وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.                
وقال (عليه السلام): إذَا كَانَ في رَجُل خَلَّةٌ رَائِعَةٌ فَانْتَظِرْ أَخَوَاتِهَا.                
وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .                
وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.                
وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.                
وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.                
وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِير مَمْلُول مِنْهُ .                

Search form

إرسال الی صدیق
شبهات عقدية في نهج البلاغة – الثالث

الشيخ أحمد سلمان

أما الجواب الحلّي : فقد ذكرعلماءنا الأبرار أعلى الله برهانهم عدّة توجيهات لهذه الفقرات الموجودة في الأدعية التي يُتوهَّم منها صدورالذنب منهم :

التوجيه الأول : وهو أن أدعية المعصومين عليهم السلام تعليمية ، إذ أنّ الدعاء له آداب خاصة لابد أن يتحلّى الداعي بها كي يصل إلى مبتغاه ، وربما أنّ الدّعاء الحقيقي من لا بد أن يكون نابعاً من حالة قلبية خاصّة ، كالخوف ، أو الرجاء ،أو لحب ، فيجب أن يعرف المكلّف كيفية التعبيرعن هذه الحالات بالصورة الصحيحة التي تتناسب مع عظمة الله وجلاله ، فليس كلّ كلام صحيح يتناسب مع كل المقامات ، فالأسلوب الذي يخاطب به الرجل ولده يختلف عن الأسلوب الذي يخاطب به الرجل صديقه ، ويختلف عن طريقة مخاطبته لمديره ، فكلّ مخاطَب له آداب خطاب خاصّة تلائم شأنه .

ومن هنا لا يمكننا معرفة الآداب التي نستطيع من خلالها مناجاة الله عزَّوجل والابتهال إليه ، فكان الطريق إليها هو الوحي المتمثل في محمد وآل محمد عليهم السلام ، فمن أراد الله بدأ بهم .

التوجيه الثاني : هو أن هذا الاستغفار والدعاء ليس من الذنوب والمعاصي المتمثلة في ارتكاب الأمورالمحرمّة ، بل من ترك الأولى أي خالف التكاليف الإرشادية لا الإلزامية التي يترتّب عليها حساب وعقاب ، فإن حسنات الأبرار سيئات المقرَّبين كما قيل .

وقد تبنّى هذا الرأي من المخالفين الشيخ محمد علي الشوكاني في تفسيره ، حيث قال : (وَاَسْتَغْفِرْلِذَنبِك) أي : استغفرالله أن يقع منك ذنب ، أو استغفرالله ليعصمك ، أو استغفره مما ربما يصدر منك من ترك الأَولى [١] .

التوجيه الثالث : قالوا: إن هذا الدعاء هو من باب الافتقار والتذلل لله عزَّوجل ، والاستغفارهو بسبب انشغال المعصومين عليهم السلام بالأمورالضرورية البشرية ، كالأكل والشرب والنكاح ، التي يعتبرونها شاغلاً لهم عما هو أولى كالعبادة والانقطاع لله عزَّوجل .

وقد تبنّى هذا الرأي جملة من العلماء ، منهم الشيخ الأربلي قدس سره ، حيث قال : وتقريره أن الأنبياء والأئمة عليهم السلام تكون أوقاتهم مشغولة بالله تعالى ، وقلوبهم مملوءة به ، وخواطرهم متعلقة بالملأ الأعلى ، وهم أبداً في المراقبة كما قال عليه السلام : اعبدالله كأنك تراه ، فإن لم تره فإنه يراك . فهم أبداً متوجَّهون إليه ، ومقبلون بكلّهم عليه ، فمتى انحطوا عن تلك الرتبة العالية والمنزلة الرفيعة إلى الاشتغال بالمأكل والمشرب والتفرغ إلى النكاح وغيره من المباحات عدّوه ذنباً ،واعتقدوه خطيئة ، واستغفروا منه ، ألا ترى أن بعض عبيد أبناء الدنيا لو قعد وأكل وشرب ونكح ، وهو يعلم أنه بمرأى من سيَّده ومسمع ، لكان مملوماً عند الناس ، ومقصَّراً فيما يجب عليه من خدمة سيَّده ومالكه ، فما ظنّك بسيّد السادات وملك الأملاك [٢] .

