وقال (عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.                
وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.                
وقال (عليه السلام): إِذَا وَصَلَتْ إِليْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلاَ تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ .                
وقال (عليه السلام): الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجزِ.                
وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.                
وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .                
وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ .                

Search form

إرسال الی صدیق
فن التشبيه في بلاغة أمير المؤمنين عليه السلام

بقلم : الدكتور كشاورز *

التشبیه هو فن من الفنون الكلامیة التي تشكل في البیان العربي عنصرا أساسیا من عناصر الإبداع في عملیة التركیب الجملي- فنجد إن المعنى القصدي للمبدع داخل النتاج لا یتم إلا به...  

یقول الإمام علی(ع ):{فَمَا رَاعَنِي إلا والنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيّ یَنْثَالُونَ عَلَيّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ}. وعرف الضبع: ما كثر على عنقها من الشعر، وهو ثخین یضرب به المثل في الكثرة والازدحام. وینثالون: أي یتتابعون مزدحمین.. فنجد إن بلاغة سید البلغاء أمیر المؤمنین (ع) لا یقصد بها العمل التشبیهي، كغایة منشودة. بل هي وسیلة من الوسائل البلاغیة التي یتم عبرها التوصیل، فتبنى على ضرورة الصیاغة والتركیب.

فالتمیز حق مشروع یدیم التأمل فيه، ویعطي حصانة إبداعیة لعدم التجني یوما على خصوصیات الكتابة عند المبدع، وهذا یعني إن مثل هذه الوسائط اللغویة، صارت عنوانا بارزا من عناوین بلاغة سید الأوصیاء(ع) فهو یقول: (حَتى لَقَدْ وُطِئَ الحَسَنَانِ وشُقَّ عِطْفَاي مُجْتَمِعِینَ حَوْلِي كَرَبِیضَةِ الْغَنَمِ) وشق عطفاه تعني: خدش جانباه من الاصطكاك ـ وكان هذا من الازدحام لأجل البیعة على الخلافة. وربیضة الغنم ـ الطائفة الرابضة من الغنم - یصف ازدحامهم حوله، وجثومهم بین یدیه.

ولو تأملنا داخل هذا المسعى البلاغي، لوجدنا إن التشبیه یمنح النتاج روعة واستقامة كقوله (ع): (ولالْفيتُمْ دُنْیَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ) وعفطة العنز: ما تنثره من انفها كالعفطة، ویستعمل ذلك في النعجة، ویقال: إنها نفطة. وتقول العرب: ماله عافط ولا نافط، أي لا نعجة عنده ولا عنز...

ویحاول الإمام علي (ع) السعي لتقریب المفاهیم المعروضة، من خلال سعي توصیلي الى الاستشهاد بالمعالم والمشخصات القریبة لنفسیة المجتمع العربي، والذي مثلما هو معروف مجتمع منصهر في الأرض وما تحتویه فيقول الإمام علي علیه السلام مشبها: (كَالزَّارِعِ بِغَیْرِ أَرْضِهِ) فيشیر الإمام (ع) إلى إن الوقت الذي كان في زمن السقیفة لم یكن مناسبا لیطالب بحقه فلو نهض إلیها كان كما الزارع بغیر أرضه لا ینتفع بما زرع.

والسعي التشبیهي عموما یمثل صورة شعریة لها مؤولاتها وشرحها وتفسیرها القریب لنفسیة المجتمع، ویعتبر أساسا احتواء شعوریة المتلقی.. كقوله: (وَالله لا أَكُونُ كَالضَّبُعِ تَنَامُ عَلَى طُولِ اللَّدْمِ) واللدم كان معروفا عند العرب: هو الضرب بشیء ثقیل یسمع صوته.

ویروی لنا الرواة: أن صائد الضبع كان عند العرب یضرب بعقبیه الأرض عند باب حجرها ضربا غیر شدید ـ وذلك هو اللدم ویكرر أصوات یعرفها العرب مثل خامري أم عامر) بصوت ضعیف مرارا فتنام الضبع ویجعل عرقوبها حبلا ویجرها فيخرجها.

والتشبیه كمسعى بلاغي یعني تكییف النص الأدبي نحو المعنى، ومنها تظهر سیطرة المبدع الحقیقي على سیر العملیة الإبداعیة.

