وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): إِذَا وَصَلَتْ إِليْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلاَ تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ .                
وقال (عليه السلام) : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .                
وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا.                
وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                
وقال (عليه السلام): رُبَّ مَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ.                

Search form

إرسال الی صدیق
حواسم من نهج البلاغة – الأول

السيد سامي خضرة

المقدمة

بات شائعاً في السنوات الأخيرة توجيه الإسلام من خلال وسائل الإعلام والمواقف باتجاه واحد فقط يعبّر عنه: بأنّه دين السلام والمحبة... ومرادفاتها.

وهذا الكلام وإن كان لا شك فيه، إلاّ أنّه ليس كافياً قطعاً، وليس وافياً صدقاً... فالإسلام هو الإسلام بما فيه الجهاد والقتال والحق قولاً وفعلاً والشهادة والنّصرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقارعة الظلم بأشكاله... وهو بكل ذلك، دين محبةٍ وسلام، شهد من شهد أم لا، ولا يكون كذلك إلاّ بذلك.

فما معنى أن يسلّط الضوء على جانبٍ، مؤيّداً بآيات كريمة من كتاب الله المجيد، دون جانب آخر، غضّاً أو تجاهلاً أو سكوتاً أو إخفاءً عن آيات أخر مع أنّ {كلٌّ منْ عنْد اللّه}.

ونفس الكلام ينطبق على سائر النصوص والروايات الشريفة... في إظهارها أو إغفالها!

حتى وصلت «الجرأة» مؤخّراً، والأمثلة كثيرة، أن أصبح البعض «يطوّع» الأدلة والنصوص الشرعية لتناسب رأيه، فأصبح يستدلّ عجباً:

«فالمؤمن» أصبح الإنسان... و «النصرانية» مجرّد خيار!

و «كلمة سواء» أصبحت حواراً وانفتاحاً وإقراراً للآخرين على ما هم عليه من الضلالة.

و «لا إكراه في الدين» تخيير بين الإسلام وغيره، بل بين وجوه الكفر، بل اللادين كما صرّح البعض... مع تحصينه بحجة «قبول الآخر المختلف»!!!

وأعمال البر وأحكام الجيران والأخوان وصلة الأرحام وأفعال الخير وإطعام الطعام والصدقة والوقف.... أصبحت أعمالاً «إنسانية» دون قيد أو شرط... مع أنّ أحكام المسلم وغيره لا يمكن إخفاؤها في المصادر والأمهات مهما بلغ الجهد، وذلك لشمولها كلّ أبواب الفقه والحديث... وهذا يربك منْ هواه ليّ الرقاب.

نفهم أنّ زعماء الكفر في العالم يستغلّون بعض المناسبات لمدح «الإسلام» دين المحبة والسلام... ليكون مدحه مدخلاً لإدانة الإرهاب والتخلّف!

نفهم ذلك، بل نستهجن خلافه...

لكنْ، ما لا نفهمه هو تكلّف بعض المسلمين ذلك!

من هنا أحببت تسليط الضوء على بعض النصوص من كتاب نهج البلاغة، وهي تكاد تكون مجهولة أو مهجورة... أحببت إظهارها هداية وسنداً لنا في هذا الزمن الفتنة...

وإن كنت أعلم مسبقاً بأنّ البعض، وللأسف، سيعتبرها نصوصاً «متعصّبة متزمّتة» لا تحاكي الواقعية والحضارة والتعايش والانفتاح!

حسبي أنّه كلام «علي بن أبي طالب»... وكفى.

الساعي لنهج الحسم السيد سامي خضرة

الزهد بالمنصب

أما والّذي فلق الْحبّة، وبرأ النّسمة، لوْلا حضور الْحاضر، وقيام الْحجّة بوجود النّاصر، وما أخذ الله على العلماء ألاّ يقارّوا على كظّة ظالمٍ، ولا سغب مظْلومٍ، لألْقيْت حبْلها على غاربها، ولسقيْت آخرها بكأْس أوّلها، ولألْفيْتمْ دنْياكمْ هذه أزْهد عنْدي منْ عفْطة عنْز (نهج البلاغة، الخطبة ٣) ..

هذا الكلام يستشهد به على وجوب تحمل المسؤولية أمام الله تعالى تبرئة للذمة ونصرة للإسلام...

فلولا المبايعون الحاضرون، والمجاهدون القائمون، وعهد الله على العلماء بعدم السكوت على الظلم ... لكان الزهد بالمنصب والمسؤولية هو الأولى والخيار، حيث إنّ الدنيا بكل مغرياتها لا تساوي ما تـنثره العنزة من أنفها.