ومن العامّة النووي في شرحه النووي ، حيث قال : وأما استغفاره صلى اله عليه وآله وقوله صلى اله عليه وآله (( اللهم اغفرلي ذنبي كله )) ، مع أنه مغفور له ، فهو من باب العبودية ، والإذعان ، والافتقار إلى الله تعالى ، والله أعلم  [٣] .

الوجه الرابع : أن المعصومين عليهم السلام يدْعُون بلحاظ الوجود الجمعي لا الفردي ، أي أنه عليه السلام بهذا الدعاء لا يقصد نفسه ، بل يقصد كلّ أمته ، وهذا من باب الرأفة والرّحمة بهم .

ولعل هذا المعنى يُستشف من عدّة نصوص ، مثل قوله تعالى : (لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُلٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتًّمْ حَرِيصُ عَلَيِكُم بِالمُؤمِنِنَ رءؤُفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة : ١٢٨) ، فمقتضى رحمة النبي صلى الله عليه وآله أنه یهتم بغفران ذنوب أمّته كما كان يهتم بأمورهم الحياتية .

ومثل هذا المقطع الوارد في الزيارة الجامعة ، وهو قوله عليه السلام : بأبي انتم وأمي ونفسي وأهلي ومالي ، ذكركم في الذاكرين ، وأسماؤكم في الأسماء ، وأجسادكم في الأجساد ، وأرواحكم في الأرواح ، وأنفسكم في النفوس [٤] .

فوجد هذا الرابط التكويني بين أنفس أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم يجعل منهم يحسون بالحالات المختلفة التي يمرّ بها الشيعة ،فيكون لسان المعصوم في دعائه حاكيا عن الشيعة وليس عن نفسه فقط .

فهذه الوجوه الأربعة يمكن الجمع بها بين عقيدتنا في عصمة الرسول المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وعصمة الأئمة الأطهارعليهم السلام .

٢ – لست في نفسي بفوق أن أخطيء :

وقالوا : إن عليًّا قد اعترف بنفسه أنه يمكن أن يخطئ ، والإقرارسيّد الأدلّة ، إذ أنه صرّح في النهج بقوله : فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل ، فأني لستُ في نفسي بفوق أن أخطئ ، ولا آمن ذلك من فعلي ،ألا يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني ، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لارب غيره ، يملك منا ما لا نملك من أنفسنا، وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه ،فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى ، وأعطانا البصيرة بعد العمى [٥] .

وعلّق أحدهم على هذا النص بقوله : انظرإلى قوله : (( إني لستُ في نفسي بفوق أن أخطئ ، ولا آمن ذلك من فعل )) ، فهل أدلّ من هذا النصّ على عدم عصمته رضي الله عنه بأنه فوق أن يخطئ، إذ لا يأمن ذلك من نفسه ، مما يدل على أنه ليس فوق البشر، لا خلقة طبيعية ولا عصمة إلهية [٦] .

والجواب على ذلك : أنّ المشكل لم يفهم حقيقة العصمة عند الشيعة ، ولذلك قال هذا الكلام ؛ فالعصمة عندما كما عرّفها العلامة الحلّي : هي لطف خفى يفعل الله تعالى بالمكلف ، بحيث لايكون له داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك [٧] .

فالعصمة ليست أمراً ذاتيًّا في المكلّف ، بل هي إفاضة من الله وفضل منه للمكلّف ، تمنعه من ارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك ، وأميرالمؤمنين عليه السلام نفى أن يكون معصوماً بنفسه ، أي بالاستقال عن اللع عزّوجل ، قل : ((أني لست في نفسي بفوق أن أخطئ)) ، لكنه عليه السلام لم يقف هنا ، بل عقّب بقوله : (( ولا آمن ذلك من فعلي ، إلا أن يكفي الله من نفسي ما هوأملك به مني )) ، أي أنّ الله هوالذي يكفيه الخطأ والذنب والمعصية .

وهذا المعنى هوالذي أشارإليه الله عزّوجل في القرآن الکریم فی عدة أيات كريمة :

منها : قوله تعالى في حق النبي محمد صلى الله عليه وآله : (وًلًوًلآ أَن ثَبَّتنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تِرْكَنُ إِليهِمْ شَيئاً قَلِيلاً)(الإسراء :٧٤) ، والآیة صريحة في أن النبي صلى الله عليه وآله لولا تثبیت الله سبحانه لرکن إلى المشركين شيئا قليلا ، والركون إلى الظالمين ذنب كما قال سبحانه : (وَلَاتَرْكَنُوا إلَى الَّذيّن ظَلَمُوافَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَالَكُم مَن دُونِ اللَّهِ مِنْ أوْلِيَآءَ ثُمَّ لَاتُنصّرُونَ ) (هود :١١٣) .

