وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ .                
وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِب فِيكَ نُقْصَانُ حَظّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِد فِيكَ ذُلُّ نَفْس.                
وقال (عليه السلام): رُبَّ مَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ.                
وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                
وقال (عليه السلام): إِذَا وَصَلَتْ إِليْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلاَ تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ .                
وقال (عليه السلام):مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا.                

Search form

إرسال الی صدیق
تحقيق نهج البلاغة وإقتراح منهج جديد – الأول

د. عبد الرحيم حسن

دأبت المحافل العلمية في تكريم ذكريات الأدباء والمفكرين على تقديم بحوث تدور حول موضع من الموضوعات التي اهتموا بها وتعرضوا اليها، بهدف اغنائها وتعميق دراستها.

والبحث التالي هو في الاصل كلمة اعدت للالقاء في اربعينية العالم والاديب السيد عبد الزهراء الخطيب مؤلـف كتاب «مصادر نهـج البلاغـة وأسانيده».

اهتم المسلمون بجمع القرآن الكريم في حياة رسول الله (ص) والخلفاء الراشدين، ثم انهم جمعوا احاديث النبي (ص) في الفترة ذاتها[١]. ومر زمن قبل ان تظهر لهم عناية بجمع كلام أمير المؤمنين، وحصل اكثر ذلك في ايام العباسيين. ويذكر المحقق السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب في كتابه «مصادر نهج البلاغة وأسانيده»[٢].

استناداً إلى القمي في «سفينة البحار» ان الحارث الاعور، وهو من خلّص صحابة الامام علي (ع) كان يدون خطب الامام ساعة القائها. وقد توفي الحارث سنة ٦٥هـ، كما ان الاصبغ بن نباتة المجاشعي الذي كان من شرطة الخميس وله صحبة مع علي، روى للناس عهده إلى مالك الاشتر ووصيته لمحمد بن الحنفية. وهناك غيرهما من الرواة، حتى ان الجاحظ (ت٢٥٥هـ) قال: ان خطب علي بن ابي طالب كانت مدونة محفوظة مشهورة، وانتقى منها «مائة كلمة لامير المؤمنين علي بن ابي طالب».

وقد كانت هذه الرسالة الموجزة دافعاً للامدي من علماء القرن الخامس الهجري ومتأخر عن الرضي) في تأليف كتابه «غرر الحكم ودرر الكلم»[٣]، فقد اغضبه ايجاز الجاحظ في نقله مع سعة اطلاعه، فقال: «فقلت: يا لله وللعجب من هذا الرجل وهو علاّمة زمانه، ووحيد اقرانه مع تقدمه في العلم، وتسنمه ذروة الفهم، وقربه من الصدر الاول، وضربه في الفضل بالقدح الافضل والقصد الاجزل، كيف عشى عن البدر المنير، ورضي من الكثير باليسير». ونستفيد من هذا كله ان هناك اتصالاً في الرواية عنه (ع) والتصنيف في كلامه الشريف[٤].

والتأليفات في هذا الباب كثيرة، ذكر اغلبها، ان لم يكن اتى عليها السيد الخطيب في كتابه. على ان الكتاب الجامع الذي تميز بالشمول، فضم الخطب والرسائل والوصايا والحكم والامثال، هو كتاب «نهج البلاغة». وقد اصبح الكتاب مذ جمعه السيد الشريف الرضي (ت٤٠٦هـ) موضع بحث ودراسة، انفرد من بينها بالشهرة شرح ابن أبي الحديد المعتزلي (ت٦٥٦هـ).

وقد وضعه بتكليف من الوزير الشيعي ابي طالب محمد بن احمد بن محمد العلقمي. ولم يذكر المؤلف في المقدمة عنوان الكتاب واكتفى بالاشارة إلى انّه الشرح الذي طلبه منه ابن العلقمي وانّه كان يبغي وضع شرح موجز «فرأى ان هذه النغبة لا تشفي اواما ولا تزيد الحائم الا حياما، فتنكب ذلك المسلك ورفض ذلك المنهج وبسط القول في شرحه بسطاً اشتمل على الغريب والمعاني وعلم البيان وما عساه يشتبه ويشكل من الاعراب والتصريف واورد في كل موضع ما يطابقه من النظائر والاشباه نثراً ونظماً وذكر ما يتضمنه من السير والوقائع والاحداث فصلاً فصلاً واشار إلى ما ينطوي عليه من دقائق علم التوحيد والعدل اشارة خفيفة ولوّح إلى ما يستدعي الشرح ذكره من الانساب والامثال والنكت تلويحات لطيفة ورصعه من المواعظ الزهدية والزواجر الدينية والحكم النفيسة والاداب الخلقية المناسبة لفقره والمشاكلة لدرره والمنتظمة مع معانيه في سمط والمتسقة مع جواهره في لط، بما يهزأ بشنوف النّضار، ويخجل قطع الرّوض غبّ القطار.

