وقال (عليه السلام): مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ.                
وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالاَْنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ.                
وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ.                
وقال (عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: طَالِبٌ، وَمَطْلُوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا،مَنْ طَلَبَ الاْخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا.                

Search form

إرسال الی صدیق
شبهات وحلول

تنص المصادر التاريخية على شهرة المأثور عن الإمام عليّ، قال اليعقوبي ( ت / ٢٨٤ ) عن الإمام عليّ عليه السّلام: « والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة ونيف وثمانون خطبة، يوردها على البديهة، تداول الناس ذلك عنه قولا وعملا » [١].

وقال ابن عبد البر: « وخطبه ومواعظه ووصاياه لعمّاله، إذ كان يخرجهم إلى أعمال كثيرة مشهورة، لم أر التعرض لذكرها، لئلَّا يطول الكتاب، وهي حسان كلَّها » [٢].

وقال أيضا: « الذي يرجع إلى أقضية علي وخطبه ووصاياه يرى أنه قد وهب عقلا ناضجا وبصيرة نافذة وحظا وافرا من العلم وقوة البيان » [٣].

ولا غرابة في ذلك فإنّ لمحة عن تواريخ حياة الإمام علي عليه السّلام تكشف سرّ المؤهلات التي تجعله في المستوى المطلوب، فإن كل حادثة مرّت بحياته تقتضي قولا فصلا من رجل مثله كان في قمّة المسؤولية الملقاة على عاتقه.

ففي سنة ٢٣ قبل الهجرة ولد الإمام علي عليه السّلام في ١٣ رجب.

وفي سنة ١٠ قبل الهجرة كان أول من اعتنق الإسلام وآمن بنبوّة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله.

وفي سنة ١ ه‍ بات في فراش النبي صلَّى اللَّه عليه وآله حفاظا على حياة الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله ليلة الهجرة.

وفي سنة ٢ ه‍ تزوّج بسيدة النساء فاطمة بنت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله، وساهم في وقعة بدر الكبرى.

وفي سنة ٣ ه‍ ساهم في معركة أحد.

وفي سنة ٤ ه‍ ساهم في معركة الخندق وخيبر والحديبية.

وفي سنة ١٠ ه‍ ساهم في فتح مكة، وأوفده النبي صلَّى اللَّه عليه وآله إلى اليمن.

وفي سنة ١١ ه‍ كانت وفاة النبي صلَّى اللَّه عليه وآله، وواجه احداث السقيفة، ولم يشارك فيها لأنّه

كان مشتغلا بتجهيز النبي صلَّى اللَّه عليه وآله ودفنه، وفي نفس السنة توفيت السيدة فاطمة الزهراء عليها السّلام.

وفي سنة ٢٣ ه‍ كان مستشارا لعمر بن الخطاب بعد خلافته.

وعاش في سنة ٣٥ ه‍ ثورة المصريين على عثمان وبعد مقتله بويع الإمام علي عليه السّلام بالخلافة.

وواجه في سنة ٣٦ ه‍ وقعة الجمل بالبصرة.

وفي سنة ٣٧ ه‍ وقعة صفّين.

وفي سنة ٣٨ ه‍ حادثة التحكيم ووقعة النهروان.

وأخيرا في سنة ٤٠ ه‍ اغتيل الإمام في مسجد الكوفة في ١٩ رمضان وهو يؤدّى صلاة الفجر، وتوفي ٢١ رمضان ودفن في النجف.

وقد حكم الإمام عليّ في خلافته أربع سنين وستة أشهر، فإذا جمعنا خطبه عليه السّلام في كل جمعة وعيدي الأضحى والفطر. لبلغ ( ٢٢٤ ) خطبة، هذا عدا ما باشرها الإمام عليه السّلام من حروب الجمل وصفّين والخوارج، وما يستلزم ذلك من خطب حماسية في الاستنهاض والدفاع والحرب، فلا غرابة في المأثور عن شخصية قيادية كعلي بن أبي طالب الذي قضى ٦٣ عاما مرافقا قضايا الإسلام الكبرى ومساهما فيها مساهمة فعّالة في ما تقتضيه المصلحة الإسلامية العليا، لما فيه من مؤهلات العلم والتجربة، فلا يستنكر منه شيء من خطب ورسائل وحكم رويت في نهج البلاغة، كما لا يستبعد في من جرّد السيف في حكمه العادل وحركاته التصحيحية، ان يكون هدفا للنقد وان يستخدم مختلف الوسائل في التشكيك في نهجه قولا وعملا، وكما لا نشك في انّ هذه التعرّضات سوف تستمر ما كان هناك غشاء على الأبصار ورين على القلوب، فإننا واثقون بأنّها سوف تنقشع بأنوار ساطعة من حقائق التاريخ وتظهر بالاغتراف من زلال ينابيع المعرفة.

هذا، إلى جانب أنّ الاعتماد على الذاكرة والحفظ كانت ولا تزال عادة سائدة في المجتمع، وخصوصا في المجتمعات الابتدائية حيث لا يكون الاتّكال على الكتابة والقراءة، على العكس من المجتمع الحضاري، وبما ان المجتمع العربي في العصورالمتقدمة كانت أمية على الغالب فقد استخدمت وسيلة الحفظ حتى القرن الثاني والثالث، بل حفظ تراث اي انسان يستمر بين عارفي فضله، وقد حصل هذا بالنسبة إلى نهج البلاغة حتى العصر الحاضر.

والحفظ بالنسبة إلى نهج البلاغة شائع في عصرنا، بل حفظه كله جماعة، منهم:

١ - السيد محمد اليماني المكي الحائري ( ت / ١٢٨٠ ).

٢ - الشاعر محمد حسين مروّة الحافظ العاملي [٤].

٣ - السيد علم الهدى النقوي الكابلي البصير نزيل ملاير [٥].

ومع هذا فلا يبقى مجال لاستبعاد ذلك، ولا زال خطباء المنبر الحسيني في عصرنا يلقون من خطبه ورسائله وحكمه حفظا عن ظهر القلب من على رؤوس المنابر، وطبيعي أنّ من يؤمن بإمامة علي عليه السّلام يحافظ على تراثه بكل وسيلة تيسرت له.

أمّا الشبهات: فقد ذكر أحمد زكي صفوت باشا في كتابه علي بن أبي طالب ص ١٢٢. وجوها ستة للشك في نهج البلاغة وتكلَّم عنها بتفصيل، قال: « ومبعث هذه الشكوك:

١ - خلوّ الكتب الأدبية والتاريخية التي ظهرت قبل الشريف الرضي من كثير مما في نهج البلاغة.

٢ - ما ورد فيه من الأفكار السامية والحكم الدقيقة مما لا يصح نسبته إلى عصر الإمام.

٣ - إطالة الكلام وإشباع القول في بعض الخطب والكتب كما في عهد الأشتر النخعي المسهب المطنب المشتمل على كثير من الحيطة والحذر والتوكيدات والمواثيق، فضلا عن أنّ فيه من النظرات السياسية والقواعد العمرانية ما لم يكن معروفا في عصر الإمام.

٤ - ما ورد في بعض خطبة من التعريض ببعض الصحابة وذمّهم كما في الخطبة الشقشقية مما لا ينتظر أن يقع من مثل عليّ في عقله ودينه وعلمه.

٥ - ظهور الروح الصوفي الفلسفي في كثير من خطبه مما لم يفش في المسلمين إلَّا في القرن الرابع الهجري ( اي في عصر الرضي ).

٦ - الوصف الدقيق والسجع وتنميق الكلام مما لم يعهد في صدر الإسلام » [٦].

