وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.                
وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                
وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                
وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
تحقيق نهج البلاغة وإقتراح منهج جديد – الرابع

د. عبد الرحيم حسن

وقد قام بعض هؤلاء في معارضة الإسلام، مثل يوحنا الدمشقي طبيب يزيد بن معاوية، فقد ورد عنه انّه كان «يرتب الكتب في مهاجمة الإسلام على طريقة السؤال والجواب»[١].

وللمستشرق اوليري[٢] بحث طريف عن البلاط الاموي يذكر فيه انّه كان مجمعاً للمسحيين الذين اعتزوا بنصرانيتهم وسخروا من الإسلام ومنهم الاخطل التغلبي الشاعر المعروف الذي له شعر في مدح يزيد واصبح شاعر البلاط في عهد عبد الملك بن مروان. واشهر عائلة مسيحية لعبت دوراً في البلاط الاموي، هي عائلة آل سرجون.

وقد جمع لويس شيخو[٣] بعضاً من سيرهم في كتابه «وزراء النصرانية وكتّابها في الإسلام، فتحت عنوان «ابن سرجون» قال شيخو «فشمل بهذا الاسم ثلاثة اشخاص خدموا الدولة الاموية في دمشق، هم: منصور ابن سرجون، وابنه سرجون بن منصور، وحفيده منصور بن سرجون بن منصور الذي يعرف ايضاً بالقديس يوحنا الدمشقي».

ونجد في ترجماتهم التي يوردها شيخو اضطراباً في الاسماء ونوع الخدمات والملوك الذين خدموهم. وقد ذكر اوليري الموضوع بشكل ادق.

والذي يفيدنا منه ان ابا الاسرة كان عاملاً على خراج دمشق قبيل فتحها من قبل المسلمين، حتى روي انّه هو الذي سلّم مفاتيحها إلى خالد بن الوليد عام ٦٣٥م.

ولمعرفته بشؤون الادارة، ابقي في وظيفته، شأن عدد لا بأس به من الموظفين البيزنطيين الذين ارتضوا البقاء تحت الحكم الاسلامي.

وذكر الطبري ان معاوية صيّر سرجون بن منصور الرومي «كاتبه وصاحب امره» وهو نفسه الذي استشاره يزيد بامر تولية الكوفة فاشار عليه بان يولي عليها عبيد الله بن زياد.

ويذكر صاحب الاغاني انّه «كان يزيد بن معاوية اول من سن الملاهي في الإسلام من الخلفاء وآوى المغنين واظهر الفتك وشرب الخمر وكان ينادم عليها سرجون النصراني مولاه والاخطل».

وان هذا كان يعرف بـ «مولى يزيد» بعد ان ضمه يزيد إليه. وانّه «سعى ببناء كنيسة». وصار وابنه يوحنا بعد وفاة ابيه «كاتباً لامير البلد متقدماً عنده، صاحب سره وجهره وامره ونهيه». ثم ان يوحنا هذا تخلى عن وظيفته في منتصف عمره أو عهد كهولته وترهب في دير القديس سابا بفلسطين.

وقد تقدم ذكر كتاباته في الرد على الإسلام. ونسمع عن ابن زوجة كعب الاحبار الذي بقي على ديانته اليهودية ونقل للامويين علوم السحر والتنجيمات[٤].

بالاضافة إلى دور كل من وهب بن منبه وكعب الاحبار اللذين ادخلا كل الاساطير الاسرائيلية تحت عنوان المعرفة بالتوراة وأحوال الامم السابقة. ويغلب على كتب الزهد روايتها عن بعض العبّاد بدون تحديد لاسمائهم واغلبها ينسب إلى هذين الشخصين.

ويقول المؤرخون ان المجتمع الاسلامي عرف ظاهرة القصاص الذين كانوا يسردون احوال الامم والديانات الاخرى.

مما جدد النقاش بكثير من المسائل العقائدية الخلافية الموروثة، وان هذه الظاهرة ابتدأت منذ ايام عثمان بن عفان[٥].

وهذا يعني ان المسلمين لم يكونوا فقط على معرفة بآراء الديانات والملل والنحل الاخرى، وانما كانوا يعيشون أيضاً مع هذه الفرق والديانات ويمارسون الجدل والنقاش معها. وهذا يؤيد رأي الدكتور النشار المتقدم، وهناك تاريخ طويل من الحوادث التي تدل على وجود هذا النقاش منذ مباهلة نصارى بني نجران للنبي «ص» وحتى رسالة الروم إلى معاوية والتي اجاب الامام علي «ع» عنها[٦].