واوضح ما يومي إليه من المسائل الفقهية وبرهن على ان كثيراً من فصوله داخل في باب المعجزات المحمدية لاشتمالها على الاخبار الغيبية وخروجها عن وسع الطبيعة البشرية. وبيّن من مقامات العارفين التي يرمز إليها في كلامه مالا يعقله الا العالمون ولا يدركه الا الروحانيون المقربون وكشف عن مقاصده عليه السلام في لفظة يرسلها ومعضلة يكني عنها وغاضمة يعرّض بها وخفايا يحجم بذكرها وهنات تجيش في صدره فينفث بها نفث المصدور ومرمضات مؤلمات يشكوها فيستريح بشكواها استراحة المكروب، فخرج هذا الكتاب كاملاً في فنه، واحداً بين ابناء جنسه، ممتعاً بمحاسنه، جليلة فوائده، شريفة مقاصده، عظيماً شأنه، عالية منزلته ومكانته، ولا عجب ان يتقرب بسيد الكتب إلى سيد الملوك»[٥].

واخترت هذا النص على طوله لأنّه خير تقييم للكتاب من خير عالم باموره وقضاياه، ولانه تقييم ضمني لموضوعه، الا وهو كتاب «نهج البلاغة»، وشهادة بحق صاحبه امير المؤمنين علي(ع) وبيان ان علمه يخرج «عن وسع الطبيعة البشرية». ولم يتقدم على ابن ابي الحديد في شرحه، من حيث الزمن، الا القطب الراوندي وهو من علماء الامامية وقد اخذ عليه ابن ابي الحديد انّه «.. لم يكن من رجال هذا الكتاب لاقتصاره مدة عمره على الاشتغال بعلم الفقه وحده، وأنّى للفقيه ان يشرح هذه الفنون المتنوعة ويخوض هذه العلوم المتشعبة».

وما يهمنا هنا، هو ان ابن ابي الحديد لم يشك بانه يشرح كلام امير المؤمنين علي (ع) ولم تختلط عليه نسبة الكتاب، كما سيشك غيره من المغرضين. وهناك واقعة بسيطة في ثنايا الكتاب تؤيد هذا المعنى، فالمعروف ان اعنف خطبة في النهج جميعه، هي الخطبة الشقشقية، وستكون بلية الشريف الرضي انّه اوردها في الكتاب لان الامام عليه السلام يتكلم فيها عن سلب الخلافة منه، وهي التي تبدأ بقوله: «اما والله لقد تقمصها ابن ابي قحافة، وانّه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرّحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقي إليّ الطير» وتتصاعد بشكل درامي مثير حتى تنتهي بالكلمة الفاصلة قبل ان تسدل الستارة «اما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ان لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها ولألفيتم دنياكم هذه ازهد عندي من عفطة عنز».

وفي هذه اللحظة يدخل رجل من أهل السواد ليغيّر المشهد بكامله «فناوله كتاباً فاقبل ينظر فيه، قال له ابن عباس رضي الله عنهما: يا امير المؤمنين لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت، فقال: هيهات يا ابن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرّت، قال ابن عباس: فوالله ما اسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام ان لا يكون امير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث اراد»[٦].

والشاهد فى قصة هذه الخطبة ما سيورده ابن ابي الحديد في اصل نسبتها، وصحة الكتاب بمجمله، قال: «فحدّثني شيخي ابو الخير مصدق بن شبيب الواسطي في سنة ثلاث وستمائة، قال: قرأت على الشيخ ابي محمد عبد الله بن احمد المعروف بابن الخشاب هذه الخطبة، فلما انتهيت إلى هذا الموضع، قال لي: لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له: وهل بقي في نفس ابن عمّك امر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف ان لا يكون بلغ من كلامه ما اراد، والله ما رجع عن الاولين ولا عن الآخرين ولا بقي في نفسه احد لم يذكره الا رسول الله صلى الله عليه وآله، قال مصدق: وكان ابن الخشاب صاحب دعابة وهزل، قال: فقلت له: اتقول انها منحولة؟