ومنها : قوله تعالى (فَبِمَا رَحمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُم وَلَوكُنتَ فظَّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَولِكَ) ( آل عمران :١٥٩) ، فالآیة تدل على أن هذه الصفات السامية الموجودة في المصطفى صلى الله عليه وآله هي من الله عزوجل .

وغیرها من الآیات الکثیرة المثبتة لهذا المعنى .

٣ – تنصيب أميرالمؤمنين عليه السلام للولاة :

قالوا: أنّ عليَّا ليس معصوماً كما يدّعي الشيعة ، ولو كان كذلك لما أخطأ في وضع المنذربن الجارود العبدي والياً ،إذ أن هذا الرجل خان الأمانة ،وغدربأميرالمؤمنين عليه السلام ، وقد عاتبه على ذلك في كتاب نقله الرضي في النهج بقوله : أما بعد ، فإن صلاح أبيك غرَّني منك ، وظننت أنك تتبع هديه ، وتسلك سبيله ، فإذا أنت فيما رقى إلَّي عنك لا تدع لهواك انقياداً ،ولا تبقى لآخرتك عتاداً ، تعمر دنياك بخراب آخرتك ، وتصل عشيرتك بقطيع دينك ، ولئن كان ما بلغني عنك حقًّا لجمل أهلك وشسع نعلك خيرمنك ، ومن كان بصفتك فليس بأهل أن يُسَد به ثغر، أويُنفَذ به أمر،أو يُعلى له قدر، أو يُشرّك في أمانة ،أو يُؤمَن على جباية ،فأَقبلْ إليَّ حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله [٨] .

والجواب على هذا الإشكال :

أولاً: المعصوم عليه السلام مأمور بالعمل بحسب الظاهر،لابما أطلعه الله عليه من أمورغيبية ، كمصيرالعباد و ما يخفونه في صدورهم وما شابه ، فتكليفه هو مجاراة الناس في ما يظهرونه علناً ، لا ما يكتمونه سرَّا .

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وآله یعلم یقیناٌ بوجود منافقين مدسوسين بين أصحابه ، لكنّه كان يسوّي بينهم وبين بقية الصحابة ، فلم نسمع يوماً أنه أهان عبدالله بن أبي ، أو طرده من المسجد ، أو منعه من الخروج إلى الجهاد مع المسلمين رغم أن هذا الرجل هو رأس المنافقين في ذلك الوقت .

ومن الشواهد على هذا قصّة الرجل الذي اتخذه النبي صلى الله عليه وآله كاتباً للوحي ، ثم ارتد كما نقل ذلك البخاري في صحيحه بسنده عن أنس رضي الله عنه أنه قال : كان رجل نصرانيًّا ، فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران ، فكان يكتب للنبي صلى الله عليه وآله ، فعاد نصرانيًّا ، فكان يقول : ما يدري محمد إلا ما كتبت له [٩] .

فهل ردّة عبدالله بن أبي سرح الذي كان أيضاً كاتباً للوحي عند النبي صلى الله عليه وآله « فقد روى الحاكم في المستدرك بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه ، قال : كان عبدالله بن أبي سرح يكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله ، فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله آن یُقتل ، فاستجار له عثمان رضي الله عنه ، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وآله [١٠] .

فهل رسول الله صلى الله عليه وآله یجهل أن هؤلاء سيرتدّون عن دينه حتى يضعهم في هذا المنصب الخطير؟

ولهذا قال النووي : وكان صلى الله عليه وآله یتألف الناس ، ويصبرعلى جفاء الأعراب والمنافقين وغيرهم لتقوى شوكة المسلمين ، وتتم دعوة الإسلام ، ويتمكّن الإيمان من قلوب المؤلفة ، ويرغب غيرهم في الإسلام ، وكان يعطيهم الأموال الجزيلة لذلك ، ولم يقتل المنافقين لهذا المعنى ولإظهارهم الإسلام ، وقد أُمر بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه صلى الله عليه وآله ویجاهدون معه إما حمية ، وإما لطلب دنيا ، أوعصيبة لمن معه من عشائرهم [١١] .

