وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ .                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجزِ.                
وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
جولة في نهج البلاغة – الثالث

(مظاهر جمال الله عزوجل)

- إن أمير المؤمنين (ع) ليست بطولته في قلع باب خيبر مثلاً، وليست شجاعته في ليلة المبيت فحسب!.. فأمير المؤمنين (ع) أعلى صفاته أنه مظهر بشري، للصفات الإلهية!..

هذا هو اعتقاد المؤمن بالمعصوم (ع)، وليس هذا بأمر غريب، لأن الرسول الأكرم (ص) يوصي المسلمين بالتخلق بأخلاق الله، فيقول: (تخلقوا بأخلاق الله، إن أكثر الناس يدخلون الجنة بتقوى الله، وحسن الخلق)..

والأئمة (ع) هم مظهر لأسماء الله الحسنى، ومن هذه المظاهر وصف الشكورية.. فرب العالمين شكور، يقبل يسير ما يعمل له، نقول في دعاء يوم الجمعة: (يا من يشكر على القليل، ويجازي بالجليل)..

ويكفي مصداقاً لهذه الصفة الإلهية الشكورية الإلهية، أن الإنسان يخلد في جنات الخلد، ما دامت السماوات والأرض، لأعمال دنيوية محدودة.. فالحر بن يزيد الرياحي، أمضى سويعات فقط من الطاعة في هذه الدنيا، عندما انضم إلى معسكر أبي عبد الله الحسين (ع) يوم عاشوراء، وفي غروب ذلك اليوم كانت روحه عند المليك الأعلى.. سويعات من الطاعة، وإذا بالحر بن يزيد يتحول إلى واحد من أعمدة الخلود في تأريخ المسلمين.

- إن في تراث أهل البيت (ع) شاء الله -عز وجل- أن يكون لبعض شهداء الطف مزية، منهم شخصيتان أفرد قبرهما، يزاران زيارة مستقلة: أحدهما حبيب بن مظاهر الأسدي، والآخر الحر بن يزيد الرياحي، يشدون الرحال إليه، للسلام عليه، والتشفع به عند الله عز وجل..

هذه هي شكورية الله -عز وجل- سويعات من الطاعة المخلصة، وإذا برب العالمين يعطي هذا العبد الصالح الدرجات التي يغبطه عليها جميع الشهداء!.. فالشهداء في العالم، يغبطون الشهداء الذين كانوا بين يدي الحسين (ع)؛ لأن الإسلام أخذ منعطفه الصحيح في يوم عاشوراء..

يوم عاشوراء ذلك اليوم الذي تقومت فيه مسيرة الإسلام والرسالة.

- إن هذه شكورية الله عز وجل، يعطي الحياة الأبدية مقابل حياة فانية.. هذا هو كرم رب العالمين!.. وهذا كرم المتربين في مدرسة نبيه المصطفى (ص): علي (ع) وفاطمة الزهراء (ع)، صاموا تلك الأيام الثلاثة، وتصدقوا بإفطارهم على المسكين، وهذا أمر راجح..

وفي اليوم الثاني تصدقوا على اليتيم، والتصدق على اليتيم في محله، فاليتيم يستحق الحنان والعطف.. ولكن الغرابة: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}..

إن كان الترتيب في هذه الآية بحسب الأيام، أي التصدق الأعظم والأصعب، كان بعد صيام ثلاثة أيام حسب ترتيب هذه الآية للأسير، والأسير في المدينة المنورة، وفي زمان رسول الله (ص)، كان أسيراً كافراً.. هؤلاء هم أهل بيته!.. علي (ع) وفاطمة الزهراء (ع) يقدمان قوتهما إلى أسير كافر.. هذا الأسير أعطي ذلك الطعام، لأنه طرق باب أهل البيت؛ فما رجع خائباً!.. قوت علي أفضل أنواع القوت!.. ومال علي عين الحلية، وعين الحلال.. وخبز فاطمة الزهراء (ع)، أفضل أنواع الخبز.. -الأئمة (ع) يتوارثون ذلك النسج الذي نسجته فاطمة بيدها، وأصبح في تراث أهل البيت- هذا الخبز عليه أنفاس فاطمة الزهراء (ع) (إنّها استقت بالقربة، حتى أثّرت في صدرها.. وجرّت بالرحى، حتى مجلت يداها.. وكسحت البيت، حتى اغبرّت ثيابها.. وأوقدت تحت القدر، حتى دكنت ثيابها).. هذه الخبزة التي خبزتها فاطمة، بمال علي (ع)، وإذا بهذا الخبز يصبح قوتاً لأسير كافر.

- إن الحسن (ع) هو السبط الأكبر، هو أول أولاد فاطمة (ع)، يعلم الله ما داخلهما من السرور عندما جيء لهما بهذا المولود المبارك، الذي كان أشبه الناس برسول الله (ص).. بلغ الجمال الحسني إلى درجة أنه عندما كان الحسن (ع) يمر في مكان، أو يقف في مكان، تنقطع المارة للنظر إلى ذلك الجمال العلوي والفاطمي من سلالة الجمال المحمدي.. هؤلاء مظهر الشكورية ومظهر العطاء الإلهي.. فالذي يقيم احتفال ولادته: مشاركة، وحضوراً؛ بأدنى درجات المشاركة المخلصة، هؤلاء سيردون الهدية أضعافها..

ومن هنا عندما يخرج الإنسان من مجالس أهل البيت (ع)، ليأخذ محطة خفيفة وهو على الباب، وإذا كان في المسجد، فعليه بركعتين من الصلاة بين يدي الله عز وجل.. ركعتان مقتصدتان، فيهما توجه وإنابة، ولا زالت دموع البكاء على الإمام الحسين على خديه.. يقف بين يدي الله -عز وجل- وقفة خاشعة، أو يأخذ خلوة وهو في طريق عودته إلى المنزل..