قوة العقيدة

عزب (بعد) رأْي امْرىءٍ تخلّف عنّي! ما شككْت في الْحقّ مذْ أريته! لمْ يوجسْ موسى عليْه الْسلام خيفةً على نفْسه، بلْ أشْفق منْ غلبة الجهّال ودول الضّلال! اليوْم تواقفْنا على سبيل الْحقّ والباطل. منْ وثق بماءٍ لمْ يظْمأْ! (نهج البلاغة، الخطبة ٤) ..

هذا الكلام يستشهد به على قوة العقيدة والثقة بالموقف ، والإيمان بما هو عليه، والحرص على عامة المسلمين من الفتنة ، فهو يخاف عليهم من كيد الأعداء وخططهم ومكرهم... لا على نفسه، وذلك في إشارته لقوله تعالى عن سيدنا موسى _ج، وهو المبرّأ من الشك والوهن في الدين:

{فأوْجس في نفْسه خيفةً موسى *} (سورة طه المباركة، الآية ٢٠) ..

أي أوجس على إيمان الناس من أن يفتـنوا عند إلقاء السّحرة عصيهم... أمّا الواثق بوعد الله ونصره وأجره، فلا يخاف ولا يخشى.

تواقف الجميع (وقف الجميع) على الحق والباطل، فالأمور واضحة، ومنْ لجأ إلى ركن وثيق وعقيدة راسخة، لا يخاف.

سياسة التهمة والتشكيك

فإنْ أقلْ يقولوا: حرص على الْملْك، وإنْ أسْكتْ يقولوا: جزع من الموْت! هيْهات بعْد اللّتيّا والّتي! والله لابْن أبي طالبٍ آنس بالْموْت من الطّفْل بثدْي أمّه، بل انْدمجْت على مكْنون علْمٍ لوْ بحْت به لاضْطربْتم اضْطراب الأْرْشية (الحبل في البئر البعيدة) في الطّويّ البعيدة! نهج البلاغة، الخطبة ٥. .

يستشهد بهذا الكلام على طبع الناس الشائع في الاتّهام والتشكيك دوماً بأهل الحق ، مهما كان قرارهم وموقفهم وخيارهم:

فمن جاهر بالحق وعمل له وأعلنه... اتّهم بحب السلطان والطمع...

ومنْ سكت لسبب ما، ولو كان شرعياً أو بعذر أو تربصاً أو انتظاراً لسانحة.... اتّهم بالخوف والجبن!

كما يستشهد بهذا النص لمنْ عاين وخبر الوقائع والأحداث، وأثبت إخلاصه، فلا يرمى بحب السلطان ولا خوفٍ في الجنان... ودليل ذلك أنّه باذل لأغلى ما يملك في سبيل عقيدته، بل فوق البذل..الأنس بالموت والاطمئنان... كركون الطفل لثدي أمه.

وهل باستطاعة عامة الناس تحمّل مسؤولية كشف الحقائق لهم... ولا يؤثر ذلك على درجة إيمانهم؟!

لا يسكت عن العدو

والله لا أكون كالضّبع: تنام على طول اللّدْم (ضرب الأرض بالعصا) ، حتّى يصل إليْها طالبها، ويخْتلها (يخدعها) راصدها، ولكنّي أضْرب بالْمقْبل إلى الْحقّ المدْبر عنْه، وبالسّامع المطيع الْعاصي الْمريب أبداً، حتّى يأْتي عليّ يوْمي (نهج البلاغة، الخطبة ٦) ..

هذا الكلام حجةٌ على الساكت عن توالي ضربات الأعداء ، واحدة بعد أخرى، الراكن إلى ذلك بظنه أن سكوته ينجيه!وما اعتقاده هذا، كما تشهد التجارب، إلا نتيجة جبن ووهن، ثم لا يلبث أن يرى عدوه الراصد إلاّ وقد اصطاده.

فلا بد من المبادرة إلى صد العدوان فوراً، مستعينين بأهل الإسلام المطيعين، لردع تمادي المخالفين العاصين... إلى أن يأتي يوم الممات.

المكثرون للتهديد والوعيد!

وقدْ أرْعدوا وأبْرقوا، ومع هذيْن الأْمْريْن الْفشل، ولسْنا نرْعد حتّى نوقع، ولا نسيل حتّى نمْطر نهج البلاغة، الخطبة ٩. .