٣ـ أشرنا من قبل إلى وجود مؤلفات تعود إلى عصر صدر الإسلام ولكن امرها لم يصلنا.

وينقل الاستاذ مصطفى عبدالرزاق نصاً مهماً من كتاب «مختصر جامع بيان العلم» يقول فيه مؤلفه «عن الاعمش، قال الحسن: ان لنا كتباً نتعاهدها..

وعن هشام بن عروة عن ابيه انّه قد احترقت كتبه يوم الحرّة، وكان يقول: وددت لو ان عندي كتبي بأهلي ومالي»[٧]، وينقل في موضع آخر «ان الشيعة كان بأيديهم بعد علي كتاب يقولون ان فيه قضاياه»[٨].

وقد ذكرت الباحثة الاردنية هند ابو الشعر في كتابها «حركة المختار بن أبي عبيد الثقفي في الكوفة» ان لمحمد بن الحنفية كتب يتداولها الناس ويقبلون على قراءتها[٩].

ولاشك ان توفر معلومات كافية عن كتب هذه الفترة القلقة سوف ينير الكثير من المباحث التي تطرّق اليها كتاب «نهج البلاغة».

٤ـ هناك ادلة غير مباشرة يمكن استخلاصها من التهم التي كيلت إلى الشيعة خصوصاً في فترة البحث، فقد اتهموا بانتحال ارائهم من مصادر فارسية ويهودية ومسيحية[١٠].

ويحتوي هذا الخليط على عدد من الافكار المعقدة التي تحكم بوجود حركة فكرية قوية في عصر الخلفاء الراشدين، لاسيما زمن عثمان بن عفان. هذا على افتراض صحة الاراء المتقدمة، ومماشاة منا لمنطق اصحابها لالزامهم بما يقولون وبما يستتبعه. وقد نسب الاشعري القول بالرجعة والمهديـة إلى عبدالله بن سبـأ وانّه جعلها في علي بن أبي طالب[١١].

وينسب إليه الشهرستاني القول بالنص على امامة علي وان فيه جزءاً الهياً[١٢].

ويرجع هؤلاء الافكار المتقدمة إلى يهودية ابن سبأ. ونجد من المعاصرين من يقول: «يذهب بعض المؤرخين إلى ان عدداً من الصحابة وأبنائهم، كمحمد بن ابي بكر ومحمد بن أبي حذيفة قد وقعوا أيضاً في احابيل هذا الرجل»[١٣].

ويربط كاتب معاصر أيضاً افكار أبي ذر في ملكية المال بآراء مزدك الفارسي «٤٨٧م» الذي كان يقول بشيوعية المال والنساء، ويجعل واسطة تعرّفه عليها عبدالله بن سبأ[١٤].

وليس هذا موضع الرد على هذه الآراء أو الشخصية التي نسبت اليها[١٥]، ولكنها جميعاً تفترض المعرفة بآراء الديانات السابقة وتطويعها في مجال فكري اسلامي.

ويستتبع هذا وجود مصطلحات خاصة امتدت إلى علم الكلام الاسلامي وصارت جزءاً من تكوينه، فلا يستغرب والحالة هذه ورود الفاظ اصطلاحية اخرى في «نهج البلاغة».

٥ـ وإذا اخذنا فترة حكم علي بن أبي طالب ذاتها، فسوف نجدها تعج بالآراء الفكرية العقائدية والسياسية، وشهدت لاول مرة ظهور الفرق، كما هو الحال مع الخوارج. وقد خرجت هذه الفرقة من معسكر علي بعد ان تتلمذ بعض قادتها عليه أو على بعض اصحابه. فمن فرق الخوارج، الازارقة.

وينتسب هؤلاء إلى نافع بن الازرق الذي نجد في اختباره انّه «كانه نافع بن الازرق ينتجع عبدالله بن عباس فيسأله، فله عنه مسائل من القرآن وغيره، وقد رجع إليه في تفسيرها، فقبله وانتحله، ثم غلبت عليه الشقوة»[١٦].

واما رأس الحرورية الذين خرجوا بحروراء من ناحية الكوفة، فقد كان عبدالله بن الكواء، وذلك قبل ان يجتمعوا على عبدالله بن وهب الراسبي[١٧].

وقد صلى بهم وجعل رئيس حربهم شبث بن ربيع الرياحي[١٨]، ثم بايع عبدالله بن وهب الراسبي، فخرج بهم إلى النهروان[١٩].