فقال: لا والله، واني لاعلم انها كلامه كما اعلم انك مصدق. قال: فقلت له: ان كثيراً من الناس يقولون انها من كلام الرضي رحمه الله تعالى، فقال: انّى للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الاسلوب، وقد وقفنا على رسائل الرضي وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور، وما يقع مع هذا الكلام في خل ولا خمر، ثم قال: والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنفت قبل ان يخلق الرضي بمائتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط اعرفها واعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الادب قبل ان يخلق النقيب ابو احمد والد الرضي» ثم يعلّق ابن ابي الحديد فيقول: «وقد وجدت انا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا ابي القاسم البلخي امام البغداديين من المعتزلة وكان في دولة المقتدر قبل ان يخلق الرضي بمدة طويلة ووجدت ايضاً كثيراً منها في كتاب ابي جعفر بن قبة احد متكلمي الامامية، وهو الكتاب المشهور والمعروف بكتاب الانصاف وكان ابو جعفر هذا من تلامذة الشيخ ابي القاسم البلخي رحمه الله تعالى، ومات في ذلك العصر قبل ان يكـون الرضي رحمـه الله تعالى موجوداً»[٧].

وفي قصة الرسالة التي كتبها الامام علي (ع) إلى ابن عباس في مسألة هربه من البصرة بالمال الذى كان في حوزته، يقول ابن ابي الحديد: «وقد اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب، فقال الاكثرون انّه عبد الله بن العباس، وقال آخرون ـ وهم الاقلون ـ هذا لم يكن ولا فارق عبد الله بن عباس علياً. وقال الراوندي: المكتوب إليه هذا الكتاب هو عبيد الله بن العباس، وليس ذلك بصحيح، فان عبيد الله كان عامل علي على اليمن، وقد اشكل عليّ امر هذا الكتاب، ان كذبت النقل وقلت هو موضوع، خالفت الرواة، وان صرفته إلى غيره لم اعلم إلى من اصرفه، والكلام يشعر بأن الرجل المخاطب من اهله وبني عمه، فانا في هذا الموضع من المتوقفين»[٨].

فلاحظ حذره من مخالفة الرواة، مما يدل على وجود سند من الرواية، وهو ما لم يعتمده الرضي فلا بد انّه كانت له طريقته في معرفة سند الرواية، من حيث لا تمر بالشريف الرضي ذاته.

وهكذا ترى ان نسبة الكتاب إلى الامام علي (ع) قطعية لدى العلماء، ولهم معرفة بمصادرها عن طريق الدراية والرواية، وعندهم تمييز دقيق لقوله (ع) عن الاقوال الموضوعة. قال التوحيدي معلّقاً على خطبة ينقلها عن الامام علي في كتابه «البصائر والذخائر»: «انظر إلى انتثار اللؤلؤ، فانك ترى ما يعجب صدقاً في المعنى وترتيباً في اللفظ، وكل كلامه جزل شريف، يأخذ من البراعة ابهى شعارها، ويرتقي إلى اشرف درجاتها، الا ما يلفقه المبطلون فتنسبه إليه فانك تجد في ذلك اثر التكلف، ولو حفظ عليه ما له من المحاسن لاستغني عن افتعال الباطل ودعوى الزور»[٩].

والتوحيدي (ت٤١٤ هـ) من معاصري الرضي، وقد اسند الكثير من الكلام إلى الامام علي (ع) في كتابه الضخم، مما يدل على اطلاعه على كلام امير المؤمنين وحسن معرفته به وتداول الكتب المؤلفة بشأنه أو المروية في زمانه. وقد تتبع السيد الخطيب مصدر الشك في «النهج» فوجد أوّل القائلين به ابن خلكان الذي ذكر في ترجمته للشريف المرتضى: «وقد اختلف الناس في كتاب «نهج البلاغة» المجموع من كلام الامام علي بن ابي طالب (رض) هل جمعه؟ ام جمع اخيه الرضي؟ وقد قيل: انّه ليس من كلام علي، وانما الذي جمعه، ونسبه إليه هو الذي وضعه والله اعلم».

يقول السيد الخطيب «ثم جاء من بعده كل من الصفدي في «الوافي بالوفيات» واليافعي في «مرآة الجنان» والذهبي في «ميزان الاعتدال» وابن حجر في «لسان الميزان» وغير اولئك من القدامى والمحدثين، فتابعوه على هذا الرأي»[١٠].