يستشهد بهذا الكلام بمن يكثر من التهديد والوعيد والصراخ ، على اعتقاد منه بأنه بذلك يغلب ويسيطر. وهذه الفئة ليست قليلة في المجتمعات. وعاقبة هذه الاستعراضات الفشل، أما الجريء حقاً فهو الذي يقدّم الفعل على القول، فيعرف عنه أنه مهاب من أعدائه في أمسه، فيهابه أعداؤه في يومه وغده، فلا يرعد حتى يوقع في العدو، وهذه سنّة حياتية، فالسيل لا يكون إلاّ بعد المطر، وعكس ذلك محال، وهو وهْم وعدم.

الثبات والقوة

تزول الْجبال ولا تزلْ! عضّ على ناجذك، أعر الله جمجمتك، تدْ في الأْرْض قدمك، ارْم ببصرك أقْصى الْقوْم، وغضّ بصرك، واعْلمْ أنّ النّصْر منْ عنْد الله سبْحانه (نهج البلاغة، الخطبة ١١) ..

يستعان بهذه الكلمات للتثبيت والقوة ، فالمؤمن لا يزول، وإن زالت الجبال التي ترمز إلى القوة والشموخ والمنعة.

أما العضّ على الأضراس فهي عادة للإنسان عند الشدّة.... ومنها الانقضاض على عدوّه، وإعارة الجمجمة، وهي مجاز، إشارة إلى الاستهانة بكل شيء لنصرة المبدأ، ولو كانت النتيجة الموت.

وكذلك التعبير عن الثبات بالوتد الذي لولاه لا تثبت الخيمة في مواجهة العواصف.... وفي نفس وقت الإحاطة بتحركات الأعداء (ارم ببصرك)، لا يهولنّك منهم شيء (وغضّ بصرك).

يقول الله تعالى {واللّه منْ ورائهمْ محيطٌ *} (سورة البروج المباركة، الآية:٢٠) ..

تطفل منافق

ما يدْريك ما عليّ ممّا لي، عليْك لعْنة الله ولعْنة اللاّعنين! والله لقدْ أسرك الكفْر مرّةً والإْسْلام أخْرى! فما فداك منْ واحدةٍ منْهما مالك ولا حسبك! (نهج البلاغة، الخطبة ١٩) ..

يمكن الاستشهاد بهذا الكلام لمنْ نافق وتدخل في ما لا يعنيه ، ذلك أنّ المضمون موجّه لرجل (الأشعث بن قيس) وهو في أصحاب علي كعبد الله بن أبي سلول في أصحاب رسول الله ، كل منهما رأس نفاق في زمانه.

وللكلام قصة لا مجال لذكرها في هذا المختصر... وهو ردٌ على هذا المنافق، ودعاء عليه، وتعيـير به وبأصله وماضيه.

التهديد بالحرب

فإنْ أبوْا أعْطيْتهمْ حدّ السّيْف، وكفى به شافياً من الباطل، وناصراً للْحقّ! ومن العجب بعْثهمْ إليّ أنْ أبْرز للطّعان! وأنْ أصْبر للْجلاد! هبلتْهم الْهبول! لقدْ كنْت وما أهدّد بالْحرْب، ولا أرهّب بالضّرْب! وإنّي لعلى يقينٍ منْ ربّي، وغيْر شبْهة منْ ديني (نهج البلاغة، الخطبة ٢٢) ..

أ ـ هذا الكلام للتهديد بالحرب، ولجعل السيف يحسم الأمور بعد إقامة الحجج واستنفاد كافة الطرق.

وكذلك ردٌ على التحدي والادّعاء، بما هو أعظم.

والهبول، هي المرأة التي لا يبقى لها ولد، فالسياق دعاءٌ عليهم بالموت.

ب ـ الشطر الأخير يستعان به للإشارة إلى التاريخ الغني بالشجاعة والمواقف المشهودة:

فلم أكن يوماً، ولا أزال... لا أهدّد بحرْبٍ ولا ضربٍ (ضرب السيوف) .

ترك المجاملات والنفاق

ولعمْري ما عليّ منْ قتال منْ خالف الحقّ، وخابط الغيّ، منْ إدْهانٍ ولا إيهانٍ. فاتّقوا الله عباد الله، وفرّوا إلى الله من الله، وامْضوا في الّذي نهجه لكمْ (نهج البلاغة، الخطبة ٢٤) ..