وكان ابن الكواء كثير المساءلة لعلي[٢٠] وخاصة سؤاله عن القضاء والقدر والايمان. ذكر التوحيدي[٢١] ان ابن الكواء سأل علياً عن القدر، فقال: بحر عميق لا تلجه، فأمهل ثم سأل، فقال ستر الله فلا تكشفه، نقول بظاهر ما نرى، ثم يقضي الله تعالى بغيب ما يعلم.

وفي رواية الشريف الرضي انّه «ع» قال: طريق مظلم فلا تسلكوه، ثم سئل ثانياً، فقال: بحر عميق فلا تلجوه، ثم سئل ثالثاً، فقال: سـر الله فـلا تتكلفوه[٢٢].

وقد روى صاحب كتاب «فقه الرضا» فيما نقله عنه المجلسي في «بحار الانوار» ان هذا الشخص، الذي نعتقد انّه ابن الكواء بقرينة ما ذكره التوحيدي، سأل رابعاً، فقال لعلي «ع» انبئنا عن القدر، فقال: «ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل لها» فقال السائل يا أمير المؤمنين: انما سألناك عن الاستطاعة التي نقوم بها ونقعد، فقال: استطاعة تملك مع الله ام دون الله؟ قال: فسكت القوم ولم يحروا جواباً، فقال صلوات الله عليه: ان قلتم: انكم تملكونها مع الله قتلتكم دون الله قتلتكم فقالوا: كيف نقول يا أمير المؤمنين، قال: تملكونها بالذي يملكها دونكم فان امدكم بها كان ذلك من عطائه، وان سلبها كان ذلك من بلائه، انما هو المالك لما ملككم، والقادر لما عليه اقداركم، اما تسمعون ما يقول العباد ويسألونه الحول والقوة حيث يقولون: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله» فسئل عن تأويلها، فقال: «لا حول عن معصيته إلاّ بعصمته، ولا قوة على طاعته إلاّ بعونه»[٢٣].

وكذلك المسألة التي القاها عليه احدهم، ولعله ابن الكواء أيضاً: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدره؟ فأجابه: ويحك! لعلك ظننت قضاء لازماً وقدراً حاتماً، ولو كان ذلك لبطل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد. ان الله سبحانه امر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، واعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الانبياء لعباً، ولم ينزل الكتاب للعباد عبثاً، ولا خلق السماوات والارض وما بينهما باطلاً و«ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار». وقد فنّد السيد الخطيب نسبة المسألة إلى رجل شامي وأثبت ان سائلها رجل من العراق[٢٤].

ولا يتوقف هذا النقاش عند معسكر الامام علي «ع» وانما نجده في معسكر معاوية أيضاً مع اختلاف الرجلين وتباين الوجهتين. وفي حين ان الامام «ع» كان يهدف إلى وضع اصول الرؤية الإسلامية الصحيحة التي ترى انّه لا جبر ولا تفويض وانما منزلة بين المنزلتين[٢٥].

كان معاوية يؤسس للامويين النظرية التي تبرر وجودهم، نظرية الجبر، فقد روي عن معاوية انّه قال في بعض خطبه: «لو لم يرني «الله» اهلاً لهذا الامر ما تركني واياه، ولو كره الله تعالى ما نحن فيه لغيّره»[٢٦].

وقد علّق ابن المرتضى المعتزلي على هذا القول: «وهذا صريح الجبر».

ثم نقل عنه أيضاً انّه «كان يقول: انا عامل فعل من اعمال الله، اعطي من اعطاه الله، وامنع من منعه الله، ولو كره الله أمراً لغيّره، فأنكر عليه عبادة بن الصامت وغيره من الصحابة. وقال في بعض خطبه: أنا خازن من خزّان الله، اعطي من اعطاه الله وتمنع من منعه الله، فقام ابو ذر، وقال: كذبت يا معاوية، انك لتعطي من منعه الله ومتنع من اعطاه الله، فقال عبادة بن الصامت، صدق ابو ذر.

فقال ابو الدرداء: صدق عبادة ولم يزل ذلك في بني امية، حتى قال الحجاج وقد قتل رجلاً لاجل اظهاره حب علي «ع»: اللهم انت قتلته، ولن شئت لمنعتني منه، وهذا صريح الجبر، وكثر امثال ذلك وعظمت به الفتنة»[٢٧].