وقد حاول الأستاذ أحمد زكي تحليل هذه النقاط الست بتفصيل استغرق الصفحات ( ١٢٢ - ١٦١ ) من كتابه، ناقلا نصوص الخطب والرسائل ومعلقا عليها مدافعا عنها أحيانا ومؤاخذا عليها أخرى، وهنا اكتفي بخلاصة منها:

الشبهة الأولى - خلوّ الكتب الأدبية

ولقد انصف في الشبهة الأولى بقوله: « وها نحن - أوّلا - ندلي إليك برأينا في هذه الشكوك: أما ما ورد في الكتب الأدبية والتاريخية المؤلفة قبل ظهور نهج البلاغة من كلام الإمام، فلعله لم يرد إلَّا على سبيل التمثيل والاستشهاد، لا على سبيل الاستقراء والاستقصاء، إذ لم تؤلف من أجل ذلك الغرض خاصة. ولعلّ تلك المثل كانت هي المتداول المشهور من كلامه، فلا ينافي أن يكون له غيرها. وفي مروج الذهب للمسعودي المتوفى سنة ٣٤٦ ه‍ أي قبل مولد الشريف الرضي بثلاث عشرة سنة، ما نصه: والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعماءة خطبة ونيف وثمانون خطبة، يوردها على البديهة، تداول الناس ذلك عنه قولا وعملا » [٧].

الشبهة الثانية - ما ورد فيه من الأفكار السامية

قال أحمد زكي في الجواب هذه الشبهة ما يلي: « أما الشبهة الثانية فباطلة داحضة، واننا قبل ان نتعرض لادحاضها نتساءل: هل في فكر الإمام وحكمه نظريات فلسفية يعتاص على الباحث فهمها ويفتقر في درسها إلى كدّ ذهن وكدح خاطر. اللهم لا، إنّها حكم سائغة مرسلة تمتزج بالروح من أقرب طريق وتدبّ إلى القلب دون تعمّل أو عناء، وليس أحد يماري في أنّ إيراد العرب للحكمة البالغة وضربهم الأمثال الرائعة فطري فيهم، معروف عنهم منذ جاهليتهم، لما أوتوه من صفاء الذهن واتّقاد القريحة وسرعة الخاطر، وقد اشتهر كثير منهم بذلك قبل الإسلام، ا فتستكثر الحكمة السامية على عليّ وهو - من علمت - سليل قريش الذين كانوا أفصح العرب لسانا وأعذبها بيانا وأرقّها لفظا وأصفاها مزاجا وألطفها ذوقا، وقد قدّمنا لك أنه ربّي في بيت النبي صلَّى اللَّه عليه وآله منذ حداثته فنشأ وشب في بيت النبوّة ومهد الحكمة وينبوعها، ولازم الرسول حتى مماته، وقد قال عليّ في بعض خطبه: « كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امّه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به ».

وكان من كبار كتاب وحيه، وحفظ القرآن كله حفظا جيّدا، وسمع الحديث الشريف ووعاه، وتفقّه في الدين حتى كان اماما هاديا وعالما عيلما، وفوق ذلك فأنت تعلم أن الشدائد ثقاف الأذهان وصقال العقول تفتق عن مكنون الحكمة وتستخرج عصيها وقد مرّ بالإمام حين من عمره حافل بالشدائد، ملىء بالعظائم والأهوال، وحسبه ان يحمل مع ابن عمه صلَّى اللَّه عليه وآله أعباء أمره، ويبيت في فراشه ليلة هجرته متعرّضا لأذى المشركين الراصدين للرسول، وأن يخوض غمار الحرب في كلّ غزواته - إلَّا واحدة - ثم هو يقضي طوال خلافته مذ بويع إلى أن قتل ( أربع سنين وتسعة أشهر ) في شجار ونضال وجلاد وكفاح، تارة مع عائشة ومناصريها، وأخرى مع معاوية وأشياعه ثم يبتلي بخلاف أصحابه عليه، ويعاني من اختلاف مشاربهم وتباين أهوائهم وغريب شذوذهم وتحكَّمهم، واعتسافهم ما يضيق عنه صدر الحليم، ويندّ معه صبر الصبور. كل أولئك التجارب والظروف قد حنّكته، وصفت من جوهر عقله، وثقّفت من حديد ذهنه، وأمدّته بفيض زاخر من الحكم الثاقبة والآراء الناضجة، وما العقل إلَّا التجربة والاختبار ».

وأضاف: « وأخالك تذكر ما قدمناه لك آنفا من أنه كان معروفا بين الصحابة بأصالة الرأي وسداد الفكر، فكان بعض الخلفاء يفزع إلى مشورته إذا حزبه أمر فيجيد الحز ويطبّق المفصل. ولم يكن رضي اللَّه عنه بالرجل الخامل الغمر، بل كان من سادة القوم وعليتهم، فكان كل ما يجري من الشؤون السياسية في عهد الرسول صلَّى اللَّه عليه ٢ وآله وعهد الخلفاء الثلاثة السابقين له بمرأى منه ومسمع، بل كان له في بعضها ضلع قوية وشأن خطير. هذا المران السياسي الطويل العهد - وهو خمس وثلاثون سنة من بدء الهجرة، عدا ما تقدمها - أفاده شحذا في الذهن وثقوبا في الفكر. فليس بمستنكر على مثل عليّ أن يكون حكيما » [٨].

وكلامه بطوله يغني عن التعليق، فإنه قويّ الحجة وواضح البرهان.

الشبهة الثالثة - طول بعض الخطب

وملخّص الشبهة: الشك في انتسابها إلى الإمام عليه السّلام من جهة طول بعض ٢ الخطب، وقد خصّ الأستاذ أحمد زكي منها بالذكر عهد الأشتر وخطبة القاصعة، والكلام عن كل منها ينبغي ان يكون في الشرح، إلَّا ان الشبهة في ذاتها يمكن تقريرها كبرويا، قال ما لفظه: « أما الشبهة الثالثة: فإنّا يخالج نفوسنا الشك في عهد الأشتر، لا من حيث ما ورد فيه من النظريات السياسية والقواعد العمرانية لأنا لا نستبعد صدور مثلها من الإمام. وقد أسهبنا القول في بيان خبرته وحنكته السياسية آنفا، وما أفاد من تجربة واسعة على عهد أسلافه وهو يشرف على الحكم من كثب، على أن تلك النظريات والقواعد الواردة فيه ليست مما يعسر تناوله، أو لا يبلغ شأوه، وفي مقدور من هو دون الإمام فكرا ورأيا وتدبيرا أن يصوغ مثل حلاها، وهل عزب عنك أن العرب قبل خلافة الإمام فتحوا ممالك الأكاسرة والقياصرة وأدانوها لحكمهم، وهي ممالك ذات حضارة ومدنية إذن كان طبيعا أن يتناول الخليفة في كلامه المسائل العمرانية والاجتماعية.

وأنت إذا تأملت نصيحته للأشتر في هذا العهد فيما يختص بالجنود والعمال والقضاة والكتاب والخراج والتجّار وذوي الصناعات.. الخ، لم تلف فيه معنى ملتاثا، ولا قاعدة يشقّ تفهّمها، بل هي نصائح حكيمة بعيدة عن الالتواء الفلسفي والتعقّد النظري.

وإنما يخالجنا الشك فيه من حيث طوله وإسهابه لاعتبارات نوردها لك:

أ - ان الخلفاء قبله عهدوا إلى ولاتهم فلم يؤثر عنهم ذلك الاسهاب في عهودهم.