وقد فصّل القاضي عياض في هذا الموضوع بما لا يحتاج إلى مزيد من الإيضاح والبيان بقوله : إن النبي صلى الله عليه وآله  لم يقتل المنافقين بعلمه فيهم ، ولم يأت أنه قامت بيّنة على نفاقهم ، فلذلك تركهم ، وأيضاً فإن الأمر كان سرًّا وباطناً ، وظاهرهم الإسلام والإيمان ، وإن كان من أهل الذمة بالعهد الجوار، والناس قريب عهدهم بالإسلام ، لم يتميَّز بعدُ الخبيث من الطيب ، وقد شاع عن المذکورین في العرب کون من يُتَّهم بالنفاق من جملة المؤمنين وصحابة سيد المرسلين وأنصارالدين بحكم ظاهرهم ، فلو قتلهم النبي صلى الله عليه وآله لنفاقهم وما یبدرمنهم وعلمه بما أسرُّوا في أنفسهم لوجد المنفَّر ما يقول ، ولارتاب الشارد ، وأرجف المعاند ، وارتاح من صحبة النبي صلى الله عليه وآله والدخول في الإسلام غير واحد ، ولزعم وظن العدوالظالم أن القتل إنما كان للعدواة وطلب أخذ الترة ،وقد رأيتُ معنى ما حرَّرته منسوباً إلى مالك بن أنس رحمه الله [١٢] .

فهذا الإشكال مردود جملة وتفصيلاً ، ولا يقدح مقدراً قيد أنملة في  عصمة أميرالمؤمنين عليه السلام .

٤ – لابد للناس من أمير برأو فاجر:

وقالوا : أن أميرالمؤمنين عليه السلام صرّح بما لا يحتمل التأويل بأنه لا يُشترط في الإمام العصمة ، بل لا يُشترط فيه حتى العدالة ، إذ أنه عليه السلام قال : لابد للناس من أميرالمؤمنين بَرًّ أو فاجر [١٣] .

والجواب على هذا :

أولا : صاحب الإشكال خلط بين مفهوم الإمامة والإمارة ، فالذي يطلق عليه إمام هو صاحب الولاية العامّة على الناس ،أمّا الأمير فهوالذي ينصّب من قبل صاحب الولاية العامة ،والكلام في هذه الرواية حول الأمير وليس الإمام ،فهو الذي يمكن أن يكون برًّا أو فاجراً إلا أنه ليس بإمام الحقّ المنصب من الله جلَّ جلاله .

الثاني : لو سلّمنا جدلاً بالتطابق بين معنى الإمامة والإمارة فليس في هذا النص حجّة للخصم ؛ إذ أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام في هذا الكلام بصدد بيان بطلان ما يذهب إليه الخوارج ، فأول الكلام هو الآتي : ومن كلام له عليه السلام في الخوارج لما سمع قولهم : ((لا حُكْم إلا لله)) قال عليه السلام : كلمة حق يُراد بها باطل ، نعم إنه لا حكم إلا لله ، ولكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلا لله ، فإنه لابد للناس من أمير برَّ أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر، ويبلَّغ اللهُ فيها الأجل ، ويجمع به الفيء ، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي ، حتى يستريح به بَرٌّ، ويُستراح من فاجر [١٤] .

فالخوارج يدّعون أنه لا حكم إلالله عزَّوجل ، وأميرالمؤمنين عليه السلام ردّ عليهم بدليل وجداني ، وهو أنّ الناس يحتاجون في أمورهم الدنيا لأمير، سواء كان برًّا أم فاجراً ، فالكلام هنا حول ما تقتضيه الحاجة البشريّة ، سواء كانوا متشرّعة أم لم يكونوا كذلك ؛ لأن الإنسان مدني بطبعه أو بالضرورة ، ولازم المدنية أن يكون هناك نظام اجتماعي يرعاه أحد ،يكون في قمة الهرم ،سواء سُمّي حاكماً أو ملكاً أو رئيساً أو أميراً أو خليفة .

أي أنه عليه السلام يرد على الخوارج الذين يرفضون كل حاكم حتى لو كان صالحاً ، بأن حاجة الناس لحاكم وإن كان فاجراً لا تخفى على أحد ، فإن وجود حاكم فاجرخير من أن يكون الناس بلا حاكم بحيث تسود الفوضى ، وينعدم الأمن .

