وقال (عليه السلام): رُبَّ مَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ.                
وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.                
وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                

Search form

إرسال الی صدیق
توظيف (إنمّا) في خطب نهج البلاغة ودلالاتها التربوية

فاطمة أكبري زاده

الملخّص

يوحي الكلام والصور التعبيرية، الايحائات والدلالات المختلفة الكثيرة والمتباعدة لاسيما الصورالتعبيرية البليغة السائدة في نهج البلاغة.

فالبليغ لايتكلّم ولا يؤلّف ولايركب الصورالتعبيرية إلا للدلالة الخاصة وللإصابة إلى الغرض المطلوب عند المتلقّي؛ فاستخدام الاسإلىب البيانية يكون على أساس الأغراض المنوية التي يسعى لايصالها إلى المخاطب.

من الاسإلىب المتبعة في كلام الإمام علي (ع) في خطب نهج البلاغة اسلوب القصر والذي يدل على الحصر والإختصاص والتأكيد.

ومن اساليبه المختلفة، اسلوب (إنمّا) والذي استخدم ست وخمسون مرة في موضوعات الخطب المختلفة للدلالات الحصرية المؤثرة التربوية المرشدة، فينبغي التركيز على هذا الحجم المثير للإنتباه واستخراج المدلولات وايحاءاتها المستترة منها.

دراسة إسلوب القصر(إنما)، بما فيه من الخصائص والسمات التعبيرية للتأكيد والإختصاص يرشدنا إلى النقاط المهتمة عند الإمام على (ع) في كلامه وبما أن هذا الأسلوب، أسلوب التقرير والتنبيه والتعريض فهو يبين المؤكدات من المسائل التربوية الهادية المشيرة في كلام الإمام(ع)؛ ودراسته يسهّل الطريق أمامنا لفهم خصائص الجوانب المختلفة من حياة الإنسان.

المقدمة

الكلام يتركب من الصورة والمضمون وخالق الكلام يستخدم الصورالتعبيرية للدلالة على المعنى المراد .

نهج البلاغة كتاب جامع، وأثر فريد ، الذي يجمع بين السياق والمضمون ، وبين المحتوي والأسلوب .

وكما يدل عنوان الكتاب - نهج البلاغة - بلاغة الجمل والفقرات تلمع في طيات الكتاب وتؤثر على الوجدان وتجذب القلوب للدلالة على المعاني والمضامين المختلفة، ومنها المضامين التربوية والتي تكون ذات أهمية كثيرة في حياة الإنسان ودراستها تفتح الطريق أمام طلاب الهداية والرشاد.

 والمقال يحاول الجمع بين هذين الجانبين (الأسلوب والمضمون)، أي دراسة الأسلوب البلاغي والمضمون التربوي وبصورة أدق،أسلوب الحصر والقصر ودلالاته على المضامين التربوية لتصوير جانبا من جانب البلاغة الواضحة في كلام سماحة الإمام (ع).

أسلوب القصر أو الحصر يطرح ضمن البحوث البلاغية في قسم المعاني من البلاغة العربية وهذا الاسلوب بكل أدواتها يدل عل الحصر والتخصيص ويؤدي معنى الاختصاص بالأدوات والأسإلىب المختلفة .

القصر يدل على الحصر والحصر يجعل الجملة الواحدة مقام الجملتين مع الايجاز، حيث يمكن الكلام و يقرّره في الذهن وينفي عن الفكر أي شك وإنكار، فهو اسلوب الإيجاز مع التأكيد وإثبات الحكم المخاطب.

استخدم أسلوب القصر مئتان وأربع وأربعون مرة في خطب نهج البلاغة حيث يعد اسلوب القصر ب(النفي والإستثناء) و(إنما) أكثر الأسإلىب القصرية إستخداماً في خطب نهج البلاغة؛ فأسلوب القصر ب(إنمّا) قد جاء ست وخمسون مرة في الخطب.

وهو يتميز بأنه ينطلق للمخاطب العالم بالحكم للتنبيه أوالتذكير والتعريض فلذلك يمكن اعتباره أسلوب تربوي.  

الحياة البشرية، حسب علاقة الإنسان بذاته وعلاقته بما يحيطه من الخارج، يمكن أن تنقسم إلى القسمين: الحياة الداخلية والحياة الخارجية فالاهداف التربوية بكل أبعادها الثلاثة، البعد المعرفي والبعد العاطفي و البعد العملي أو السلوكي ينبغي أن يشمل نطاق علاقة الإنسان بذاته (الحياة الداخلية)؛ ونطاق علاقة الإنسان بالمحيط (الحياة الخارجية).

إهتم المقال على إستخراج الدلالات التربوية الخاصة المتعلقة بالحياة الداخلية والخارجية والتي قد أشارإليها الإمام (ع) بأسلوب (إنمّا) في الخطب للإرشاد والهداية. 

القصر في البلاغة العربية

القصر

«بنية القصر، تعتبرإحدى البنى الرئيسية التي تكون أداة تعبيرية في تخصيص شئ بشئ بطريق مخصوص. القصر يمارس مهمة الانتاجية في منطقة الإسناد وما يتعلق بها من فضلات وهذه المهمة الإنتاجية تجمع بين الوظيفتين على صعيد واحد، هما: الإثبات والنفي. إثبات الحكم المذكور ونفيه عما عداه» . (البلاغة العربية،٢٦١-٢٦٠)

تعريف القصر

القصر في اللغة بمعنى الحبس، «قصر الشئ على كذا : لم يتجاوز به غيره»

(المنجد ص ٦٣٣)   

و« قوله تعالى : حور مقصورات في الخيام، أي محبوسات في خيام من الدرّ، مخدّرات على أزواجهنّ من الجنّات»(تاج العروس،ج٣، ص٤٩٤) .

والقصر في الإصطلاح البلاغي: تخصيص شئ لشئ بطريق المخصوص وهو لا يقع بين الشيئين إلا بشرط وجود نسبة إسنادية أو التعليقية بينهما.

ويطلق على الشئ المخصص(مقصوراً) أو(محصوراً) في الإصطلاح البلاغي ويطلق على الشئ المختَّص به (مقصوراً عليه) أو (محصوراً عليه)، ويسمى المقصور والمقصور عليه طرفي القصر.(مفتاح العلوم، ص٤٠٠؛ مختصر المعاني، ص ١٤٥؛ الايضاح في علوم البلاغة ، صص١٣٢-١٣١) 

أنواع القصر

ينقسم القصر بإعتبارات المختلفة إلى أقسام عدة.