أ ـ يستعان به على ترك المجاملات والنفاق ، ففي كل مجتمع وزمن هناك أهل المصانعة والضعف.

ب ـ كذلك دعوة للتقوى واللجوء إلى الله جل جلاله باتّباع شرعه.

والفرار هنا إنما يكون إلى رحمة الله عزّ وجل من عذابه... يقول سبحانه:

{إنّي مهاجرٌ إلى ربّي}( سورة العنكبوت المباركة، الآية:٢٦) ..

المتخاذلون الخائفون

لبئْس ـ لعمْر الله ـ سعْر نار الْحرْب أنْتمْ! تكادون ولا تكيدون، وتنْتقص أطْرافكمْ فلا تمْتعضون؛ لا ينام عنْكمْ وأنْتمْ في غفْلةٍ ساهون، غلب والله الْمتخاذلون... أنْت فكنْ ذاك إنْ شئْت،فأمّا أنا فوالله دون أنْ أعْطي ذلك ضرْبٌ بالْمشْرفيّة تطير منْه فراش الْهام، وتطيح السّواعد والأْقْدام، ويفْعل الله بعْد ذلك ما يشاء (نهج البلاغة، الخطبة ٣٤) ..

أ ـ يقال للمتخاذلين الخائفين ، الذين لا تخاض الحرب بأمثالهم، حيث يتعرّضون للأذية والاعتداء، فيسكتون ويستسلمون... ولا يغضبون كما أمرهم الله تعالى.

ب ـ كذلك يقال للغافل المتخاذل الساهي الذي يظن النجاة...... والعدو يتربّص به ولم ينمْ عنه !

ج ـ (أنت فكنْ ذاك......) هذا الكلام يقال لكل منْ سكت أو رضي بتمكين العدو من نفسه... وهؤلاء في مجتمعنا كثير!

أمّا أنا فلا أمكّنه من نفسي، بل أواجه بالسيوف (المشرفية)، ولو أدّى ذلك إلى تطاير العظام (فراش الهام) وسقوط السواعد والأقدام... والأمر في النهاية لله تعالى.

النهوض بالحق

فقمْت بالأْمْر حين فشلوا، وتطلّعْت حين تقبّعوا ونطقْت حين تعْتعوا ومضيْت بنور الله حين وقفوا، وكنْت أخْفضهمْ صوْتاً، وأعْلاهمْ فوْتاً، فطرْت بعنانها، واسْتبْددْت برهانها، كالْجبل لا تحرّكه الْقواصف، ولا تزيله الْعواصف (نهج البلاغة، الخطبة ٣٧) ..

في هذا الكلام مضيٌ على الحق ، ونهوضٌ بالواجب، وتحملٌ للمسوؤلية دون شك أو ضعف.

والتـشبيه بالجبال للدلالة على الصمود والقوة مهما كانت الهجمات المضادة.

فالقيام بالأمر، أي أمر النهي عن المنكر، حيث تراجع الناس وجبنهم(حين فشلوا).

والتطلع، إعزاز الحق والدعوة إليه والإجهار به... بينما البعض يختبئ رهبة وفراراً (حين تقبّعوا).

والنطق بالحق، إعلان له حين كان الناس يترددّون .

وخفض الصوت والمحافظة على وتيرته الاعتيادية، دليل رباطة جأش، وبذلك تجاوزهم وسبقهم ولم يخنع كما فعلوا (وأعلاهم فوتاً)، ففاتهم بسرعة كما يفعل الفرس الأصيل، غير ملتفت للعواصف والشدائد.

لا خيار إلاّ القتال

ولقدْ ضربْت أنْف هذا الأْمْر وعيْنه، وقلّبْت ظهْره وبطنه، فلمْ أر لي فيه إلاّ الْقتال أو الْكفْر بما جاء محمّدٌ صلّى اللّه عليْه (نهج البلاغة، الخطبة ٤٣) ..

شاهد لمنْ لم يجد خياراً من الجهاد والقتال ... مع كره الناس لذلك بطبعهم:

وترك الجهاد هذا كفرٌ بالدين من أساسه...

وكم هي كثيرة مثل هذه في حياتنا. ...

وكم هم الفارون المبررون لفعلهم...

وذكْر الأنف والعين لأنّهم الأكثر إلفاتاً في صورة الوجه... وضرب الأنف والعين، مثلٌ عن الاستقصاء والبحث والتفكر... وتقليب الأمر تفحصاً وتأملاً.