وقد ادى تطرف الامويين باتجاه الجبر إلى ظهور فلسفة مضادة تقول بالقدر وان اعمال الإنسان موكلة بارادته «فالانسان في نظرهم مختار في أفعاله حر في ارادته»[٢٨].

ومنهم معبد الجهني وغيلان الدمشقي. والثاني قتله هشام بن عبدالملك «لتهجمه على بني امية لانه يقول بالاختيار وهم يقولون بالجبر»[٢٩].

وشهدت هذه الفترة انتشاراً لمذهب القدرية حتى ان عدداً من الرسائل كتب للرد على آرائهم، منها رسالة الحسن بن محمد بن الحنفية، ورسالة عمر بن عبدالعزيز، ورسالة الحسن البصري[٣٠].

وقد اشرنا إلى ذلك في مكانه المناسب من هذا البحث. وقد كانت القدرية المقدمة الضرورية والمناخ الملائم لظهور مذهب الاعتزال.

وتجد آراء الفريقين متداخلة في كتب المقالات[٣١]. وهذا الاستعراض يثبت وجود هذه المسألة التي تعد من اقدم مسائل علم الكلام في زمن الامام علي «ع»، بل انها سابقة عليه أيضاً، بدليل حضور ابي ذر في مجلس معاوية واعتراضه عليه، وقد توفي ابو ذر في حياة عثمان بن عفان.

كما انّه يحدد بداياتها والاتجاهات التي سارت فيها، فمن اقوال الخوارج في الامامة إلى رأي الجبرية، ومضاده في اتجاهات القدرية، إلى الآراء السلفية التي مال اليها الحسن البصري إلى مدرسة الحديث التي قادها ائمة اهل البيت عليهم السلام، وحتى ولادة الآراء الاكثر تعقيداً وتطوراً والخاضعة لمؤثرات الثقافات الواردة في العصر العباسي.

ان هذه السلسلة المتصلة والمتطورة ترتبط بعلي بن أبي طالب من حيث جذرها، ولكون كلمات الامام وخطبه في المعرفة والذات والصفات والوجود، هي الاساس الذي سيبتنى عليه مذهب اهل البيت في علم الكلام. ولذا فان هناك اهمية بالغة لبيان موقع الامام علي «ع» من سلسلة حلقات علم الكلام الاسلامي ولكشف المضامين التي انطوى عليها كلامه الشريف.

وقد هدف البحث الحالي إلى تبيان الجانب الاول، وربما يوفق الله سبحانه بعض المهتمين من أهل الكفاية والالمام بالفلسفة لان يعرضوا للجانب الثاني.

ملاحظات اخيرة

١ـ تبين من خلال البحث ان هناك مجالاً كبيراً ينتظر الدارسين لربط الحركة العلمية في اواخر القرن الاول، بما تقدمها من زمن الرسالة الإسلامية ومجتمعها، وقد اقتصرت البحوث المنشورة في اغلبها على البحث الفقهي ولم تتجاوزه إلى البحث الكلامي. وعلينا في هذا المجال ان نعيد النظر في فترة عثمان بن عفان على وجه الخصوص، لما انطوت عليه من اضطراب واختلاف في المقالات، ولانها ستكون المقدمة التي جاءت بعدها الحوادث الكبرى في تاريخ الإسلام وبداية الفرق. كما ان عصر الامام علي «ع» لم يبحث بشكل كافي بل ان البحوث الفلسفية والكلامية حول نهج البلاغة قليلة وموزعة على الشروح وكتب العقائد ولم تجمع في كتاب مستقل.

وقد حاول الشيخ محمد جواد مغنية بعضاً من ذلك، وكذلك فعل الشهيد مطهري[٣٢]، على اختلاف في عمق النظرة وطريقة العرض والتمكن من المادة، ولكن هناك حاجة ماسة لتكملة هذه الجهود والسير بها خطوة متقدمة، بأن تربط بمجمل تطور الفكر الفلسفي والكلامي الامامي والاسلامي العام.