ولهذا قال العلامة البيهقي : لا تمتٌّع بالوجود للإنسان إلا عند المشاركة ، فالواحد لا يكفي صنعة مأكوله ومشروبه وملبوسه ، بل يحتاج أن يعمل كلّ لكلّ يتكافؤون فيه ، وذلك بتمدّن واجتماع على أخذ وإعطاء ، يفترض لأجله العدل الذي لا ينفكّ عن الاصطلاح والتواطؤ، فإن كلاً يرى ماله على غيره عدلاً ، وما لغيره عليه غيرعدل ، بل يحتاج إلى متميّزعن النّاس والاتباع كلَّهم بخواصّ يذعنون له بها ، فذلك معنى القول أميرالمؤمنين عليه السلام : لا بدّ للنّاس من أمير برّ أو فاجر، وهذا من مقتضى طبيعة الإنسان [١٥] .

وهذا الأمرمشابه لما يحصل بين المسلمين والملاحدة ، إذ أنّ الحوارمعهم يبدأ من الصفر، وهو إثبات وجود الصانع للكون بالأدلة والبراهين،دون التطرّق إلى بيان صفاته أوحقيقته ، ثم تتدرج معه شيئاً فشيئاً كلما أقرّ لك بأمر.

فلا علاقة أصلاً بين هذا النص وبين ما يذهب إليه الشيعة من اشتراط عصمة الإمام من كل نقيصة ؛ لأن الإمام عليه السلام بيَّن حاجة الماس إلى حاكم يحكمهم ، بغض النظرعن صفات ذلك الحاكم ما هي ، فهذا أمر آخرلم يبيّنه الكلام في كلامه .

علماً أنّ كتاب (نهج البلاغة) زاخر بالنصوص التي تثبت صراحة عصمة أميرالمؤمنين عليه السلام وغيره من أئمة المسلمين عليهم السلام ، ونكتفي هنا بإيراد نصّ واحد اعترف العام والخاص بدلالته .

قال عليه السلام : بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيّكم ، وهم أزمَّة الحق ، وأعلام الدين ، وألسنة الصدق ، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن ، ورِدُوْهم وُرُود الهيم العطاش ، أيها الناس خذوها عن خاتم النبيين صلى الله عليه وآله ، إنه يموت من مات منا وليس بميت ، ويبلى من بلي منا وليس ببال ، فلا تقولوا بما لا تعرفون ، فإن أكثرالحق فيما تنكرون ، واعذروا من لا حُجّة لكم عليه ، وأنا هو، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر، وأترك فيكم الثقل الأصغر؟ [١٦] .

ودلالة هذا النص صريحة على عصمة الإمام عليه السلام وبقية أهل البيت عليه السلام ، لا سيما قوله : (( فأنزلهم بأحسن منازل القرآن))، أي أنهم ثقل للقرآن وعديله ، ولهذا قال ابن أبي الحديد المعتزلي تعقيباً على هذه العبارة : وقوله : (( فأنزلوهم منازل القرآن)) تحته سرعظيم ، وذلك أنه أمرالمكلفين بأن يٌجروا العترة في إجلالها ، وإعظامها ، والانقياد لها ، والطاعة لأوامرها مجرى القرآن .  

فإن قلت : فهذا القول منه يشعر بأن العترة معصومة ، فما قول أصحابكم في ذلك ؟ قلت : نصَّ أبومحمد بن متويه رحمه الله تعالى في كتاب (الكفاية) على أن عليًّا عليه السلام معصوم ، وإن لم يكن واجب العصمة ، ولا العصمة شرط في الإمامة ، لكن أدلة النصوص قد دلّت على عصمته ، والقطع على باطنه ومغيبه ، وأن ذلك أمر اختصَّ هو به دون غيره من الصحابة ، والفرق ظاهر بين قولنا : (( زيد معصوم)) ، وبين قولنا : ((زيد واجب العصمة)) ؛لأنه إمام ، ومن شرط الإمام أن يكون معصوماً ، فالاعتبارالأول مذهبنا ، والاعتبارالثاني مذهب الإمامية [١٧] .