القلق على الإسلام

وقدْ قلّبْت هذا الأْمْر بطْنه وظهْره حتّى منعني النّوْم، فما وجدْتني يسعني إلاّ قتالهمْ أو الْجحود بما جاء به محمّدٌ صلّى الله عليْه وآله وسلّم، فكانتْ معالجة الْقتال أهْون عليّ منْ معالجة الْعقاب، وموْتات الدّنْيا أهْون عليّ منْ موْتات الآْخرة (نهج البلاغة، الخطبة ٥٤) ..

هنا قلق منْ يحمل همّ الإسلام حرصاً عليه، فيمنعه النوم...

فيـبحث ويفكر ويتأمّل بين الخيارات، فلا يجد أمامه إلاّ الجهاد على مخاطره الدنيوية، أو، والعياذ بالله تعالى، الجحود...

وتقليب الأمر: النظر في كل وجوهه واحتمالاته وتداعياته...

وصعوبات القتال ومخاطره، بالغاً ما بلغت، تبقى أسهل من نار الآخرة.

تغليب الإسلام على العاطفة...

ولقدْ كنّا مع رسول الله صلّى الله عليْه وآله، نقْتل آباءنا وأبْناءنا وإخْواننا وأعْمامنا، ما يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسْليماً، ومضيّاً على اللّقم، وصبْراً على مضض الأْلم، وجدّاً على جهاد الْعدوّ (نهج البلاغة، الخطبة ٥٦) ..

شاهد على الانحياز لمصلحة الإسلام وتغليبها على سائر الخيارات الأخرى مهما كانت محرجة أو عاطفية...

وهنا يظهر رابط العقيدة والمبدأ و«الخط»... على القرابة والقبيلة..

واللّقم، هي الطريق الواضحة «صراط الله المستقيم».

ومضض الألم، وجعه.

فمن انحاز للإسلام... انحاز عن كل ما ومنْ خالفه.

الخائن ... بالتجربة

أفلمْ يبايعْني بعْد قتْل عثْمان؟ لا حاجة لي في بيْعته! إنّها كفٌّ يهوديّةٌ  (نهج البلاغة، الخطبة ٧٣) ..

شاهد على منْ تخاف خيانته ، فماضيه يشهد على نكثه للعهود، وانقلابه على الوعود.

ومناسبة الكلام، في حق مروان، الذي أخذ أسيراً يوم الجمل، ثم أطلق.

ولم يحرص أمير المؤمنين على بيعته، لأنه كان يعلم مسبقاً أنها مورد نكث...

وتاريخه يشهد على غدره!

المنظّرون للحرب الهاربون منها

فإذا كان عنْد الْحرْب فأيّ زاجرٍ وآمرٍ هو! ما لمْ تأْخذ السّيوف مآخذها (نهج البلاغة، الخطبة ٨٤) ..

هذا شاهد لمنْ يكثر من الأوامر والنواهي والتنظير للحرب... فإذا... جدّ الجد، ووقعت الواقعة، تحرّى شتى الطرق للتنصل.

والكلام وارد عن عمرو بن العاص الذي كان يتّهم أمير المؤمنين اتّهامات باطلة، ويكذب، ويخون...

فيتهكّم عليٌّ على نفاقه وأدواره التمثيلية قبل المعركة، وكيده عند وقوعها.

التساهل والتجويز الشرعي!

ولا ترخّصوا لانْفسكمْ، فتذْهب بكم الرّخص مذاهب الْظّلمة، ولا تداهنوا فيهْجم بكم الإْدْهان على الْمعْصية (نهج البلاغة، الخطبة ٨٦) ..

هذا شاهد فيمن يتساهل في أوامر الله تعالى ونواهيه ، فيتمادى في غفلته، ويتـشاغل عن الموعظة... ويجيـز لنفسه ما يناسبه.

والترخيص هو التجويز والإباحة، والظّلمة جمع ظالم، والمداهنة هي التصنّع في إظهار غير الواقع، فهي نوع من النّفاق.

صاحب المواقف الجريئة

أيّها النّاس فإنّي فقأْت عيْن الْفتْنة، ولمْ يكنْ ليجْترىء عليْها أحدٌ غيْري بعْد أنْ ماج غيْهبها، واشْتدّ كلبها (نهج البلاغة، الخطبة ٩٣) ..

شاهد لصاحب المواقف الجريئة والتي تحتاج إلى إقدام وتحدٍ

وفي الكلام استعارة في جعل عين للفتـنة فيقلعها... بعد أن امتدت وعمّت (الغيهب هو الظلام) واشتدّ أذاها (كلبها).

