وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَر.                
وقال (عليه السلام) : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .                
وقال (عليه السلام): إِذَا وَصَلَتْ إِليْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلاَ تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ .                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                

Search form

إرسال الی صدیق
توهمات الدكتور إبراهيم السامرائي اللغوية في كتابه مع نهج البلاغة

مهند حسن الشاوي

وقع بين يدي قبل فترة كتاب (مع نهج البلاغة : دراسة ومعجم) لمؤلفه د. إبراهيم السامرائي الصادر عن دار الفكر- عمّان ط١ لسنة ١٩٨٧م.
وقد تصفحت هذا الكتاب لما في نفسي من حب كتب اللغة وشغفي بها، فساءني أكثر مما سرني، لما فيه من توهمات وأخطاء اعترضت الكاتب مع كونه أستاذاً في اللغة.
وبغض النظر عن سلامة تنسيب مادة الكتاب الى المؤلف، لأني أراه فيها جامعاً لأقوال من سبقوه أكثر منه مؤلفاً مبدعاً، فقد وقع فيما انفرد به عمن سبقه بأوهام لغوية عديدة جعلتني آسف حزناً على لغتنا الأم التي لم يكفها ما عبث بها أهل العصر، حتى تجد أساتذة اللغة لم يتقنوا حفظها والالمام بها كما تستحق.
ولنذكر هنا نتفاً مما توهمه الدكتور السامرائي في كتابه هذا - وما أكثر ما توهّم - ونبين محل الوهم عنده:
فمن ذلك ما ورد في ص٣٣ إذ يقول: "الخشناء مؤنّث أخشن، ولكننا لم نقف على هذا النعت المذكّر، وإن ورد في المعجمات: إن الأخشن بمعنى الأخرش من كلّ شيء، ذلك أنهم إذا وصفوا شيئاً بالخشونة، قالوا: (خَشِن) على فَعِل".
أقول: إننا لو تركنا المعجمات التي ذكرها الدكتور السامرائي جانباً، وذهبنا الى كتب الأدب لا سيما أعمدتها: كأدب الكاتب، والكامل، وغيرهما، لوجدنا أن (أخشن) كوصف موجود في كلام العرب، وليس كما ادعى في إنكاره.
قال المبرد في الكامل: "ويروى أن معاوية بن أبي سفيان قال لدغفل بن حنظلة النسابة: ما تقول في بني عامر بن صعصعة ؟ قال: أعناق ظباء، وأعجاز نساء. قال: فما تقول في تميم؟ قال: حجر أخشن، إن صادمته آذاك، وإن تركته تركك"، فانظر الى قوله: (حجر أخشن) وارجع الى قول صاحبنا ورأيه فيه.
وكذا فإنك تجد أن العرب استعملت (أخشن) كما أنها استعملت (خَشِن)، خلافاً لما ادّعى.
قال ابن قتيبة في أدب الكاتب؛ باب أفْعَلِ وفَعِلٍ: "أشْعَث وشَعِث، وأجْرب وجَرِب، وأخْشَن وخَشِن، ...".
وقال ابن دريد في الاشتقاق: "وقد صُغِّر أخشن أخيْشِن. قال: (أُخيشِنُ في ذاتِ الله). وقد سمَّت العرب خَشِناً، وخُشَيناً، وأخشَنَ".
ومن ذلك قوله في ص٣٣: "أقول: وقد ورد بناء فعلاء صفة لمؤنث، ولا يقابلها أفعل؛ فقد قالوا: ليلة ليلاء، وليس لنا أليل"
أقول: وهذا عجيب؛ إذ يصدر من أستاذ في اللغة، وكأنه لم يقرأ من الشعر شيئاً، ولم يطلع على كتب الأدب واللغة ألبتة.
قال الجوهري في الصحاح: مادة(ليل): "وليلٌ ألْيَلٌ: شديدُ الظلمة. قال الفرزدق:
والليلُ مُخْتَلِطَ الغَياطِلِ أَلْيَلُ"
وقال المبرد في الكامل: "الحندس: اشتداد الظلمة، وهو توكيد لها، يقال: ليل حندس، وليل أليل، كما يقال: ليل مظلم".
وقال ابن جني في المبهج: "ويقال نهار أنهر كما يقال ليل أليل".
أما في الشعر، فخذ مثلاً بيت الشنفري:

فَأَيَّمتُ نِسواناً وَأَيتَمتُ إِلدَةً ***** وَعُدتُ كَما أَبدَأتُ وَاللَيلُ أَليَلُ

 

وهو موجود أيضاً في خزانة البغدادي والحماسة البصريّة، وغيرهما.