فالقصر بإعتبار نفس الأمر ينقسم إلى القصر الحقيقي والقصر الإضافي.

والقصر الحقيقي، تخصيص الشئ بالشئ حسب الإضافة بأن لا يتجاوزه إلى ذلك الشئ؛ وإن أمكن أن يتجاوزه إلى شئ آخر فيسمى القصرالإضافي لأن تخصيصه بالمذكور ليس على الإطلاق بل بالإضافة إلى معين آخر.(المطول في شرح تلخيص المفتاح، صص٢٠٥- ٢٠٤ ، شرح مختصر المعاني، صص ١٣٢-١٣١، الايضاح في علوم البلاغة، ص ١٢٣)

يتدخل في القصر الاضافي العقل والذكاء والنبهة ودراسة نفسية المخاطب فينقسم على أساس حال المخاطب إلى ثلاثة أقسام : القصر القلب، القصرالإفراد، القصر التعيين.

يسمى القصرالقلب قلباً، لقلب حكم المخاطب ويقصد منه إفهام المخاطب خلاف ما يعتقد .

ويقصد من القصر الإفراد، إثبات وتاكيد على وجه واحد مما يعتقد المخاطب فيه الشركة؛ ويقصد من القصر التعيين، إثبات ما يكون المخاطب متردداً فيه بين ثبوت المقصورعليه وغيره للمقصور.(مفتاح العلوم، صص٤٠٢-٤٠٠؛ المطول في شرح تلخيص المفتاح، صص٢١٠-٢٠٧ ؛ الإيضاح في علوم البلاغة، ص ١٢٨؛ البحث البلاغي عند العرب، ص ١٥٦)  

 القصر بإعتبار الطرفين ينقسم إلى القسمين: قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف. المراد بالصفة هنا ، الصفة المعنوية أي المعنى القائم بالغير وليس ما يعنيه النحويون أي التابع الذي يدل على معنى في متبوعه.(البلاغة العربية، ص١٧٥، دراسة ونقد في مسائل بلاغية هامة ، صص١٥١-١٥٠)

للقصر أداة مختلفة وطرق وأساليب عدة ، فمن أهم هذه الطرق: العطف ، النفي والإستثناء، إنمّا، تقديم ما حقّه التأخير.

هذا المقال لا يتدخل في كل هذه الطرق ويقتصر على طريق (إنمّا) فلهذا نشير إلى بعض خصائصه والتي تفيدنا في تحليل نهج البلاغة.

خصائص (إنمّا)

(إنمّا) تأتي إثباتا لما يذكر بعدها ونفيا لما سواها ويفهم منها إثبات الفعل لشئ ونفيه عن غيره دفعة واحدة. في أسلوب القصر ب(أنّما) دائما يؤخر المقصور عليه على المقصور ويأتي في نهاية الكلام.

«بنية القصر ب(إنما) تعتمد على الجمع بين المنطوق والمفهوم في مثل قول(إنما محمد قائم) فإثبات القيام لمحمد جاء من المنطوق ونفي غير القيام جاء من المفهوم». (البلاغة العربية ص٢٧٣)

وفي القصرالاضافي«يفرق عبد القاهر بين (ما وإلا) و(إنما)، فيجعل (ما وإلا) صالحة لما نسميه قصر القلب وقصر الإفراد وأما(إنمّا) فهي لقصر القلب وحده ويجعل من المتكلف جعلها لقصر الإفراد».(عبد القادر الجرجاني وجهوده البلاغية، ص١٨٢)

تستعمل (إنمّا) حينما يكون المخاطب عالماً بالحكم؛ فيجئ هذا الأسلوب للتقرير وإثبات وتأكيد علم المخاطب وقد تستعمل للخبرالمجهول تنزيلاً له منزلةَ المعلوم لتأكيد على وضوح وإبانة الحكم الذي لاينبغي أن ينكره المخاطب.وأحسن مواقع(إنمّا) ،هو التعريض.(نهاية الايجازفي دراية الاعجاز، ص ٣٦١-٣٦٢ ؛ مفتاح العلوم ، ٤٠٧-٤٠٥؛ البحث البلاغي عند العرب، ١٥٣-١٥٠ )

فيمكن القول بأنّ القصر ب(إنمّا) يدل على دلالات ترشيدية في ترفيع مستوى علم المخاطب أو تنبيهه على الحقائق الهامة التي لا ينبغي الغفلة عنها.

القصر في نهج البلاغة والدلالات التربوية

 (قسّمت حياة الإنسان إلى البعدين: الإفرادي والجماعي .

نطاق حياة الإنسان إمّا داخلي وإمّا خارجي، فالإنسان إمّا يتوجّه إلى ذاته وإمّا يتوجّه إلى الخارج وما يرتبط به ويريد تنظيم علاقاته به.

فالأهداف التربوية والأبعاد المعرفية لابد أن يشمل كلا البعدين من أبعاد حياة الإنسان: علاقة الإنسان بذاته وعلاقته بخارج الذات أي الناس والكون الخارجي(الدنيا)، والخالق.

من منظارالإمام (ع)، معرفة الذات وخصائص المرء ، وأيضا معرفة العالَم وما يحيط بالانسان (من الخارج) يعدّان العنصران الرئيسيان لهداية الإنسان ورشاده إلى طريق الصواب.

فأبعاد الأهداف التربوية في البعد المعرفي والبعد العاطفي والبعد العملي أو السلوكي لابد يشمل الجانبين: نطاق علاقة الإنسان بذاته (الحياة الداخلية)؛ ونطاق علاقة الإنسان بالمحيط (الحياة الخارجية) وعلاقته بالخالق وعلاقته بالدنيا ومن فيها) .(ابعاد وقلمرو اهداف تربيتي، صص١٨٩-١٩٨)

معرفة الشيء، القدم الأول للدخول في نطاق ذلك الشيء والمقدمة الأساسية لفهم المدلول، فالعاطفة التي تنبع من المعرفة تثير الوجدان وتحرك الهمة نحو العمل والسلوك.

يمكن أن تستخرج بعض هذه الابعاد الثلاثة في دلالات أسلوب القصر ب(إنما) التربوية.