ب - ان الإمام نفسه ولَّى محمد بن أبي بكر الصديق على مصر قبل الأشتر النخعي، وولَّى قيس بن سعد بن عبادة عليها قبل ابن أبي بكر، وولَّى غير هؤلاء على الأمصار فلم يعهد إليهم بمثل هذه العهد، بل إنّ عهده لابن أبي بكر عشرة أسطر.

ج - إن مالك بن الحارث الأشتر الذي كتب له ذلك العهد، كان عضد الإمام وساعده في صفّين، وقد قدّمنا أنه كان قائد الميمنة، وقد أبلى في الحرب بلاء حسنا، وكان يستحث من همّة الجيش كلما آنس منهم مللا وسآمة. وفحوى ذلك أنه كان موضع ثقة تامة من الإمام، ومن كان كذلك فليس بحاجة إلى ذلك القدر من الإسهاب في الحيطة والحذر وتأكيد المواثيق، وكيف يسهب هذا الاسهاب فيكتب له عهدا في مائتين وخمسة وسبعين سطرا » [٩].

ونعم ما أجاب عن قوله سيد مشايخنا الشهرستاني بقوله: « إنّها ليست بأعجب من رواية المعلَّقات السبع والقصائد الأخرى من الأوائل، ومن الخطب والمأثورات الضافية التي رويت عن النبي المصطفى صلَّى اللَّه عليه وآله وعن غيره ممن تقدم عليه زمانه أو تأخر، في حين أن العناية بالحفظ والكتابة كانت في زمن الراشدين أهم وأعظم مما قبله، ونعتوا ابن عباس بأنّه كان يحفظ القصائد الطوال لأول مرة من سماعها، وكان مثله في عامة العرب كثيرا ولا يزال حتى اليوم، والاعتناء بحفظ خطب الإمام كان أكثر » [١٠].

الشبهة الرابعة - التعريض ببعض الصحابة

وقد أصاب سيد مشايخنا الشهرستاني ( ت / ١٣٨٦ ) بعنوانها: « سر الشك في نهج البلاغة «، وهي الخطبة الشقشقية التي فيها تعريض ببعض الصحابة. وقد حرّر الأستاذ أحمد زكي حول هذه الشبهة بقوله: « قبل أن نتعرّض للشك الرابع نورد لك ما ذكره ابن أبي الحديد بشأن الخطبة الشقشقية، قال عقب شرحها: « حدثني شيخي أبو الخير مصدق بن شبيب الواسطي في سنة ثلاث وستمائة، قال: قرأت على الشيخ ابن الخشاب هذه الخطبة فقلت له: أتقول إنها منحولة فقال: لا واللَّه، إني لأعلم أنّها كلامه كما أعلم انك مصدق.

قال: فقلت له: إن كثيرا من الناس يقولون إنها من كلام الرضيّ رحمه اللَّه، فقال أنى للرضي ولغير الرضيّ هذا النّفس وهذا الأسلوب قد وقفنا على رسائل الرضيّ وعرفنا طريقته وفنّه في الكلام المنثور وما يقع مع هذا الكلام في خل ولا خمر. ثم قال: والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنّفت قبل ان يخلق الرضي بمائتي سنة. ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الأدب قبل ان يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي. قلت: وقد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة. وكان في دولة المقتدر قبل ان يخلق الرضي بمدة طويلة.

ووجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلَّمي الامامية. وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب الانصاف. وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي ومات في ذلك العصر قبل ان يكون الرضي رحمه اللَّه موجودا ». من ذلك يتبيّن لك أن الشقشقية كانت معروفة قبل مولد الرضي من أكثر من طريق. فلا تبعة إذن عليه، ولا سبيل إلى اتهامه بانتحالها. ولكنا مع ما نرى فيها من جزالة اللفظ وروعة الأسلوب التي تغرينا ان ننظمها مع كلام علي في سلك. نتراجع حين يبدو لنا شبح الشك ماثلا فيها. أجل يستوقفنا منها - ثم ذكر مؤاخذات الامام على بعض الصحابة وعدّدها، ونحن نكتفي بالأوّل منها وللتفصيل يراجع الشرح - قال: وقد عرّض لعمر رضى اللَّه عنه بقوله: « فمني الناس - لعمر الله - بخبط وشماس، وتلوّن واعتراض » فما كان عمرا البتة خابطا ولا متلوّنا ولا جانحا عن الطريق السويّ، وما عرف عنه من ذلك قليل ولا كثير » [١١].

وأقلّ ما يقال في كلامه: إنّه تغافل عن أحداث التاريخ الاسلامي في عصر الرسالة منذ وفاة النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وما رافق ذلك في السقيفة من مشاهدات ان لم تكشف عن خبط في الموقف، وشماس أي نفار في الحديث، وتلوّن في العمل، واعتراض عن أوامر نبويّة، فعمّا تكشف إذا وكتب التاريخ كفيلة بإيضاح هذه الأحداث، ولكننا نكتفي بموقف الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في آخر لحظة من حياة الرسول القائد صلَّى اللَّه عليه وآله وطالب التفصيل يراجع تراجم الصحابة ومواقفهم آنذك، ومنها ما روى البخاري وغيره: « لما حضر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلَّى اللَّه عليه وآله: « هلم أكتب لكم كتابا لا تضلَّوا بعده »

فقال عمر: إن النبيّ قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللَّه فاختلف أهل البيت، فاختصموا، منهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلَّوا بعده ومنهم من يقول ما قاله عمر، فلما كثر اللغو والاختلاف عند النبي،

قال لهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله: « قوموا » قال عبد اللَّه بن مسعود: فكان ابن عبّاس يقول: إن الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللَّه وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ».

وأيضا: « اشتد برسول اللَّه وجعه، فقال: « آتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلَّوا بعده أبدا » فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيّ التنازع، فقالوا: هجر رسول اللَّه ».

فإذا لم يكن الاختلاف واللغط على رسول اللَّه خبطا، فما هو الخبط إذا إذ لو كان القرآن وحده كافيا لما همّ النبي أن يكتب كتابا لا تضل الأمة بعده، ومهما برّرنا موقف الخليفة الثاني عمر، المعارض لطلب النبيّ، فإنّه موقف شماس وجدل واعتراض في السير لا على ما أمر به النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله، ولو حصل موقف كهذا من شخصية أخرى غير الخليفة الثاني كان وسيلة للتهمة في شخصية الرسول، والإمام عليه السّلام لم يوجّه قط اتهاما كهذا لأحد، بل اعتبره خبطا في  الرؤية وجدالا في الرأي واعتراضا في الطريق النبوي.

الشبهة الخامسة - ظهور الروح الصوفي الفلسفي

وقد حرّرها الأستاذ أحمد زكي بقوله: « أمّا الشك الخامس، فإنّا مع اعتقادنا الكامل بأنّ الإمام كان خير قدوة في الزهد والورع وأعلى مثال في التقوى والاعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، نرى أنّ ما عزي إليه في هذا الباب لا يخلو من دخيل منتحل. فهاك اقرأ خطبته التي يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض وانظر قوله فيها: « أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الاخلاص له، وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف اللَّه سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثناه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال: فيم فقد ضمنّه، ومن قال: علام فقد أخلى منه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة.. الخ » ترى أنّ هذا الأسلوب قصيّ عن نهج الإمام ومسلكه، فإنّ الفقر الأولى مفرغة في قالب مقدمات منطقية تفضي إلى نتيجة هي نفي الصفات عن اللَّه تعالى، والفقر التالية لها مقدّمات أخرى تنتج أن من يثبت له الصفات فقد عده من الحوادث، وهذا الأسلوب المنطقي لم يعهد في كلام العرب، ولم يستعمله العلماء إلَّا بعد ترجمة المنطق والعلوم الدخيلة، وذلك العصر لم يدركه الإمام.

