتنهنه [١٩] .

وبالجملة فالظروف السائدة آنذاك فرضت على الإمام ـ عليه السَّلام ـ التعاون معهم والإشارة بالحق والصلاح عند الاستشارة، والإدلاء بالحق عند طلبه، وليس في هذا أي مدح لشخص الخليفة، ولو كان في كلامه تكريم فانّما هو لمقام الخلافة سواء أتقمّصها عمر بن الخطاب أم غيره .

ومنه يظهر وجه كلام الإمام لمّا استشاره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزوة الروم، فقال الإمام ـ عليه السَّلام ـ :

وقد تَوكّلَ اللهُ لأهل هذا الدين بإعزاز الحوزة، وستر العورة، والّذي نصرهم وهم قليل لا ينتصرون، ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون، حيّ لا يموت... الخ [٢٠]  .

لم يكن الإمام ـ عليه السَّلام ـ ـ نعوذ بالله ـ بالذي يُضمر حقداً أو ضغينة حتى يضنّ بنصيحة أو مشورة فيها عزٌّ للإسلام وحفظ لكيان المسلمين، فهو ـ عليه السَّلام ـ مثال الإنسان الكريم النفس، العالي الهمّة، الذي يقهر ذاته، ويذوب إخلاصاً لمبادئه، ويفيض حبّاً ورأفة وحناناً، فلا غرو إذن أن يسجّل مثل هذه المواقف الرائعة، وأن يشير بحكمته البالغة إلى ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.

 

----------------------------------------------------
[١] . نهج البلاغة: الخطبة ٢، ط عبده .
[٢] . نهج البلاغة، الخطبة ١٤ .
[٣] . شرح نهج البلاغة: ٩ / ٨٨ .
[٤] . نهج البلاغة، الخطبة ٥ .
[٥] . نهج البلاغة، الخطبة ١٦٧، ط عبده.
[٦] . شرح نهج البلاغة: ٩ / ٣٠٦ .
[٧] . نهج البلاغة، الخطبة ٨٨ ، ط عبده .
[٨] . تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: ١٠ ـ ١١.
[٩] . نهج البلاغة: الخطبة ٣ .
[١٠] . نهج البلاغة: الخطبة ٢٢٤، ط عبده .
[١١] . شرح نهج البلاغة: ١٣ / ٣ ـ ٤ .
[١٢] . نهج البلاغة: الخطبة رقم ٣ .
[١٣] . تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: ١٢. لاحظ نهج البلاغة طبعة عبده رقم ٣٦ .
[١٤] . شرح نهج البلاغة: ٢ / ٢٩٦ .
[١٥] . نهج البلاغة: الخطبة ٢٥، ط عبده .
[١٦] . شرح نهج البلاغة: ١ / ٢٠٥ ـ ٢٠٦ .
[١٧] . نهج البلاغة، الخطبة ٣ .
[١٨] . تأمّلات في نهج البلاغة: ١٤. ولاحظ نهج البلاغة: الخطبة ١٤٢ وشرح نهج البلاغة: ٩ / ٩٥ .
[١٩] . نهج البلاغة: الخطبة ٦٢، ط عبده .
[٢٠] . نهج البلاغة: الخطبة ١٣٠، ط عبده.

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

١٧ جمادي الأُولى من شهور عام ١٤٢٣ هـ

انتهى .

 
****************************