الوحي :

ورد في بعض نصوص كتاب (نهج البلاغة) تعرّض إلى حقيقة الوحي وبعض تفاصيله ، وقد حاول البعض الاحتجاج بهذه النصوص لأثبات انقطاع الوحي بعد النبي صلى الله عليه وآله ، وعدم وجود صلة بين أهل البيت عليه السلام وبين السماء ، وبالتالي فإنهم لا يمتازون عن النّاس بشيء .

ومن هذه النصوص قوله عليه السلام : أرسله على حين فترة من الرسل وتنازع من الألسن ، فقفَّي به الرسل ، وختم به الوحي [١٨] .

وقال عليه السلام : بأبي أنت وأمي ، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنباء وأخبارالسماء خصصت حتى صرت مسليًّا عمن سواك ، وعممت حتى صارالناس فيك سواء [١٩] .

 أحدهم على هذه الروايات بقوله : فأين هذا القول مما في الكافي (في الفرق بين الرسول والنبي والإمام ، الرسول ينزل عليه جبرائيل ، فيراه ويسمع كلامه ، والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص  [٢٠] .

والجواب على ما ذكروه أنّ القوم وقعوا في خلط شديد ؛ إذ أنّ هناك فرقاً بين الموحى إليه وبين المحدَّث ، فإنا لا نقول : إن أئمة أهل البيت عليهم السلام ينزل عليهم الوحي من السماء ، وإنما هم أئمة محدَّثون ، أي تحدّثهم الملائكة ، ويٌلقى العلم في روعهم من قبل الله سبحانه وتعالى ، وبين الأمرين فرق واضح .

وقد أجاد الشيخ المفيد قدس سره التفصيل بالأمرين في (أوائل المقالات) مقرّراً عقيدة الشيعة الإمامية في الوحي ، فقال : إن العقل لا يمنع من نزول الوحي إليهم وإن كانوا أئمة غيرأنبياء ، فقد أوحى الله عزَوجل إلى أم موسى : (أنّ أَرضِعِيهِ فَإذَا خِفْتِ عَلَيهِ فَأَلقِيهِ في اليَمِّ وَلَاتَخَافىِ وَلَاتَحزَنىِ إنَّا رَآدُّوهُ إِلّيكِ وَجَاعِلُوهُ مِن اَلمُرسَلِين) ، فعرفت صحة ذلك بالوحي ، وعملت عليه ، ولم تكن نبيًّا ولا رسولاً ولا إماماً ، ولكنها كانت من عباد الله الصالحين ، وإنما منعت من نزول الوحي عليهم والإيحاء بالأشياء إليهم للاجماع على المنع من ذلك ، والاتفاق على أنه من يزعم أن أحداً بعد نبينا صلى الله عليه وآله يوحى إليه فقداً أخطأ وكفر، ولحصول العلم بذلك من دين النبي صلى الله عليه وآله ، كما أن العقل لم يمنع من بعثة نبي بعد نبينا صلى الله عليه وآله ونسخ شرعه صلى الله عليه وآله کما نُسخ ما قبله من شرائع الأنبياء ، وإنما منع ذلك الإجماع والعلم بأنه خلاف دين النبي صلى الله عليه وآله ، من جهة اليقين وما يقارب الاضطرار، والإمامية جميعا على ما ذكرت ، ليس بينها فيه على ما وضعت خلاف [٢١].

وقال في (تصحيح الاعتقادات) مقرّراً حقيقة سماع الأئمة عليهم السلام للملَك : قد يُري الله سبحانه وتعالى في المنام خلقاً كثيراً ما يصح تأويله ويثبت حقه ، لكنه لا يُطلق بعد استقرارالشريعة عليه اسم الوحي ، ولا يقال في هذا الوقت لمن طبعه الله على علم شيء : إنه يوحى إليه . وعندنا أن الله تعالى يُسمع الحجج بعد نبيه صلى الله عليه وآله كلاماً يلقيه إليهم في علم ما يكون ، لكنه لا يٌطلق عليه اسم الوحي ؛ لما قدّمناه من إجماع المسلمين على أنه لا وحي أحد بعد نبيّنا صلى الله عليه وآله ، وأنه لا يقال في شيء مما ذكرناه : إنه وحي إلى أحد ، ولله تعالى أن يبيح إطلاق الكلام أحياناً ويحظره أحياناً ، ويمنع بشيء حيناً ، ويطلقها حيناً ، فأما المعاني فإنها لا تتغيرعن حقائقها على ما قدمناه [٢٢].