وفوق هذا، فإنّ تلك المباحث من مباحث علم الكلام، وإثبات صفات المعاني للَّه تعالى أو نفيها عنه وكون الصفة عين الموصوف أو مغايرة له، موضع جدل شديد بين الأشعرية والصفاتية والمعتزلة، ونشأة ذلك العلم وتلك الفرق متأخرة عن علي في الوجود، ولا تخلنّ من ذلك أنا نرمي الإمام بجهله بعلم التوحيد. لا، ولكنا نقول: إن التوحيد بالمعنى العلمي المعهود ومباحثه المعروفة لم تكن وجدت في ذلك الحين » [١٢].

قال الجلالي: غريب جدا أن يستنكر مفكَّر عربي صدور مثل هذا الكلام، فإنّ المنطق ليس شيئا ما وراء حياة الناس، وليس في الخطبة شيئا من المصطلحات المنطقية المتأخرة، وانما هي بيان حقائق تشير إلى حقائق أخر، والقضية المنطقية تحتاج إلى مقدمتين كبرى وصغرى يجمعها الحد الأوسط وباسقاطه تثبت النتيجة، وليس في الخطبة شيء من ذلك.

فقول الكاتب بأنّها: « في قالب مقدّمات منطقية تفضي إلى نتيجة » إمّا هو جهل بقواعد المنطق أو تغافل عن حقائق متسلسلة يشرحها الإمام ليصل إلى نتيجة وصل إليها بفكره الخاص، وليس ذلك بمستنكر من شخصية اسلامية مثله.

ومن هنا يظهر ما في كلام الأستاذ زكي من: « أن تلك المباحث من مباحث علم الكلام »، فإنّ علم الكلام علم قائم بذاته متأخّر طبعا عن عصر الرسالة والإمام، ولكن استعمال هذه المباحث في نصوص القرآن وأحاديث الرسول وكلام الإمام وغيره من المفكرين المسلمين لا يعني انّهم استعلموا المصطلحات بل انما استخدموا الألفاظ بمعانيها اللغوية وفي العصر المتأخر أصبح مصطلحا كلاميا، واستخدام كلمة « ثنّاه » لا تعني في الاستعمال القرآني والحديثي سوى معناها اللغوي وان بنى عليها المتأخرون المعاني الاصطلاحية، بل إن المعنى المصطلح لا يتحقق إلَّا بعد تحقق الاستعمال اللغوي.

ونعم ما أجاب عن ذلك السيد الشهرستاني بقوله: « إنّ المتأخر أخذ عن المتقدّم، لأن المتأخّر نسب إلى المتقدم، وبيان ذلك: انّ علماء الإسلام المتأخرين إنما توسعوا في علومهم بعد ما تعمّقوا في آيات التوحيد والمعارف القرآنية، وما وصل إليهم من خطب عليّ وكلماته في أبواب التوحيد وشؤون العالم الربوبي، حتى أن الحجاج ألقى على علماء التابعين يوما شبهة الجبر، فردّه كل منهم بكلام خاص انفرد به، فلما سألهم عن المأخذ قال كل منهم: إنّه أخذ ذلك عن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، فقال الحجاج: لقد جئتموها من عين صافية.

ولقد كان ابن عم رسول اللَّه يفيض على أبناء عصره ومصره بعلوم النبوّة ومعارف الدين العالية، إلَّا أنّ أكثرهم لم يكونوا ليفهموها، بل كانوا يحملون هاتيك الكلم الجامعة إلى من ولدوا بعدهم كما قيل: رب حامل فقه إلى من هو أفقه.

ونظير هذا آيات التوحيد والرؤية والكلام والعدل، تلك الآيات التي تدبر فيها حكماء الإسلام في القرون المتأخّرة وأظهروا معارفها العالية التي لم تخطر ببال أحد في عصر الصحابة.

وأوضح برهان لنا في المقام: وجود جمل في خطب نهج البلاغة تنطق بحركة الأرض، وتنطبق على أصول الهيئة الجديدة ومسائلها التي حدثت بعد الألف الهجري كقوله عليه السّلام في صفة الأرض: « فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها أو تسبخ بحملها » وقوله عليه السّلام: « وعدل حركتها بالراسيات من جلاميدها » وكلنا نعلم أن الرأي القائل بتحرّك الأرض مع سكونها الظاهر مستحدث من بعد ( غاليلة الإيطالي ) و ( كوبرنيك الألماني ) و ( نيوتن الإنجليزي )، ورأى ثبوت الحركات العشر للأرض متأخر عنهم جدا. وكل هذه الآراء حادثة بعد انتشار شروح نهج البلاغة، فضلا عن النهج الذي اشتهر أمره من قبلها، فهل يسوغ لامرىء ان يشك في تأليف نهج البلاغة وشروحه بحجّة أنها مشتملة على مسائل الهيئة المتأخرة عن الألف الهجري » [١٣].

وإلى ذلك يشير ابن أبي الحديد بقوله: « ان التوحيد والعدل والمباحث الشريفة الإلهية، ما عرفت إلَّا بكلام هذاالرجل [ الامام عليّ عليه السّلام ] وان كلام غيره من أكابر الصحابة لم يتضمّن شيئا من ذلك أصلا، ولا كانوا يتصوّرنه، ولو تصوّروه لذكروه، وهذه الفضيلة عندي من أعظم فضائله » [١٤].

الشبهة السادسة - الوصف الدقيق

قال الأستاذ زكي ما لفظه: « من بواعث الشك فيه الوصف الدقيق، وأجل مظهر له خطبته في وصف الخفاش ووصف الطاووس ووصف النملة، ونحن  لا نكاد نفقه للشك في ذلك معنى، هاك وصف الخفاش وعدته أحد وعشرون سطرا، تأملَّه تجده مفتتحا بديباجة في حمد اللَّه الذي ينحسر الوصف عن كنه معرفته، ولا تبلغ العقول غاية ملكوته، وأنه خلق الخلق على غير تمثيل ولا معونة معين.. الخ، وهذه استغرقت ستة أسطر، ثم عرج على وصف الخفاش - وننبهك إلى أنّ وصف الخفاش أو غيره ليس مقصودا لذاته وانما هو لبيان حكمة القدير العليم وكمال مقدرته - وبتأمله ترى تسعة أسطر منه ونصف سطر تدور معانيها على محور واحد، خلاصته أنها تسدل جفونها بالنهار على أحداقها وتجعل الليل سراجا تستدل به في التماس أرزاقها، وتعجّب من أن تعشى أعينها عن أن تستمدّ من الشمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها. ثم أربعة أسطر ونصف سطر في أن اللَّه جعل لها أجنحة رقيقة من لحمها غير ذوات ريش ولا قصب تطير بها، وأنها تطير وولدها لاسق بها لاجيء إليها لا يفارقها حتى تشتد أركانه، ثم السطر الختامي في تسبيح الباري الخالق لكل شيء على غير مثال.