ولكن مع الأسف فإن البعض يلتهي بالشراب والطعام وما شابه ذلك، ويضحك مع إخوانه.. لا زالت الدموع على خديه، وإذا به يدخل في عالم الغافلين.. فنحن لا نقطف ثمار عاشوراء والمجالس كما ينبغي: المجالس فرحاً، أو حزناً لا فرق.. مثل إنسان يزرع شجرة، يسقي الشجرة، ويعتني بها، وبالتالي تعطي الثمار اليانعة، ولا يقطفها إلى أن تذبل..

نحن في تعاملنا في مجالس أهل البيت هكذا: مجلس عقد باسم معصوم من أئمة أهل البيت (ع)، نخرج ولا نقطف الثمرة.

- إن هذه الليلة، ليلة النصف من شهر رمضان المبارك، الإنسان لا يعلم هل يعيش الفرح أو الحزن.. يعيش الفرح لميلاد الإمام المجتبى (ع).. هذا فرح!.. وأما الحزن فلأن العد التنازلي قد بدأ لهذا الشهر الكريم، ولا يدري الإنسان إلى أين وصل؛ هل قطف نصف ثمار الشهر؟..

ها قد مضى نصف الشهر وبقي النصف الآخر، وكل البركات في النصف الأول من النصف الثاني.. وبعد الانتهاء من ليالي القدر، يكون قد انتهى شهر رمضان، كما ينتهي الحج بعصر عرفة.. من السادس عشر إلى الثالث والعشرين أسبوع مصيري تقريباً: الإنسان تطوى مقدراته، وتكتب سعادته أو شقاوته، تكتب حياته أو مماته.. ليته يكتب للإنسان مماته فحسب!.. فالموت للمؤمن نقلة إلى اللقاء مع المليك.. ولكن المصيبة أن تكتب له مصيبة في دينه، ألا ندعو بهذا الدعاء: (لا تجعل مصيبتنا في ديننا)!.. فمن الممكن أن يكتب رب العالمين للإنسان في السنة القادمة الخذلان والشقاوة.

- إن من أصعب الدرجات أن يصل العبد إلى درجة أن يكله الله إلى نفسه؛ أي يلقي حبله على غاربه.. إذا كان للإنسان دابة في المنزل يركبها ويستفيد منها، ورأى بأن هذه الدابة مصابة بمرض تعدي باقي الدواب، ماذا يعمل صاحب الدابة؟.. هل يخرجها من المنزل ويتركها في الصحراء إلى أن تموت، ويقول: لا حاجة لي بهذا الحيوان المريض؟.. إذا كان كذلك، فإن هذا يسمونه الإيكال إلى النفس.. والعبد يصل بعد فترة من المعصية، أن يقول له رب العالمين: أوكلت أمرك إليك؛ أي رفع الحصانة والحماية عنه..

هل تعلم أن من يحضر إلى المجالس الحسينية، لم يأت إلا بالحماية الإلهية.. هو لم يأت بنفسه، إنما هنالك من دفعه إلى هذا المجلس دفعاً، يقول تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}.. الشيطان لا يرتضي هذه المجالس، ويئن عندما يدخل الإنسان المسجد، ويصيح عندما يكمل صيامه.. ما الذي يجعل الإنسان يشتاق إلى مجالس الذكر ومجالس أهل البيت؟..

هذا فضل من الله، وهذه رحمته، كما يقول القرآن الكريم: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا}؛ فرب العالمين هو الذي منّ علينا بذلك..

ولكن لو رفعت هذه الحماية والحصانة -كما يعبر القرآن الكريم- {فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}، وفي آية أخرى يقول: {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى}..

فالغضب الإلهي كسحابة العذاب بين السماء والأرض، هذه السحابة لا تنزل فهي مؤجلة.. ولكن يصل العبد إلى مرحلة من المراحل، يقول الله - عز وجل- لهذه السحابة من الغضب: انزلي على العبد؛ عندها يكون الغضب قد حل على الإنسان.. أي أن الغضب كان متوقفا، ولكن تكرار المعاصي وكثرتها أدى إلى حلوله.. يقول الصادق (ع) في دعاء يوم الجمعة: (وأطلت الإمهال، وأخرت، وأنت مستطيع بالمعاجلة.. وتأنيت، وأنت ملئ بالمبادرة.. ولم تكن أناتك عجزا، ولا إمهالك وهنا، ولا إمساكك غفلة، ولا انتظارك مداراة.. بل لتكون حجتك أبلغ، وكرمك أكمل، وإحسانك أوفى، ونعمتك أتم...).

(أزرى بنفسه من إستشعر الطمع)

- إن الناس هذه الأيام لا يحتملون الأحاديث المطولة، والخطب الطويلة.. ولكن لم لا نجلس على مائدة علي -عليه السلام- في خطبه القصيرة؟!.. هذه الكلمات الحكمية التي تفرد بها علي -صلوات الله وسلامه عليه-، فنهج علي في بيان الفكرة، نهج متميز.. ومن هنا نلاحظ هذا الامتياز لنهج البلاغة.

- إن عليا -عليه السلام- يقول: (أزرى بنفسه من استشعر الطمع، ورضي بالذل من كشف عن ضره)..

أولاً: المراد بأزرى بنفسه؛ أي حقرها، وأهانها..