فالموجود في الكافي وفي غيره من الكتب هو أنّ الأئمة عليهم السلام محدّثون ، والنصوص المذكورة في كتاب(نهج البلاغة) منصبّة على الوحي الذي نقل الشيخ المفيد رحمه الله إجماع المسلمين على انقطاعه .

وقد وردت في الكافي رواية توضّح حقيقة ما يقوله الشيعة في أئمتهم عليهم السلام ، وهي ما رواه الكليني بسنده عن حمران بن أعين ، قال : أبو جعفرعليه السلام إن عليًّا كان محدَّثاً . فخرجت إلى أصحابي فقلت : جئتكم بعجبية ، فقالوا : وما هي ؟ فقلت : سمعت أبا جعفرعليه السلام يقول ، كان علي عليه السلام محدَّثاً .فقالوا : ما صنعت شيئاً ، ألا سألته من كان يحدَّثه ؟ فرجعت إليه فقلت : إني حدَّثت أصحابي بما حدثتني ، فقالوا : ما صنعت شيئاً ، ألا سألته من كان يحدثه ؟ فقال لي : يحدثه مَلَك . قلت : تقول : إنه نبي ؟ قال : فحرك يده هكذا : أو كصاحب سليمان ، أو كصاحب موسى ، أو كذي القرنين ،أو ما بلغكم أنه قال : وفيكم مثله [٢٣] .

فالأئمّة عليهم السلام محدّثون ، ولم يكونوا أنبياء ، مثلما يحدَّث غيرالأنبياء في الأمم السابقة ، كأم موسى ، ومريم بنت عمران ، وذي القرنين ، ويوشع بن نون ، وغيرهم .

وهذا القول ليس من مختصّات الشيعة كي يتّخذه القوم ممسكاً للتشنيع والتفظيع ، بل أن المخالفين يثبتون هذا المعنى في أصحّ كتبهم .

فقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله ، قال : إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحدَّثون ،وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب [٢٤] .

وجعل المحب الطبري باباً في كتابه (الرياض النضرة) أسماء :(ذكراختصاصه بالتحديث) ، والمقصود هو عمر بن الخطاب ، وقد قرّرفيه هذا المعنى ، فقال : عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : قد كان في الأمم محدَّثون ، فإن يكن في أمتي أحد فهو عمربن الخطاب)) ، وأخرجه أحمد ومسلم ، وقد قال ابن وهب تفسي: محدَّثون : مُلهَمون ، وأخرجه الترمذي ، وصحَّحه ، وأبو حاتم ، وخرَّجه البخاري عن أبي هريرة ، وخرج عنه من طريق آخر،قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : (( لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن من أمتي فبهم أحد فعمر)) ، ومعنى محدَّثون والله أعلم أي يُلهَمون الصواب ، ويجوز أن يحمل على ظاهره ، وتحدَّثهم الملائكة لا بوحي ، وإنما بما يطلق اسم حديث ، وتلك فضيلة عظيمة [٢٥] .

فلا ندري لماذا يقبلون بمثل هذا المقام في حقّ عمربن الخطاب ، ويرفضونه في حقّ أئمة أهل البيت عليهم السلام ؟ خصوصاً أن حديث البخاري جاء فيه لفظ ((محدَّثون)) بصيغة الجمع الدال على أن في الأمة محدَّثين كثيرين .

قال ابن حجر في فتح الباري : وفُسَّرالمحدَّث بفتح الدال بالمُلهَم بالفتح أيضاً ، وقد أخبر كثيرمن الأولياء عن أمورمغيَّبة ، فكانت كما أخبروا...

إلى أن قال : وكان السَّر في ندورالإلهام في زمنه وكثرته من بعد غلبة الوحي إليه صلى الله عليه وآله فی اليقظة ، وإرادة إظهارالمعجزات منه ، فكان المناسب إن لا يقع لغيره منه في زمانه شيء فلما انقطع الوحي بموته وقع الإلهام لمن اختصّه الله  به ؛ للأمن من اللبس في ذلك ، وفي إنكار وقوع ذلك مع كثرته واشتهاره مكابرة ممن أنكره [٢٦] .

وقال الملا علي القاري : وخرج (أي البخاري) عنه (يعني أباهريرة) من طريق آخر، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكَلَّمون من غيرأن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي منهم أحد فهو عمر)) ومعنى محدَّثون – والله أعلم – مُلهَمون الصواب ، ويجوز أن يُحمل على ظاهره بأن تحدَّثهم الملائكة لا بوحي ، بل بما يطلق عليه اسم حديث ، وتلك فضيلة عظيمة [٢٧] .

