وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                
وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْم، وَطَالِبُ دُنْيَا.                
وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الاْقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الاْبْعَدُ .                
وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام): عَلامةُ الاِْيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ،أَنْ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.                
وقال (عليه السلام): الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجزِ.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                

Search form

إرسال الی صدیق
سيرة الإمام عليه السلام والخلافة – الثاني

لبيب بيضون

مدخل:

اجتمع في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة رسول اللّه (ص) جمع من المهاجرين والانصار.

وقد ادعى سعد بن عبادة زعيم الخزرج أن الخلافة له، والتف حوله جمع من عشيرته. ولما جاء أبوبكر وعمر وأبوعبيدة بن الجراح الى السقيفة، زجروا الناس عن الالتفاف حول سعد، وأخذوا منهم البيعة لابي بكر. وقد تبودلت في مجلس السقيفة كلمات حادة بين المهاجرين والانصار، فيمن هوأحق بالخلافة. وكان من أهم الادلة التي استدل بها المهاجرون على الانصار أن قالوا: ان النبي من قريش ونحن شجرته. وقال عمر بن الخطاب: من ذا يخاصمنا في سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته؟.

وكان الامام علي (ع) صاحب الحق الشرعي مشغولا في ذلك الوقت بجنازة النبي (ص).

فلما انتهى من ذلك وانتهت اليه أنباء السقيفة، استغرب وقال: ما قالت الانصار؟ قالوا قالت: منا أمير ومنكم أمير ثم قال (ع): فما قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة رسول اللّه (ص). فقال (ع) وهومتألم: احتجّوا بالشّجرة وأضاعوا الثّمرة (يقصد بالثمرة أهل بيت النبي «ص»).

والحقيقة أن الخلافة لا تكون بالنسب والحسب، انما تكون بالجدارة والاهلية، ولكن استدلاله (ع) بالنسب في كلامه السابق كان من نوع الجدل المنطقي. فلوصحّ أن تكون الخلافة بالقرابة والنسب فان الامام (ع) هوالاقرب نسبا والالصق قرابة من الجميع بلا استثناء، فهوأولى بها ممن ادعاها لنفسه.

السقيفة

لما انتهت الى أمير المؤمنين (ع) انباء سقيفة بني ساعدة، بعد وفاة رسول اللّه (ص).

قال (ع): ما قالت الانصار؟ قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير. قال (ع): فهلاّ احتججتم عليهم بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وصّى بأن يحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم؟

قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟

فقال (ع): لوكانت الإمامة فيهم لم تكن الوصيّة بهم.

ثم قال (ع): فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم. فقال عليه السلام: احتجّوا بالشّجرة، وأضاعوا الثّمرة «يريد بالثمرة آل بيت النبي (ص)». (الخطبة ٦٥، ١٢٢)

وقال (ع) واعجبا أن تكون الخلافة بالصّحابة، ولا تكون بالصّحابة والقرابة (١)؟.

-----------------------------------------

(١). لم يسلم كتاب نهج البلاغة في طبعاته المختلفة من الاخطاء، لكن بعض هذه الاخطاء لا يمكن تجاوزه، لأن فيه تغيير كبير للمعنى، وفي بعض الاحيان عكس للمعنى.

فمثلا هذه العبارة التي أوردها ابن أبي الحديد في شرحه على الوجه الصحيح الموجود في المخطوطات، والتي أثبتناها كذلك، يوردها الشيخ محمد عبده في شرحه للنهج بشكل محرف يدعوالى الريبة، وذلك على النحوالتالي: ) واعجباه أتكون الخلافة بالصّحابة والقرابة؟( أي أن الخلافة لا تكون بالصحابة والقرابة. وهذا المعنى مع صحته من حيث الاصل، لأن الخلافة تكون بالجدارة والنص، ولا تكون بالصحبة والقرابة، إلاّ أنه مناف لغرض الامام (ع) من كلامه، وهوالرد على أبي بكر، الذي ادعى في السقيفة أن الخلافة تكون بالصحابة، فعجب الامام من كلامه وقال له: اذا جاز أن تكون الخلافة بالصحابة، فمن الاولى أن تكون بالصحابة والقرابة، وهذا القصد هوما تضمنه البيت الثاني من الشعر، فيكون كلام الامام (ع) متوافقا مع الشعر. هذا وقد أخبرني استاذنا الجليل الدكتور سيد جواد مصطفوي من مشهد، أنه عاكف الآن على إصدار نسخة لنهج البلاغة مدققة على النسخ المخطوطة المتوفرة في ايران، مع بيان جميع الاخطاء والاختلافات في النسخ المطبوعة.