أ : الأهداف التربوية في نطاق الذات (نطاق الحياة الداخلية)

بعض ما ضمن من المعاني في التعبيرات القصرية (إنما) يمكن أن يشمل نطاق الحياة الداخلية في الابعاد التربوية الثلاثة:

١.البعد المعرفي

من الأهداف التربوية التي يمكن استخراجها من الدلالات الحصرية في نطاق البعد المعرفي من الحياة الداخلية:

١.١معرفة الذات

معرفة الذات مقدمة أساسية لمعرفة الخالق؛ والانسان الذي يعرف مقدّرات ومقوّمات الذات يستطيع أن يتخذ القرارات الهامة لتنظيم كيفية حياته ومعاشه. 

فإنمّا أنا وأنتم عبادي مملوكون لرب لا رب غيري . (خ٢١٦)

 ينحصرالامام(ع) الموصوف على الصفة الواحدة فقط ، قصر الموصوف على الصفة .

ويعرف نفسه والمخاطبين(العام) بأنهم عباد الله فقط وكل الشئ في ملك الله وتحت إرادته واوصاف الإنسان ينحصر في كونه عبدا لله لا غيره.

٢.البعد العاطفي

من الاهداف التروية الاساسية ترقية خصائص الإنسان وتحسين الصفات وإثارة عاطفة تشعر ضرورتها.

١.٢.البصيرة والتجربة

تعميق البصيرة من أهداف أساسية في نظام التربية. قيمة الرجل على مقدار تجربته.(غرر الحكم ،ص٤٢٤)

فلينتفع إمروء بنفسه فإنما البصير من سمع فتفكر ونظر وأبصر وإنتفع بالعبر.(خ ١٥٣)

في بدء الخطبة (رقم ١٥٣) يوصي الإمام (ع) بالبصيرة ويذكر خصائص البصير بصفات حصرية وينحصر المبتدا في الخبر، قصر الموصوف على الصفة.

يشير إلى طرق للإنتفاع فيما يخص أهل البصائر، «فللبصير ثلاثة طرق : فالأول : أن يتفكر فيما يسمعه من كلام الله ورسوله والمواعظ البالغة والثاني: أن ينظر بعين حسّه وبصيرته فيتوخي المقاصد النافعة فيبصرها ويدرك بعقله منها العبروالثالث: الإنتفاع بالعبر والعمل وفق العلم والإدراك».(شرح ابن ميثم ، ج٣، ص ٢٤١ ، خ ١٥٢)

إهتمام بتهذيب النفس وتأديبه لتحسين الصفات والخصائص من العواطف  الهامة في نطاق الأهداف التربوية والذي ينقاد النفس ويرشده.

٣.البعد العملي

معرفة النفس وتقوية العواطف الإنسانية تبرز في ساحة العمل ويعرض وجوده على منصة الظهور .

١.٣.التقوى

إنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله . (خ ٢١٠ )

الانسان حسب ذاته راغب في تحصيل المال وكسب القدرة ويحب الإلتذاذ من متاع الدنيا إلا الذين يراقبون أنفسهم ويأنبونها في التّجنّب عن غير مرضات الله ، فقصر (الناس) على (مع الملوك والدنيا) قصر المبتدا على متعلق الخبر، قصر الموصوف على الصفة.

هذا القصر الإضافي ينتقض ب(إلا) ويستثني من يمتلك عنان نفسه من هذا الحكم المطلق.

فالذين يعرف أنفسهم كعباد الله ، يراقبون أنفسهم من الخطاء والذنوب ويخضعون أمام الله ، يخرجوا من هذا الحصر ويكسرون إطار الخصائص الحصرية للصفات الدنية للإنسان ويفضلّون العصمة والتقوى.

ب: الأهداف التربوية في نطاق الذات الجماعي (نطاق الحياة الخارجية)

 مما هو مثير للإنتباه ، أن الإمام (ع) يستخدم أكثر القصر ب (إنما) في النطاق الحياة الجماعية وإطارعلاقة الإنسان بخارج ذاته وربّما هذا يدل على أهمية هذا القسم ولزوم الإطلاع عليه.

النطاق الخارجي لحياة الانسان ينقسم إلى أقسام: العلاقة بالخالق ، العلاقة بالامام وبالناس، العلاقة بالدنيا.

١.العلاقة بالخالق

١.١.البعد المعرفي

١.١.١.معرفة الخالق

فإنما يدرك بالصفات ذوو الهيئات و الأدوات  .(خ١٨٢)

من طرق معرفة الله، التعمق في الخلق والدقة في تفاصيل الموجودات.

إن الله لا يدرك بالصفات لعدم ادراكه بالحواس فالإدراك بالصفات ينحصر في المخلوقات، قصرالصفة على الموصوف. 

فيمكن معرفة الكائنات والمخلوقات من خلال إدراك الخصائص والسمات، معرفة الله يتحقق بمعرفة المخلوقات .

إنما كلامه سبحانه فعل منه إنشاه ومثله .(خ١٨٦)

فعل الله، إنشاء والخلق و ليس فعله كالمخلوقات «إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون».(يس،٨٢) ويقصر كلام الله على الفعل فقط ، قصرا حقيقيا.

٢.١.البعد العاطفي

١.٢.١.عظمة الخالق

إنما تحد الأدوات أنفسها وتشير الآلات إلى نظائرها .(خ١٨٦)

يشير الامام(ع) إلى أوصاف الله«فاعل لا بإضطراب آلة مقدر لابجول فكرة غني لا بإستفادة» ويذكر أن الله لايعرف بالأدوات والآلات لأنها محدود ومنحصر بالأوصاف الطبيعية التي يجعل الله لها، إنها تحد أنفسها فقط وتشير إلى نظائرها وليست لها الاهلية في تحديد صفات الله.

والله أعظم وآكبر أن يوصف بالأشياء.

٣.١.البعد العملي

١.٣.١. الخضوع والتوكل

إنمّا صدرت الأمور عن مشيته .(خ ٩١)

الإمام (ع) يذكر صفات الله وكيفية خلقه .إنه خلق فأحكم تدبيره ودبّر فألطف تدبيره وكل شئ متوجه إلى غاية وجوده ثم يريد من الإنسان المتعبد المخلص لله ، الخضوع ويتسائل عن إمكانية عدم الطاعة وانه لا يمكن لأنّ الأمور صدرت عن مشيته لا يتدخل غيره في إصدارها. قصر(صدور الامور) على (عن مشيته) قصر الفعل على متعلقه ، قصر الصفة على الموصوف. الامور لا يصدر عن إرادة المخلوق إلا بعد إرادة الخالق.