المدّعون المتزلفون

يابْن اللّعين الأْبْتر، والشّجرة الّتي لا أصْل لها ولا فرْع، أنْت تكْفيني؟! فوالله ما أعزّ الله منْ أنْت ناصره، ولا قام منْ أنْت منْهضه، اخْرجْ عنّا أبْعد الله نواك، ثمّ ابْلغْ جهْدك، فلا أبْقى الله عليْك إنْ أبْقيْت! (نهج البلاغة، الخطبة ١٣٥) ..

نافعٌ في الرّد على المدّعين المتزلّفين... ثم تهديدهم.

والكلام في حقّ أحد كبار المنافقين، المغيرة بن الأخنس، الذي تنطّح عند عثمان متطوّعاً للردّ على أمير المؤمنين .

الخشية على الإسلام... والله الكافي

فأمّا ما ذكرْت منْ مسير الْقوْم إلى قتال المسْلمين، فإنّ الله سبْحانه هو أكْره لمسيرهمْ منْك، وهو أقْدر على تغْيير ما يكْره. وأمّا ما ذكرْت منْ عددهمْ، فإنّا لمْ نكنْ نقاتل فيما مضى بالْكثْرة، وإنّما كنّا نقاتل بالنّصْر والْمعونة! (نهج البلاغة، الخطبة ١٤٦) ..

شاهد على الذي يخشى على الإسلام أو المسلمين ...

فالله عزّ وجل أحرص وأكثر غيرة عليهم.

وشاهد آخر على أنّ القتال ليس بالكثرة بل بالمدد الإلهي ...

والكلام موجّه إلى عمر في أنّ دين الله مصان ومنصور... والعرب أقوياء بالإسلام... إلى أن يذكر الشاهد بعد كلام طويل في هذا السّياق.

السكوت لا ينجي

والله لا أكون كمسْتمع اللّدْم، يسْمع النّاعي، ويحْضر الْباكي، ثمّ لا يعْتبر! (نهج البلاغة، الخطبة ١٤٨) ..

هذا الشاهد لمنْ يسكت عن الظلم، والذي يرى الأعداء والمفسدين يجولون ويفتكون، ويظن أن نجاته في سكوته وسكونه !

وهذا شاهد أيضاً بل دعوة للاحتساب عند الله تعالى في الرباط والجهاد والدعوة، ما دامت القواعد والسّنن واحدة... وليس من شيم الكرام ترك العدو على باب الدار، أو الاكتفاء بسماع النعي ورؤية الباكي.

فلا مفرّ من الجهاد ما دام الأمر بين أمرين: الحصار وفوهة نار.

ومن السّنن الإلهية أنّ للدول والأنظمة أعماراً كأعمار البشر، ... وفي النهاية إلى زوال.

(اللّدم هو الضرب على الصدر والوجه عند النياحة).

«قد قامت الفئة الباغية، فأين المحتسبون؟ قد سنّت لهم السّنن وقدّم لهم الخبر...».

موقع الحسم

وسأمْسك الاْمْر ما اسْتمْسك، وإذا لمْ أجدْ بدّاً فآخر الدّواء الْكيّ (نهج البلاغة، الخطبة ١٦٨) ..

شاهد سياسي هام في الدعوة إلى الصبر أولاً، ثم الختم بالحسم ، وذلك بلحاظ مناسبة الكلام حيث دعاه البعض للتسرّع، فتحدّث وحلّل وفصّل، إلى أن دعى عليه السلام إلى الصبر حتى تأخذ الأمور مجراها وتؤخذ الحقوق منقادة، فلا تسرّع يضعضع قوة، ويورث وهناً، ولا قرار قبل أوانه ، فما دام الإمساك ممكناً... فهو، وإلاّ، فآخر الدواء الكي، وهنا يقصد الحرب، باعتباره سنّة إلهية هي «سنّة التدافع» فيمن ظلم وأخرج من دياره بغير حق.

قال تعالى:

{ولوْلا دفْع اللّه النّاس بعْضهمْ ببعْضٍ لهدّمتْ صوامع}.

{ولينْصرنّ اللّه منْ ينْصره إنّ اللّه لقويٌّ عزيزٌ} (سورة الحج المباركة، الآية: ٤٠) ..

المؤمن لا يهدّد، والمدد ربّاني

قدْ كنْت وما أهدّد بالْحرْب، ولا أرهّب بالضّرْب، وأنا على ما قدْ وعدني ربّي من النّصْر (نهج البلاغة، الخطبة ١٧٤) ..