قال الشريف الرضي: وروي له شعر في هذا المعنى (يخاطب به أبا بكر).

فإن كنت بالشّورى ملكت أمورهم ***** فكيف بهذا والمشيرون غيّب

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم  ***** فغيرك أولى بالنّبيّ وأقرب (١٩٠ ح، ٦٠١).

فنحن مرّة أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطّاعة. ولمّا احتجّ المهاجرون على الأنصار يوم السّقيفة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فلجوا عليهم (أي فازوا)، فإن يكن الفلج به فالحقّ لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم. (الخطبة ٢٦٧، ٤٦٩)

احقية الامام في الخلافة لأهليته وقرابته من النبي

لما انتهت الى أمير المؤمنين (ع) أنباء السقيفة بعد وفاة رسول اللّه (ص) قال (ع): فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول (ص). فقال (ع): احتجّوا بالشّجرة وأضاعوا الثّمرة. (الخطبة ٦٥، ١٢٢)

اللّهمّ إنّي أوّل من أناب وسمع وأجاب، لم يسبقني إلاّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بالصّلاة. (الخطبة ١٢٩، ٢٤٢)

ومن كلام له (ع) لبعض أصحابه في زمن خلافته وقد سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟ فقال (ع): يا أخا بني أسد، إنّك لقلق الوضين، ترسل في غير سدد (أي تطلق لسانك بالكلام في غير موضعه، كحركة الجمل المضطرب في مشيته)، ولك بعد ذمامة الصّهر وحقّ المسألة. وقد استعلمت فاعلم: أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسبا، والأشدّون برسول اللّه (ص) نوطا، فإنّها كانت أثرة، شحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، والحكم اللّه، والمعود إليه القيامة. ودع عنك نهبا صيح في حجراته (أي دعنا من الحديث عن الخلفاء السابقين، وهات ما نحن فيه من خطب خطير هومعاوية). (الخطبة ١٦٠، ٢٨٧)

أيّها النّاس إنّ أحقّ النّاس بهذا الأمر (أي الخلافة) أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر اللّه فيه. فإن شغب شاغب استعتب. فإن أبى قوتل. ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتّى يحضرها عامّة النّاس، فما إلى ذلك سبيل. ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها. ثمّ ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار. ألا وإنّي أقاتل رجلين: رجلا ادّعى ما ليس له، واخر منع الّذي عليه. (الخطبة ١٧١، ٣٠٨)

أنا وضعت في الصّغر بكلاكل العرب، وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر. وقد علمتم موضعي من رسول اللّه (ص) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسّني جسده، ويشمّني عرفه. وكان يمضغ الشّي‏ء ثمّ يلقمنيه. وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل. ولقد قرن اللّه به صلّى اللّه عليه وآله من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره. ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل (ولد الناقة) أثر أمّه. يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء فأراه، ولا يراه غيري. ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وخديجة، وأنا ثالثهما. أرى نور الوحي والرّسالة، وأشمّ ريح النّبوّة. ولقد سمعت رنّة الشّيطان حين نزل الوحي عليه صلّى اللّه عليه وآله فقلت:

يا رسول اللّه ما هذه الرّنّة؟ فقال: هذا الشّيطان قد أيس من عبادته. إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبيّ، ولكنّك لوزير، وإنّك لعلى خير. (الخطبة ١٩٠، ٤، ٣٧٣)

ومن خطبة له (ع) يعدد فيها بعض كراماته: ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد (ص): أنّي لم أردّ على اللّه ولا على رسوله ساعة قطّ (أي أنه ما كان يعترض على النبي بشي‏ء على خلاف غيره).

ولقد واسيته بنفسي في المواطن الّتي تنكص فيها الأبطال وتتأخّر فيها الأقدام، نجدة أكرمني اللّه بها.

ولقد قبض رسول اللّه (ص) وإنّ رأسه لعلى صدري، ولقد سالت نفسه في كفّي، فأمررتها على وجهي.