ثانياً: من الأشياء المؤسفة، أن الفرد يفكر في كل شيء: من تجارة مربحة، وزوجة مؤمنة -للمؤمنين-، أو فقط جميلة -لغير المؤمنين-، وحياة وادعة، وثروة متراكمة، ومنصب يعتد به، وذرية كثيرة.. ولكن كل هذه الاهتمامات، هي خارج دائرة النفس.. والحال بأن المكلف هي النفس، والتي تكرم في البرزخ والقيامة هي النفس، والتي تأتي الرب وحيدةً فريدةً كما خلقنا أول مرة هي النفس.. فإذن، هذه النفس هي مادة السعادة والشقاء.. وهذا البدن الذي ننعمه ونعالجه ونكرمه؛ هو في النهاية لقمة سائغة لديدان الأرض .

- إن الإنسان بدلاً من أن يفكر في متعة هذا البدن، عليه أن يفكر في النفس؛ فهذا البدن ما قيمته حتى نفكر في مُتعه؟.. وهذا البدن له شؤون كثيرة منها: الطعام، والشراب، وغيرها من الشهوات.. وعلي -عليه السلام- كأنه يُريد أن ينقلنا إلى هذه النقطة: أن يجعل الإنسان نفسه محور الاهتمام.. قد يقول قائل: أين الاهتمام بالمجتمع؟.. أولاً: ابدأ بهذه النفس، هذه النفس إن قدرت عليها، كنت على غيرها أقدر.. فالإنسان الذي لم يصلح أمر نفسه، كيف يصلح زوجته؟.. هناك بعض المؤمنات يشتكين من سلوك أزواجهن السيئ معهن، رغم أن الزوج قد يكون له صيت في المجتمع، ومشرف منتدى إسلامي مثلاً، وفي قريته يضرب به المثل في التقوى.. ولكن هي تقول -معنى كلامها-: لو كانت هذه الجامعة صحيحة، ولو كان الذي يقتدي به، والذي يروج له، والذي ينشد في حقه، والذي يُبكي الناس في مُناسبته، إذا كان هذا هو الدين صحيح.. فلماذا لم يُرب زوجي هذا في خلواته، وفي تعامله؟..

- إن الإمام -عليه السلام- يقول: (أزرى بنفسه من استشعر الطمع)؛ أي حقرها من عاش حالة الطمع.. السؤال هنا: ما الفرق بين الطمع وبين الطموح؟.. هي كلمات متشابهة، هذا فيه عين وذاك فيه حاء!.. الطموح ممدوح عليه صاحبه، والطمع مذموم!..

أولاً: الطموح: إن الفارق بكلمة واحدة، فرق بين إنسان يطمح في حياته، يطمح في أن يعيش حياة مادية مريحة، لأهداف شتى منها: أن يكفيه الله -عز وجل- شر الاحتياج إلى الخلق، إن الذي يعيش حالة استجداء الناس، إذا كان ابتلاء من الله فأكرم به!.. ولكن عادةً يكون نتيجة التقاعس أيام الشباب، فهذه نتيجة عدم الجدية في الحياة، وعدم التخطيط للمستقبل.. وعندما نلاحظ حياة البعض منهم، نرى أنه كان في حالة جيدة، إلا أنه بالحرام والقمار والمخدرات وما شابه ذلك، وصل لهذه الحالة التعيسة.. فإذن، إن المؤمن في سعيه الدنيوي، هدفه أن يستغني عن شرار الخلق، لأنه -صلى الله عليه وآله وسلم- سمع عليا يقول: (اللهم!.. أغننا عن خلقك، فقال: لا تقل هكذا، فإن الخلق يحتاج بعضهم إلى بعض، ولكن قل: اللهم!.. أغننا عن شرار خلقك)!..

- إن الإنسان المؤمن السائر إلى الله -عز وجل-، له سبيل إلى ربه، {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ}.. فالإنسان المؤمن في حركته الدائبة إلى الله -عز وجل- يحاول أن يخفف، ويمتص، بل يلغي كل مصادر التشويش في حياته.. فهو إنسان غير متفرغ، ليدخل كل يوم في نزاع مع الآخرين.. إذا جاء من المحكمة وهو في عراك مع خصمه ومع القاضي، هذا الإنسان كيف يصلي صلاة خاشعة؟.. والذي يدخل إلى المنزل، وتستقبله الزوجة بكلمات نابية، هذا الإنسان يصلي وهو يفكر كيف يؤدبها بعد صلاته: بفعلٍِ، أو بقول، أو ما شابه ذلك.. ولعله في أثناء الصلاة سهواً، يتلفظ بألفاظ على زوجته -مثلاً- إذا بلغ به ما بلغ.

- إن من موجبات الاستقرار في الحركة الروحية إلى الله -عز وجل- انتفاء المشوشات.. رحم الله سلمان المحمدي، هذا التلميذ الأول لمدرسة النبي وأمير المؤمنين -عليهم السلام- حيث يقول: {إن النفس قد تلتاث على صاحبها، إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه.. فإذا هي أحرزت معيشتها، اطمأنت}.. فالإنسان إذا لم يكن عنده قوت السنة، من الطبيعي أن يفكر في رزقه.. ولهذا قال الرسول الأكرم (ص): (من لا معاش له، لا معاد له).

فإذن، إن الطموح أمر جيد!.. والذين يريدون أن يتفرغوا في الثلث الأخير من حياتهم للعبادة، وخدمة الخلق في سنوات التقاعد، عليهم أن يكدوا ويجتهدوا أيام الشباب الأولى، حتى يكون لهم رأس مال.. وعندها يستطيع السفر للمشاهد المشرفة، أو يقوم بدعم المشاريع الإسلامية، وخدمة المؤمنين.. نعم هذا هو الطموح!..