٢. العلاقة بالإمامة

١.٢.البعد المعرفي

١.١.٢. معرفة الإمام (ع)

إنمّا أنا قطب الرحي تدور على وأنا بمكاني. (خ١١٩)

«عرّف الإمام (ع) نفسه و«استعار لنفسه لفظ القطب ملاحظة لدوران الإسلام ومصالحه عليه كما تدور الرحي على قطبها وذلك هو وجه الإستعارة وإستلزم ذلك تشبيهه الإسلام وأهله بالرحي وإنه أهملها بخروجه إلى الحرب إضطربت كإضطراب الرحي وخروج مدارها واستحارته على الحركة المستديرة إلى المستقيمة».(شرح ابن ميثم ، ج٣، ص ١١٢،خ١١٦).

يقصر الموصوف على الصفة ، يحصر هذه الخصيصة على نفسه.

إنمّا الأئمّة قوام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده .(خ ١٥٢)

الإمام (ع) يعرّف نفسه ومنزلته وشأن الأئمة بأنهم قوام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده فقط وأن أمور الناس تصلح بأيديهم فقط ، قصر الموصوف على الصفة ،القصر الحقيقي لا ينبغي الظن على خلافه.

٢.٢.البعد العاطفي

١.٢.٢.الإهتداء

إنمّا مثلي بينكم كمثل السراج ففي الظلمة يستضيء به من ولجها .(خ ١٨٧)

« مثل [الإمام (ع)] نفسه بينهم بالسراج في الظلمة وأشار إلى وجه مشابهته للسراج بقوله: فيستضئ به من ولجها».(شرح ابن ميثم ، ج ٤ ص ١٨٧، خ٢٢٩) قصر المبتدا على الخبر فهو قصر الموصوف على الصفة .

يقصر بهذا الاسلوب، هذه الخصيصة لنفسه للتذكير بأن الهداية تحقق بوجود الأئمة؛ والنور والإهتداء ينبع من صميم وجودهم، والإستئناس والتمسك بهم يؤدي إلى الصلاح والرشاد.

٢.٢.٢. تقوية المطبوع

فإنمّا أمرتم بالنهي بعد التناهي. (خ ١٠٥)

«يشير إلى الأمر الظاهر شهدت به العقول السليمة والتجارب وهو أن النهي عن الشئ بعد الإنتهاء عنه هو النهي المثمر الذي ينتفع به الطباع» .(شرح ابن ميثم ، ج٣، ص ٢٩ ، خ١٠٢)؛ حصر الأمر بالإبتعاد عمّا لايوافق الطبع وما إنتفعت به النفوس. 

٣.٢.البعد العملي

١.٣.٢. أداء الحقوق

إنمّا طلبت حقاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه وتضربون وجهي دونه .(خ ١٧٢)

في هذا الفصل من الخطبة يذكر الإمام(ع) ما جرى له في يوم الشورى، ويحتجّ على أولويته بالخلافة وبانه أقرب وأخص بهذا الحق. يقصر طلب الحق على نفسه دون غيره ، قصر الصفة على الموصوف ثم يشير إلى إنكار حقه وإغماض المجتمع عن هذا الحق الحقيق به (ع).

٣.العلاقة بالمجتمع

١.٣.البعد المعرفي

١.١.٣.إختلاف الأحوال

إنمّا فرّق بينهم مباديء طينهم  .(خ ٢٣٤ )

يحصر الصفة على الموصوف في الإشارة إلى السبب المادي لإختلاف الناس في الظاهر أي في أشكالهم وصورهم وفي الأخلاق والآداب وأنه إختلاف مبادئ تربتهم التي طبعوا منها، فالإنسان من التراب وجسمه مزيج من سبخ الأرض وعذبها وعلى قدر قرب أرضهم يتقاربون وعلى قدر إختلافها يتفاوتون.

٢.١.٣. السنن و الأهواء

إنما الناس الرجلان : متبع شرعة ومبتدع بدعة .(خ١٧٦)

الإمام (ع) يقصرالموصوف على الصفة وينحصر الناس على القسمين.

ويذكر أن الناس ينقسم على القسمين فقط: الذين يتبعون سنة الرسول (ص) ويفعلون ما أمره ويجتنبون عما نهاه الرسول(ص)؛ والذين يتغيرون سنة الرسول (ص) ويبتدعون البدع في المجتمع الإسلامي دون الإستناد إلى أي برهان وحجة من الله سبحانه وتعإلى.

إنمّا بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع . (خ ٥٠ )

هذا بيان منه (ع) بعد حرب الصفين حول أسباب ظهور الفتن في المجتمع فإنه (ع) قصر بدء وقوع الفتن على اتباع الأهواء وابتداع الأحكام . فبقصر الموصوف على الصفة ، يقلب آراء المخاطبين وينحصر أسباب الفتن بما في قلوبهم من الأهواء ومخالفة الأحكام.

٣.١.٣. خصائص الأجيال

إنمّا تسيرون في أثر بين وتتكلمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم . (خ ١٨٣)

فبقصرالصفة على الموصوف، تقلّب آراء التي تظن بأن طريقتهم طريقة جديدة متفاوتة عما سبقوها الآخر ونلانهم جيل جديد.

ويبين بأن جميع الأجيال يسيرون في طريق واحد فقط وهو الطريق الذي سلكوه آباءهم وأجدادهم في الماضي فانهم يعيشون كما عاشوا آباءهم. وينبههم على إتباع الحق ويريد منهم أن يجعلوا رضى الله معيارا لإختيار الأمور بعد الإعتبار بأحوال الماضين واتباع ما يؤدي إلى سخطه ورضاه.

٢.٣.البعد العاطفي

١.٢.٣. الأخوة

إنمّا أنتم إخوان على دين الله . (خ ١١٣)

يقصرالموصوف على الصفة ، وينصح الإمام(ع)الناس بالتعاون؛ ويسمىهم الإخوة لبيان شدة قربهم وعلاقتهم بالبعض وسبب هذه العلاقة، هو الدين؛ فينسبهم بالأخوة ولإثارة روح الوداد والتباذل، الشفقة والتعاون .