وعند الإمام علیه السلام وجدنا خصوصیة تحرك الرأي الخاص المبثوث عبر تلك التشابیه تأخذ عدة مناحي مهمة، ومنها التأویلیة الخاصة والتي كانت تشكل أحیانا نبؤات بحالات معینة مثل قوله علیه السلام في إحدى خطبه لأهل البصرة: (وایْمُ الله لَتَغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَسْجِدِهَا كَجُؤْجُؤِ سَفينَةٍ أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ) وفي قول آخر(كَجُؤْجُؤِ طَیْرٍ في لُجَّةِ بَحْرٍ) فالجؤجؤ: الصدر من السفينة أو الطیر أو أي شیء آخر. وجثم إذا وقع على صدره أو تلبد بالأرض.

وقد وقع ما أوعد به الإمام علي بن أبی طالب (ع) أمیر المؤمنین فقد غرقت البصرة إذ جاءها السیل من جزیرة فارس من جهة (جبل سنام) ولم یبقَ منها إلا مسجدها فلم یغرق...

وهناك محاكاة في الأمور المحسوسة والمماثلة في المدركات والمشاهد لكونها تشكل انتقالا من الأمور الذهنیة الصرفة الى مرتكز عیاني- كقوله علیه السلام: (أَلا وإِنَّ التَّقْوَى مَطَایَا ذُلُلٌ حُمِلَ عَلَیْهَا أَهْلُهَا وَأُعْطُوا أَزِمَّتَهَا فَأَوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ).

فالتقوى تحفظ النفس من كل ما ینكبها عن صراط الشریعة وصاحبها عن الجادة لا یزال حتى یوافق الغایة. والذلل: جمع ذلول وهي المطایا المروضة السلسة الانقیاد....

ومثل هذه المتقاربات ستنقل المتلقي الى عوالم أخرى یتصور من خلالها القصد الذي أسس علیه المقال البلاغي.. وتمتاز مثل هذه المقاربات كأدلة مبرهنة لا تحتاج إلى جهد عقلي في تصور المعروض، ولا تشكل عبئا على المتلقي ـ كقوله علیه السلام: (فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ في مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ لا یَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ) أي الجاهل بشیء لیس على بینة منه، فإذا انتبه عرضت له الشبهة في ثقته، وان نفاه عرضت له الشبهة في إثباته، فهو في ضعف حكمه في مثل نسج العنكبوت ضعفا ولا بصیرة له في وجوه الخطأ والإصابة، فإذا حكم لم یقطع بأنه مصیب أو مخطئ.

ویرى الشیخ محمد عبده وبعض علماء البلاغة إن الإمام علي (ع) قد استطاع في هذا التشبیه أن یعطي ابلغ ما یمكن من التعبیر عنه..

ونجد إن مثل هذه التشبیهات تتمیز بالسلاسة والسهولة أي لا عناء فيها لمن یقرأ ولا تكلف لمن كتب وتأتي بجمل تشبیهیة أقوى دلالة من المشبهات نفسها فيقول الإمام أبو الحسن علیه السلام: (لَمْ یَعَضَّ عَلَى الْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ).

ومن عادة عاجم العود أي مختبره لیعلم صلابة العود عن لینه أن یعضه، فلهذا ضرب المثل في الخبرة بالعض بضرس قاطع أي انه لم یأخذ العلم اختبارا بل تسول إلیه كما تسول الوهم وصول الجناة، ولم یقف على محض الخبرة لیتبین أهو حق أم باطل..

نجد إن التشبیهات تعطي تأثیرا أعمق من سواه من البلاغیات، ویحقق متعة اكبر أثناء القراءة- ویسعى إلى التجانس الكلي مع متلقیه والتقرب الى عوالمهم من خلال هذه المشبهات..

وجدنا أیضا إن أمثلة التشبیهات في المحور الخطابي في بلاغة الإمام علي (ع) كثیرة جدا لا یمكن احتواؤها في مقال ...

-----------------------------------------

* الدكتور حبيب كشاورز عضو الهيئة العلمية قسم اللغة والادب العربي – جامعة سمنان

****************************