ثانياً: الطمع: إن الطمع حالة مرضية، وهو أن تطلب المال لأجل المال؛ فيكون المال هدفا، لا وسيلة.. كم يبلغ بالإنسان من قلة العقل والتدبير، أن يرى ارتفاع رصيد أمواله في بنوك سويسرا وغيرها -مثلاً- مزية له، وهو جالس لا يحول ماله لا إلى خير، ولا إلى لذة.. فقط يراقب الأرقام، وكيف تتصاعد شهرا بعد شهر!.. هذا هو الطمع الذي يوجد حقارة النفس.. بعض الظرفاء ألفوا بعض المقالات والكتب عن حالات البخلاء في التاريخ، يصل الأمر إلى درجة مضحكة جداً.. وهذا الأمر يبلغ مداه عندما ينتقل الإنسان من هذه النشأة، ليرى أن كفة حسناته مع سيئاته متوازية، ويحتاج إلى درهم واحد ليدخله الجنة.. فلو أن له صدقة جارية في الحياة الدنيا، أو لو ترك ولداً صالحاً يدعو له، أو علماً نافعاً بين يدي الناس؛ لأنقذه مما هو فيه!..

- إن الإنسان المؤمن إنسان دؤوب في حياته، (كان رسول الله (ص) إذا نظر إلى الرجل فأعجبه، فقال: هل له حرفة؟.. فإن قالوا: لا، قال: سقط من عيني.. قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟!.. قال: لأن المؤمن إذا لم يكن له حرفة، يعيش بدينه).. البطالة التي لا يكون فيها الإنسان مقصراً، لا البطالة التي لا حيلة فيها.. ذلك أمر آخر.

- إن عليا -عليه السلام- جعل النفس مصباً للحديث (ورضي بالذل، من كشف عن ضره).. قد ترى إنسانا -حسب الظاهر- مرتاحا ومستقرا، ولكن عندما تدخل في عمق حياته، أو عندما يشكو إليك همه.. تراه متورطا في مصيبة من المصائب: إما في ماله، وإما في بدنه، وإما في أهله، وإما في ولده، وإما في والديه، وإما في وسوسته.. وقد تكون جميع أمور الحياة متسعة له، ولكنه يصاب -مثلاً- بالوسواس القهري، فيعيش عالم الخيال والوهم.. إن بناء رب العالمين، ألا يرخي الحبل لعباده، وإلا طغوا في الأرض {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}.. لماذا يكشف الإنسان أوراقه لكل أحد؟.. هب أن الإنسان مبتلى!.. فإن الخطوة الأولى قبل أن يشكو همومه للناس، عليه أن يلتجئ لرب العالمين، كما في دعاء المشلول: (يا جاري اللصيق!.. يا ركني الوثيق!.. يا إلهي بالتحقيق!.. يا رب البيت العتيق!.. يا شفيق يا رفيق!.. فكني من حلق المضيق، واصرف عني كل هم وغم وضيق، واكفني شر ما لا أطيق، وأعني على ما أطيق)!.. يشهد الله -عز وجل- لو أن أحدا قرأ هذه الفقرات مرة واحدة بتوجه، فإنه لا يحتاج إلى ورد ألف مرة، يقرأه أربعين يوماً.. فقط يقرأها مرة واحدة، وهو يستشعر هذا الحنان الإلهي، وخاصة إذا كان عند الحطيم، أو تحت الميزاب، أو في الطواف، أو في السعي، أو تحت قبة الحسين -عليه السلام-.. لو قالها مرة واحدة بإنابة وبانقطاع إلى الله -سبحانه وتعالى-، فإن الأبواب تفتح له على مصراعيها!..

- إن المشكلة هي أننا نتعامل مع الله -عز وجل- على أنه منتقم جبار، ولا نتعامل معه على أنه أقرب إلينا من حبل الوريد.. إن الأمومة معنى من ألطف معاني الوجود، ولكن هذه الأمومة ممن؟.. هي شعبة من رحمة الله عز وجل، يقول الإمام الحسين (ع): {وعطفت علي قلوب الحواضن، وكفلتني الأمهات الرواحم}.. هذا الحنان؛ حنان الأمومة، بعض الحيوانات في الأدغال كالأسد هذا الحيوان المفترس، الذي لا يرحم حيواناً، عندما يصل إلى أشباله يتواضع، واللبوة عندما تصل إلى أطفالها، وكأنها هرة بين أيديهم.. وهذا النسر أو هذا العقاب الذي يختطف الحيوان من الأرض برجليه ويطير، يأتي إلى العش ليجعل الطعام في فم الفراخ؛ يزق الطعام زقاً.. فحنان الأسد في الأدغال، وحنان العقاب والنسر في العش، وحنان الأمهات على أطفالهن؛ كل ذلك شعبة من رحمة الله -عز وجل- فكيف بالحنان الإلهي؟..