٢.٢.٣. الاعتبار بالماضين

إنمّا كانوا جميعا فتشتتوا وآلافاً فافترقوا . (خ ٢٢١)

هذه اشارة إلى صفة الموت الذي ينزل على الجميع في موعده وزمانه ويتشتت الجماعات ويضطربها كما نزّل على الماضين، قصر الموصوف على الصفة.

فالإشارة إلى هذه الخصيصة تثير الإنتباه لكسب العبر من أحوال الماضين  للاتعاظ به وإصلاح الأمور قبل فوات الفرصة.

إنمّا هلك من كان قبلكم بطول آمالكم وتغيب آجالكم . (خ ١٤٧)

هذه إشارة إلى أحوال الماضين وسبب هلاكهم. إنهم هلكوا بسبب طول آمالهم في الدنيا ونسيان موعد الآجال وغفلتهم عنها وقلة تفكرهم فيها والانهماك في الملذات. وهذا تنبيها للمخاطبين للإعتبار عن أحوال الماضين، قصر الفعل على متعلقه قصر الصفة على الموصوف.

٣.٢.٣. الرحمة

إنمّا ينبغي لأهل العصمة والمصنوع إليهم في السلامة أن يرحموا أهل الذنوب والمعصية .(خ ١٤٠)

بقصر الفعل (ينبغي) على (أن يرحموا )، ينهي الإمام (ع) الناس عن بيان عيوب الآخرين وملامتهم و يأمرهم بالأعمال الصالحة ثم «ينبه أهل العصمة بالرحم على أهل الذنوب والمعصية فيستفيد من أداة القصر ثم جاء بكلمة ينبغي حتى يجلب القلوب ويذكر الأذهان بأن يعتبر أهل المعصية إعتبارهم حال العصاة و وقوعهم في مهادي الهلاك وأن عادة عباد الله الرحمة لمن يرونه في مملكته وإنقاذه وإعانته على الخروج منها» .(شرح ابن ميثم ، ج ٣، ص ١٧٦  ، خ ١٣٩).

٤.٢.٣. فلاح المجتمع

إنما يجمع الناس الرضى والسخط  .(خ ٢٠١ )

عاقبة أفراد المجتمع متصلة بعضها ببعض، فكل أفراد المجتمع يمكن أن يقعوا في المهالك أو في النعم بسبب أعمال بعض منهم. فعند نزول البلاء يهلك الجميع ولو كان بعض منهم من الأبرار أو ممن لم يرتكبوا المعاصي. يحصر الفعل على الفاعل، في قصر الصفة على الموصوف ، ينحصر عمل ما بشخص واحد فقط لكن نتيجة العمل تعمّ الجميع.

كما يقول: إنمّا عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عمّوه بالرضى . (خ ٢٠١)

هذا بيان للإعتبار بأحوال الماضين ومنهم قوم ثمود الذين هلكوا بعذاب الله بسبب عمل فعله رجل واحد. يقصر الفعل على الفاعل ويقصر الصفة على الموصوف ، فالعمل ينحصر في شخص واحد فقط لكن نتيجة العمل تشمل الجميع .العذاب يدرك الجميع ولو بعمل رجل واحد وأيضا جزاء الخير ورضى الله يشمل الجميع ولو فعله عدد قليل منهم.

٣.٣. البعد العملي

١.٣.٣. احترام  الآراء

إنمّا إجتمع رأي ملئكم على إختيار رجلين . (خ ١٢٧)

يشيرالامام على (ع) بأنه قبل إجماع آراء المجتمع في قضية الحكمية وإخضاعه لهذا الجماع ولو كان خلاف ما يرغب فيه. يقصر إجتماعهم على إجماع آرائهم في اختيار حكم الرجلين وهذا الحصر يدل على أهمية وفاعلىة إجماع الآراء ولزوم قبوله من قبل الجميع حتى صاحب الأراء المتباينة والمخالفة.

٢.٣.٣.إصلاح المجتمع

إنمّا أصبحنا نقاتل إخواننا في الاسلام على ما دخل فيه من الزيغ والإعوجاج والشبهة والتأويل .(خ ١٢٢)

يصف حال المسلمين بعد ظهور الاسلام. يقصر الناسخ وإسمه على الخبر قصر الموصوف على الصفة لبيان أن جواز مقاتلة أفراد المجتمع الإسلامي ينحصر في حالة واحدة فقط وهو دخول الزيغ والشبهة والتأويل في الإسلام في المجنمع الإسلامي وهذه المقتلة تكون لغرض الإصلاح وحفظ الإسلام والمجتمع الإسلامي وإزالة الانحرافات والإعوجاجات.

٣.٣.٣.مراعاة حقوق الناس

لو كان المال لي لسويت بينهم. كيف وإنما المال مال الله  .(خ ١٢٦)

هذه إشارة إلى ضرورة العدالة الاقتصادية في المجتمع وتقسيم بيت المال بين الناس بالتسوية. المال العمومي في المجتمع يختص الجميع فإنه مال الله ، يقصر الموصوف على الصفة وينحصر أموال الناس في تعلقها بالله فقط . وهو يتبين إهتمام الإمام (ع) بحقوق الناس وطاعته الله في اداء حقوق العباد.

٤.٣.٣.المجاهدة

إعلموا إن الشيطان إنما يسني لكم طرقه لتتبعونه عقبه . (خ٨٣)

«يسني بمعنى يسهل» .(المعجم المفهرس ، ص ٦١)

يخبر الإمام (ع) في الخطبة عن المستقبل الدامي الذي يننتظر المجتمع ويرشد  الناس بإلتزام السنن القائمة و الشواهد البينة والأحكام الواضعة حتى لايقعوا في المهالك والفتن ويشيرإلى أنّ الشيطان يسهّل طرقه لان يتبعوا عقبه؛ فبقصر الصفة على الموصوف يختص صفة الليونة والسهولة بمنهج الشيطان، فلهذا ينبغي المجاهدة في إتباع الطرق الصعبة وما تقع النفس في الإبتلاءات لتزكي النفوس. 