ولقد ولّيت غسله صلّى اللّه عليه وآله والملائكة أعواني، فضجّت الدّار والأفنية: ملأ يهبط وملأ يعرج، وما فارقت سمعي هينمة منهم، يصلّون عليه، حتّى واريناه في ضريحه. فمن ذا أحقّ به حيّا وميّتا؟ فانفذوا على بصائركم، ولتصدق نيّاتكم في جهاد عدوّكم. فوالّذي لا إله إلاّ هوإنّي لعلى جادّة الحقّ، وإنّهم لعلى مزلّة الباطل. (الخطبة ١٩٥، ٣٨٦)

ومن كتاب له (ع) الى معاوية: فإسلامنا قد سمع، وجاهليّتنا لا تدفع (أي أن شرفنا في الجاهلية لا ينكر)، وكتاب اللّه يجمع لنا ما شذّ عنّا، وهوقوله سبحانه وتعالى: وأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ وقوله تعالى إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا، واللّهُ وَليُّ المُؤْمِنِينَ. فنحن مرّة أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطّاعة. ولمّا احتجّ المهاجرون على الأنصار يوم السّقيفة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فلجوا عليهم (أي فازوا)، فإن يكن الفلج به، فالحقّ لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم. وزعمت أنّي لكلّ الخلفاء حسدت وعلى كلّهم بغيت. فإن يكن ذلك كذلك، فليست الجناية عليك، فيكون العذر إليك. وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وقلت: إنّي كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش (أي في أنفه خشبة يقاد منها) حتّى أبايع. ولعمر اللّه لقد أردت أن تذمّ فمدحت، وأن تفضح فافتضحت وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما، ما لم يكن شاكّا في دينه، ولا مرتابا بيقينه وهذه حجّتي إلى غيرك قصدها (أي أن معاوية ليس له حق في الخلافة أصلا، فاحتجاج الامام ليس موجه له) ولكنّي أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها. (الخطبة ٢٦٧، ٤٦٩)

وقال (ع) بعد أن بلغته أنباء السقيفة: واعجبا أن تكون الخلافة بالصّحابة، ولا تكون بالصّحابة والقرابة؟.

وروي له (ع) شعر بهذا المعنى يخاطب به أبا بكر:

 

فإن كنت بالشّورى ملكت أمورهم ***** فكيف بهذا والمشيرون غيّب

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم  ***** فغيرك أولى بالنّبيّ وأقرب (١٩٠ ح، ٦٠١).

تجادل الامام علي (ع) مع عثمان، حتى جرى ذكر أبي بكر وعمر فقال عثمان: أبوبكر وعمر خير منك، فقال (ع): أنا خير منك ومنهما، عبدت اللّه قبلهما، وعبدته بعدهما.(٦٦ حديد)

كنت في أيّام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، كجزء من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، ينظر إليّ النّاس كما ينظر إلى الكواكب في أفق السّماء، ثمّ غضّ الدّهر منّي، فقرن بي فلان وفلان (يقصد أبوبكر وعمر)، ثمّ قرنت بخمسة أمثلهم عثمان فقلت واذفراه (كلمة تدل على الرائحة الكريهة). ثمّ لم يرض الدّهر لي بذلك، حتّى أرذلني، فجعلني نظيرا لابن هند وابن النّابغة لقد استنّت الفصال حتّى القرعى (مثل يضرب للضعيف الذي يعرض نفسه لما ليس له أهل). (الحديد ٧٣٣)

توضيح حول المثل السابق: جاء في لسان العرب (حرف النون ص ٢٢٨): الفصيل ولد الناقة اذا فصل عن لبن أمه وفطم. والجمع فصال. ومن أمثالهم (استنّت الفصال حتى القرعى) يضرب مثلا لرجل يدخل نفسه في قوم ليس منهم. والقرعى من الفصال: التي أصابها قرع، وهوبثر. فاذا استنّت الفصال الصحاح مرحا، نزت القرعى نزوها تشبّه بها، وقد أضعفها القرع عن النزوان.

واستنّ الفرس: قمص. واستن الفرس في المضمار اذا جرى في نشاطه على سننه في جهة واحدة. والاستنان: النشاط، ومنه المثل المذكور (استنت الفصال حتى القرعى).

وفي حديث الخيل: استن الفرس يستن استنانا، أي عد المرحه ونشاطه، ولا راكب عليه.