- إن الحنان الإلهي لعبده يظهر كذلك يوم القيامة، عندما يجتاز العبد مراحل المحاكمة الإلهية، {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}، {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ}، {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا}.. يأتي يوم القيامة حاملاً ثقله على ظهره، تتطاير الكتب، وبعد الامتحان توزع الشهادات: شهادات النجاح، مكتوب على شهادة النجاح: مقبول للأبدية في الجنة، يا لها من شهادة قيمة!.. فهو خالد في جنان الخلد، (من الحي الذي لا يموت، إلى الحي الذي لا يموت)، فهذا الإنسان حي لا يموت بإذن الله.. وإنسان يأخذ كتابه بشماله، مسود الوجه، يريد أن يتحدث مع ربه، لا يؤذن له.. ويربط بسلاسل عرصات القيامة، وهي سلاسل مجرد الاقتراب منها هو عين العذاب!.. فكيف إذا لُف بها الإنسان، وأدخل أبواب جهنم التي عليها ملائكة غلاظ شداد؟.. ملائكة الله، هذه الوجودات النورية اللطيفة، تتحول إلى وجودات غليظة {عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.. فلينظر الإنسان إلى الحنان الإلهي!.. لو كل العبيد يوم القيامة مثل هذا العبد!.. عن الرسول الأكرم (ص): (إن آخر عبد يؤمر به إلى النار، فإذا أمر به إلى النار التفت فيقول: الله -عز وجل-: أعجلوه!.. فإذا أتي به قال له: عبدي!.. لم التفت؟.. فيقول: يا رب، ما كان ظني بك هذا!.. فيقول الله -جل جلاله-: عبدي، وما كان ظنك بي؟.. فيقول: يا رب، كان ظني بك أن تغفر لي خطيئتي، وتسكنني جنتك.. فيقول الله الجبار -جل وعلا-: يا ملائكتي!.. وعزتي، وآلائي، وبلائي، وجلالي، وعلوي، وارتفاع مكاني!.. ما ظن بي عبدي ساعة من حياته خيرا قط، ولو ظن بي ساعة من حياته خيرا، ما روعته بالنار!.. أجيزوا له كذبه، وأدخلوه الجنة).. بعض الناس يتفاجئ بجهنم!.. إذ أن هناك أناسا في الدنيا ضامن جهنم لسوء عمله، ولكن {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}، هنا المصيبة!.. فهذا الإنسان يمشي في طريق غير مستقيم، وهو يظن أنه يسير على الطريق المستقيم.

فإذن، إن عليا (ع) يقول: (ورضي بالذل، من كشف عن ضره)؛ أي على الإنسان أن يقدم شكواه إلى رب العالمين.. ولكن في نفس الوقت، عليه أن يختار من عباد الله الصالحين من يمكن أن يجري الخير على يديه.

- إن من أفضل الطرق للوصول إلى الله -عز وجل- خدمة العباد، فيكون بذلك مظهرا للخير على وجه الأرض.. قال موسى (ع) -مضمون الرواية-: (يا رب!.. إذا كنت عبداً ما كنت تصنع؟.. وإذا بالجواب يأتيه: لو كنت عبداً، لخدمت العباد)!.. وخدمة العباد لا تحتاج إلى خزائن الأرض، أو إلى حسابات سرية في البنوك، ليس الأمر كذلك!.. وإنما خدمة العباد قد تكون من خلال كلمة يفرج بها الإنسان عن أخيه المؤمن، أو إنسان ضال يأخذ بيده، وعندما يأتي إلى إحياء ليلة القدر، فليأخذ بيد إخوانه وأخواته وأقربائه!.. لماذا يأكل هذا الخير وحده؟.. فليأخذ بيد هؤلاء، نعم هذا هو الخير الذي يجريه الله على يد المؤمن.

(أخلاقيات المعلم)

- إن هنالك لبساً واشتباهاً بليغاً في فهم كلمة الأخلاق، وهنالك ثلاثة توجهات في تفسير الأخلاق والأخلاقيية:

المذهب الأول: عندما يقال: فلان حسن الخلق!.. فإنه يتبادر إلى الذهن حركة مادية، ألا وهي: البشاشة، واللين في القول، وعدم إظهار التوتر الباطني.. وبعبارة موجزة: حسن الخلق يساوي البشاشة، وشيئا من المرح، وما يثير في الإنسان حالة الارتياح.. ولكن هذا تقليص أو تحجيم كثير لمعنى الأخلاق، فالأخلاق أعظم من ذلك!.. إن وجه الإنسان هو بوابة وجوده، حيث أنه يعلم غضب الشخص أو ارتياحه من خلال وجهه.. ولهذا يقال في علم المنطق: الدلالة غير اللفظية: حمرة الخجل، وصفرة الوجل.. هذا معنى من معاني حسن الخلق.

المذهب الثاني: إن هنالك مرحلة أرقى، حيث أن البعض يترقى أكثر، ويفسر الخلق والأخلاق بالأعمال الخارجية؛ أي جوارحه بكلها منطبقة عليها القيم الأخلاقية.. نعم، إن الخلق المراد من الوجه هو البشاشة.. عندما أراد موسى (ع) أن يفارق الخضر، فقال له موسى‏:‏ أوصني!.‏.‏ قال‏:‏ (... كن بشاشا، ولا تكن غضبانا)‏.‏. وعن الإمام علي (ع): (المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه).. فإذن، هناك أدب للوجه، وكذلك فإن للعين أدب وخلق، وللسان خلق، وللسمع خلق، وحتى للقلب خلق.. والإنسان المتخلق هو ذلك الذي يعطي كل جارحة من الجوارح، وظيفتها الإنسانية والإلهية.. وليس هنالك كثير اختلاف بين الإنسانية والبعد الإلهي في تشخيص الحسن والقبح، فالعقل متطابق مع الشرع، في تمييز مصاديق الحسن والقبح.

المذهب الثالث: وهو المنتجب، والمنتخب.. إن المعنى الثاني؛ أي حسن الأداء الخارجي بحسب الجوارح كلها.. هذه مظاهر، ومعلولات، ووزارات.. والذي يحرك هذه الوزارات المختلفة، هو الحاكمية العليا في الوجود.. فأعضاء البدن كلها وزارات تنفيذية، والخطة ترسم من مكان آخر.. فالجهاز الذي يحرك كل هذه الوزارات الظاهرية، هو الباطن والقلب.. وهذا القلب الذي نتكلم عنه، هو مزيج من: قوة مدركة، وقوة محللة، وجهاز مريد.. أي هنالك ثلاث قوى في النفس: قوة مدركة تجمع المعلومات المجردة الموجودة في وجود الإنسان، ثم تحلل وتركب وتعمل الأقيسة، ثم بعد ذلك تأخذ القرار.. وبتعبير المنطقيين: هناك جهاز تصوري تصديقي، وهناك جهاز مريد في الوجود.