هذا وصفه للخفاش - وقد تعمّدنا أن نسوق لك العبارات السالفة مقتبسة منه بنصها - فهل ترى بعد هذا الوصف دقيقا، وهل تجد فيه من النظر الفلسفي والتشريح الطبي ما يبعث على تصوّر الدقة فيه، وهل فيه دقائق من المعاني والأفكار التي لا يرتقي إليها إلَّا العقول السامية وقد ذكر مثل ذلك في النملة، وممّا قال: إنها تنقل الحب إلى جحرها وتجمع في حرّها لبردها، وإنها لا يغفلها المنان ولو في الصفا اليابس والحجر الجامس، وإنك لو فكَّرت في مجاري أكلها وما في الجوف من شراسيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها لقضيت من خلقتها عجبا ولقيت من وصفها تعبا ».

وقد أنصف الأستاذ زكي حيث قال في ردّ هذه الشبهة ما لفظه: « وأخالك بعد إجالة النظر في هذا الوصف تحكم أنه لا أثر للدقة فيه، وإنما هو في الواقع مقال وعظي تذكيري وليس من الوصف العلمي في شيء، وكأني بهم يعنون بالدقة ما ورد فيه من قوله: « وما في الجوف من شراسيف بطنها » ونحن نقول: إنّه يرمي بذلك أنك إذا قستها بغيرها من الحيوان الذي تتبين أجزاء أجهزته المكوّنة لجسمه في وضوح وتميّز عجبت كيف احتواها جسمها الضئيل الدقيق، وهو يروم أن يخلص من ذلك إلى إعظام خالقها اللطيف القدير.

أما ما ورد في كلامه من السجع فليس ببدع أن يسجع علي، وقد جاء فيه سجع مقبول متّسق لا يستوحش منه، وأنت إذا تأملت خطب الجاهلية ألفيت كثيرا منها مسجوعا، ولو أننا جارينا القائلين بأن مقدارا وافرا منها سبك في صدر الإسلام لكان ذلك حجة، على أنّ الكتّاب كانوا - قبل عصر الشريف الرضي - ينزعون إلى التسجيع، والقرآن الكريم - وان كان نثره خارجا عن أن يوصف بسجع أو إرسال - لا يخلو في الواقع من هذه الحلية، وقد تبنى آيات وفيرة العدد بل سورة طويلة كاملة على قافية واحدة - انظر سورة مريم والقمر والرحمن والدهر - وكذلك ورد السجع في كلام الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله. على أني أخالك تسلَّم معي بأن الخطب المسجوعة - سجعا غير متنافر - لها رنين في قرارة النفس يهزّ الأفئدة ويأخذ بمجامع الألباب، وأنّ لها نصف تأثير الشعر - إذ توافر فيها أحد شرطية - وعلي في خطبه يبغي أن يلين القناة الجامدة ويجمع الأهواء الشاردة ويستهوي الأفئدة المستعصية.

على أننا مع هذا كلَّه لا نطمئنّ إلى جميع ما ورد في النهج من كلام مسجّع، ولا نرتاح إلى الثقة به ثقة مطلقة » [١٥] ثم ذكر موارد السجع في الخطبة الغرّاء وغيرها.

وغريب جدا ما في ذيل كلامه، فإذا كان الكتّاب قبل عصر الشريف الرضي ينزعون إلى السجع وأنّ القرآن الكريم لا يخلو في الواقع من هذه الحلية في آيات وفيرة العدد - كما صرح - بأن سورة طويلة كاملة على قافية واحدة - إذا لماذا لا نطمئنّ إلى الكلام المسجّع في النهج وهل يمكن القول بهذا - نعوذ باللَّه - في القرآن الكريم مع أنّ منابع الثقافة والفكر للإمام عليّ وغيره من الصحابة كان هو القرآن الكريم، وماذا بعد وجود الحجة إلَّا الظن الذي لا يسانده حجة.

ثم قال الأستاذ زكي: « ولا يسبقنّ إلى ذهنك من دفعنا بعض هذه الشبه أنّا نروم أن نثبت للامام كلّ ما ورد في نهج البلاغة بحذافيره ونقطع بصحة اسناده إليه قطعا، لا بل أننا نعتقد أنه لا يخلو من الدخيل كما بيّنا لك » [١٦].

وزاد قائلا: « واننا نسوّغ لأنفسنا أن نقول: من الجائز أن يكون بعض غلاة الشيعة قبل الشريف الرضي قد دسوّا على الإمام بعض الخطب أو زادوا فيها ما ليس وقد كان العراق عشّا للشيعة » [١٧].

وغريب جدا هذا النوع من الاستدلال بالشك والتهمة واعتبارهما حجّة، إذ أنّ للقاريء المنصف أنّ يسوّغ لنفسه ذلك ويقول: من الجائز أن لا يكون الرواة قد دسّوا على الإمام في شيء من الخطب، وأن لم يزيدوا فيها شيئا، وقد كان العراق عشّا للشيعة حيث عاش الإمام فيهم وهم أعرف به وبخطبه من غيرهم، ومن هنا انفردوا بالرواية عنه والإكثار، دون غيرهم ممّن لم يعش مع الإمام في حياته العامة، ولم يشارك بعد في حروبه ولم يؤيده في موافقه ومن لم يسر على خطاه بعد وفاته، ولم يعن بتراثه كمثل أعلى في حياته. فالشبهات في نفسها لا تقوم حجة، وقد عرفت أنّ مبعث الشكوك إنّما هو الاختلاف في العقيدة والمذهب أو احتمالات مجرّدة عن الدليل، وليس شيء من الأمرين حجة لمن أنصف في البحث.

الشبهة السابعة - الإخبار بالغيب

وبعد الأستاذ أحمد زكي كرّر هذه الشبهات كلها أو بعضها كثير من الكتاب، وإليك بعض ما انفرد به بعض من تأخر عنه.

قال عباس محمود العقاد في العبقريات الإسلامية ما نصه: « ومن المحقق الذي لا خلجة فيه من الشك عندنا أن  النبوءات التي جاءت في نهج البلاغة عن الحجاج بن يوسف وفتنة الزنج وغارات التتار وما إليها، هي من مدخول الكلام عليه، ومما أضافه النساخ إلى الكتاب بعد وقوع تلك الحوادث بزمن قصير أو طويل.

ولا نجزم مثل هذا الجزم في أمر المقامات التي خلت من بعض الحروف، لأنّ العقل لا يمنعها قطعا كما يمنع استطلاع الغيب المفصل من أزياج النجوم، ولكنا نستبعد جدا أن تكون هذه المقامات من كلام الإمام لاختلاف الأسلوب واختلاف الزمن وحاجة النسبة هنا إلى سند أقوى من السند الميسر لنا بكثير » [١٨].

قد أشار إليها وأجاب عنها سيدنا الشهرستاني، ونكتفي بقوله حيث أتى بالحق الواضح، فقال: « إنّ المجموع من خطبه عليه السّلام يتضمّن أنباء غيبية وأخبار الملاحم والفتن مما يختص علمه باللَّه وحده. والجواب عنها: أن الغيب يختص علمه باللَّه سبحانه ومن ارتضاهم من أنبيائه وأوليائه، وكم حوت السنّة النبوية أنباء غيبية وأخبارا عن الملاحم والفتن، وما ذلك عن النبي الكريم إلَّا بوحي من ربه العليم الخبير، كذلك لا ينطق ابن عمه وربيب حجره وصاحب سره في الملاحم والخفايا إلَّا بخبر عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ولقد قيل له عليه السّلام: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب فأجاب عليه السّلام: « ليس هو بعلم غيب وإنما تعلَّم من ذي علم » ولا غرو فقد ثبت عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله فيه أنه قال: « أنا مدينة العلم وعليّ بابها ».

وقول عليّ عليه السّلام: « لقد علَّمني رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ألف باب من العلم يفتح من كل باب ألف باب ».