شاهد ممتاز رداً على المهدّدين، وذلك بالاتكال على مدد الله عز وجل ووعده بالنصر.

فالمؤمنون لم ينصروا بالعدد إنّما بالمدد

كذلك يستشهد بتاريخه في الشجاعة (قد كنت وما أهّدد بالحرب)، فليس هو من صنف الذين يهدّدون، والاستعانة بالتاريخ والوقائع من أعلى درجات الصدق وإقامة الحجة.

وأسلوب التهديد والوعيد، الذي كثيراً ما يستعمل بين الأفراد والكيانات، لعله نافع مع أهل الدنيا والتخاذل، أمّا أهل الإيمان والكرامة، فلا ينفع... فتحليق النسور يختلف عن تحليق سائر الطيور .

توهين أهل الباطل

اسْكتْ قبحك الله يا أثْرم، فوالله لقدْ ظهر الْحقّ فكنْت فيه ضئيلاً شخْصك، خفيّاً صوْتك، حتّى إذا نعر الْباطل نجمْت نجوم قرْن الْماعز (نهج البلاغة، الخطبة ١٨٤) ..

كلام فيه توهين وتضعيف لمنْ يستعين بالحق ليتمادى في الباطل

«فالبرج بن مسْهر الطائي» خارجي معروف، وكعادة الخوارج رفع صوته بشعار حق «لا حكم إلا لله» ليحرج علياً أمام الناس، فنهره الأمير فوراً دون إمهال، مستعملاً كلمات قاسية مسكتة مكبتة له:

قبّحك الله، أي كسرك... والأثرم: من سقطت ثنيته من أسنانه.

مشيراً إلى ضآلة نصرته للحق، أي ضعفه... حتى إذا تحرك الباطل (نعر أي صاح)، تصنّعت الظهور والبروز... كما يعوم الفار على شعير الدار.

الإيمان المستقر والإيمان العابر

إنّ أمْرنا صعْبٌ مسْتصْعبٌ، لا يحْتمله إلاّ عبْدٌ مؤْمنٌ امْتحن الله قلْبه للايمان، ولا يعي حديثنا إلاّ صدورٌ أمينةٌ، وأحْلامٌ (عقول) رزينةٌ (نهج البلاغة، الخطبة ١٨٩) ..

شاهد على ضعاف النفوس الذين لا يواصلون المسيرة

فالكثيرون يسقطون أو يتراجعون عن مسيرة الإيمان جبناً أو خوفاً أو طمعاً أو عند غنى محدث، أو منصب تشرّفوا به، أو نعمة ركبوها، أو جاه فاجأهم...

ومثل هؤلاء شهود للعيان في كل زمان

وقبل هذا الكلام كان  قد تناول نوع الإيمان المستقر الثابت، والإيمان المنتقل العابر.

وبعد هذا الكلام حديث عن كثرة مداخل الفساد والشبهات، وعن فتن طائشة تذهب بعقول الرجال!

نعوذ بالله تعالى من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

الثقة الراسخة بالعقيدة

فوالّذي لا إله إلاّ هو إنّي لعلى جادّة الْحقّ، وإنّهمْ لعلى مزلّة الْباطل.

أقول ما تسْمعون، وأسْتغْفر الله لي ولكمْ! (نهج البلاغة، الخطبة ١٩٧) ..

شاهد على الثقة بالعقيدة... والمجاهرة والإعلان بها (أقول ما تسمعون).

ففي سياق حديثه عن قربه من النبي الخاتم _ا وثباته في الحروب معه، حيث يتخلّف الرجال... اعتبر ذلك نعمة، «أكرمني الله بها»

وبقي مقرّباً منه حتى فاضت نفسه الشريفة، فغسله، والملائكة، وواراه، .... فهو أحق الناس به ما دام لم يتخلّف عنه كلّ حياته...

فيقسم أن الحقًّ معه، والباطل مع منْ خالفه.

عاقبة الغدر... وقوة المؤمن

والله ما معاوية بأدْهى منّي، ولكنّه يغْدر ويفْجر، ولوْلا كراهية الْغدْر لكنْت منْ أدْهى النّاس، ولكنْ كلّ غدْرة فجْرةٌ، وكلّ فجْرةٍ كفْرةٌ، ولكلّ غادر لواءٌ يعْرف به يوْم الْقيامة، والله ما أسْتغْفل بالْمكيدة، ولا أسْتغْمز بالشّديدة (نهج البلاغة، الخطبة ٢٠٠) ..