- إن عمل المعلم الأخلاقي -وعلى رأس معلمي الأخلاق الرسول الأكرم (ص) الذي قال مقولته المعروفة: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)- هو التصرف في هذا الجهاز الباطني.. فالإنسان إذا صلح باطنه، وإذا حكّم في وجوده الملكات الفاضلة؛ فإن الحركات الخارجية تصدر بشكل تلقائي..

انظروا إلى تقدير النبي الأكرم (ص) للملكات!.. أصابت خيل رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وآله وسلم- ابنة حاتم الطائي في سبايا طيّ، فقدمتْ بها على رسـول الله -صلى اللـه عليه وآله وسلم- فجُعِلَتْ في حظيرة بباب المسجد، فمرّ بها رسول الله -صلى اللـه عليه وآله وسلم-، فقامت إليه وكانت امرأة جزلة، فقالت: (يا رسول الله!.. هَلَكَ الوالِد، وغابَ الوافد)، فقال: (ومَنْ وَافِدُك)؟.. قالت: (عدي بن حاتم)، قال: (الفارُّ من الله ورسوله)؟.. ومضى حتى مرّ ثلاثاً، فقامت وقالت: (يا رسول الله!.. هَلَكَ الوالِد، وغابَ الوافد.. فامْنُن عليّ، مَنّ الله عليك) قال: (قَدْ فعلت، فلا تعجلي حتى تجدي ثقةً يبلّغك بلادك، ثم آذِنِيني).. وفي رواية أخرى: أن سُفانة قد قالت لرسول الله -صلى اللـه عليه وآله وسلم-: (يا مُحَمّد!.. إن رأيتَ أن تخلّي عنّي، فلا تشمِّت بي أحياء العرب؟!.. فإنّي ابنة سيّد قومي، وإنّ أبي كان يفُكّ العاني، ويحمي الذّمار، ويُقْري الضيف، ويُشبع الجائع، ويُفرّج عن المكروب، ويفشي السلام، ويُطعم الطعام، ولم يردّ طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم الطائي).. قال النبي -صلى اللـه عليه وآله وسلم-: (يا جارية، هذه صفة المؤمن حقاً، لو كان أبوك مسلماً لترحّمنا عليه، خلّوا عنها.. فإن أباها كان يُحِبّ مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق).. النبي -صلى اللـه عليه وآله وسلم- أراد بهذا أن يقدر هذا الوجود، وهذا البعد في نفس حاتم، رغم أن حاتم مات كافراً.. فحاتم وصل إلى الإكرام الخارجي، لأن هنالك ملكة في الباطن.. هو قام بمعادلة واحدة في نفسه، جعلته أكرم الكرماء: نقص قيمة الدنيا في عينه، عندما قام بذبح فرسه -والعربي فرسه كل حياته في البادية- وقدمه طعاماً للضيف.

- إن العمل مع الجوارح لا ثبات له، بخلاف العمل مع الجوانح.. فالعمل الجوانحي رصيد لا ينضب، والجوانح إذا هذبت وتكاملت وارتقت، عند ذلك فإن الأمر لا يحتاج إلى تكلف جوارحي.. أضف إلى أن هذه الذبذبة: الصعود والنزول، والإقبال والإدبار سيرتفع.

- إن العنوان المعطى للمعلم في بعض الحالات، ثوب فضفاض أكثر من جسم الشخص.. فالعنوان جداً كبير، والعنوان من أقدس العناوين في عالم الوجود؛ لأن الأنبياء هم المعلمون.. والمعلم هو ذلك الذي يعطي العلم؛ لذا لابد من التفريق بين قسمي العلم: هناك من يعلم ذلك العلم المتعلق بالمبدأ والمعاد، وهناك من يعلم ما يتعلق بهذه النشأة الدنيا؛ أي فهماً لظواهر الطبيعة باسم الفيزياء، والكيمياء، وفهماً لارتباط الأعداد والمعادلات والمسمى بالرياضيات وغير ذلك.. وبالتالي، فإن المعلم بعنوان مطلق، عنوان كبير جداً.. حيث أن هناك فرقا بين مدرس الكيمياء وبين المعلم.. فالمعلم فيه إطلاق، ونتمنى أن نعيش هذه الاطلاقية.. لماذا الإنسان يحبس نفسه ويكتفي بصفة أستاذ الكيمياء، أو أستاذ الرياضيات، أو أستاذ الرسم، أو التربية البدنية؟.. ليكن الهم والشعار، أن يصل إلى مستوى تعليم العلم، ونقل العلم إلى الطرف المقابل، والعلم بمعناه الواسع!.. ليكن دور الأخت والأخ أوسع من هذا الجانب الوظيفي المهني، لم لا يترقى الإنسان عن المسمى الوظيفي، إلى مسمى أكثر قدسية، ألا وهو استنقاذ هذا الجيل الموجود؟!.. يجب أن يكون للأخوة والأخوات دور أرقى من المسمى الوظيفي، في استنقاذ الطلاب والطالبات من المفاسد الموجودة هذه الأيام، والمتاحة في كل بيت، مثل الانترنت الذي له بركات ودركات!.. ولسهولة تداول المعلومات الضارة والنافعة، جعلت الشاب والشابة على شفا حفرة من النار.