وقول الكميت:

وَفِيهم نُجُومُ النَّاسِ والمُهتَدى بِهِم ***** إِذا اللَّيلُ أمسَى وهو بالنَّاسِ أَليَلُ

 

ولا أعرف كيف غفل الدكتور عن كل هذا. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن ذلك قوله ص١٨٢: "وتأتي (تفعلة) دون سواها في المضعّف الناقص، نحو: زكّى، ومصدره تزكية، وصلّى ومصدره تصلية، ولا يأتي فيهما تفعيل".
أقول: وهذا وهم منه أيضاً.
قال ابن خالويه في كتاب إعراب ثلاثين سورة؛ إعراب سورة سبّح: " فسوّى: نسق بالفاء على خلق، فإذا صرّفت الفعل، قلت: سوّى يسوّي تسوية، فهو مسوٍّ، والمفعول مُسوًّى. وكل ما جاء من مثال سوّى وجلّى وحلّى يجوز في مصدره وجه ثانٍ: حلّى تحليّاً، وسوّى تسويّاً، وأنشد (من الرجز):

فَهيَ تُنَزِّي دَلْوَها تَنْزِيَّا ***** كمَا تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيَّا

وقد ذكره الزمخشري في المفصل، وابن منظور في اللسان، فراجع إن شئت. إلا أن نقول بأنه التزم القاعدة المدرسية في ذلك وأهمل التراث.
ومن ذلك قوله ص٣٣٩: " أقول: وقوله: (النعش)، مصدر الفعل (ينعش)، ونعشه إذا رفعه، والفعل متعدٍّ، غير أن هذا الفعل قد نسي في العربية المعاصرة، وكأن المعربين حسبوه لازماً، لا يتعدّى، فعمدوا الى زيادة الهمزة للتعدية، فتولّد (أنعش)، وشاع استعماله في مجالات عدة، يقال: أُنعش المريض، والهواء منعش، وإنعاش القرية، ونحو ذلك".
أقول: ليس معنى (نعشه) مقصور على (رفعه)، واستعمال (أنعش) بهمزة التعدية شائع منذ القدم، وليس مما ولّده المعربون المعاصرون كما ادعى، يشهد بذلك، قول الخليل في كتاب العين، والدكتور السامرائي أحد محققيه: "وتقول نَعَشَهُ الله فانتعش. إذا سدّ فقره، وأنعشُته فانتعش، أي جَبَرْتُهُ فانجبَرَ بعد فقر، والربيع يُنْعَش الناس، أي، يُخصبهم. قال رؤبة:
أنعشني منه بسيب مُفْعِمِ
وقال:

وأنّك غيث أنعش الناس سَيبُهُ ***** وسيفٌ، أُعيرَتْهُ المنيةُ، قاطعُ"
 

وأمّا ما ذكره من أمثلة فإنما هو من باب المجاز يعود في الأصل الى هذا الاستعمال. وهو وارد على لسان رؤبة، كما ترى.
ومن ذلك قوله ص٢٠٩ و٢٨٢: " وقوله: (وبنا انفجرتم عن السرار).. والفعل (انفجرتم) أي دخلتم في الفجر".
أقول: لقد نقل الدكتور السامرائي هذا الكلام من الشيخ محمد عبدة في شرحه، وهو وهم منه. فانفجر معناها انبجس وانبعث، قال تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً) وملاك المعنى الخروج، ولا علاقة لها بالفجر.
وإن شئت فراجع الصحاح والعين والمحكم، بل جميع المعجمات المشهورة، وستجدهم قد اتفقوا على ذلك، ثم إنه ليس من معاني انفعل الدخول.
نعم هناك حالتان يمكن أن يقرّبا الأمر:
الأولى: أن الصحيح (أفجرتم) بدل انفجرتم، وحصل الغلط في النهج عند النسخ، وهو ما عليه نسخة صبحي الصالح، فراجع، وقد أشار الشيخ محمد عبدة الى مثل هذه الإشارة.
وصيغة أفعل من معانيها المشهورة الدخول في الزمان والمكان، تقول: أصبح إذا دخل في الصباح، وأفجر إذا دخل في الفجر، قال ابن منظور: "وأَفْجَرُوا: دخلوا في الفَجْر كما تقول: أَصبحنا، من الصبح؛ وأَنشد الفارسي:
 

فما أَفْجَرَتْ حتى أَهَبَّ بسُدْفة ***** عَلاجيمُ، عَيْنُ ابْنَيْ صُباحٍ تُثيرُها"

والثانية: أن يقال: انفجر الصبح عن الليل، يشبّه بالماء إذا انفجر من الأرض وخرج، قال ابن منظور: "وقد انْفَجَر الصبح وتَفَجَّر وانْفَجَر عنه الليلُ".
وقال البحراني في شرحه:"استعار لفظ السرار لما كانوا فيه من ليل الجهل في الجاهلية وخمول الذكر، ولفظ الانفجار عنه، لخروجهم من ذلك الى نور الإسلام واشتهارهم في الناس، وذلك لتشبيههم بالفجر الطالع من ظلمة السرار في الضياء والاشتهار".
وأين هذا المعنى من الدخول في الفجر؟!! وإنما أوقعه في مثل هذا المأزق انتحاله أقوال الشيخ محمد عبدة ونسبته إياها الى نفسه، ليؤلف كتاباً، ليس له منه إلا لفظ (أقول) وبعض التوهمات.
وهنا أختم حديثي مسترجعاً متأوهاً لحال لغتنا العربية، ولولا أنها عجالة لذكرت وذكرت من مثل هذه الأخطاء في الكتاب، لكن القليل يغني عن الكثير، وشرعك ما بلغك المحل.

****************************