٥.٣.٣.التعاون والمشاركة

من يقبض يده عن عشيرته فإنمّا تقبض منه عنهم يد واحدة وتقبض منهم عنه أيد كثيرة  .(خ٢٣)

يشيرالإمام (ع) إلى ضرورة التعاون بين الأقرباء؛ فبقصر الفعل على فاعله وقصر الصفة على الموصوف، يخاطب الناس ويذكرهم بأن أفراد المجتمع لا يستغني عن عشيرتهم أبدا حتى ولو كانوا ذا المال وينصحهم بالإطلاع عن أحوال عشيرتهم وأقرباءهم ومساعدة المحتاجين ثم ينبههم بهذه الحقيقة وهي أن المرء إذا قبض يده عن عشيرته فالضرر يتوجه إليه وينحصر عليه فقط ومعظم الأثار السلبية في قطع صلة الأقرباء يرجع إلى الفرد. قطع العشيرة عن الفرد يؤدي إلى حرمان كبير بالنسبة إليه، لأن  إنتفاع الإنسان بالايدي الكثيرة أتم وأولى .

٤.العلاقة بالدنيا

الإنسان يحتاج إلى الإمكانيات المادية للهداية والتربية، فخلق الله كل النعمات والإمكانيات للتمتع منها في طريق الصلاح والرشاد والفلاح.

«في الاعتقادات الإسلامية تطرح موضوع الدنيا والآخرة كمسألة رئيسية، ذات أهمية في حياة الإنسان؛ بما ان لها دور هام  في كمال الروح والجسم والنفس قد كانت موضع إهتمام الآيات والروايات.

أما موضوع الدنيا و خصائصها ما طرح بصورة واحدة بل إنه طرح بصورة إيجابية وبصورة سلبية . فتوجد الآيات والروايات التي تشيد بدور الدنيا وتحرض على إلاستفادة منها والتمتع بها وكما توجد الآيات و الروايات التي تذمّ الدنيا وترغب بالابتعاد عنها.

 الآيات والروايات عن الترغيب في الدنيا:

قال الله تعإلى : وابتغ في ما آتاك الله الدارالآخرة ولاتنس نصيبك من الدنيا  .(قصص،٧٧)

هذه الآية تدعوا إلى الاستفادة من الدنيا ومواهبها وتأمر بعدم نسيانها .

 وفي نهج البلاغة نري نماذج من تكريم الدنيا و الاهتمام بها: «إن الدنيا دار الصدق لمن صدقها و دار عافية لمن فهم عنها و دار غني لمن تزود منها و دار موعظة لمن إتّعظ بها ، مسجد أحباء الله و مصلّي ملائكة الله  ومهبط وحي الله و متجر أولياء الله إكتسبوا فيها الرحمة و ربحوا فيها الجنّة، خ ١٢٦»

يمدح الإمام (ع) الدنيا بهذه العبارات الجميلة ويقدمها كمنشأ الخير والرحمة الوافرة،انها دار الصدق ودار العافية ودار الغني ودار الموعظة، محل هبوط الملائكة ومقام تجارة عباد الله.

 كما جاء في أخبار حياة الإمام (ع)، عن إهتمامه بالمعاش وعمله الدؤوب لكسب الرزق ووصيته الدائم بالعمل والمجاهدة لإكتساب الرزق وإنتفاع الآخرين .(وسائل الشيعة ج ١٢،ص٢٤) ؛ فكل هذه الشواهد تدل على عدم الكراهية من الدنيا ومواهبها ولزوم الانتفاع بها.

الآيات والروايات في ذم الدنيا:

قال الله تعإلى: ما الحيوة الدنيا إلا الغرور . (حديد ،٢٠)

من يرد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب . (شورى،٢٠)

هذا وجه سلبي للدنيا ومطالبتها معارضة لطلب الآخرة ، إنهما لايجتمعان.

الروايات :

حب الدنيا رأس كل خطيئة .(غرر الحكم ، ج٣ ص ٣٩٥)

كما يوصي الإمام علي (ع) : أحذركم الدنيا . (نهج البلاغة خ١١٢ )

 فعلى أساس هذا القسم من الآيات والروايات، الدنيا، دارالفناء، محل العبور، عامل الغدر والغرور، مليئة بالإبتلاءات والمشاكل والمخاطر، لا يليق بالالتجاء إليه والقرار فيه هو محل للإستراحة والتزوّد للسفر. حب الدنيا وطلبها يعتبر مصدر كل المشاكل والمفاسد فينبغي الابتعاد عنها.

في الرؤية الاسلامية القائمة على أساس التوحيد لم يخلق الله شئيا عبثا. الدنيا ليس مكروها أو مذموماً بذاتها؛ بل هذه الفكرة تنافي الروية الإسلامية. الحقيقة أنّ مذمة الدنيا والتنفير عنها ترجع إلى حبها الشديد وشدة الرغبة النفسية فيها الوؤدية إلى نسيان الآخرة، لان الدنيا ليس الهدف ومتاع الدنيا ليس متاعا خالدا بل الدنيا وسيلة لكسب الزاد للآخرة ومحل الإستعداد لسفر طويل المدي ومحل للعبور إلى الحياة الآخروية الخالدة.» .(نقش تربيتي دنيا، صص١١٨-١٢١)

١.٤.البعد المعرفي

الكلام الحصري الذي يمكن إعتباره في نطاق هذا البعد (المعرفي)لايتطرق إلى كلا الجانين الذي أشار إليهما مسبقا في الآيات والروايات بل يتطرق إلى الجانب السلبي للدنيا فقط ويوكده بأسلوب القصر كانه (ع) يتذكر هذا الجانب فقط ، وبما يلتفت الناس إلى الدنيا ويهتمون بها فينبههم على هذا الوجه المؤكد، للتنفير عنها والترغيب بأمرالأخرة.

١.١.٤.معرفة الدنيا

أيها الناس إنمّا الدنيا دار مجاز والآخرة دار قرار. (خ ٢١٧)

يبدأ الإمام (ع) كلامه بخطاب الناس ويحذّرهم عن الاعتماد بالدنيا فيقصرالموصوف على الصفة ويذكر حقيقة الدنيا للتنفير عنه والترغيب في الآخرة بذكر الغاية من وجود الدنيا ، فتكون الدنيا دار مجاز للوصول إلى الآخرة والآخرة دار قرار ويوصي الناس بقوله «فخذوا من ممركم لمقركم».