- إن الأستاذ له موقع متميز في نفس الطالب، لذا علينا أن لا نستهين بموقعه.. قالوا: إن الآباء أربعة: أب ولدك، وأب زوجك، وأب علمك، وأب رباك.. والمعلم هو تقريباً الأب الذي يعلم الإنسان، وعادة تصبح هناك علقة عاطفية، وخاصة في مجال الأخوات المؤمنات.. حيث أن هنالك فراغا عاطفيا، فالبيوت ليست نموذجية، وعلاقة الآباء بالأمهات علاقة سيئة.. والولد الذي ينمو في وسط عائلي متوتر، من الطبيعي أنه لا يجد أحضانا دافئة في المنزل.. وبالتالي، فإن أقرب الناس إليه المعلم والمعلمة، وخاصة البنات باعتبار طبيعة البنت العاطفية؛ فلماذا لا نستغل هذا الجانب؟.. عندما نزور الإمام الحسين (ع) نقول: (وبذل مهجته فيك، ليستنقذ عبادك من الجهالة، وحيرة الضلالة).. نعم الشهادة كانت في الأخير، وإلا قبل الشهادة، فإن وظيفة الإمام (ع) كانت استنقاذ العباد من حيرة الضلالة.. وهذه وظيفة المعلمين.

فإذن، إن من وظائف المعلم إيجاد حالة ارتباط عاطفي، ليس مع كل التلاميذ.. فالطفل يميَّز حتى في السنوات الأولى، إذا رأى المعلم وجوها طيبة من مظاهر الخير، فليحاول أن ينمي هذه المظاهر، وليس هنالك أي قانون يمنع الإنسان من أن يقوم بدور أخلاقي.. فالمربي حتى ولو كان أستاذ الكيمياء والفيزياء، بإمكانه أن يقوم بهذا الدور، وخاصة في ربط عظمة الخالق وغيره بالجانب السلوكي والتربوي.

- إن هناك حالة توتر عصبي معروف في مجال التدريس.. فالتصدي للتعامل مع صغار السن ومع المراهقين، يعتبر من الأعمال الشاقة، ولهذا البعض منهم إذا وجد له مجالا للفرار من التدريس، يهرب بسرعة من هذا الحقل.. فطبيعة العمل مرهق، ويوجب التوتر!.. حيث أن هناك فرقا بين إنسان -مثلاً- يعمل في شركة، وشغله مع مجموعة مهندسين ومدراء وناس مثقفين، وبين إنسان شغله مع مجموعة أطفال صغار فيهم ما فيهم من أجواء الشيطنة والمراهقة.. صحيح هذا التوتر العصبي موجود، ولكن الكلام في تداعيات هذا التوتر.

- إن الملحوظ وخاصة الأخوات المعلمات، - ترجع من الدوام بعد هذه الجولة من الصراع مع بعض العناصر المشاكسة-، ترجع إلى المنزل، حيث: مشاكل المنزل، ومشاكل الأطفال، ومشاكل الزوج، ونواقص البيت، حتى البعض منهن تقوم بأعمال المنزل كافة، فهذه حياة مرهقة جداً.. وعليه، لابد من أخذ لقاح معين لتهدئة النفس، وإلا إذا تركت الأمور كما هي، فإن البعض قد يتبلى بالشيخوخة المبكرة: التوتر العصبي، والاكتئاب المزمن، أو غير المزمن، وحالة العصبية في القول والفعل وو.. الخ.. وإذا رجعت البيت الذي يقول عنه القرآن الكريم: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا}؛ أي المنزل سكن للمؤمن.. فإذا كانت تسمع صياح الأطفال في المدرسة، وفي البيت صياح الزوج؛ معنى ذلك أن الحياة تحولت إلى حالة صراخ، من الصباح إلى المساء، وبني آدم طاقته محدودة، وتحمله محدود.. وبالتالي، فإن الإنسان قد يفرط في أصل أهداف الخلقة.. خلق ليكون خليفة الله في الأرض {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}، ولأن يعطي قسما من اهتمامه لنفسه.. هذه النفس تحتاج إلى تطوير فكري، وعبادي، و..الخ.. وهذا الجو المتوتر من الطبيعي أن يشغلها عن ذلك.

فإذن ما هي الآليات؟..

أولاً: إن الأخوة المدرسين إذا رأوا في حياتهم مثل هذا التوتر، لابد من استنقاذ الوضع، حتى ولو كانت الدوافع معيشية، ولكن لا على حساب الذات.. فهل يدمر الإنسان ذاته، ويدمر إيمانه، ويدمر آخرته، ويرد على الله -عز وجل- فقيراً، لأنه كان يريد أن يكتسب مالاً من وراء هذا الطريق؟!..

ثانياً: إن هذه المهنة من أشرف المهن من حيث الحلية.. إذا أراد الإنسان أن ينظر إلى مال حلال، فلينظر إلى مال المعلم!.. إذ أن أي غياب يكشف، لأن الصف الذي فيه أربعين أو خمسين طالبا، فهو مراقب: الطلاب مراقبون، والوكيل مراقب، والناظر مراقب.. بخلاف بعض الموظفين، الذين بإمكانهم وهم في المنزل أن يأخذوا إجازة لمدة يوم أو يومين، من خلال اتصال هاتفي، وفي بعض الحالات لا يحتاج الأمر حتى إلى استئذان.. ولكن المعلم من هذه الناحية إنصافاً راتبه حلال تماماً، لأنه قلما يتفق أن يتغيب إلا في ظروف قاهرة جداً.. ما دام الراتب بهذه الحلية، وبهذا الوضوح من الحلية، ما المانع أن يعيش شيئا من أجواء القرب؟.. عندما يخرج الإنسان من المنزل فليلقن نفسه هذا المعنى: أنه أنا يا رب خروجي هو لهدف: تربوي، أو مادي، ألا يقول رسول الله (ص): (من لا معاش له، لا معاد له)، كي يستغني الإنسان عن ذل السؤال، أو أي عنوان شرعي آخر، ليحاول أن يستحضر هذا المعنى.. وعليه، فإن حتى الضغط النفسي الذي يتعرض له، يصبح في سبيل الله عز وجل.. فتحمل الشدائد ليس دائماً في ميدان القتال مع الأعداء، وهذا أيضاً من الشدائد.. إذا كان الهدف عبارة عن تمشية أمور المعيشة بشكل جيد، هذا أيضاً من موجبات التقرب إلى الله عز وجل.