احقية الامام في الولاية والخلافة بالنص

مدخل:

قد يتوهم أحد أن الامام (ع) في نهج البلاغة كان يرى أن الولاية والخلافة من حقه من حيث تفوقه على غيره في العلم والحكم والجهاد والفضل، ولكن الواقع أنه كان يذكر اضافة لذلك حقه المفروض بالنص من رسول اللّه (ص)، وهوما نص عليه سبحانه بقوله:

إنَّما وَليّكُمُ اللّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وهُمْ رَاكِعُونَ.

فقد نزلت هذه الآية في الامام علي (ع) خاصة، وقصة تصدقه بالخاتم وهوراكع معروفة.

وهومفاد حديث الغدير الذي قال فيه النبي (ص) بعد أن رفع عضدي الامام علي (ع) معلنا بيعته بالخلافة وتنصيبه لولاية العهد: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه. اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه كيفما دار».

ولوكان الامام (ع) يطالب بالخلافة على نحوأفضليته فقط كما زعم المعتزلة لقال: لماذا أخروني عن الخلافة وانتخبوا غيري، مع ما فيّ من الشرائط والصلاحيات، ولكنه (ع) يقول: إنّهم غصبوا حقّي المقطوع لي، وأعطوه لغيري. ولا يتفق هذا إلا مع وجود النص له والتعيين من قبل اللّه تعالى ورسوله (ص). فمن ذلك قوله (ع): لنا حقّ فإن أعطيناه، وإلاّ ركبنا أعجاز الإبل وإن طال السّرى.

النصوص:

قال الامام علي (ع):

لا يقاس بآل محمّد صلّى اللّه عليه وآله من هذه الأمّة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا: هم أساس الدّين، وعماد اليقين. إليهم يفي‏ء الغالي، وبهم يلحق التّالي. ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة. الآن إذ (بمعنى قد) رجع الحقّ إلى أهله، ونقل إلى منتقله. (الخطبة ٢، ٣٨)

قال (ع) في أول الخطبة الشقشقية: أما واللّه لقد تقمّصها (ابن أبي قحافة) وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى، ينحدر عنّي السّيل، ولا يرقى إليّ الطّير. (الخطبة ٣، ٣٩)

فرأيت أنّ الصّبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا. (الخطبة ٣، ٤٠)

حتّى إذا مضى لسبيله (أي عمر)، جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم (يقصد الستة). فيا للّه وللشّورى، متى اعترض الرّيب فيّ مع الأوّل منهم (أي أبوبكر) حتّى صرت أقرن إلى هذه النّظائر. (الخطبة ٣، ٤١)

وقال (ع): عزب رأي امري‏ء تخلّف عنّي، ما شككت في الحقّ مذ أريته. (الخطبة ٤، ٤٧)

فواللّه ما زلت مدفوعا عن حقّي، مستأثرا عليّ، منذ قبض اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتّى يوم النّاس هذا. (الخطبة ٦، ٤٩)

وقال (ع) عن حقه في الخلافة: فنظرت في أمري، فإذا طاعتي (أي لرسول اللّه) قد سبقت بيعتي (للخلفاء الثلاثة)، وإذا الميثاق في عنقي لغيري [ يصف في هذا الكلام حال نفسه (ع) بعد وفاة النبي (ص). بيّن فيه أنه مأمور بالرفق في طلب حقه في الخلافة. فبايع الخلفاء الذين قبله مكرها، امتثالا لما أمره به النبي من الرفق، وأيفاء بما أخذ عليه النبي من الميثاق في ذلك ]. (الخطبة ٣٧، ٩٦)

ومن كلام له (ع) لما عزموا على بيعة عثمان: لقد علمتم أنّي أحقّ النّاس بها (أي الخلافة) من غيري. وواللّه لأسلّمنّ ما سلمت أمور المسلمين. ولم يكن فيها جور إلاّ عليّ خاصّة، التماسا لأجر ذلك وفضله، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه. (الخطبة ٧٢، ١٢٩)

ألا وإنّ لكلّ دم ثائرا، ولكلّ حقّ طالبا، وإنّ الثائر في دمائنا (أي الطالب بالثأر) كالحاكم في حقّ نفسه، وهواللّه الّذي لا يعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب. (الخطبة ١٠٣، ٢٠٠)