كثرة الغدر والفجور وما شابههما ليس دليلاً على الاستقامة، بل إشارة واضحة إلى خبث السريرة والدناءة والصغار، وكم من الناس يمتطي هذه الطرق الملتوية والمنحرفة لتحقيق مآربه وأطماعه مغْمضاً عن موازين الشرع وقواعد الأخلاق.

والنص واضح أنّ الغدر قيد يؤدي، لا سمح الله، إلى درجة من الكفر.

أما قوله «لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة» فهو حديث صحيح مروي عن مولانا رسول الله .

والمؤمن ينبغي أن يكون متنبّهاً، فلا يستضعف ولا يسْتغفل ولا يهدّد بالقوة أو بالكيد.

وفي النص عدة شواهد يستعان بها، كتجنب الغدر... وعدم استضعاف المؤمن.

الثبات والصمود عند أشد الآلام

فأغْضيْت على الْقذى (ما يعترض العين فيؤلمها) ، وجرعْت ريقي على الشّجا (ما يعترض في الحلق فيحدث ألماً وغصة) ، وصبرْت منْ كظْم الغيْظ على أمرّ من العلْقم، وآلم للْقلْب منْ حزّ الشّفار (حدّ السيف أو السكين) (نهج البلاغة، الخطبة ٢١٧) ..

شاهد عند تخلي الأقارب والأرحام عن نصرة أقاربهم من أهل الحق.

ولمنْ صبر شديداً، أو أدىّ به ذلك وغيرْته وحزنه إلى الموت ، لعظيم ما يرى أو ما يقع عليه.

ولمنْ اشتدت معاناته وآلامه، فتحامل على ما لا يحتمل إلاّ بصعوبة عند كل الناس كموقع شيء في العين.... ومثل هذه الأمور تسبّب آلاماً وقلقاً بالغين، كمن يشرب أمرّ المر، وهو العلقم، أو يطعن بشفرات السيوف.

وفي مثل هذه الأوصاف غاية الآلام والشكوى.

«فاصبر مغموماً، أو متْ متأسفاً،...».

صبر وقتال حتى الشهادة

فقدموا على عمّالي، وخزّان بيْت مال الْمسْلمين الّذي في يديّ، وعلى أهْل مصْرٍ، كلّهمْ في طاعتي وعلى بيْعتي، فشتّتوا كلمتهمْ، وأفْسدوا عليّ جماعتهمْ، ووثبوا على شيعتي، فقتلوا طائفةً منْهمْ غدْراً، وطائفةٌ عضّوا على أسْيافهمْ، فضاربوا بها حتّى لقوا الله صادقين (نهج البلاغة، الخطبة ٢١٨) .

شواهد على:

منْ يفتك بأهل الحق والخير بالإشاعات والأخبار والتحاملات فيوقعون بينهم الفتنة والخلاف والتفريق.

وما يواجه أهل الإيمان من اعتداء، إلى درجة أن يقتل بعضهم، أو يصمد البعض الآخر مرابطين مجاهدين صابرين، وأهم ما عندهم أن لا يستسلموا حتى لقْيا الله على تلك الحال.

عدم الرضوخ للآراء المتضاربة... والدفاع لدرجة الريبة

يابْن عبّاس، ما يريد عثْـمان إلاّ أنْ يجعلني جملاً ناضحاً (الدابة التي تستعمل لنقل المياه للزرع) بالْغرْب (الدلو الكبير) أقْبلْ وأدْبرْ! بعث إليّ أنْ أخْرج، ثمّ بعث إليّ أنْ أقْدم، ثمّ هو الاْن يبْعث إليّ أنْ أخْرج! والله لقدْ دفعْت عنْه حتّى خشيت أنْ أكون آثماً (نهج البلاغة، الخطبة ٢٤١) ..

شاهد على منْ يسخّر الناس لرأيه أو هواه وإن تضاربت آراؤه أو تناقض مع نفسه مرات.

كذلك في حال الدفاع المستمر والدائم عن بعض الناس.... إلى درجة إثارة الشبهة حوله!

ومناسبة الكلام كانت عندما حمل عبد الله بن عباس رسالة من عثمان موجهةً لأمير المؤمنين يطلب فيها منه الخروج بعيداً، حتى يقلّ تجمّع الناس حوله وهتافهم باسمه ليستلم الخلافة.

يتبع .....

****************************