فلا يغرنّكم ما أصبح فيه أهل الغرور فإنمّا هو ظل ممدود إلى أجل معدود  .(خ٨٩)

يقصر الموصوف على الصفة ؛ حقيقة الدنيا ومتاعها بأنها اغترارا فينهي الناس عنه، وينحصرها في صفة واحدة وهي الظل الممدود إلى أجل معدود و« يستعار لفظ الظل له ووجه المشابهة كونه ممدودا وينتهي عند أجل ويزول به اي بالدنيا يشبه الظل الذي سيزول وينتهي عند الموت واقتراب الأجل» .(شرح ابن ميثم ، ج٢، ص ٣١٤ ، خ ٨٦).

الدنيا لا يطيل أمدها إلى الأبد بل يقصر ظلها عند اقتراب موعد الموت والرحيل.

٢.٤.البعد العاطفي

١.٢.٤. عدم الرغبة

أيها الناس إنما أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا . (خ ١٤٥)

سرورالدنيا فانية ولذاتها لا يطيل إلى الأمد، فالموت يدرك الجميع . فلايوجد غرض للدنيا إلا الموت و الرحيل كما يقول ابن ميثم :« ذم الدنيا وتقبيحها بذكر معايبها لتجحف الرغبات فيها وتنصرف إلى ما ورائها من الأمورالباقية فإستعار لهم لفظ (الغرض) ووجه الاستعارة (كونهم مقعودين بسهم المنية من سائر الامراض والأغراض كما يقصد الغرض بالسهام) واسند الإنتضال إلى المنايا مجازا» . (شرح ابن ميثم ، ج٣، ص ١٩١-١٩٢، خ ١٤٤) قصر الموصوف على الصفة وهي كون الناس غرضا فيها للمنايا والذي يثير عاطفة التنفير والابتعاد عدم الرغبة.

إنمّا أهلها فيها أغراض مستهدفة  .(خ ٢١٧)

بقصر الموصوف على الصفة ، يعرف الدنيا بأنها دارالبلاء محفوفة بالغدر وأهلها تنحصر في كونهم أغراضا لها. إنها تخدع الناس بمتاعها، أهلها مفتونون بها وهم أهداف أغراضها ونياتها، فلا ينبغي الاتكاء عليها وقبولها والإخضاع أمامها .

٢.٢.٤. البصيرة

إنمّا الدنيا منتهى بصر الأعمى . (خ١٣٣)

يقصر الموصوف على الصفة وينحصر الدنيا على هذه الصفة و«استعار لفظ الأعمي للجهل ووجه الإستعارة ان الجاهل، هو الأعمى عن بصيرة الحق كما لايدرك الأعمى من المبصرات». (شرح ابن ميثم ، ج ٣، ص١٥٦ ،خ ١٣٢) البصير على حقيقة الدنيا لا يهتم بالدنيا والمتغافل عن الحقائق يرغب فيها فقط.

إنمّا هي كالمعلوفة للمدي لا تعرف ماذا يراد بها .(خ ٧٥)

في هذا القسم من كلامه يخاطب الناس بقوله «أيها الناس غير مغفول عنهم والتاركون المأخوذ منهم» ويسمى الذين يرتكبون الخطا وينسون يوم الحساب ويوم التساؤل من أعمالهم بالغاقلين. 

وبقصرالمسند إليه على المسند ، قصر الموصوف على الصفة، يشبه الغافلين بالأغانم التي تهتم بإشباع أمعدتها وقضاء شهواتها. فالغافلين لا يدركون الغاية الأصلية التي خلقهم ولا يفهمون السبب الرئيس لعيشهم في الدنيا فاقتصروا على الدنيا بملذاتها بسبب جهلهم بالحقيقة وتغافلهم عنها«وتشبيههم بمعلوفة النعم بسبب وجه الشبه الذي يشير أنهم لعنايتهم بلذات من المطاعم والمشارب كالنعم المعتني بعلفها وكون ذلك التلذذ غايته الموت تشبه غاية المعلوفة وهي الذبح» .(المصدر نفسه، ج ٣، ص٣٤٧ ،خ ١٤٧)

٣.٢.٤. عدم الاستقرار

فإنمّا مثلكم كسفر سلكوا سبيلا فكأنّهم قد قطعوه . (خ٩٩)

يوصي الإمام (ع) بقصر الموصوف على الصفة برفض متاع الدنيا وينبه على فناءها وقصر مدتها ويتذكر بأن الموت سيدرك الجميع حيث تصبح الاجساد مبلية . ويشير الإمام (ع) بأن الدنيا محل السفرالانسان مسافر فيها ولا يستقر الناس فيها، وينتهي سفر الدنيا بالموت فيجب أن يتزود منها للآخرة.

إنمّا كنت جاراً جاوركم بدني أياماً  .(خ ١٤٩)

هذا فصل من وصية الإمام (ع) قبل شهادته في شهر رمضان ، وهو يوصي الناس بألا يضيعوا سنة الرسول وبأن يقيموا عمود الدين وأن يوقدوا مصباحه وبقصر الموصوف على الصفة يشير إلى حقيقة الدنيا الموت، الذي أدرك الجميع و حتى لو كان إماما أو قائدا. ويعتبر نفسه جارا للناس لأيام وهذا تنبيه على أنه جار للناس ببدنه فقط لمدة قصيرة والبدن والجسد المادي لا يصاحب الارواح عند الموت لانه يتعلق بالدنيا لكونه من المادة. فالمتعلقات الدنيوية لا يصاحب الفرد إلى الآخرة بل يبقى في الدنيا ويفنى.

٤.٢.٤.الحكمة

إعلموا أنه ليس من شيء إلّا ويكاد صاحبه يشبع منه ويملّه إلّا الحياة فإنه لا يجد في الموت راحة وإنمّا ذلك بمنزلة الحكمة التي حياة لقلب الميت وبصرة للعين العمياء وسمع للأذن الصمّاء وري للظمآن .(خ ١٣٢)

الانسان لايشبع من ملذات الدنيا أبدا ولكن يدرك الموت الإنسان وولو لم يجد في الموت راحة . إن الدنيا دار فناء ومحل للإعتبار والتزود للآخرة، والموت ورحيل الدنيا حكمة فقط ، بقصر الموصوف على الصفة؛  فهي حكمة تشفي عين العمياء والأذن الصماء وترفع عطش الظمآن بالنظرة إلى باطن الدنيا وبمعرفة حقيقة الحياة .