فمن اختص من مهبط الوحي ومدينة العلم بمثل هذا الاختصاص لا يستغرب منه أن يملأ الكتب من أسرار الكائنات وكامنات الحوادث، ولنعتزل عن خطبه المروية في النهج ونسلك آثاره المتواترة في التاريخ، فقد روى عنه المؤرخون كالمسعودي في مروج الذهب وابن أبي الحديد في شرح النهج وابن بطة في الإبانة وأبي داود في السنن وغيرهم في غيرها إنّه تنبأ بمصير الخوارج حينما أخبره الناس بأنهم عبروا النهر، قال عليه السّلام: « لا يفلت منهم عشرة، ولا يقتل منا عشرة » فكان الأمر كذلك. واستفاض عنه الخبر بمقتله وإنه سوف يخضب أشقاها هذه من هذه - وأشار بيده إلى لحيته وجبهته - وكان إذا رأى ابن ملجم قال:

أريد حياته ويريد قتلي ***** عذيرك من خليلك من مراد

واستفاضت أنباؤه في توسّع ملك بني أمية وبني العباس، وخبره بمقتل الحسين في كربلاء » [١٩].

الشبهة الثامنة - العلاقة بين الإنشاء والقلم

قال احسان عباس: « ومن قرأ الخطب التي ثبتت نسبتها للإمام عليّ، استطاع أن يميّزها بأسلوب قائم على الإيجاز الشديد والقوّة المتدافعة والحدّة المنفعلة، ووجد فيها استئنافا كثيرا، وتقطَّعا لا يطول معه أمد النّفس، وتلويحا يلحق كثيرا من أقواله بالأمثال الموجزة، بينما يجد في نوع آخر من الخطب تسلسلا منطقيا قائما على العلاقة بين الإنشاء والقلم، وترابطا بين أجزاء الجملة، وإكثارا من الاستعارات، وطولا في الكلّ والجزء لا يتلاءم وطبيعة الرواية الشفوية، مما يجعلنا نخالف ابن أبي الحديد في أن النهج نسق واحد ونفس واحد » [٢٠].

ونقف معه في نقطتين، أولا: في فهمه كلام ابن أبي الحديد: فقد مثّل ابن أبي الحديد نظم النهج في منبعه ومنهجه وأسلوبه بالقرآن الذي أوله كأوسطه وأوسطه كآخره، وهذا لا يعني توافق الأول والأوسط بالطول والقصر والإيجاز والتفصيل وما شابه، فإنّ السور القصار تختلف عن السور الطوال في كل ذلك، ولكنه تنظير بوحدة القرآن منبعا ومنهجا وأسلوبا وغاية.

ثانيا: ان الخطب ككلّ المحاورات البشرية تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وحالات المتكلَّم وكذلك حالات المخاطبين، فكل حالة تقتضي أسلوبا خاصا، فلا فيمكن أن يكون أسلوب الخطبة في صلاة الجمعة نفس الأسلوب في التعبئة العامة للحرب، وحتى في الحرب، فانّ الخطب لمقدمات الحرب تختلف في الأسلوب عن الخطب عند المواجهة العسكرية، وهذه الحالات كلَّها تختلف عن خطبه بين الأصحاب حيث لا حرب ولا ضراب، فمن الطبيعي أن نجد الايجاز الشديد في بعضها والتسلسل المنطقي في آخر، وإنّي لأرى أنّه لو كانت الخطب على نسق واحد لكانت مبعثا للشك والتصنّع دون ما هي عليه الحال، ونظرة عابرة إلى الفترات الزمنية لهذه الخطب تكشف عن اختلاف الحالات النفسية فيها:

١ - المناسبات الدينية كالعيد والجمعة والاستقساء ٤: ٣، ٧: ٢٢١، ٨: ٢٤٤.

٢ - المناسبات السياسية في الشورى ١: ١٦٢ و ١٨٤ و ١٩٧، ٣: ٣٤.

٣-  التعبئة للحرب في معركة الجمل ٣: ١١٣.

٤-  ساحة الحرب في صفين ٣: ١٥٠.

٥-  ساحة الحرب في النهروان ٢: ٢٦٥، ٣: ١٧٢.

الشبهة التاسعة - الأعداد والتقاسيم المتوازية

وذهب فؤاد أفرام البستاني إلى الشك من جهة طريقة الأعداد والتقاسم المتوازية، وقال ما لفظه: « بيد أنّا نرى سببا جديدا يدفعنا إلى الشك في بعض مقاطع حكمية وتفسيرية من التي تدخل فيها الأعداد والتقاسيم المتوازية، المتشعبّة، المتّفقة عددا كقوله: « الاستغفار على ستة معان » و « الايمان على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد. والصبر منها على أربع شعب... الخ » بتقسيم كل دعامة إلى أربع شعب، وكذلك الكفر وتقسيمه إلى اربع دعائم، والشك إلى أربع شعب، وغير ذلك. فإنّ استعمال الطريقة العددية في الشروح، وتقسيم الفضائل أو الرذائل على أسلوبها، لا نراه في الآداب الجاهلية، بل لا نكاد نعرفه في الأدب الإسلامي إلَّا بعد ظهور كتاب « كليلة ودمنة » المعرّب. وإذا علمنا أنّ إدخال الأعداد في الحكمة الأخلاقية، وفي ترتيب المجرّدات والمعقولات، له الدور المهم في المذاهب المتشعبّة عن الطريقة الفيثاغورية  أو الأفلاطونية الحديثة، وإذا علمنا أن العرب لم يعرفوا هذه الفلسفة إلَّا بترجمة كتب اليونان في العصر العباسي الأول، وإذا علمنا أنّ الشريف الرضي كان من الحكماء الأجلاء، والعلماء المعروفين، وانه عاش في العصر العباسي الثالث، ساغ لنا هذا الشك » [٢١].

وهذه الشبهة تقوم على خلط أمرين:

الأول: اختصاص طريقة الاعداد بشعب من الشعوب دون آخر.

الثاني: كليّة طريقة الاعداد في بعض الشعوب دون بعض، فدعوى الاختصاص يستلزم حصر التفكير في طائفة من البشر وسلبها عن غيرهم، ولا نظن أحدا يقول بذلك.

وأمّا غلبة اتباع طريقة خاصة وأسلوب خاص في التفكير والعبادات فأمر واقع.

وطريقة الاعداد المستعملة في نهج البلاغة ليست غالبة، بل هي في موارد لا تتعدى رؤوس الأصابع.

وقد حصلت بالفعل هذه الطريقة في الحضارات الأخرى كالهند والفرس، وكليلة ودمنة خير شاهد لذلك، وكذلك في الأحاديث النبويّة، بل لكل مفكَّر يريد أن يسرد الأسباب والنتائج ان ينظَّمها في تفكيره مترتبة بالاعداد وإن لم يذكرها بالأرقام، فإنّ التفكير في إطار الأرقام ليس حصرا على أمة خاصة، بل يعم كلّ المفكرين من البشر.

وقد جاء الاهتمام بالعدد في القرآن الكريم في قصة ميعاد موسى بثلاثين ليلة واتمامها * ( بعشر فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلة ) *.

كما جاءت المواعظ النبوية معتمدة على التقسيم العددي من الآحاد والعشرات، وخاصة الأربعين حديثا [٢٢].

وقد جمع الأحاديث العددية الشيخ أبو جعفر محمد بن علي الصدوق ( ت / ٣٨١ ه‍ ) في تأليف مفرد بعنوان « الخصال » طبع في النجف الأشرف سنة ١٣٩١ ه‍.