٢ـ ان المنهج الذي اقترحناه في هذه الدراسة ليس بديلاً عن منهج تحقيق النص بالرواية والاسناد، وانما هو عمل مكمل له. ونقول في هذا المجال انّه إذا وضع الاساس الجازم بامكانية صدور مقولات النهج في زماننا، فان الاختلاف حول صياغة النص ليس بالاهمية القصوى التي يؤسس عليها البعض. ويصدق هذا بشكل خاص على مقولات علم الكلام، فما عدا الحالات النادرة التي وصلتنا فيها نصوص مكتوبة، فان الآراء الكلامية جمعت في فترات مختلفة، واحتوت كتب الفرق على تضاربات كبيرة واضطراب في ذكر الاسماء ومحتوى المقالات. ولم يقدح احد في قيمتها العلمية لوقوع اختلافات في النصوص، وانما تكفي الوجهة العامة التي يتحرك فيها النص، وامكانية انطباقه على شخص قائله، من حيث مذهبه العام، سيرته الشخصية، ثقافته، مواقفه السياسية، اراء معاصريه فيه وغيرها من القرائن، وكل هذه متوفرة في حالة «نهج البلاغة» ولكنها تحتاج إلى تأصيل وتعميق وذهنية ناقدة.

-------------------------------------------------------
[١] . ابو ريان، مصدر سابق، ص ١٣٩.
[٢] . اوليري، مصدر سابق، ص ١٣١ - ١٤٥.
[٣] . لويس شيخو: وزراء النصرانية وكتّابها في الإسلام ٦٢٢ - ١٥١٧، حققه الأب كميل حشيمة اليسوعي، روما، ١٩٨٧، ص ٧٢ - ٧٥. وانظر أيضاً اوليري، المصدر اعلاه «ص١٣٧» حيث يقول ان البلاط الاموي اصبح مجمعاً لكل المتحللين دينياً وان الورعين المتقين هجروه إلى العراق.
[٤] . النشار، مصدر سابق، ص ٦٩ ويقول عن كعب الاحبار نفسه انّه «كان يحمل علم النجوم والسحر والطلسمات» وانّه استخدم نفوذه لدى الامويين لاثارتهم على الهاشميين وكان يلعن الكوفة.
[٥] . علي حسين الجابري: الفكر السلفي عند الشيعة الاثنى عشرية، دار عويدات، بيروت، ١٩٧٧، ص٦٨.
[٦] . تجد نص الرسالة في كتاب «الغارات» ج٥١، ص ١٨٧.
[٧] . مصطفى عبدالرزاق: مصدر سابق ص ٢٠٠ و٢٠٢.
[٨] . مصطفى عبدالرزاق: مصدر سابق ص ٢٠٠ و٢٠٢.
[٩] . هند ابو الشعر: حركة المختار بن أبي عبيد الثقفي في الكوفة، عمّان، ١٩٨٣، ص ٢١٨. وقد نقدت المؤلف الخبر عن ابن حجر في التهذيب، ج٦، ص ٩٥ وقد حاولت التأكد منه فلم اجده في ترجمة محمد بن الحنفية ووجدت بدلاً عنه: «قال ابراهيم بن الجنيد: لا نعلم احداً اسند عن علي ولا اصح مما اسند محمد» (ابن حجر: التهذيب، دار الفكر، ١٩٨٤، ج٩، ص ٣١٥) وقد يكون اختلاف الطبعة التي رجعت اليها عن طبعة الاستاذة المؤلفة هو السبب، أو قد تكون عثرت عليه من خلال وروده في ترجمة شخص آخر. ولم أعثر عليه في ترجمة ولده اي هاشم بن عبدالله بن محمد بن علي «ع» وان ذكر هناك ان لأبي هاشم كتباً أورثها لآخرين.
[١٠] . هذا هو محور نظريات عدد من المستشرقين، وتجد تخليصها في كتاب الدكتور عرفان عبدالحميد: الفرق والعقائد الإسلامية، بغداد، ١٩٧٧، ص ٢٣ - ٣٣. وانظر أيضاً: د. عبدالله فياض: تاريخ الامامية واسلافهم من الشيعة، ص ٦٢.
[١١] . الاشعري: مقالات الاسلاميين، ص ١٥.
[١٢] . محمد بن عبدالكريم الشهرستاني: الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، د. ت، ج١، ص ١٧٤.
[١٣] . النشار، مصدر سابق، ص ٦٨.
[١٤] . ابو ريان، مصدر سابق، ص ٨٤.