فواللّه إنّي لأولى النّاس بالنّاس (يشير بذلك الى حديث غدير خم). (الخطبة ١١٦، ٢٢٦)

لم تكن بيعتكم إيّاي فلتة، وليس أمري وأمركم واحدا. إنّي أريدكم للّه، وأنتم تريدونني لأنفسكم. (الخطبة ١٣٤، ٢٤٧)

وقال (ع): عن الانقلاب الذي حدث إثر وفاة النبي (ص): ونقلوا البناء عن رصّ أساسه، فبنوه في غير موضعه. (الخطبة ١٤٨، ٢٦٣)

وقد قال قائل: إنّك على هذا الأمر يا بن أبي طالب لحريص. فقلت: بل أنتم واللّه لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب. وإنّما طلبت حقّا لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه. فلمّا قرّعته بالحجّة في الملإ الحاضرين هبّ (أي صاح كالتيس) كأنّه بهت لا يدري ما يجيبني به اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم. فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هولي. ثمّ قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه، وفي الحقّ أن تتركه. (أي لقد تناقض حكمهم، فقد اعترفوا له بالجدارة والافضلية، ثم بايعوا غيره). (الخطبة ١٧٠، ٣٠٦)

فإنّه من مات منكم على فراشه، وهوعلى معرفة حقّ ربّه وحقّ رسوله وأهل بيته، مات شهيدا. (الخطبة ١٨٨، ٣٥٣)

وقال النبي (ص) للامام علي (ع) وقد سمع رنة الشيطان حين نزل الوحي: إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبيّ، ولكنّك لوزير، وإنّك لعلى خير. (الخطبة ١٩٠، ٤، ٣٧٤)

وقال (ع) بعد أن ذكر دفنه للنبي (ص): فمن ذا أحقّ به منّي حيّا وميّتا. (الخطبة ١٩٥، ٣٨٦)

أمّا بعد، فقد جعل اللّه سبحانه لي عليكم حقّا بولاية أمركم... (الخطبة ٢١٤، ٤٠٩)

اللّهمّ إنّي استعديك على قريش ومن أعانهم. فإنّهم قد قطعوا رحمي (يقصد بذلك أنهم قطعوه من رسول اللّه، حيث غصبوه حقه الذي عينه له)، وأكفؤوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقّا كنت أولى به من غيري. وقالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه، وفي الحقّ أن تمنعه، فاصبر مغموما، أومت متأسّفا. (الخطبة ٢١٥، ٤١٣)

فجزت قريشا عنّي الجوازي، فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمّي (يريد به رسول اللّه «ص»). (الخطبة ٢٧٥، ٤٩٤)

من كتاب له (ع) الى أهل مصر، مع مالك الاشتر لما ولاه امارتها يبين فيه أنه لم يسكت عن حقه في الخلافة إلا حين خاف على ضياع الاسلام:

أمّا بعد فانّ اللّه سبحانه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نذيرا للعالمين، ومهيمنا على المرسلين. فلمّا مضى عليه السّلام تنازع المسلمون الأمر من بعده. فواللّه ما كان يلقى في روعي (أي قلبي) ولا يخطر ببالي، أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن أهل بيته، ولا أنّهم منحّوه عنّي من بعده فما راعني إلاّ انثيال النّاس على فلان (أي انصبابهم على ابي بكر) يبايعونه. فأمسكت يدي، حتّى رأيت راجعة النّاس قد رجعت عن الإسلام (يقصد بهم أهل الردة كمسيلمة الكذاب وسجاح وطليحة بن خويلد)، يدعون إلى محق دين محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أوهدما، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم، الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السّراب، أوكما يتقشّع السّحاب. فنهضت في تلك الأحداث، حتّى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدّين وتنهنه. (الخطبة ٣٠١، ٥٤٧)

لنا حقّ، فإن أعطيناه، وإلاّ ركبنا أعجاز الإبل وإن طال السّرى. (٢١ ح، ٥٦٨)

كيف نازع الناس الامام حقه

قال الامام علي (ع):

لبعض أصحابه وقد سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به. فقال:

يا أخا بني أسد، إنّك لقلق الوضين (الوضين: هوالحبل الذي يشد به الرحل على ظهر الدابة الى تحت بطنها، وهوكناية عن الاضطراب في الكلام). ترسل في غير سدد، ولك بعد ذمامة الصّهر وحقّ المسألة، وقد استعلمت فأعلم: أمّا الإستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسبا، والأشدّون برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله نوطا (أي تعلقا)، فإنّها كانت أثرة شحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين. والحكم اللّه، والمعود إليه القيامة. ودع عنك نهبا صيح في حجراته (الخطبة ١٦٠، ٢٨٧)

وقد قال قائل: إنّك على هذا الأمر يا بن أبي طالب لحريص. فقلت: بل أنتم واللّه لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب. وإنّما طلبت حقّا لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه. فلمّا قرّعته بالحجّة في الملإ الحاضرين هبّ (أي صاح كالتيس) كأنّه بهت لا يدري ما يجيبني به اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم. فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هولي. ثمّ قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه، وفي الحقّ أن تتركه. (الخطبة ١٧٠، ٣٠٦)

اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم. فإنّهم قد قطعوا رحمي، وأكفؤوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقّا كنت أولى به من غيري. وقالوا: ألاّ إنّ في الحقّ أن تأخذه، وفي الحقّ أن تمنعه. فاصبر مغموما، أومت متأسّفا. (الخطبة ٢١٥، ٤١٣)

فجزت قريشا عنّي الجوازي فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمّي (يعنى رسول اللّه «ص»). (الخطبة ٢٧٥، ٤٩٤)

مظلومية الامام وأهل البيت

قال الامام علي (ع):

ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعيّتي. (الخطبة ٩٥، ١٨٨)

ومن كلام له (ع) في طلحة والزبير: اللّهمّ إنّهما قطعاني وظلماني، ونكثا بيعتي، وألّبا النّاس عليّ. فاحلل ما عقدا، ولا تحكم لهما ما أبرما، وأرهما المساءة فيما أمّلا وعملا. (الخطبة ١٣٥، ٢٤٩)

حتّى إذا قبض اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وآله رجع قوم على الأعقاب، وغالتهم السّبل، واتّكلوا على الولائج (أي طرق المكر والخديعة) ووصلوا غير الرّحم، وهجروا السّبب الّذي أمروا بموّدته (يقصد بذلك أهل البيت الذين أمر اللّه المسلمين بمودتهم بقوله: قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى. (الخطبة ١٤٨، ٢٦٣)

وعنه (ع) وقد قال له قائل: إنّك على هذا الأمر يا بن أبي طالب لحريص. فقلت:

بل أنتم واللّه لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب. وإنّما طلبت حقّا لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه... اللّهمّ إنّي أستعينك على قريش ومن أعانهم فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هولي. ثمّ قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه، وفي الحقّ أن تتركه. (الخطبة ١٧٠، ٣٠٦)

وقال (ع) عند دفن السيدة فاطمة (ع) يخاطب النبي (ص): وستنبّئك ابنتك بتضافر أمّتك على هضمها. (الخطبة ٢٠٠، ٣٩٦)

اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنّهم قد قطعوا رحمي (يقصد بذلك أنهم قطعوه من رسول اللّه، حيث غصبوه حقه الذي عيّنه له)، وأكفؤوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقّا كنت أولى به من غيري. وقالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه، وفي الحقّ أن تمنعه. فاصبر مغموما أومت متأسّفا. (الخطبة ٢١٥، ٤١٣)

ومن كتاب له (ع) الى معاوية جوابا: وقلت: إنّي كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتّى أبايع. ولعمر اللّه لقد أردت أن تذمّ فمدحت، وأن تفضح فافتضحت وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما، ما لم يكن شاكّا في دينه، ولا مرتابا بيقينه. (الخطبة ٢٦٧، ٤٧٠).

فجزت قريشا عنّي الجوازي فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمّي (يعني رسول اللّه «ص»). (الخطبة ٢٧٥، ٤٩٤)

سكوت الامام عن حقه صبر جميل ولكنه مرّ تقديم الامام المصلحة العامة على حقه

مدخل:

لم يجد الامام علي (ع) لأخذ حقه الصريح مناصرا غير أهل بيته وعدة معدودة من أصحابه،

فضنّ بهم عن الموت، وآثر السكوت عن حقه، ولاذ بالصبر.

لا بل انه كان يداري الخلفاء الثلاثة خلال فترة خلافتهم ويقدم لهم النصائح، حتى ظنّ أنه قد رضي عن عملهم.