وما ان تقع الشبهة في وسط مليء بالعقد والاحقاد المذهبية حتى تفعل فعلها. وآخر ما اطلعت عليه طبعة جديدة من نهج البلاغة، حققها ونشرها الدكتور صبري ابراهيم السيد، وهو استاذ بجامعتي قطر وعين شمس، ووصفها على الغلاف بانها «نسخة جديدة محققة وموثقة تحوي ما ثبت نسبته للامام علي (رضي الله عنه وكرم الله وجهه) من خطب ورسائل وحكم».

وقد قدم لها عبد السلام محمد هارون ونشرتها «دار الثقافة» بالدوحة عام ١٩٨٦. وقد خلص هذا المؤلف إلى ان ما صحت نسبته من الكتاب إلى الامام علي (ع) هو(١١٤ خطبة) و(٥٢ رسالة) و(١٢٥ حكمة). والناظر في طريقة بحثه وسعة مصادره من كتب الشيعة والسنة سيرى الكتاب مقنعاً إلى حد ما، ولكن هذه الاوهام تتبخر إذا ما رأينا انّه لم يضع ضمن مصادره كتاب الفقيد العلامة السيد عبد الزهراء الخطيب: «مصادر نهج البلاغة واسانيده»، رغم انّه ذكر كتاب «مصادر نهج البلاغة» للشيخ عبد الله نعمة و«مدارك نهج البلاغة» للشيخ هادي كاشف الغطاء.

وعند المقابلة بين الكتابين يتضح ان كتاب السيد الخطيب يكفينا شر الشبهة التي يثيره الدكتور صبري السيد بوجه اثنتين وستين خطبة، فهو يقول ان(٨.٢٥%) من مجموع خطب النهج، «لم ترد في اي من كتب السنة أو الشيعة التي توافرت لدي»[١١] ولكن السيد الخطيب وجد اسنادها في مصادر مختلفة ولا تبقى من الخطب التي يشك فيها الدكتور الا اربع خطب، ثلاث منها وعد السيد الخطيب بتحقيقها في الطبعات القادمة[١٢]، فقد ذكر المؤلف في ختام الجزء الرابع من كتابه: «هذا ما يسر الله سبحانه لي جمعه من مصادر نهج البلاغة واسانيده ولا يهم بعد اثبات مصادر المهمات من خطب امير المؤمنين عليه السلام، وكتبه وحكمه المروية في النهج كالخطبة الشقشقية والقاصعة وعهد مالك، ووصيته للحسن عليهما السلام ان نرجيء القول في مدارك ما وعدت ان اشير إليه في كلمة الختام، وهي قليلة جداً بالنسبة لما حصل لي من المصادر ريثما يقع بي البحث عليها، فاني في كل وقت من الاوقات اعثر على شيء جديد اثناء مطالعاتي ومراجعاتي».

اما رسائل امير المؤمنين فقد شك الدكتـور السيـد في(٢١ رسالة) أو(٦،٢٦%) من مجموع ما ورد في «النهج»[١٣].

وعند تحقيقها باستعمال كتاب السيد عبد الزهراء الخطيب ثبتت كلها ما عدا ثلاث، شأنها شأن ما قيل في الخطب السابقة.

وفي باب الحكم وجد الدكتور السيد ان(٥،٥١%) منها لم يروها احد[١٤].

صبري السيد[١٥] وعند مقابلة ما ذكره بما اورده السيد الخطيب في كتابه، نرى انها مروية عند غير الشريف الرضي، مما يبطل مزاعم الدكتور ان ما يؤيد تحقيق السيد عبد الزهراء الخطيب وتأكيده على ان «النهج مروي عن امير المؤمنين، مشهور النسبة إليه وان كل اولئك الذين تطاولوا على «نهج البلاغة» أو تحاملوا على جامعه، ان هم الا قوم دعاهم الهوى فاجابوه، وقادهم التعصب الاعمى فاتبعوه»[١٦]، هو ان ابرز علماء السنة في العصر الحديث مثل الشيخ محمد عبده والدكتور صبحي الصالح، عنوا بنشر الكتاب وشرحه ووضع الفهارس له، كما ان عدداً من اساتذة الجامعة ممن لا ينتمون إلى مذهب اهل البيت (ع) قاموا بنشر الكتاب وتحقيقه، فقد نشره عبد العزيز سيد الاهل (١٩٥٤) ومحمد ابي الفضل ابراهيم (١٩٦٣) ومحمد احمد عاشور ومحمد ابراهيم البنا (١٩٦٨) ومحمد محيي الدين عبد الحميد، والى هؤلاء يعود الفضل فى نشر الكثير من مخطوطات التراث العربي الاسلامي.