[١٥] . راجع تحقيق شخصية عبدالله بن سبأ من ناحية تاريخية في: السيد مرتضى العسكري: عبدالله بن سبأ. د. عبدالعزيز صالح الهلابي: عبدالله بن سبأ، دراسة للروايات التاريخية عن دوره في الفتنة، جامعة الكويت، حوليات كلية الاداب / الحولية الثامنة / الرسالة الخامسة والاربعون / الكويت / ١٩٨٧ وحول اختلافات مؤرخي الفرق وتضارب الآراء المنسوبة إلى عبدالله بن سبأ وكونها من اختلاق المتأخرين وتحقيق الآراء المنسوبة إلى غلاة الشيعة راجع: هند ابو الشعر: حركة المختار بن أبي عبيد، والكتاب في الاصل اطروحة ماجستير تحت اشراف الدكتور عبدالعزيز الدوري.
[١٦] . ابو العباس المبرّد: الكامل في اللغة والادب والنحو والتصريف تحقيق احمد محمد شاكر، مطبعة الحلبي، ١٩٣٧، ج٣، ص ٩٥٦.
[١٧] . الاشعري: مصدر سابق، ص ١٢٨.
[١٨] . احمد بن محمد عبدربّه الاندلسي: العقد الفريد، تحقيق عبدالمجيد الترحيني، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٣، ج٢، ص ٢٣٣.
[١٩] . المصدر السابق، والاشعري، ص ١٢٨، والشهرستاني، ج١، ص ١١٧، وابن المرتضى: المنية والأمل، ص ١٠٤.
[٢٠] . ابن النديم: الفهرست، ص ١٠٢ وابن دريد: الاشتقاق، تحقيق عبدالسلام محمد هارون، مكتبة المثنى، بغداد، ١٩٧٩ ص ٣٤٠.
[٢١] . التوحيدي: البصائر والذخائر، ج٢، ص ٩.
[٢٢] . السيد عبدالزهراء الخطيب: مصادر نهج البلاغة وأسانيده، ج٤، ص ٢٢٥.
[٢٣] . نفس المصدر والصفحة. وقد ورد القول في كلماته القصار رقم ٤٠٤: «وقال عليه السلام السلام وقد سئل عن معنى قولهم لا حول ولا قوّة إلاّ بالله: انا لا نملك مع الله شيئا، ولا نملك إلاّ ما ملكنا فمتى ملكنا ما هو أملك به منّا كلفنا، ومتى اخذه منّا وضع تكليفه عنا». وقال السيد الخطيب: رواها بمعناها عنه «ع» الحراني في «التحف» ص ٣٤٥ في جملة اسئلة سأله بها عباية بن ربعي الاسدي، مصادر ج٤، ص ٢٨٧.
[٢٤] . عبدالزهراء الخطيب: مصادر، ج٤، ص ٦٣، وانظر أيضاً الكليني: اصول الكافي، ج١، ص ١٥٥.
[٢٥] . استعملها بهذا المعنى الامام علي الهادي «ع» في رسالته إلى اهل الاهواز حين سألوه عن الجبر والتفويض، وأوردها الحراني في تحف العقول، ط٥، ١٩٧٤، بيروت ص ٣٣٨. وتجد شرحاً اوسع في كتاب السيد الخطيب، المصدر والصفحة السابقين.
[٢٦] . ابن المرتضى، المنية والأمل، تحقيق جواد مشكور، ص ٨٦.
[٢٧] ابن المرتضى، المنية والأمل، تحقيق جواد مشكور، ص ٨٦.
[٢٨] . ابو ريان: مصدر سابق، ص ١٤٨ و١٥٠.
[٢٩] . ابو ريان: مصدر سابق، ص ١٤٨ و١٥٠.
[٣٠] . يقول الشهرستاني: «ورأيت رسالة نسبت إلى الحسن البصري كتبها إلى عبدالله بن مروان وقد سأله عن القول بالقدر والجبر، فأجابه بما يوافق مذهب القدرية، وساستدل فيها بآيات من الكتاب ودلائل العقل، ولعلها لواصل بن عطاء»،الملل والنحل، ج١، ص ٤٧.
[٣١] . يقول الشهرستاني عند حديثه عن «الواصلية» (أتباع واصل بن عطاء مؤسس فرقة المعتزلة) وعند شرحه لموقفهم من القدر: «وانما سلكوا في ذلك مسلك معبد الجهني وغيلان الدمشقي، «المصدر السابق، ص ٤٧». وأدخل الاشعري مقالات غيلان ضمن شرحه لآراء المعتزلة في الاستطاعة، مقالات الاسلاميين، ص ٢٢٩.
[٣٢] . محمد جواد مغنية: فلسفات اسلامية «ج١ و٢» بيروت / ١٩٨٧ والشهيد مرتضى مطهري: في رحاب نهج البلاغة.

انتهى.

****************************