لقد كان منطق الامام (ع) منطقا عاليا مشرّفا، وهوتفضيل المصلحة العامة على كل شي‏ء حتى عن حقه في الخلافة. ولقد كان هذا استجابة لأمر النبي (ص)، الذي أمره بالقيام اذا اجتمع الناس عليه، وبالقعود اذا تفرقوا عنه، وذلك حفاظا على بيضة الاسلام وصيانة لكيان المسلمين وحفظا لوحدة الصف، لا سيما وأن الإسلام كان غضا في أول عهده.

وكثيرا ما كان (ع) يصرح بأنه اذا كانت التضحية منحصرة في فقده لحقه، فهوأول المضحّين بحقهم فداء مصلحة المسلمين.

ولما حثّته زوجته الزهراء (ع) على النهوض لأخذ حقه، بيّن لها أنه يسكت عن حقه في سبيل أن تظل كلمة اللّه قائمة.

وقد نقل ابن أبي الحديد في شرحه الخطبة (٢٢) ما رواه الكلبي قال: لما أراد علي (ع) المسير الى البصرة قام فخطب الناس فقال: ان اللّه لما قبض نبيه (ص) استأثرت علينا قريش بالامر، ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة، فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم، والناس حديثوالعهد بالاسلام، والدين يمخض مخض الوطب، يفسده أدنى وهن، ويعكسه أقل خلف.

وان هذا الهدف الاسمى في الحفاظ على كيان الاسلام ووحدة المسلمين، هوالذي جعل الامام (ع) يبايع أبا بكر بعد وفاة فاطمة (ع)، وقد ألمح الى ذلك بقوله لمعاوية: وقلت إنّي كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع...

النصوص:

قال الامام علي (ع):

في الخطبة الشقشقية عن الخلافة: فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا. وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء (أي مقطوعة، كناية عن عدم وجود النصير) أوأصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه (يقصد بذلك طول مدة الصبر). فرأيت أنّ الصّبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا. (الخطبة ٣، ٣٩)

الى أن قال (ع) عن خلافة عمر بن الخطاب: فمني النّاس لعمر اللّه بخبط وشماس، وتلوّن واعتراض،فصبرت على طول المدّة، وشدّة المحنة. (الخطبة ٣، ٤١)

فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى، وشربت على الشّجا (ما يعترض في الحلق من عظم ونحوه)، وصبرت على أخذ الكظم (الكظم هومخرج النفس، والمراد أنه صبر حتى الاختناق)، وعلى أمرّ من طعم العلقم. (الخطبة ٢٦، ٧٤)

وقال (ع) عن حقه في الخلافة: فنظرت في أمري، فإذا طاعتي (لرسول اللّه) قد سبقت بيعتي (للخلفاء السابقين)، وإذا الميثاق في عنقي لغيري (يصف في هذا الكلام حال نفسه (ع) بعد وفاة النبي (ص). بيّن فيه أنه مأمور بالرفق في طلب حقه في الخلافة. فبايع الخلفاء الذين قبله مكرها، امتثالا لما أمره به النبي (ص) من الرفق، وايفاء بما أخذ عليه النبي من الميثاق في ذلك. (الخطبة ٣٧، ٩٦)

ومن كلام له (ع) لما عزموا على بيعة عثمان: لقد علمتم أنّي أحقّ النّاس بها (أي الخلافة) من غيري. وواللّه لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين. ولم يكن فيها جور إلاّ عليّ خاصّة، التماسا لأجر ذلك وفضله، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه. (الخطبة ٧٢، ١٢٩)

اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم. فإنّهم قد قطعوا رحمي، وأكفؤوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقّا كنت أولى به من غيري. وقالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه، وفي الحقّ أن تمنعه. فاصبر مغموما، أومت متأسّفا. فنظرت فإذا ليس لي رافد، ولا ذابّ ولا مساعد، إلاّ أهل بيتي فضننت بهم عن المنيّة. فأغضيت على القذى، وجرعت ريقي على الشّجى، وصبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم، وآلم للقلب من حزّ الشّفار (أي السيوف). (الخطبة ٢١٥، ٤١٣)