ولم يشك هؤلاء في صحة نسبة الكتاب إلى الامام علي (ع) كما انهم لم يثيروا الشبهات بوجه ما جاء فيه. ولكننا لا نعدم في الوقت نفسه وجود حملات مغرضة الهدف منها النيل من صاحب النهج واتباعه، وهي حملات منسقة تشمل نشر الكتب التي تنال من مذهب اهل البيت أو انها توضع في هذا الضوء[١٧].

ومن هنا تتبين اهمية العمل الضخم الذي قدمه السيد عبد الزهراء الخطيب في كتابه «مصادر نهج البلاغة واسانيده».

لقد وقف السيد عبد الزهراء الخطيب جهده على كشف الريب وابطال الشبهات التي وجهت إلى نهج البلاغة وهو يدري ان هذه مهمة صعبة، فقد راودت الفكرة استاذه الشيخ المجدد محمد حسين آل كاشف الغطاء، الذي قال في كلمة استهلها السيد الخطيب وصدّر بها كتابه: «وعسى ان يوفق الله لافراد كتاب يجمع اسانيد «نهج البلاغة» من كتب الفريقين، فاني احس بشدة الحاجة إلى ذلك، وقد اضطرنا هذا الوقت واعوزنا إلى مثله، على اني لا اجد لنفسي كفاءة القيام بمثل هذا العمل الجليل، فعسى ان يعنى له بعض الافاضل فينهض بمثل هذا المشروع الشريف الذي فات السلف الصالح ان يقوم بمثله «وكم ترك الاول للآخر»).