- إن هناك مسألة شرعية فقط، بالنسبة إلى التعامل مع الأطفال: عادة هناك تجاوزات شرعية من الضرب إلى درجة الاحمرار، وأكثر من ذلك بعض الأوقات.. طبعاً هذه القضية فيها إشكالات شرعية؛ لذا لابد أن يتعلم فقه التعامل مع التلاميذ.. ومن هنا لابد أن تكون القضية مدروسة، لغرض تربوي وبتنسيق مع ولي الأمر.. والقضية تحتاج إلى استئذان فقهي، والإنسان بشكل عام في أول السنة الدراسية، يستأذن شرعاً في أن يقوم بدور الأب.. وهذه من صلاحيات ولي الأمر في هذا المجال .

- إن البعض قد يقول: أنا أتعب في التدريس، وأقوم بدوري بالنسبة إلى التربية والتعليم، وأمرر المضامين التربوية التوحيدية الإلهية: صلاة وغيره، ولكن ما الفائدة؟.. لا أحد يقدر ذلك!.. وبالعكس، ذلك الذي قد لا يقوم بمهمته، قد يكون أنجح في الترقي الوظيفي!..

- إن الجواب على هذا التساؤل:

أولاً: إن هناك حسابا دقيقا في الوجود!.. فإذا كانت كمبيوترات الدنيا والوزارات، لا تسجل النتاج والتعب؛ فإن هناك حاسوبا إلهيا منصوبا في العرش مثلاً، {لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا}، كل جهد إيجابي في هذا العالم يسجل، {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}، فلو كان هناك شيء يذكر أقل من المثقال لذكره القرآن الكريم، لأنه مبالغة في التنقيص.. {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}؛ والنقير هو هذا الخيط الموجود في نواة التمر، خيط تقريباً لا يكاد يرى من تفاهته.. ولكن بمقدار النقير لا يظلم الإنسان.. لذا على الإنسان أن يعمل بواجبه الوظيفي وواجبه الشرعي، والله -عز وجل- سيفتح له الأبواب.

ثانياً: إن من الجوائز التي قد ينالها العبد، إصلاح الذرية.. فمن يصلح ذرية الآخرين، ومن يعمل على هداية الآخرين هم أو ذرياتهم، فإن أول جائزة يعطى في الدنيا أن يصلح الله أمر ذريته.. والدليل على ذلك: الدكتور الطباطبائي الطفل الصغير.. حيث أن والديه علما أطفال الناس القرآن الكريم، وصار بناؤهم على تربية أولاد الغير وبإتقان، وطلبا من الله -عز وجل- أن يرزقهم ذرية متميزة!.. وسبحان الله!.. رزقا بهذا الطفل، الذي كان عمره سنتين أو سنة ونصف وكان يتمتم بسور القرآن الكريم.. هو الآن في سن ١٤ أو ١٥ ووصل إلى مستوى تقريباً السطوح العالية في الحوزة.. فالذي يحفظ القرآن بهذه الكيفية، ويدخل حوزة علمية؛ لابد أنه في يوم من الأيام، سيكون علما من أعلام الأمة.

- إن رب العالمين له تصرفات في عالم القلوب، يقول الله -عز وجل- في القرآن الكريم: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}.. فالأوس والخزرج كانت بينهم نزاعات كبيرة في المدينة، ولكن الله -عز وجل- يقول: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.. فإذن، إن رب العالمين يده ليست مغلولة، بل مبسوطة، وفي المواضع المناسبة يتدخل.. لذا فإن الذي عنده مشكلة عائلية، أو أسرية، أو ما شابه، عليه أن لا ييأس من رحمة الله {وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}.. ويقول في آية أخرى، {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}.. قد يتكلم الإنسان مع ولده ساعات وليال حول أضرار الانترنت في المجال المحرم، وفي ليلة واحدة كل جهوده تذهب هدراً، ويدخل إلى ما يدخل.. ولكن لو رب العالمين أراد، لكرّه إليه هذه المناظر وهذه الصور المحرمة.. فالوازع من الداخل، لا من الخارج.. نعم، إذا أراد رب العالمين يربي الذرية للإنسان، بالطريقة التي هو يريدها، فالمؤمن الذي يدعو بهذه الآية: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} -والهبة عطاء من دون استحقاق-.. أي أتوقع يا رب منك في هذا الدعاء، أن تجعل ولدي هذا من قادة المؤمنين، لا مؤمنا اعتيادياً.

ثالثاً: إن على المؤمن أن يعمل بوظيفته، وخاصة أن الالتزام الوظيفي حكم شرعي.. يجب إشاعة هذه الفتوى دائما في صفوف الموظفين، لإجلال مقام العلم والمرجعية الشرعية: إن فتاوى العلماء في الرسالة العملية، لا يجيزون الغش في الدراسة، ولا يجيزون التغيب بلا مبرر، ولا يجيزون ما يسمى هذه الأيام بالإجازات المرضية المزيفة وغير ذلك.. نعم هكذا الفقه يقول: أنت مادمت معلماً، لابد أن تعمل بوظائفك من باب الوظيفة الشرعية، حتى لو كان المشرف المباشر في الوزارة كان قريبك، ويسهل لك الأمور.. فإذن، إن على الإنسان أن يعمل بوظيفته، والله -عز وجل- خير الرازقين.

انتهى .

منقول من شبكة السراج (بتصرف)

****************************