وقال (ع) لمعاوية: وقلت: إنّي كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش (أي الذي في أنفه خشبة يقاد منها) حتّى أبايع. ولعمر اللّه لقد أردت أن تذمّ فمدحت، وأن تفضح فافتضحت وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما، ما لم يكن شاكّا في دينه، ولا مرتابا بيقينه. (الخطبة ٢٦٧، ٤٧٠)

وقال (ع) في أول عهده لمالك الاشتر: أمّا بعد، فإنّ اللّه سبحانه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نذيرا للعالمين، ومهيمنا على المرسلين. فلمّا مضى عليه السّلام تنازع المسلمون الأمر من بعده. فواللّه ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر ببالي، أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن أهل بيته،

ولا أنّهم منحوه عنّي من بعده. فما راعني إلاّ انثيال النّاس على أبي بكر يبايعونه. فأمسكت يدي (أي امتنعت عن بيعته)، حتّى رأيت راجعة النّاس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم (يقصد بالراجعين عن دين محمد (ص) أهل الردة كمسيلمة الكذاب وسجاح وطليحة بن خويلد) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أوهدما، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم، الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السّراب، أوكما يتقشّع السّحاب. فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدّين وتنهنه. (الخطبة ٣٠١، ٥٤٧)

لامت الامام (ع) زوجته فاطمة (ع) على قعوده وأطالت تعنيفه، وهوساكت حتى أذّن المؤذن، فلما بلغ الى قوله «أشهد ان محمدا رسول اللّه» قال لها: أتحبّين أن تزول هذه الدعوة من الدّنيا؟ قالت: لا، قال فهوما أقول لك. (حديد ٧٣٥) قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: إن اجتمعوا عليك فاصنع ما أمرتك، وإلاّ فألصق كلكلك بالأرض، فلمّا تفرّقوا عنّي جررت على المكروه ذيلي، وأغضيت على القذى جفني، وألصقت بالأرض كلكلي. (حديد ٧٣٦) من كلام له (ع) قاله للأشعث بن قيس لما قال له: يا أمير المؤمنين إني سمعتك تقول:

ما زلت مظلوما، فما منعك من طلب ظلامتك والضرب دونها بسيفك؟ فقال (ع):

يا أشعث، منعني من ذلك ما منع هرون، إذ قال لأخيه موسى: إنِّي خَشِيْتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بََيْنَ بَنِي إسْرَائيلَ، ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلي وقد قال له موسى حين مضى لميقات ربّه: إن رأيت قومي ضلّوا واتّبعوا غيري فنابذهم، فإن لم تجد أعوانا فاحقن دمك، وكفّ يدك، وكذلك قال لي أخي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، فلا أخالف أمره. (مستدرك ٥٤)

لا هدف للامام من الخلافة غير إحقاق الحق

قال الامام علي (ع):

أمّا والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود النّاصر، وما أخذ اللّه على العلماء، أن لا يقارّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز. (الخطبة ٣، ٤٤)

قال عبد اللّه بن عباس (رض): دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام بذي قار وهويخصف نعله. فقال لي: ما قيمة هذه النعل؟ فقلت: لا قيمة لها فقال عليه السلام: واللّه لهي أحبّ إليّ من إمرتكم، إلاّ أن أقيم حقّا، أوأدفع باطلا. (الخطبة ٣٣، ٨٨)

اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الّذي كان منّا منافسة في سلطان، ولا التماس شي‏ء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطّلة من حددك. (الخطبة ١٢٩، ٢٤٢)

وإنّي إلى لقاء اللّه لمشتاق، وحسن ثوابه لمنتظر راج، ولكنّني آسى أن يلي أمر هذه الأمّة سفهاؤها وفجّارها، فيتّخذوا مال اللّه دولا، وعباده خولا (أي عبيدا)، والصّالحين حربا، والفاسقين حزبا. فإنّ منهم الّذي قد شرب فيكم الحرام (أي الخمر)، وجلد حدّا في الإسلام (وهوعتبة بن أبي سفيان). وإنّ منهم من لم يسلم حتّى رضخت له على الإسلام الرضائخ (أي العطايا، وقيل انه عمروبن العاص). فلولا ذلك ما أكثرت تأليبكم وتأنيبكم، وجمعكم وتحريضكم، ولتركتكم إذ أبيتم وونيتم. (الخطبة ٣٠١، ٥٤٨)

يتبع .......

****************************