علماً أنّ بعض علماء العامّة قد نصّ صراحة على أنّ هذا التحديث الذي تميّز به عمربن الخطاب ، هو ضرب من ضروب الوحي يستعمله الخليفة الثاني في الحكم بن الناس !

قال ابن القيم الجوزية : ولله فراسة من هو إمام المتفرّسين، وشيخ المتوسمین : عمر بن الخطاب ، الذي لم تكن تخطىء له فراسة ، وكان يحكم بين الأمة بالفراسة المؤيدة بالوحي [٢٨] .

بل إنّهم أجازوا أعظم من هذا ، وهو إمكانية تمثّل الملّك لغيرالنبي صلى الله عليه وآله والتحدّث معه ، وقد ذكرذلك ابن حجرالعسقلاني في الفتح عند تعليقه على أحد الأحاديث ، حيث قال : فيه أن الملّك يجوزأن يتمثَّل لغيرالنبي صلى الله عليه وآله ، فيراه ويتكلَّم بحضرته وهو يسمع ، وقد ثبت عن عمران بن حصين أنه كان يسمع كلام الملائكة ، والله أعلم [٢٩] .

بل إن هذا الأمرحصل حتّى لبعض النّاس من غيرالصحابة ولا التابعين ، بل للذين لم يُعرفوا بعلم أو فضل ، فقد روى ابن الجوزي بسنده عن الحسن بن حّي ، قال : قال لي أخي علي في الليلة التي توفي بها : اسقني ماء .

وكنت قائماً أصلي ، فلما قضيت الصلاة أتيته بماء، فقلت : يا أخي ، فقال : لبيك .

فقلت : هذا ماء . فقال : قد شربت الساعة ، فقلت : من سقاك وليس في الغرفة غيري وغيرك ؟ قال : أتاني جبريل الساعة بماء فسقاني ، وقال لي : أنت وأخوك وأبوك مع النبيّين والصدَّيقين والشهداء والصالحين [٣٠] .

--------------------------------------------------------------------------------------------
[١] . فتح القدير٥ / ٣٦ .
[٢] . كشف الغمّة ٣ / ٤٧ .
[٣] . شرح مسلم ٤ / ٢٠٢ .
[٤] . من لا يحضره الفقيه ٢ / ٦١٦ .
[٥] . نهج البلاغة ٢ / ٢٠٢ .
[٦] . قراءة راشدة في نهج البلاغة : ٢٧ .
[٧] . النافع يوم الحشر: ٨٩ .
[٨] . نهج البلاغة ١٨ / ٥٤ .
[٩] . صحيح البخاري ٤ / ١٨١ .
[١٠] . المستدرك على الصحيحين ٣ / ٤٥ ، عقّب الحاكم على هذا الحديث بقوله : صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه .
[١١] . شرح مسلم ١٦ / ١٣٩ .
[١٢] . الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ / ٢٢٧ .
[١٣] . نهج البلاغة ١ / ٩١ .
[١٤] . نهج البلاغة ١ / ٩١ .
[١٥] . معارج نهج البلاغة : ١٣٠ .
[١٦] . نهج البلاغة ٢ / ١٥٤ .
[١٧] . شرح نهج البلاغة ٦ / ٣٧٧ .
[١٨] . نهج البلاغة ٢ / ١٦ .
[١٩] . نفس المصدر ٢ / ٢٢٨ .
[٢٠] . تأملات في نهج البلاغة : ٢٩ .
[٢١] . أوئل المقالات : ٧٥ .
[٢٢] . تصحيح الاعتقادات : ١٢٢ .
[٢٣] . الكافي ١ / ٢٧١ .
[٢٤] . صحيح البخاري ٤ / ١٤٩ .
[٢٥] . الرياض النضرة ٢ / ٢٨٧ .
[٢٦] . فتح الباري ١٢ / ٤٤٥ .
[٢٧] . مشكاة المصابيح ١٠ / ٣٨٧ .
[٢٨] . الطرق الحكمية ٧٣ .
[٢٩] . فتح الباري ١ / ١١٥ .
[٣٠] . المنتظم في التاريخ ٨ / ١٨٠.

يتبع ......

****************************