----------------------------------------------------
[١] . قيل ان عبدالله بن عمرو بن العاص «ت ٦٥» جمع من احاديث الرسول «ص» صحيفة سماها بـ «الصادقة» ضمّت الف حديث، كتبها في حياة الرسول «ص» وباذن منه، راجع: علي حسين الجابري: الفكر السلفي عند الشيعة الاثنا عشرية، ص ٦٣. وقارن هذا بما ذكره ابن سعد في طبقاته عن الزهري، قال: اراد عمر ان يكتب السنن فاستخار الله شهراً، ثم اصبح وقد عزم له، فقال: ذكرت قوماً كتبوا كتاباً فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله «نقلناه عن مصطفى عبدالرزاق: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مطبعة لجنة التأليف والنشر، القاهرة، ط٣، ١٩٦٦، ص ١٩٤، مما يثبت ان التدوين الرسمي للحديث لم يتم في عهد الخليفتين الاول والثاني «رض» ولا يمنع هذا من وجود محاولات فردية.
[٢] . السيد عبدالزهراء الحسيني الخطيب: مصادر نهج البلاغة وأسانيده، دار الاضواء، بيروت، ط٣، ١٩٨٥، ج١، ص ٤٩. ويورد الكليني «ت» في «أصول الكافي» خطبة للامام علي «ع» يقول انها منقولة من كتاب الحارث الاعور «ج١، ص ٢٤٢»، ومعنى هذا ان الكتاب معروف في زمنه، وربما اشار إليه مباشرة أو بالواسطة.
[٣] . غرر الحكم ودرر الكلم للشيخ ناصح الدين عبدالواحد بن محمد الآمدي، صدر في بيروت بجزئين عن «دار الأعلمي» وبتقديم للشيخ حسين الاعلمي لا يتجاوز الصفحة والنصف ولا تفي المقدمة بشيء من منية الطلب ولهفة الراغب ولا تشتمل الطبعة على أي جهد في التحقيق وانما اكتفى بنقل النص وضبط شكله فحسب، وهذه مأساة التراث الادبي الامامي. انظر مثلاً كشكول البهائي تجد انّه لم يحقق على الاطلاق، بالرغم من المقدمات التي كتبت لطبعاته المختلفة، وما تزال النصوص الشعرية الفارسية فيه غير معرّبة. وكذا الامر مع كشكول الشيخ يوسف البحراني، و«زهر» السيد نعمة الله الجزائري الذي اصبح لا يطلب إلاّ لأجل غرض واحد مفهوم للجميع، في حال ان هذه الكتب الثلاثة تفيدنا بمعلومات قيمة عن اوضاع العلماء الفكرية والاجتماعية في العصر الصفوي. واما كتاب «أعيان الشيعة» في طبعته الجديدة فهو لا يشتمل على الفهارس العلمية وليس هناك جهد يذكر في تحقيقه.
[٤] . اطلعت اثناء اعدادي لهذا البحث على رسالة موجزة اعتنى بنقلها إلى الحرف اللاتيني مستشرق بولندي، ونشرها مع تقديم موجز عام ١٩٦٨ اي بعد صدور كتاب «مصادر نهج البلاغة وأسانيده» بعام، والرسالة بعنوان «ماية كلمة في حكم مختلفة من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: برسم خزانة المقام الشريف السلطان المالك الملك الاشرف قانصوه الغوري عزّ نصره» وتحت كل حكمة تعليق أو شرح باللغة التركية، والغوري هو السلطان الملك الاشرف قانصوه بن عبدالله الجركسي، ملك مصر والشام وتوفي عام ٩٢٢هـ.
[٥] . ابن ابي الحديد: شرح ابن ابي الحديد، المطبوع مع كتاب: «نهج البلاغة» للشريف الرضي، دار احياء التراث العربي، بيروت، د. ت / ج١ / ص ٢.
[٦] . نفس المصدر، ج١، ص ٦٨ وص ٦٩.
[٧] . نفس المصدر، ج١، ص ٦٨ وص ٦٩.
[٨] . ن. م. ج٤، ص ٦٤ «بتصرف».
[٩] . أبو حيان التوحيدي: البصائر والذخائر، تحقيق د. داود القاضي، دار صادر، بيروت، ١٩٨٨. ج٧ ص ١٢.
[١٠] . مصادر، ج١، ص ١٠٢.
[١١] . د. صبري ابراهيم السيد «محقق»: نهج البلاغة، دار الثقافة، الدوحة، ١٩٨٦، ص ٨٤. قارن هذا مع قول المسعودي «ت ٣٤٦ هـ أي قبل الشريف الرضي» في مروج الذهب «ج٢، ص ٤٣١»: «والذي حفظ الناس عنه ومن خطبه في سائر مقاماته اربعمائة خطبة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة، وتداول ذلك عنه قولاً وعملاً».
[١٢] . استندت إلى الطبعة الثالثة، بيروت، ١٩٨٥.
[١٣] . د. السيد: نهج البلاغة، ٨٥.
[١٤] . د. السيد: نهج البلاغة، ٨٥.
[١٥] . قال الدكتور صبري السيد انّه سيلتزم في منهجه بالاستناد إلى المصادر السابقة على الشريف الرضي، ولكن الحكمة رقم ٢٦ والتي نصها: «امش بدائك ما مشى بك»، أي ما دام الداء سهل الاحتمال يمكنك معه العمل فاعمل، فان اعياك فاسترح له، فان السيد الخطيب يرويها عن الامدي المتأخر عن الشريف الرضي، ولكن الدكتور السيد لم يذكرها ضمن الحكم التي لم يروها احد، فمعنى ذلك انها واردة في مصادر لم يقع عليها السيد الخطيب، وهذا تعضيد لرواية الآمدي.
[١٦] . مصادر نهج البلاغة وأسانيده، ج١، ص ١٦.
[١٧] . لاحظ الطبعات الشعبية لكتب ابن قيم الجوزية، مثل «اغاثة اللهفان» وما فيها من افتراءات على الشيعة، وانظر تحقيق الدكتور محمد لطفي الصباغ لكتاب «اخبار القصاص والمذكرين» لعبدالرحمن بن الجوزي «المكتب الاسلامي / بيروت / ١٩٨٣»، فالمؤلف من محبي أهل البيت، ولكن المحقق يؤاخذه على هذه النقطة بالذات، فيقول في تقديمه: «ومن ملاحظاتي عليه وعلى آخرين قوله عن سيدنا علي «عليه السلام»: فهذه الملاحظة شاركه فيها عدد من العلماء ولم ينفرد بها ابن الجوزي. وقوله هذا لاشيء فيه من الناحية الشرعية، ولكن الشيء الذي نأخذه عليه حتى عددناه من زلاته ان يكون هذا المصطلح خاصاً بسيدنا علي رضي الله عنه من دون الصحابة كلهم. لاسيما ان هذه الجملة الدعائية قد استعملها بعض الصحابة وبعض أهل العلم في حق النبي «ص» وفي حق الانبياء الآخرين» (ص٤٤) وانظر تحقيق طه عبدالرؤوف سعد لكتاب ابن الجوزي «اخبار الظراف والمتماجنين» ص ٣٥ و٨١.

يتبع  ...

****************************