كما جمع السيد محمد بن محمد بن الحسن الحسيني العيناثي ( ت / ١٠٦٨ ح ) الأحاديث العددية من الآحاد والعشرات عن النبيّ والأئمة وغيرهم في كتاب « الاثني عشرية في المواعظ العددية » وطبع في سنة ١٣٢٢ ه‍.

ثم جاء المتأخرون من المحدّثين وتجاوزوا التقسيم العددي إلى المئات والألوف، واقتبس ذلك العلماء وكتبوا الألفية في النحو والفقه، منها الألفية في النحو لمحمد بن مالك الجياني، والألفية في الفقه لمحمد بن مكي الشهيد الأول.

ومن ذلك يظهر بوضوح أن الاهتمام بالنظام العددي - بصورة بدائية - كان في القرآن الكريم والأحاديث النبوية ثم تطوّر حسب تطوّر الثقافة حتى العصور المتأخرة، ككل الأفكار الانسانية التي تتطوّر بتطوّر الحاجة والضرورة.

ولا يمكن للمنصف أن ينكر توافق الآراء في شيء أو أسلوب، ولا يمكن القول بالاقتباس إلَّا فيما إذا كثر ذلك في الأسلوب المتأخر، وليس الأمر كذلك في النهج، فان التقسيم العددي قليل بالنسبة إلى غيره من الأساليب مع أن المواعظ العددية في تراث النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله كثيرة.

الشبهة العاشرة - طابع الصنعة

وممن نقل عنه التشكيك في نهج البلاغة طه حسين، فقد نقل عنه سكر تيره د. محمد الدسوقي ما لفظه: « رأيه في كتاب « نهج البلاغة »: ويرى العميد أن كتاب نهج البلاغة ليس كله للإمام علي كرم اللَّه وجهه، فالنصوص المنسوبة للإمام عليّ في هذا الكتاب يغلب عليها طابع الصنعة، وما كان الإمام يخطب الأمر بخلا [ هنا تصحيف، والصحيح: مرتجلا ] كعادة العرب جميعا، ويقول العميد: ان في بعض كتب التاريخ مثل الطبري والبلاذري خطبا للإمام علي، وهذه يمكن قبولها وصحة نسبتها إليه، ثم أليس من الغريب أن تكون الأحاديث قد رويت بالمعنى والمسلمون أحرص عليها من أي كلام آخر، ويقال بعد ذلك: إن هذه الخطب المنمّقة للإمام عليّ، فضلا عن شيوع كلمات في هذا الكتاب لم تظهر إلَّا في زمن المتكلَّمين، والذي أرجحه أنّ نهج البلاغة من تأليف الشريف الرضي، والمغفل هو ابن أبي الحديد، لأنّه يعتقد أنّ ما يشرحه خطب للإمام علي، ولذلك يتكلَّف في شرحه ويستطرد استطرادات لا معنى لها » [٢٣].

وأقل ما يقال في هذا القول: التسرّع إلى الحكم من دون نظرة فاحصة إلى أسلوب الرضي في جمع نهج البلاغة، ولو كان صادرا عن متعصّب لكان التعصب عذرا له، دون رجل علماني يتّخذ الموضوعية في البحث شعارا، ويمكن تلخيص كلامه في النقاط التالية:

١ - ان ما رواه مثل الطبري والبلاذري يمكن قبوله والقول بصحة نسبته إليه.

٢ - ان الأحاديث قد رويت بالمعنى والمسلمون أحرص عليها من اي كلام آخر.

٣ - شيوع كلمات في هذا الكتاب لم تظهر إلَّا في زمن المتكلمين.

والتعليق على هذه النقاط باختصار:

١ - ان مثل الطبري والبلاذري يمثلان محرّرا الأخبار في العهد الأموي والحكم العباسي، ولا يمثلان وجهة النظر الشيعية التي كانت تعتبر أقلَّية، فكيف يعتمد عليهما في هذا المجال ويعتبر الحكم القائم ممثلا للأقلية المحكومة

٢ - ان الأحاديث فيها ما رويت بالمعنى، وهي الأكثر، وفيها ما رويت بالنص وخاصة الخطب والرسائل والحكم، فإنّها انما تعمل لأجل أن تنقل من الحاضر للغائب، والحرص على النص فيها أكثر من غيرها.

٣ - ان شيوع كلمات بمعانيها الاصطلاحية في عصر متأخّر لا يستلزم عدم استعمالها في عصر متقدم بمعانيها اللغوية، بل إن المصطلحات لا تتحقق إلَّا مع سبق استعمالها في اللغة.

٤ - أضف إلى ذلك: ان كلّ مؤلف يأخذ القلم بيده ليكتب لابد وان ينظر إلى غاية تأليفه، وقد صرّح الرضي أنّ غايته هي جمع المختار من بليغ آثار الإمام عليه السّلام من خطب ورسائل وحكم، فلم يكن هدفه الاسناد ولا بيان حال الرواة، بل دفعه إلى هذا الهدف ما اختص به من ذوق أدبي ساد عصره ومحفله، وبالمقارنة إلى ما تيسّر من مصادره نجد أنّه قد اقتطع مقاطع من خطبة طويلة ارتجلها الإمام واقتصر على ما رآه بليغا، ولم يذكر الخطبة بكاملها، لأنه لم يجد في غيرها من المقاطع التي اختارها الوصف الذي أراد. وهذا الأسلوب قد خفي على كثير من النقاد والمشككين.

وسيأتي في أسلوب الجمع في شرح الخطبة: أنّ الشريف الرضي كان يلتقط من كلام أمير المؤمنين خصوص الجمل والمقاطع التي يراها جديرة بأن تكون نهجا للبلاغة، دون غيرها من الجمل والمقاطع، فراجع. والجهل بأسلوب الرضي هذا أدّى إلى هذه الشبهة، فراجع.

واكتفي بهذه الشبهة وحلولها لمن أنصف. وبالجملة: لم يستند هؤلاء في نقد نهج البلاغة سوى الظن والتخمين، وهذا لا يغني عن الحق شيئا، وكأنّ كل موارد الخلاف في العقيدة أصبحت شبهة حول نهج البلاغة، وقد أنصف ابن أبي الحديد المعتزلي بقوله: « كثير من أرباب الهوى يقولون: إنّ كثيرا من نهج البلاغة كلام محدث، صنعه قوم من فصحاء الشيعة، وربما عزوا بعضه إلى الرضي أبي الحسن وغيره، وهؤلاء قوم أعمت العصبيّة أعينهم، فضلَّوا عن النهج الواضح وركبوا بنيّات الطريق، ضلاله وقلة معرفة بأساليب الكلام - وبعد تفصيل قال: - لأنّا متى فتحنا هذا الباب، وسلَّطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو، لم نثق بصحة كلام منقول عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله أبدا، وساغ لطاعن أن يطعن ويقول: هذا الخبر منحول، وهذا الكلام مصنوع، وكذلك ما نقل عن أبي بكر وعمر من الكلام والخطب والمواعظ والأدب وغير ذلك، وكل أمر جعله هذا الطاعن مستندا له فيما يرويه عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله والأئمة الراشدين والصحابة والتابعين والشعراء والمترسلين، والخطباء، فلناصري أمير المؤمنين عليه السّلام ان يستندوا إلى مثله فيما يروونه عنه من نهج البلاغة وغيره، وهذا واضح » [٢٤].