٥.٢.٤.تطهير النفس

إنمّا طلبوا هذه الدنيا حسداً لمن أفاءها الله عليه .(خ ١٦٩)

أفاءها عليه : أرجعها إليه . في هذه الخطبة يشير الإمام (ع) إلى وجوب طاعة القادة و الخضوع أمامها  ثم يكشف عن مؤامرة الناكثين ويحصر مطالبتهم الدنيا على الحسد .أصحاب الدنيا الدنية يطلبون الدنيا بما فيهم من الخصائص الرذيلة والدنية مثل الحسد.

٦.٢.٤عدم تعلق بالدنيا

إنمّا حظ أحدكم من الأرض ذات الطول والعرض قيد قده متعفرا على خده .(خ ٨٣ )

الإمام (ع) بقصر المبتد على الخبر، قصر الموصوف على الصفة؛يوصي بالتقوى وتذكير أحوال الماضين  والذين رحلوا ولم يتخذوا شيئا من متاع الدنيا. ان الإنسان يكتفي من الدنيا في النهاية بأرض ذات الطول والعرض أي بقبره فقط ويرقد فيه في حين أنه قيد قده ويتعفر خده بالارض فلو كان صاحب الأمتعة الدنيوية الكثيرة. ولااينبغي الاجتهاد في طلب ما لا يصاحب الفرد ولا يخلد عنده.

٣.٤.البعد العملي

١.٣.٤. الاستعداد و التزوّد

تخففوا تلحقوا فإنمّا ينتظر بأولكم وآخركم  .(خ ١٦٧)

يشير الإمام (ع) إلى قرب موعد الموت. انه ينتظر الجميع وسينزل على كل الافراد كما نزل على الأولين و يأمر بالتخفف من المتعلقات من متاع النيا .يقصر الفعل على متعلقه، قصرالصفة على الموصوف ، الانتظار للحلول على الافراد لقبض الارواح صفة مختصة للموت، فالإشارة إلى هذه الخصيصة تتذكر قصر المدة وموعد الرحيل ولزوم الاستعداد له.

فإنمّا أنتم كركب وقوف لا يدرون حتى يؤمرون بالسير .(خ ١٥٧)

يوصي الناس بالتزود من الدنيا لأيام البقاء أي الآخرة فيشبه الناس بركب وقوف الذين لايعلمون ساعة الرحلة من الدنيا ومدة وقوفهم فيها. فلابد ان يكون على إستعداد تام  لسفر الآخرة . قصر الموصوف على الصفة.

٢.٣.٤. المبادرة إلى الحسنات

إنمّا أراد أن يبلوكم أيكم أحسن عملا فبادروا بأعمالكم  .(خ ١٨٣)

حكمة الدنيا الرئيسية هي الإبتلاء. وقد اراد الله منخلق الدنيا، إختبار وإمتحان ايمان الناس ومدى عبوديتهم له بخلق الدنيا. هدف الخلق يقصر في الإبتلاء،  يبلو الله الانسان ليتبين للإنسان حقيقة رغباته وباطنه أيبادر إلى الاعمال الصالحة أو يميل إلى الشهوات ويرغب عن أمرالآخرة. فقصر الفعل على (أن يبلوكم) المصدرالذي يحل محل المفعول،  قصر الصفة على الموصوف.

النتيجة :

أسلوب القصر ب(إنما) يمكن ان يدل على الدلالات التربوية في جانبي حياة الإنسان للتذكير والتنبيه والإرشاد على وجوه يعرفها المخاطب لكن ينسئ أو يتغافل عنها.

يشير الإمام (ع) في الكلام الحصري إلى الابعاد الثلاثية في المسائل التربوية، إلى البعد المعرفي بتعريف الخصائص وحقيقة الصفات والموصوفات وإلى البعد العاطفي وبإثارة العواطف والمؤثرات النفسية وإلى البعد العملي وبتحريك الهمة في إتخاذ خطوات عملية لصالحه. 

يمكن كشف الحقائق الهامة المطروحة في أسلوب الحصر ب(إنما) في علاقة الإنسان بذاته وبالمحيط في الأبعاد المعرفية والعاطفية والعملية.

القصر في الدلالة على علاقة المرء بالمحيط يشمل علاقته بالخالق ، علاقته بالإمام، علاقته بالمجتمع وعلاقته بالدنيا. 

استخدم  أكثر اسلوب القصر ب(إنما) في نطاق الحياة الخارجية اي علاقة الانسان بغير ذاته وغير نفسه.  و أكثر اسلوب القصر ب(إنما) يشاهد في موضوع الدنيا وعلاقة الانسان بها والذي يوحي الدلالات التربوية الإرشادية المفيدة لابد الدقة عليها.

القصر في بيان علاقة المرء بذاته ينحصر الذات في عبودية الله ويثير البصيرة للعمل بالتقوى.

القصر في بيان علاقة المرء بالخالق يوصف خصائص الله المنحصرة به ويبين عظمته ويثير الخضوع والطاعة أمامه.

القصر في بيان علاقة المرء بالإمام ينحصر القوامة على الإمام ويثير حس الطاعة للاهتداء وإحقاق الحقوق .

القصر في بيان علاقة المرء بالمجتمع يثيرالأخوة وروح التعاون ويوصي بإصلاح المجتمع من الاعوجاجات والشبهات ويحرك الهمة نحو تنمية المجتمع لان مصيرة أفراد الشعب متلاصقة بعضها ببعض.

القصر في بيان علاقة المرء بالدنيا يشير إلى الخصائص التي تثير التنفير والابتعاد عن الدنيا. يعتبر الدنيا دار مجاز ودار الإبتلاء ولايليق التعلق بها ولابد الاعتبار بأحوال الماضين للإسراع إلى التزود والاستعداد للرحيل.

القصر في بيان خصائص الدنيا لا يهتم إلى جانبي السلبي والايجابي للدنيا المشيرة إليها في الآيات و الروايات بل يقتصر على الجانب السلبي لها فقط.

ويمكن القول بأن الجانب السلبي أهم من الجانب الايجابي للإشارء إليه. والناس حسب ذاتهم ورغباتهم يميلون إلى الدنيا ويتطرقون إليها فلهذا لا حاجة في تاكيد وتذكير الخصائص الايجابية بل من الواجب الاشارة إلى الجانب المغفول والخصائص التي يتجاهلونها الناس ولابد الشارة إليها لتنبيه العقول والتذكير بأن الدنيا ومتاعها خلقت لخدمة الآخرة.

****************************