وقد استنتج إمتياز علي عرشي من كلام ابن أبي الحديد المتقدم استنتاجا غريبا، حيث عقّبه بقوله: « ويظهر مما سبق ان كثيرا من علماء القرن السادس الهجري كانوا يزعمون أن معظم ما في نهج البلاغة لا يصح اسناده إلى علي بن أبي طالب، وإنّما ألَّفه قوم من فصحاء الشيعة منهم السيد الرضي » [٢٥].

قال الجلالي: وهو استنتاج غريب، ويظهر أنّ الأستاذ فهم أنّ كلمة ( أرباب الهوى ) ترادف كلمة ( العلماء )، وهل يصح أن يقال بأنّ كل العلماء أرباب الهوى، كلا، إنّ ما ينقله ابن أبي الحديد إنما هو عن كثير من ( أرباب الهوى ) لا كلَّهم، ثمّ إنّه ليس جميع العلماء أرباب الهوى، فيصح أن يخصّ استنتاج الأستاذ العرشي ( انّ كثيرا من علماء القرن السادس ) ويكون الصحيح ان يقول: « انّ قليلا من علماء القرن... الخ ».

وقد أنصف حديثا الدكتور زكي مبارك في « نهج البلاغة » وفي « عبقرية الشريف الرضي » بعد أنّ ذكر كلامه، وبطوله راعى جانب الحق ودرس الموضوع في منأى من العصبية المذهبية، فقال: « عندنا في هذا المقام مشكلتان: الأولى: عبقرية علي بن أبي طالب، عبقريته الخطابية والانشائية. والثانية: ضمير الشريف الرضي.

وتحدّث في كتاب « عبقرية الشريف الرضي » عن المشكلتين، فقال: « فقد كان معروفا أنّ ابن أبي طالب له مجموعة من الخطب تحدّث عنها الجاحظ في مطلع القرن الثالث، وهل يعقل أن تضيع آثار ابن أبي طالب ضياعا مطلقا وكان في زمانه وبشهادة خصومه من أفصح الخطباء، فأين ذهبت آثاره في الخطابة والإنشاء وهل يعقل أن تضيع آثاره وحوله أشياع يحفظون كلّ ما ينسب إليه هل يعقل أن يحفظ الناس أشعار العابثين والماجنين من أهل العصر الأموي وينسوا آثار خطيب قتل بسيفه ألوف من أبطال الحروب ومن الذي يتصوّر أن الذاكرة العربية تحفظ أشعار النصارى واليهود وتنسى خطب الرجل الذي غسل بدمه في يوم من أيام الفتن العمياء وإذا جاز أن يحفظ الناس ما دسّه المغرضون على أمير المؤمنين فكيف يجوز ان ينسوا ما نسب إليه على وجه صحيح - إلى أن قال -: أما ضمير الشريف الرضي فهو عندي فوق الشبهات، وهو خدم التشيع بالصدق لا بالافتراء، فإن كان جمع آثار علي بن أبي طالب خدمة سياسية لمذهب التشيع فهو ذلك، ولكنها خدمة أديب بأسلوب مقبول، هو إبراز آثار أمير المؤمنين، ولا يعاب على الرجل أن يخدم مذهبه السياسي بجميع الوسائل والأساليب ما دام في حدود العقل والذوق » [٢٦].

أمّا اعلام الشيعة: فقد أوضحوا موقفهم تجاه نهج البلاغة بما لا يختلف عن الروايات التي تحفظ بها كتب الحديث والتأريخ والأدب. قال شيخنا الشهرستاني: « الخطب والكتب والكلم المرويات في نهج البلاغة حالها كحال الخطب المروية عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله التي بعضها متواتر قطعيّ الصدور، وبعضها غير متواتر فهو ظنيّ السند لا نحكم عليه بالانتحال والافتعال إلَّا بعد قيام الدليل العلمي على كذبه، كما اننا لا نحكم بصحته جزما إلَّا بعد قيام الدليل، ومن أسند غير هذا إلينا فقد افترى علينا » [٢٧].

وقال الهادي كاشف الغطاء: « والخلاصة أنّ اعتقادنا في كتاب نهج البلاغة أنّ جميع ما فيه من الخطب والكتب والوصايا والحكم والآداب حاله كحال ما روي عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وعن أهل بيته في جوامع الأخبار الصحيحة وفي الكتب الدينية المعتمدة، وان منه ما هو قطعي الصدور، ومنه ما يدخله أقسام الحديث المعروفة » [٢٨].

------------------------------------------------------------
[١] . مروج الذهب ٢ : ٣٦ ، و ٢ : ٤٣١ .
[٢] . الاستيعاب ٣ : ١١١١ ، تحقيق علي محمد البجاوي .
[٣] . أسد الغابة ٤ : ١٦ .
[٤] . الغدير ٤ : ١٨٦ .
[٥] . إجازة المرعشي : ١٦٢ .
[٦] . راجع : علي بن أبي طالب : ١٢٢ - ١٦١ ، طبعة مطبعة العلوم ، سنة ١٢٣٢ ه‍ .
[٧] . ترجمة علي بن أبي طالب : ١٢٣ . وانظر مروج الذهب ٢ : ٣٣ .
[٨] . ترجمة علي بن أبي طالب : ١٢٨ .
[٩] . ترجمة علي بن أبي طالب : ٢٢٩ - ٢٣١ .
[١٠] . ما هو نهج البلاغة : ٥٢ .
[١١] . ترجمة علي بن أبي طالب : ١٣٤ - ١٣٥ . وانظر شرح ابن الحديد ١ : ٢٠٦ .
[١٢] . ترجمة علي بن أبي طالب : ١٤٣ - ١٤٥ .
[١٣] . ما هو نهج البلاغة : ٥٩ .
[١٤] . شرح ابن أبي الحديد ٢ : ١٢٠ .
[١٥] . ترجمة علي بن أبي طالب : ١٥٠ - ١٥٢ .
[١٦] . مشيرا إلى الشبهات : ٣ - ٦ ، وانظر ترجمة علي بن أبي طالب : ١٥٦ .
[١٧] . ترجمة علي بن أبي طالب : ١٥٨ .
[١٨] . العبقريات الإسلامية : ٧٥٢ .
[١٩] . ما هو نهج البلاغة : ٥٥ ، وراجع ص ٢٠٨ من المجلد الأول من شرح ابن أبي الحديد على النهج ، ففيه جمهرة من الروايات في إخباره عليه السّلام عن المغيبات ، وكذا ص ٤٢٥ منه .
[٢٠] . الشريف الرضي : ٥٧ .
[٢١] . الروائع ، لفؤاد افرام البستاني : ٣٢ .
[٢٢] . راجع الذريعة ١ : ٤٠٩ - ٤٣٦ ، طبعة النجف سنة ١٣٥٥ ه‍ .
[٢٣] . نقل ذلك د . سلمان هادي طعمة في مقاله : « تأثير نهج البلاغة » المنشور في مجلة العرفان ص ٥٢٣ نقلا عن مجلة العربي الكويتية ، العدد ٢٠٧ ، في مقال بعنوان « تعليقات وأقوال مأثورة لطه حسين » بقلم د . دسوقي العدد ٢٠٧ ( صفر ١٣٩٦ شباط ١٩٧٦ ) .
[٢٤] . شرح نهج البلاغة : ١٠ : ١٢٨ - ١٢٩ .
[٢٥] . استناد نهج البلاغة : ٣ .
[٢٦] . عبقرية الشريف الرضي ١ : ٢٢١ .
[٢٧] . ما هو نهج البلاغة : ٥١ .
[٢٨] . عبقرية الشريف الرضي ١ : ٢٢١ .
****************************